الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قاعدة
في الصبر والشكر
(1)
ويسمَّى الليلُ "كافرًا"، كما قال ثعلبة بن [صُعَيْر]
(2)
:
* حتى إذا [ألقت] يدًا
(3)
في كافرٍ
(4)
*
كما يسمَّى الزارِعُ
(5)
"كافرًا"؛ لأنه يغطِّي الزَّرع بالتراب.
فكان الأمرُ بالإخراج من الظلمات إلى النور أمرًا بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان.
قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} إلى قوله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، ثم قال:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} إلى قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 35 - 40].
(1)
أول ما بين أيدينا من هذه القاعدة، وبيض الناسخ قبله بضعة أسطر.
(2)
ما بين المعقوفين بياض في الأصل. وهو ثعلبة بن صُعَير المازني، إلا أن البيت ليس له، بل للبيد بن ربيعة من معلقته، في ديوانه (316)، وعجزه:
* وأجنَّ عورات الثغور ظلامُها *
وقيل إنه أخذ معناه من قول ثعلبة:
* ألقت ذكاء يمينها في كافر *
ولولا أن البياض في الأصل بمقدار كلمة واحدة لرجحت احتمال سقوط بيت ثعلبة وذكر لبيد بعده، ولعله وهم من المصنف رحمه الله.
(3)
الأصل: "سرا". تحريف.
(4)
يعني بدأت الشمس في المغيب. "اللسان"(يدي).
(5)
الأصل: "الزراع"، فإن لم يكن للمفرد بصيغة المبالغة فهو من سهو الناسخ وانتقال ذهنه إلى لفظ الآية في سورة الفتح.
فذكر سبحانه مَثَلين
(1)
:
* مثَل الكفر المركَّب بالسَّراب الذي يحسبه الظمآن ماءً وليس كذلك. فهذا مثَلُ الاعتقاد الفاسد.
* والآخر الذي في الظلمات لا يَرى شيئًا. وهذا مثَلُ الجهل البسيط، كالحيرة والشكِّ والرَّيب الذي لا يعتقدُ صاحبُها شيئًا.
فالأول حالُ البدعة والدين الفاسد، كدين أهل الكتاب بعد التبديل والنسخ.
والثاني حالُ الزنادقة والمعطِّلة والمتفلسفة وأمثالهم ممن لم يحصل له علمٌ يعتقدُه، ومثل كثيرٍ من أهل الكلام والنظر الذين لم يحصل لهم إلا الحيرة والشكُّ.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].
والكتاب والإيمان نورٌ، وقد سمَّى الله ذلك نورًا في قوله:{وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} [الأعراف: 157]، وقوله:{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} الآية [المائدة: 15]، وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ
(1)
انظر: "بيان تلبيس الجهمية"(5/ 267)، و"درء التعارض"(1/ 169، 5/ 376، 7/ 285)، و"الرد على المنطقيين"(435)، و"الجواب الصحيح"(2/ 219)، و"الانتصار لأهل الأثر"(109)، و"جامع الرسائل"(2/ 37)، و"جامع المسائل"(1/ 134)، و"مجموع الفتاوى"(7/ 277، 10/ 101).
مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]، وقوله:{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 32].
وقال تعالى في حقِّ المؤمن والكافر: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122].
وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28]، وقال:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} الآية [البقرة: 257]، وقال تعالى:{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9].
وذكر تعالى في سورة الحديد
(1)
نورَ النبيِّ والذين آمنوا معه، وأن الله يُتِمُّ لهم نورَهم حين يَطْفى
(2)
نورُ المنافقين.
وذكر أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيها
(3)
، وفي سورة التحريم.
وذكر أن المنافقين انطفى نورُهم في الدنيا؛ فلهذا انطفى نورُهم في الآخرة؛ فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى في حقِّ المنافقين:
(1)
الآية (12 - 13).
(2)
الضبط وترك الهمز من الأصل، وهي لغة، وكذلك الفعل الآتي "انطفى". وكلاهما يرد في كتب شيخ الإسلام. انظر:"الجواب الصحيح"(5/ 158)، و"بيان تلبيس الجهمية"(2/ 477).
(3)
في سورة الحديد.
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} الآية [البقرة: 17].
وذكر لهم مثلًا آخر بالمطر الذي فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرق
(1)
؛ لأن الله يضرب مثَل الإيمان والقرآن بالنار تارةً، وبالماء أخرى؛ لأن الماء فيه الحياة والرطوبة، والنار فيها الإشراق والحرارة، وبهذا وهذا يحصل الإيمانُ في القلب، كما أنه بذلك ينبتُ الزَّرع في الأرض. والقلبُ مشبَّهٌ بالأرض، قال الله تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} الآية [الأنعام: 122]، ولهذا ذكر المثَلَين في قوله:{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} الآية [الرعد: 17]
(2)
.
