الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا} [الأنفال: 23]، {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]، {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47]، {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 81].
المقدمة الثانية:
أن هذا [الذي] تسمِّيه النحاةُ شرطًا هو في المعنى سببٌ لوجود الجزاء، وهو الذي تسمِّيه الفقهاءُ علةً ومقتضيًا وموجِبًا ونحو ذلك؛ فالشَّرط اللفظيُّ سببٌ معنوي.
فتفطَّن لهذا؛ فإنه موضعٌ غلط فيه كثيرٌ ممن يتكلَّمُ في الأصول والفقه، وذلك أن الشَّرط في عُرف الفقهاء ومن يجري مجراهم مثل
(1)
أهل الكلام والأصول وغيرهم هو: ما يتوقفُ تأثيرُ الشَّرط عليه بعد وجود السَّبب
(2)
، وعلامتُه أنه يلزم من عدمه عدمُ المشروط، ولا يلزم من وجوده [وجودُ] المشروط
(3)
.
ثم هو منقسمٌ إلى:
1 -
ما عُرِف كونُه شرطًا بالشرع، كقولهم: الطهارة والاستقبال واللباس شرطٌ لصحة الصلاة، والعقل والبلوغ [شرطٌ لوجوب الصلاة؛ فإن وجوب الصلاة على العبد يتوقفُ على العقل والبلوغ]
(4)
، كما تتوقفُ صحةُ الصلاة
(1)
"الأشباه والنظائر": "من"، وهي أجود، وما في الأصل محتمل.
(2)
"الأشباه والنظائر": "تأثير السبب عليه بعد وجود المسبب".
(3)
انظر: "البحر المحيط"(3/ 327).
(4)
سقط من الأصل لانتقال نظر الناسخ، واستدركته من "الأشباه والنظائر".
على الطهارة والسِّتارة واستقبال القبلة، وإن كانت الطهارةُ والسِّتارةُ أمورًا خارجةً عن حقيقة الصلاة.
ولهذا يفرِّقون بين الشَّرط والركن بأن الركن جزءٌ من حقيقة العبادة أو العَقد، كالركوع والسجود، وكالإيجاب والقبول، وبأن الشَّرط خارجٌ عنه؛ فإن الطهارة يلزم من عدمها عدمُ صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجودُ الصلاة.
وتختلفُ الشُّروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة: منها ما هو شرطٌ للوجوب بنفسه، ومنها ما هو شرطٌ للوجوب بغيره، ومنها ما هو شرطٌ للإجزاء دون الصحة، ومنها ما هو شرطٌ للصحة.
وكلام الفقهاء في الشُّروط كثيرٌ جدًّا، لكن الفرق بين السَّبب والشَّرط وعدم المانع إنما يتمُّ على قول من يجوِّز تخصيصَ العلَّة منهم، وأما من لا يسمِّي علةً إلا ما استلزم الحكمَ
(1)
، ولزِم من وجودها وجودُه على كلِّ حالٍ، فهؤلاء يجعلون الشَّرط وعدم
(2)
المانع من جملة أجزاء العلَّة.
2 -
وإلى ما يُعْرَفُ كونُه شرطًا بالعقل، وإن دلَّ عليه دلائلُ أخرى، كقولهم: الحياة شرطٌ في العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، والعلمُ شرطٌ في الإرادة، ونحو ذلك.
وكذلك جميعُ صفات الأجسام وطباعُها لها شروطٌ تُعْرَفُ بالعقل أو بالتجارب أو بغير ذلك.
(1)
"الأشباه والنظائر": "من الحكم". وهو خطأ.
(2)
الأصل: "وضد"، تحريف، وعلى الصواب في "الأشباه والنظائر".
وقد تسمَّى هذه شروطًا عقلية، والأُولى شروطًا شرعية.
وقد يكون من هذه الشُّروط ما يُعْرَفُ اشتراطُه بالعُرف.
ومنه ما يُعْلَمُ باللغة، كما يُعْرَفُ أن شرط المفعول وجودُ فاعل، وإن لم يكن شرطُ الفاعل وجودَ مفعول، فيلزم من وجود المفعول المنصوب وجودُ فاعلٍ، ولا ينعكس، بل يلزم من وجود اسمٍ منصوب أو مخفوض وجودُ مرفوع، ولا يلزم من وجود المرفوع لا منصوبٌ ولا مخفوض؛ إذ الاسمُ المرفوع مُظْهَرًا أو مضمرًا لا بدَّ منه في كلِّ كلامٍ عربي، سواءٌ كانت الجملة اسميةً أو فعلية.
فقد تبيَّن أن لفظ "الشَّرط" في هذا الاصطلاح يدلُّ عدمُه على عدم المشروط ما لم يَخْلُفْه شرطٌ آخر، ولا يدلُّ ثبوتُه من حيث هو شرطٌ على ثبوت المشروط.
