الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الثاني:
" اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس" متى (28/ 9) وحول هذا النص تعددت الرؤى النقدية لعلماء المسلمين -فترة البحث- فيقول صاحب كتاب الفارق في ذيل فارقه: إن أساس التعميد بالتثليث مبني على هذه الوصية" عمدوا الناس باسم الأب والابن والروح القدس" فقط
…
وإن هذه الوصية وحدها تكفينا بأن هذه الأناجيل مصنعة؛ لأنّ يحيى عليه السلام صرح بأن المسيح سيعمدكم بروح القدس ولم يذكر التثليث وكذلك "متي ومرقس ولوقا ويوحنا" اتفقوا وصرحوا في أناجيلهم بأن عيسى حين الرفع وقبله أوصي تلاميذه بأن يعمدوا بروح القدس فقط والمترجم المختلس لإنجيل "متى" افترى وذيل ترجمته بقوله: "إن المسيح قبل الرفع أوصي التلاميذ أن "يعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس" متى (28/ 19) فتبين ببداهة العقل أن هذه الجملة إلحاقية من المترجم وإلا فلا يُتصور أن "متى" يروى روايتين مختلفتين بإنجيله عن المسيح في آن واحد (1).
وعلى فرض صحة رواية المترجم فهي ليست تثليثًا للإله؛ بل إنما المقصد منها ظاهر وهو قوله: "عمدوا الأمم باسم الأب" أي لقنوا الأمم المتنصرة بأن يؤمنوا بواجب الوجود والموجد لكل موجود وقوله: "الابن" أي وأن يؤمنوا أيضًا بعيسى رسول الله وكلمته وقوله: "روح القدس" أي أن يؤمنوا بجبريل أمين الوحى لكافة الأنبياء والمبشر للعذراء بحملها بعيسي عليه السلام ولا نزاع في جبريل بأنّه "روح القدس" ولا خلاف في الأنبياء والرسل الأبرار بأنهم أبناء الله أي أصفياء الله
…
وهذا توجيه وجيه لا يحتمل غيره؛ لأنه موافق لسنن الله في أنبيائه وخلقه منذ خلق الدنيا إلى يومنا هذا (2).
ويقول شيخ الإِسلام ابن تيميه عن هذا النص: ليس في هذا النص ما يدلّ على التثليث وأن الأب هو الله والابن هو المسيح والروح القدس هو جبريل عليه السلام والمراد بعبارة التعميد عنده -أي المسيح-: "مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله وبالملك الذي أنزل عليه الوحى الذي جاء به فيكون ذلك أمرًا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وهذا هو الحق الذي يدلّ عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف ولا هو من التأويل (3).
(1) الفارق: رسالة أبحاث المجتهدين في ذيل الفارق، ص 56، 57، بتصرف بالحذف.
(2)
المرجع السابق: ص 56 - 57، بتصرف بالحذف
(3)
الجواب الصحيح: 2/ 112، بتصرف، 1/ 276.
ويقول د/ عبد الكريم الخطيب:
إن كلمات الأب والابن والروح القدس التي تردد ذكرها في الأناجيل قد جاءت في سياقات تعطى لكل منها دلالة مستقلة ومفهومًا خالصًا بحيث لا يمكن أن يجتمع منها مفهوم واحد أو دلالة مشتركة، فالأب أب والابن ابن والروح القدس هو الروح القدس لكل ذاتيته وشخصيته (1).
ويقول الشيخ أبو زهرة: إن شروط استدلال النصارى بهذا النص على وجود الأقانيم الثلاثة غير مستوفاه إذ ترى أن تلك العبارات الشيخ عثروا عليها في كتبهم لا تفيد على وجه القطع ما يريدون؛ بل تفيد بأبعد أنواع الاحتمالات أو باحتمال قريب ومن المعلوم في قواعد الاستدلال أن الاحتمال إذا دخل الاستدلال أبطله وكل أدلتهم ينفذ الاحتمال إليها من كل جانب هذا وإن الاستدلال بكتبهم يفيد من يصدقها وهي ذاتها يعزوها النقد العلمي في سندها وفي متنها من كل ناحية فهي في ذاتها في حاجة إلى دفاع طويل لإثباتها (2).
ويقول د/ عبد الكريم الخطيب، في موضع آخر من كتابه:(بل إنك لتقرا الأناجيل فصلًا فصلًا وكلمة كلمة، فلا توجد فيها إشارة من بعيد أو قريب إلى ما يُعرف بالأقنوم أو الأقانيم)(3).
ومن خلال ما سبق يتبين أنه لم يرد في العهد القديم ولا في العهد الجديد نص يدل دلالة صريحة على التثليث أو الأقانيم وبالتالي فهذا الادعاء من النصارى إدعاء مردود لأنه لا يوجد دليل يقويه وجميع استدلالاتهم على هذه العقيدة في غير موضعها وتعتمد على: إما تأويل باطل لنص من النصوص أو لحمل نص منها على الحقيقة وهو يُراد به المجاز، لذلك يغفل النصارى الدلالات المجازية في أغلب أدلتهم ويحملون الألفاظ على حقيقتها مما يخرجها عن مدلولها المراد فيقعون في الخطأ عن عمد.
ولذلك يقول شيخ الإِسلام ابن تيميه عن النصارى في هذه العقيدة قولهم بالأقانيم مع بطلانه في العقل والشرع لم ينطق به عندهم كتاب، ولم يوجد هذا اللفظ في شىء من كتب الأنبياء التي بأيديهم ولا في كلام الحواريين، بل هى لفظة ابتدعوها، ويُقال إنها رومية وقد قيل: الأقنوم في لغتهم معناه الأصل ولهذا يضطربون في تفسير الأقانيم، تارة يقولون أشخاص، وتارة خواص، وتارة صفات وتارة جواهر وأخرى يجعلون الأقنوم اسمًا للذات والصفة معًا وهذا تفسير حُذاقهم (4).
(1) المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل: د/ عبد الكريم الخطيب، ص 217.
(2)
انظر: محاضرات في النصرانية ص 106، بتصرف.
(3)
المسيح في القرآن: د/ عبد الكريم الخطيب، ص 214.
(4)
الجواب الصحيح: 2/ 114.