فهو سبحانه ذكر أنه أنزل الكتابَ ليخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، وأمر موسى بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وأن يذكِّرهم بأيام الله، وقال:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، فإن أيامَ الله الأزمنةُ التي أحدَث فيها ما أحدَث من الآيات
(3)
، ولهذا قال:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية [إبراهيم: 5 - 6].
والبلاء أن يَبْلُوَ الربُّ عز وجل عبدَه بالسرَّاء والضرَّاء، ليختبره ويمتحنه، كما قال تعالى:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} [الأعراف: 168]، وقال:
(1)
سورة البقرة، الآية (19).
(2)
انظر: "درء التعارض"(3/ 186)، و"جامع المسائل"(6/ 75)، و"مجموع الفتاوى"(19/ 94).
(3)
الأصل: "الآية"، وضبب عليها الناسخ استشكالًا لها، والمثبت أشبه.
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].
فهذا البلاء العظيم
(1)
تضمَّن بلواهم بالضرَّاء أولًا، وبالسرَّاء ثانيًا، وذلك يستوجبُ الصبر والشُّكر، كما قال:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} .
وقد قال سليمان: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} الآية [النمل: 40]، هذا بعد أن ذكر قوله:{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} الآية [النمل: 19]، فلما رأى عرشَ بلقيس مستقرًّا عنده قال:{هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} الآية.
وقال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16]، فأخبر أن ذلك ليس إكرامًا ولا إهانة، وإنما ابتلاه ليَعْلَم المؤمنَ الصبورَ والشَّكورَ من غيره.
كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، وقال تعالى: {الَّذِي
(2)
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
وذكر تعالى قول موسى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
(1)
المذكور في الآية (6) من سورة إبراهيم.
(2)
الأصل: "هو الذي". وضبب الناسخ على "هو"، إذ ليست في الآية.
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، فبيَّن أن الكفر ضدُّ الشكر، وأن من لم يشكر نعمته فقد كفر؛ فهو من أهل الظلمات، والشاكرُ من أهل النور، وكذلك قال سليمان:{وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].
وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، فذكر أن الإنسان ظلومٌ كَفَّار، فلا يشكر نعمَه التي لا تحصى.
فبيَّن أن الشكر من النور والإيمان، وضدُّه من الظلمة والكفر، وذلك لأن الشكر أصلُه هو الاعترافُ بإنعام المُنعِم على وجه الخضوع، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلًا لها فهو في ظلمة الجهل، ومن عرفها ولم يعرف المُنعِم بها كان كذلك، ومن عرف النعمة والمُنعِم بها لكن جَحَدها كما يجحد المتكبِّرُ نعمة المُنعِم عليه فقد كَفَرها، وإن أقرَّ بها واعترف بها فهو أوَّل الشكر.
فلا بدَّ في ذلك من علم القلب وعملٍ يتبعُ العلم، وهو الميلُ إلى المُنعِم ومحبَّته والخضوع له، كما في الحديث الذي رواه البخاريُّ عن شدَّاد بن أوسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي"
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري (6306).
فإن قوله: "أبوء لك بنعمتك عليَّ" يتضمَّنُ الإقرار والإنابة إلى الله بالعبودية؛ لأن المَبَاءة هي ما يَبُوء إليها الشخص، أي يرجعُ إليها رجوعَ مستقِرٍّ
(1)
؛ فإن المَبَاءة هي المُستَقَرُّ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار"
(2)
، أي ليتَّخِذْ مقعدَه مباءةً، فيلزمُه ويستقرُّ فيه، ليس بمنزلة المنزل الذي ينزلُ به ويرحلُ عنه.
فالعبد يبوء إلى الله عز وجل بنعمه عليه، ويبوء بذنبه، فرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوعَ مطمئنٍّ إلى ربه منيبٍ إليه، ليس رجوع من أقبل إليه ثم أعرض عنه، بل رجوع من لا يُعرِض عن ربه، بل لا يزال مقبلًا عليه؛ إذ
(3)
كان لا بدَّ له منه، فهو معبودُه، وهو مستعانُه، لا صلاح له إلا بعبادته، وإن لم يكن معبودَه هَلَك وفَسَد، ولا يمكنُ أن يعبده إلا بإعانته له، فلا مندوحة له عن هذا وهذا البتة.