وأما الشَّرط في الاصطلاح الذي يُتَكلَّمُ به في باب أدوات الشُّروط اللفظية، سواءٌ كان المتكلم نحويًّا أو فقيهًا، وما يتبعه من متكلِّمٍ وأصوليٍّ ونحو ذلك = فإن وجود الشَّرط يقتضي وجود المشروط الذي هو الجزاء والجواب، وعدم الشَّرط هل يدلُّ على عدم المشروط؟ مبنيٌّ على أن عدم العلَّة هل يقتضي عدم المعلول؟ فيه خلافٌ وتفصيلٌ قد أومئ إليه
(1)
إن شاء الله تعالى.
فإذا قال الفقهاء: بابُ تعليق الطلاق بالشُّروط، وذكروا فيه ما إذا قال الرجل لامرأته: إن دخلتِ الدارَ فأنت طالق، أو: إذا، أو: متى، فالشَّرط هنا
(1)
من هنا يبدأ السقط في المطبوع من "الأشباه والنظائر".
ليس معنى الشَّرط في قولهم: الطهارة شرطٌ في صحة الصلاة، بل معناه في الطلاق وبابه: أنه إذا وُجِد الشَّرطُ الذي قد تسمِّيه الفقهاءُ "صفة"، وهو الدخول مثلًا، وُجِد المشروطُ الذي هو الجزاء، وهو وقوع الطلاق.
وهذا التعليقُ يدخل فيه ألفاظ الوعد والوعيد، وألفاظ الجَعَالة، وألفاظ الأدلَّة المسمَّاة بالتلازم أو بالشَّرطيِّ المتصل ونحو ذلك.
فمدلول هذه العبارات أن وجود الشَّرط سببٌ لوجود الجزاء، ولستُ أعني أنه مؤثِّرٌ في وجوده في الخارج، ولكن أعني أن وجود الشَّرط مستلزمٌ لوجود الجزاء، سواءٌ كان علَّةً له، أو معلولًا لعلَّته، أو دليلًا على وجوده، أو مُضايِفًا له، أو ملازمًا غير مُضايِف، أو غير ذلك.
فالأول كقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، و {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] ، و {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] ، و {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا} [يونس: 84].
والثاني أقلُّ منه، كما يقال: إن كان هذا من أهل الجنة فهو مؤمنٌ بالله، وإن كان هنا دخانٌ فهنا نارٌ، وفي هذا بحثٌ ليس هذا موضعه.
والثالث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية المُلاعِنة: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت [به] على نعت كذا فهو للذي رُمِيَت به"
(1)
؛ فإن مشابهة الولد للرجل معلولٌ لكونه هو أحبَل
(1)
أخرجه أحمد (2131)، وأبو داود (2256) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأصله في البخاري (4747).
أمَّه، وإحبالُ الأمِّ علَّةٌ لكونه ابنه، فيُسْتَدلُّ بالشَّبه الذي هو أحدُ معلولي الوطء على النَّسب الذي هو المعلولُ الآخر. والقِيافةُ والفِراسةُ عامتُها من
(1)
هذا الباب.
وأما الرابع فكما يقال: إن زُكِّيت البيِّنةُ حُكِم بها، وإن كان هذا الخبر قد رواه البخاريُّ فهو صحيح، وإن كانت الملامسةُ في لغة العرب تعمُّ ما دون الوطء فهو حجةٌ في نقض الوضوء بمسِّ النساء، ونحو ذلك. وهذا بابٌ واسع.
والغرض أن يُتَفَطَّن لكون لفظ الشَّرط قد صار بتعدُّد الاصطلاحات فيه اشتراك، وأنا إذا قلنا:"لو" من أدوات الشَّرط أردنا به الشَّرط اللفظيَّ الذي هو سببٌ في المعنى ومستلزِم، لا الشَّرط المعنويَّ الذي يقفُ تأثير السببُ عليه. فبين المعنيين فرق.
ولولا أني رأيتُ قومًا من الفضلاء قد زلُّوا في هذا لكان
(2)
أوضحَ من أن ننبِّه عليه؛ فإن منهم من يقسمُ الشُّروط إلى: لغوية، وعقلية، وشرعية، ويذكُر باب "إنْ وأخواتها" في القسم اللغوي.
ومَوْرِدُ التقسيم يجبُ أن يكون مشتركًا بين الأقسام، فيُشْعِر أن كلَّ واحدٍ من هذه الشُّروط [ينتفي] بانتفائه، ولا يلزم
(3)
أن يوجد بوجوده، وربما أفصح بذلك. وليس هذا بصحيح.
(1)
الأصل: "في"، وهو محتمل، والمثبت أشبه.
(2)
الأصل: "المكان". وهو تحريف. ولا حاجة لما قدَّره أحدهم في الطرة بقوله: "لعله فإنه"، يعني: فإنه أوضح.
(3)
الأصل: "يلوم". تحريف.