وفي الحديث: "مثَل المؤمن مثَل الفَرَس في آخيَّته، يجولُ ثم يرجعُ إلى آخيَّته، كذلك المؤمنُ يجولُ ثم يرجعُ إلى الإيمان"
(4)
.
فقوله: "أبوء" يتضمَّنُ أني وإن جُلْتُ كما يجولُ الفَرَسُ ــ إما بالذنب، وإما بالتقصير في الشكر ــ فإني راجعٌ منيبٌ أوَّابٌ، أبوء لك بنعمتك عليَّ
(1)
أصلحها أحدهم في الأصل إلى "رجوعا مستقرا". وفي "طريق الهجرتين"(204): "رجوع استقرار".
(2)
أخرجه البخاري (110)، ومسلم في المقدمة (3) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجاه من حديث غيره، وهو متواتر.
(3)
الأصل: "إذا"، وهو من شائع أخطاء النساخ، وعلى الصواب في "طريق الهجرتين".
(4)
تقدم تخريجه وتفسير الآخيَّة (ص: 67).
وأبوء بذنبي.
وذكَر النعمة والذنبَ لأن العبد دائمًا بين نعمةٍ من ربه، وذنب من نفسه، كما في الحكاية المعروفة عن الرجل الذي كان في زمن الحسن البصري لمَّا ذُكِر للحسن أمرُه، فسأله الحسن، فقال له: إني أجدُني بين نعمةٍ وذنب، فأريد أن أُحْدِثَ للنعمة شكرًا، وللذنب استغفارًا، فقال الحسن: أنت عندي أفقهُ من الحسن
(1)
.
وذلك أن الخير كلَّه من الله، كما قال:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وقال تعالى:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} إلى قوله: {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 7 - 8]، وقال:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} الآية [الحجرات: 17].
وقال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6 - 7]، والذين أنعَم عليهم هم المذكورون في قوله:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} الآية [النساء: 69].
فالخيرُ كلُّه، والنعمُ كلُّها ــ من نعم الدنيا، ونعم الدين من الإيمان والعمل الصالح ــ، وثوابُ ذلك = كلُّه من نعم الله ومنِّه على عبده
(2)
.
(1)
أخرجها ابن أبي الدنيا في "الشكر"(196)، و"العزلة والانفراد"(73).
(2)
نقل ابن القيم في "طريق الهجرتين"(203 - 206) كثيرًا مما تقدم.
فصل
وأما الشرُّ، فليس هو إلا الذنوبُ وعقوباتها.
ولهذا كان في خطبة الحاجة المشهورة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا"
(1)
.
فاستعاذ من شرِّ النفوس، ومن سيئات الأعمال، وهي عقوباتُ الأعمال، أو السيئاتُ من الأعمال، الأول كقول الملائكة:{وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: 9]
(2)
.
والمقصود أن كلَّ ما سوى الذنوب وعقوباتها فهو نعمة؛ فإن المصائب إذا اقترن بها طاعةُ الله كانت من أعظم النعم، كما ثبت في الحديث الصَّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له"
(3)
.
فإذا كان العبد صبَّارًا شكورًا فجميع ما يصيبه خيرٌ له، والخير هو
(1)
أخرجه أحمد (3721)، وأبو داود (2118)، والترمذي (1105) وقال:"حديثٌ حسن"، والنسائي (3277)، وابن ماجه (1892) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بسندٍ قوي، وقال ابن عبد الهادي في حاشية "الإلمام" (493):"إسناده على شرط مسلم". وروي من وجوه أخرى من حديث ابن مسعود وغيره.
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(14/ 28، 222، 262، 18/ 289)، و"بدائع الفوائد"(716)، و"الداء والدواء"(268)، و"طريق الهجرتين"(200).
(3)
أخرجه مسلم (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه.
النعمة، فالضرَّاء مع الصبر نعمة، كما أن السرَّاء مع الشكر نعمة، وذلك خيرٌ للعبد.
والذنب إذا حصل منه توبةٌ نصوحٌ كان المجموعُ من أعظم نعم الله على العبد؛ فإن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهِّرين، وهو سبحانه أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في أرضٍ مهلكةٍ إذا وجدها بعد اليأس
(1)
، فالله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من فرح هذا براحلته.
وقد قال طائفةٌ من السَّلف، كسعيد بن جبير:"إن العبد ليفعلُ الحسنة فيدخل بها النار، ويفعلُ الذنبَ فيدخل به الجنة؛ يفعل الحسنة فيُعْجَبُ بها، فلا يزال إعجابُه حتى يُهْلِكَه، ويفعل الذنوبَ فيتوبُ منها ويخشعُ ويخاف، فلا يزال خوفُه وخشوعُه حتى يُدْخِلَه الجنة"
(2)
.
ولهذه الحكمة ابتُلي بالذنب من ابتُلِي من كبار عِبَاد الله، حتى قال بعض الناس:"لو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرمَ الخلق عليه"
(3)
.
(1)
كما في البخاري (6308)، ومسلم (2744).
(2)
روي هذا المعنى من قول أبي موسى وأبي أيوب رضي الله عنهما، ومن قول الحسن وأبي حازم. انظر:"الزهد" لهناد (910، 911)، ولابن المبارك (163، 164)، ولأحمد (277)، و"الحلية"(3/ 242، 7/ 288)، و"شعب الإيمان"(12/ 235).
وروي مرفوعًا من مرسل الحسن عند ابن المبارك (162)، وأحمد (397).
ولم أقف عليه من قول سعيد بن جبير، وعزاه إليه شيخ الإسلام كذلك في مواضع أخرى. انظر:"مجموع الفتاوى"(10/ 45، 294، 14/ 474).
(3)
تقدم تخريجه (ص: 68).
وحينئذٍ، فالمذنبُ التائبُ الذي يبوء بنعمته، ويبوء بذنبه، يحمدُه حمدًا مطلقًا على كلِّ موجودٍ من ذنوبه وغيرها.
وأيضًا، فمن شَهِد ابتلاءه بالذنب، فحَمِد الله على خلقه، مسلِّمًا لحكمته، مع اعترافه بظلم نفسه، واحتياجه لرحمة ربه عز وجل
…
(1)
.
فصل
وأما الطاعات، فهو محمودٌ عليها حَمْدَ مدحٍ وحَمْدَ شكرٍ، وهو ظاهرٌ مستقيمٌ على مذهب أهل السُّنَّة الذين يقولون: إن الله خلقه مسلمًا مصلِّيًا، وهو الذي حبَّب إليه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان.
وأهل السُّنَّة يقولون: الحمد لله كلُّه.
ويقولون: اللام في "الحمد" لاستغراق الجنس
(2)
؛ فإن الحمد كلَّه لله، وكلُّ محمودٍ غيره فالحمدُ لله على حمده وعلى ما حُمِد به
(3)
.
وأيضًا، فالحمد لله من وجهين:
* من وجهٍ أنه المحمود.
(1)
كتب الناسخ في الطرة: موضع بياض في الأصل. وانظر لهذا المعنى: "منهاج السنة"(2/ 430 - 434، 6/ 209 - 210)، و"الفتاوى"(8/ 215، 14/ 318).
(2)
الأصل: "للاستغراق الجنس". ولعل الصواب: "للاستغراق، لا للجنس". انظر: "جامع المسائل"(3/ 283 - 285)، و"مجموع الفتاوى"(1/ 89).
(3)
انظر: "طريق الهجرتين"(244).
* ومن وجهٍ أنه المستحقُّ الحمد، المحمود، فلا محمود إلا من حَمِده. وهو كما قال بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم:"إن حمدي زَينٌ وذمِّي شَينٌ"، قال:"ذاك الله"
(1)
، فالمحمود من حَمِده الله، والمذموم من ذمَّه الله، فهو الذي يستحقُّ أن يَحْمَد ويَذُمَّ.
وبهذا الوجه فله أن يَحْمَد وله أن يَذُمَّ، أي: له حمدُ المحمود وذمُّ المذموم، حمدُ المؤمن وذمُّ الكافر، كما أن له الثوابَ والعقاب.
والواجبُ ما يُذَمُّ تاركُه شرعًا، والمحرَّم ما يُذَمُّ فاعلُه، وهو الذي يَذُمُّ تاركَ الواجب وفاعلَ المحرَّم، كما أنه هو الذي يثيبُ هذا ويعاقبُ هذا.
فصل
وأما ما يُحْدِثُه من المصائب، إما بغير فعل الخلق، كالأمراض، وإما بفعلهم، كإيذاء الإنسان، وظلمه باليد واللسان = فإنه سبحانه محمودٌ عليه مشكورٌ، حَمْدَ المدح وحَمْدَ الشكر
(2)
.
(1)
أخرجه الترمذي (3267)، والنسائي في "الكبرى" (11451) وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه بسندٍ لا بأس به. وقال الترمذي:"حديثٌ حسنٌ غريب". وقال ابن كثير في "البداية والنهاية"(7/ 244): "إسنادٌ جيدٌ متصل".
وله شاهدٌ من حديث الأقرع بن حابس، أخرجه أحمد (15991) وغيره، وفي إسناده انقطاع، وروي مرسلًا، وهو أشبه. انظر:"الإصابة"(1/ 206)، و"تعجيل المنفعة"(1/ 318).
وروي من مرسل الحسن وقتادة، ومن حديث أبي هريرة، وجابر، وعبد الله بن شداد رضي الله عنهم، ولا يصحُّ منها شيء.
(2)
انظر: "طريق الهجرتين"(250 - 251).
* أما حمدُ المدح، فإنه محمودٌ على كلِّ ما خلق، إذ هو ربِّ العالمين، و {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
* وأما حمدُ الشكر، فلأن هذه نعمةٌ في حقِّ المؤمن إذا وفِّق للصبر عليها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يقضي الله للمؤمن من قضاءٍ إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له"
(1)
.
وهي نفسُها تكفِّر خطاياه، ويؤجرُ على الصبر عليها، ففيها له مغفرةٌ من جهة ما تكفِّره من الخطايا، وله فيها رحمةٌ من جهة ما يؤجرُ على الصبر عليها، لا سيَّما إذا اقترن بها توبةٌ وإنابةٌ إلى الله، وتوكُّلٌ عليه، وتوحيدٌ له، وإخلاصُ الدين له؛ فإنها تكون من أعظم النعم.
ومصيبةٌ تُقْبِلُ بك
(2)
على الله خيرٌ لك من نعمةٍ تُنْسِيك ذكرَ الله.
وقد قال بعض السَّلف: "يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجةٍ أكثرتَ فيها قرعَ باب سيِّدك"
(3)
.
وفي الحديث: "إذا قالوا للمريض: اللهم ارحمه، يقول الله: كيف أرحمُه
(1)
تقدم تخريجه قريبًا.
(2)
"تسلية أهل المصائب" لشمس الدين المنبجي (173): "بها"، وما في الأصل أجود. وقد نقل المنبجي كثيرًا من هذه القاعدة، كما سلف في مقدمة التحقيق.
(3)
ذكره كذلك في "مجموع الفتاوى"(10/ 333، 22/ 385)، ونقله عنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية"(1/ 140، 2/ 185)، ولم أعثر عليه في مصدر متقدم.
من شيءٍ به أرحمُه؟ "
(1)
.
وفي الأثر: "يا ابن آدم، البلاء يجمعُ بيني وبينك، والعافية تجمعُ بينك وبين نفسك"
(2)
.
وفي الصَّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما يصيبُ المؤمن من وَصَبٍ ولا نصَب، ولا همٍّ ولا حزَن، ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه"
(3)
.
فصل
وأما ما يُحْدِثُه من الكفر والفسوق والعصيان، فهو أيضًا محمودٌ عليه حَمْدَ المدح وحَمْدَ الشكر.
* أما حمدُ المدح، فعامٌّ.
* وأما حمدُ الشكر، فلأن هذه الحوادث نعمةٌ في حقِّ المؤمن؛ لأنه مأمورٌ بإنكارها إذا وقعت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"،
(1)
يروى عن سلام بن أبي مطيع. انظر: "العلل" للإمام أحمد (2/ 322) رواية عبد الله، و"البصائر والذخائر"(7/ 140).
وفي "قوت القلوب"(2/ 39)، و"الإحياء" (4/ 289) أن موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال: ياربِّ ارحمه، فأوحى الله إليه: كيف أرحمه
…
.
(2)
هو من الإسرائيليات كما في "مجموع الفتاوى"(10/ 334)، وذكره كذلك في "شرح الأصبهانية"(557).
(3)
أخرجه البخاري (5641) واللفظ له، ومسلم (2573).
رواه مسلمٌ وغيره
(1)
، ومأمورٌ أن يجاهد فيها بحسب الإمكان.
فإذا حصل له ثوابُ المجاهدين فيحمدُ الله على ما وفَّقه له من إنكارها والجهاد عليها، وعلى أنه خلق ما يكون سببًا للجهاد الذي يثابُ العبد عليه.
فإن كان ذلك الكفر والفسوق والعصيان فيه ضررٌ على الإنسان، إما في دينه أو دنياه:
* أما في دينه، فمثل أن يكون ذلك مما يفتنُه في قلبه، أو يمنعُه أن يقوم بواجب دينه أو مستحبِّه، فيَجْلِبُ له في دينه ذنبًا وتَرْكَ حسنةٍ، فهذا يكون حينئذٍ ما حصل له من باب الذنوب التي يجبُ عليه أن يتوب منها، ويستعينَ الله على فعل ما أمَر وترك ما حَظر.
كما إذا حصلت له الأسبابُ الداعية إلى الفواحش والظُّلم وغير ذلك، فإن عصَمه الله وأعانه ووفَّقه لطاعته في ذلك كان ذلك نعمةً، وإلا كان ما أصابه من نفسه، كما تقدَّم من الذنوب وعقوباتها.
وهذه الحال ــ حال المحنة ــ لا يثبتُ كونُها نعمةً أو ليست
(2)
بنعمةٍ إلا باعتبار العاقبة، فإن وفِّق فيها لما يحبُّه الله ويرضاه فهي نعمة، وإن عَمِل فيها بمعصيته كان حكمُه حكمُ أمثاله.
* وأما الضرر في دنياه، مثل أن يُجْرَحَ المجاهدُ ويؤخذ مالُه، أو مثل أن يُضْرَبَ أو يُشْتَم، ونحو ذلك، فهذا يكفِّر الله بهذه المصيبة خطاياه، ويؤجَر
(1)
أخرجه مسلم (49)، وأحمد (11072)، وابن ماجه (1275)، وأبو داود (1140)، والترمذي (2172)، والنسائي (5008) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
(2)
الأصل: "وليست". والصواب ما أثبت.
على هذه المصائب؛ لأنها حصلت بسبب جهاده، فهي مما تولَّد عن عمله، وما يتولَّد عن عمله الصالح أثيبَ عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولَّد عن عمله
(1)
.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 121]، فأخبر تعالى أنه يُكْتَبُ لهم عملٌ صالحٌ بما يصيبُهم من الظمأ والجوع والتعب الذي يحصُل بسبب الجهاد في سبيل الله عز وجل.
وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصُل بدون ذلك، فلا يثابُ إلا على الصبر عليه؛ فإنه ليس من عمله، ولا تولَّد عن عملٍ صالح، لكن هو من المصائب التي يكفِّر الله بها خطاياه
(2)
.
وهذا هو الفرق بين المصائب التي يثابُ عليها، والمصائب التي لا يثابُ
(1)
انظر: "درء التعارض"(9/ 31)، و"الرد على البكري"(432)، و"مجموع الفتاوى"(8/ 522، 10/ 123، 723)، و"جامع المسائل"(4/ 267، 7/ 44، 8/ 62).
(2)
في "تسلية أهل المصائب" للمنبجي (174) هنا زيادة: "وأما المصيبة بالولد، فالولدُ تولَّد عن جِمَاعه الذي صان نفسَه به عن الزنا، وقَصَد به النَّسلَ وتكثيرَ الأمَّة، وغضَّ البصر عن المحارم، فإذا حصل له ذلك ثم مات الولدُ فقد أثيبَ عليه من جهة، وكفَّر الله به خطاياه من جهة؛ لأنه تولَّد عن عمله. وأما الأمراض والأسقام فهي تكفِّر الخطايا". والمنبجي ينقل عن هذه القاعدة، كما سلف، ولم أثبتها في المتن احتياطًا؛ لاحتمال أن تكون مدرجة من كلام المنبجي.
عليها، فإن بعض الناس يظنُّ أنه يثابُ على كلِّ مصيبة، ومن
(1)
العلماء من يطلقُ القولَ بأن المصائب لا يثابُ عليها، وإنما يثابُ على الصبر عليها؛ لأن الثواب إنما يكون على فعل العبد، لا على فعل الله فيه
(2)
، وهكذا رُوِي حديثُ أبي عبيدة بن الجرَّاح لما عَادُوه، وقالوا: له أجرٌ، فقال:"ليس لي من الأجر مثل هذه، ولكن المرض حِطَّةٌ يَحُطُّ الله به الخطايا"
(3)
.
وفصل الخطاب أن المصائب إن تولَّدت عن عملٍ صالح، كما تتولَّد عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يثابُ عليه؛ فإن
(1)
الأصل: "فان من". والمثبت من "تسلية أهل المصائب"(174) أقوم.
(2)
ممن أطلق ذلك العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام"(1/ 189).
(3)
أخرجه أحمد (1690)، ومن طريقه الضياء في "المختارة"(3/ 317)، وجوَّد إسناده الحافظ في "الفتح"(10/ 109) أنهم دخلوا على أبي عبيدة يعودونه من شكوى أصابته، وامرأته عند رأسه، فقالوا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجرٍ، فقال أبو عبيدة: ما بتُّ بأجرٍ،
…
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "
…
ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطَّة".
واستوفى طرقه وألفاظه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 258 - 263).
وأورد ابن تيمية الحديث في "مجموع الفتاوى"(30/ 363) كما وقع هنا، كله من قول أبي عبيدة، وروي كذلك من وجهٍ لعله أصح، وأشار إليه النسائي في "السنن"، وانظر:"السلسلة الضعيفة"(13/ 982، 984).
وقد قال علي بن المديني فيما نقله ابن عساكر (47/ 263): "هذا حديثٌ إسناده شامي، وبعضه مصري، وليس هو بالإسناد المعروف".
وروي هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (10821)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(5/ 464)، وصححه الإمام أحمد في "مسائل ابن هانئ"(2/ 237).
الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولَّد عن عمله إذا أقدَم على احتماله؛ فإن المجاهد قد أقدَم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذى في الله عز وجل.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لخُلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك"
(1)
، والخُلُوفُ يتولَّد عن صومه بغير اختياره.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من كَلْمٍ يُكْلَمُ في سبيل الله - والله أعلمُ بمن يُكْلَمُ في
سبيله ــ إلا جاء يوم القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دمًا، اللون لونُ الدم، والريح ريحُ المسك"
(2)
.
والدَّم الذي يخرجُ من جرح المريض ليس هكذا، ولا الخُلُوف الذي يحصل بجوع الاضطرار ليس هكذا.
ولهذا رتَّب الله الجزاء على الأذى في سبيله، فقال:{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي} الآية [آل عمران: 195]، فجعل كونَهم أوذوا في سبيله مقرونًا بكونهم هاجروا، وكذلك كونَهم أُخرِجوا، فالإخراج والأذى فِعلُ الكافرين بهم، فأثابهم الله على ذلك؛ لأن ذلك حصل بسبب إيمانهم الذي كان باختيارهم.
فمن فعل فعلًا صالحًا باختياره، وأوذي عليه، واحتسَب ذلك الأذى، كان ذلك الأذى من عمله الصالح الذي يثابُ عليه، كالصائم إذا احتسَب جوعَه وعطشَه، والقائم بالليل إذا احتسَب تعبَه وسهرَه، فإن الأذى الذي
(1)
أخرجه البخاري (1894)، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (2803)، ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
يحصُل باختيارك في طاعة الله أنت جلبتَه على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس هو كمن أوذِي بغير اختياره، فإن ذلك [أذاه]
(1)
مصيبةٌ محضة، ولكن هي حقٌّ له على الظالم.
وأما الذي حصل له أذًى باختياره، فإن كان من الله، كالجوع والعطش، فهذا أجره فيه على الله.
وإن كان من عدوِّه، كشَتْمِه، وضربه، وإخراجه من داره، وأخذِ ماله، ولعنِه، وسبِّه، وكذبه عليه، ونحو ذلك، فهذا النوع أعظمُ الأذى أجرًا؛ فإن هذا من الله، وفي سبيل الله، وفيه حقُّ الله والآدمي:
أما حقُّ الله، فلكونهم فعلوا ذلك بسبب طاعته؛ فإن هذا فِعلُ من يَصُدُّ عن طاعة الله ويأمر بمعصية الله.
وأما حقُّ الآدمي، فلكونه أوذِي بغير حقٍّ، كما قال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 39 - 40].
وهذا أعظمُ ما يؤجرُ عليه المؤمن من المصائب.
وهي من أعظم النعم في حقِّه إذا رُزِقَ الصبر والشكر؛ فإنَّ شُكر مثل هذه يتوقفُ على كونه يعرفُ الإيمان، ويعرفُ أنه نعمة، ويعرفُ أن الأمر به وجهاد مخالفه نعمة، ويعرفُ أن أذاه في ذلك نعمة
(2)
.
(1)
من "تسلية أهل المصائب"(175).
(2)
وشيخ الإسلام رحمه الله كثير الاعتراف بأن ما أصابه من الأذى في سبيل الله هو من نعم الله عليه، كما تراه في رسائله التي كتبها إبان حبسه في الاسكندرية وقلعة دمشق وغيرها، وسبق بعضها (ص: 239، 249)، وانظر:"مجموع الفتاوى"(3/ 249، 28/ 30، 47، 57، 656)، و"العقود الدرية"(347، 438، 441).
ومعرفة هذه النعم والعملُ بها إنما هو لخواصِّ العِبَاد؛ فإن كثيرًا من الناس لا يعرفُ النعمة إلا ما يتلذَّذ به من دنياه، كما قال بعض السَّلف:"من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قلَّ علمُه وحضر عذابُه"
(1)
.
وهؤلاء منهم من يرى النعمة في بدنه فقط، كالأكل
(2)
، والشرب، والنكاح. ومنهم من يرى النعمة في الرياسة، والجاه، ونفاذ الأمر والنهي، وقهر الأعداء. ومنهم من يرى النعمة في جمع الأموال والقناطير المقنطرة.
وهؤلاء من جنس الكفَّار، بل الكفَّار يرون هذه نعمًا، ويعلمون أن الله أنعمَ بها.
وأعلى من هؤلاء من يرى النعمة في الإيمان والعمل الصالح، لكن لا يرى الأمر بذلك والجهادَ عليه نعمةً، بل يرى هذا فيه من المضارِّ ما يوجبُ تركَه.
والذين يرون هذا نعمةً منهم من لا يراه نعمةً إلا مع الغنيمة والسلامة، فمتى كان غالبًا لعدوِّه، غانمًا لماله، عدَّ ذلك نعمةً، وإن جُرِحَ، أو قُتِل بعض أولاده، أو أُخِذَ مالُه، عدَّ ذلك مصيبةً لا نعمة.
(1)
أخرجه أحمد في الزهد (712)، وابن أبي الدنيا في "الشكر"(92) وغيرهما عن أبي الدرداء رضي الله عنه. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد"(397)، وابن جرير في التفسير (17/ 493، 19/ 377) عن الحسن.
(2)
"تسلية أهل المصائب"(175): "بالأكل".
وهكذا في جهاد الكفَّار والمنافقين، فمن الناس من لا يعدُّ جهادَه نعمةً إلا إذا كانت الكلمةُ مطاعةً، والخصمُ مقهورًا، فمن أوذي، أو هُضِمَ حقُّه، أو ضُرِبَ، أو حُبِسَ، أو كُذِبَ عليه عند الأئمَّة أو الأمَّة، وقيل: هذا فاجرٌ أو جاهلٌ، لم يكن هذا نعمةً عند هؤلاء؛ لأن هذا مما يؤلمُ النفس.
وحجَّة هؤلاء كلِّهم أن النعمة ما يتنعَّمُ به العبد، وهذه الأمور مؤلمةٌ للنفوس، فلا تكون من النعم، بل من المصائب.
ولا ريب أنها من المصائب باعتبار ما يحصلُ من الألم
(1)
، ولهذا أُمِر بالصبر عليها، لكن لا منافاة بين كون الشيء مصيبةً باعتبارٍ ونعمةً باعتبار؛ فباعتبار ما حصل به من الأذى هو مصيبة، وباعتبار ما يحصل به من الرحمة نعمة.
وهذا لأنه إذا قيل: إن هذا يُكَفَّر به الخطايا، ويؤجرُ عليها، ويؤجرُ على الصبر عليها، كانت النعمةُ هذه الأمور التي تحصلُ عن هذه، فيكون هذا بمنزلة شُرب المريض الدواءَ الكَرِيه، فهو مصيبةٌ باعتبار مرارته، وهو نعمةٌ باعتبار إزالته للمرض الذي هو أشدُّ ضررًا فيه، وأدنى الضررين
(2)
إذا زال أعظمُهما كان نعمةً، لا سيما إذا حصل مع ذلك خيرٌ آخر.
وهذا كما أن النعمة التي تُسْتَعمل في المعصية هي في الحقيقة ليست نعمة، فمن استعمل النعم في المعاصي كانت شرًّا في حقه؛ لأنها جرَّته إلى العذاب الذي هو أعظمُ من تلك اللذَّة، كمن أكل عسلًا فيه سُمٌّ، فإن ضرر
(1)
"تسلية أهل المصائب"(176): "يحصل فيها من الألم".
(2)
"تسلية أهل المصائب": "الشرَّين".
السُّمِّ أعظمُ من حلاوة العسل
(1)
.
وتحرير
(2)
هذا يحتاج إلى أصول:
* الأول منها: أن نقول: إن الله تعالى قد مدح الصَّبَّار الشَّكور، فمدَح المتَّصف بالأمرين جميعًا.
والشكر واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
وكذلك الصبر على فعل الطاعات، وترك المعاصي، وعلى المصائب، واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
وقد ذكر الله تعالى الصبر قريبًا من مئة موضعٍ من القرآن.
وذكر الشكر أيضًا في مواضع كثيرةٍ جدًّا، كقوله:{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] في غير موضع
(3)
، وقال تعالى:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].
وقال عن الشيطان: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17].
وأثنى على نوحٍ بأنه {كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]، وعلى إبراهيم بأنه {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل: 121]، وقال عن موسى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} الآية [إبراهيم: 7]، وقال سليمان ولقمان:
(1)
انظر: "جامع الرسائل"(2/ 348 - 357).
(2)
في طرة الأصل: "وتقرير"، وفوقها ضبة أو إشارة إلى أنها كذلك في نسخة أخرى.
(3)
لم أجد إلا موضع لقمان، ولعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الأحقاف:{قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} .