الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومعنى هذا أن الذي ترآى للناس ومشي، بينهم وتقلب بين ظهرانيهم باسم المسيح ليس جسدًا مجردًا من اللاهوتية بل إنما الذي فعل ذلك هو الله بعد حلوله -في زعمهم- في شخص المسيح، ولهذا أسندت إليه كل الأفعال التي قام بها المسيح بهذا الاعتبار (1).
ويجيب الإمام ابن تيميه على ذلك بأن هذا يحتاج إلى تثبيت بنوة هذين النبيين وإلى ثبوت النقل عنهما، وثبوت الترجمة الصحيحة المطابقة وبعد هذا يكون حكم هذا الكلام حكم نظائره، ففي، التوراة ما هو من هذا الجنس ولم يدل ذلك باتفاق المسلمين واليهود والنصارى على أن الله حلّ في موسى، ولا في غيره من أنبياء بني إسرائيل بل قوله يترآى هو بمنزلة يتجلى ويظهر، وقد ذكر في التوراة أنه تجلي وترآى لإبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام من غير أن تكون ذاته قد حلت بأحد منهم (2).
تفسير معنى الحلول عند النصارى ورد ابن تيمية على ذلك:
يستشهد النصارى بما ينقلونه عن النبي زكريا من قوله: "افرحي يا بنت صهيون لأني آتيك وأحل فيك وأترايا، قال الله: ويؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة ويكونون له شعبًا واحدًا ويحل هو وهم فيك، وتعرفين أني أنا الله القوي الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهوذا ويملك عليهم إلى الأبد"(3).
فهم يرون في هذا نصًا صريحًا على إتيان الرب لمريم، وحلوله فيها وترائيه في شخص المسيح، وأنه هو الذي سكن فيها أي أن هذا الكلام نص صريح في عقيدة حلول الله في عيسي وظهوره في صورته كما يزعمون (4).
ويرد الإمام ابن تيميه عليهم بقوله: مثل هذا قد ذكر عندهم عن إبراهيم وغيره من الأنبياء أن الله تجلي له واستعلن له وتريا له ونحو هذه العبارات ولم يدلّ ذلك على حلوله فيه، وكذلك إتيانه وهو لم يقل إني أحل في المسيح وأتحد به وإنما قال عن بنت صهيون:"آتيك وأحل فيك".
كما قال مثل ذلك عندهم في غير هذا ولم يدل على حلوله في بشر وكذا قوله: "وتعرفين أني أنا الله القوى الساكن فيك" ولم يرد بهذا اللفظ حلوله في المسيح فإن المسيح لم يسكن بيت المقدس وهو قوي بل كان يدخله وهو مغلوب مقهور حتى أخذ وصلب -حسبما يعتقدون- أو شبهه والله سبحانه وتعالى إذا حصلت معرفته والإيمان به في القلوب اطمأنت وسكنت، وكان بيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح عليه السلام بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك (5).
(1) موقف ابن تيميه من النصرانية: 1/ 242.
(2)
الجواب الصحيح: 2/ 237.
(3)
زكريا: (12/ 10 - 12) رجل بيده حبل قياس.
(4)
موقف ابن تيميه من النصرانية: 1/ 235.
(5)
الجواب الصحيح: 2/ 221.
وقد احتج النصارى أيضًا على عقيدة الحلول والاتحاد بما جاء في سفر الملوك: "والآن يا رب إله إسرائيل ليتحقق كلامك لداود لأنه حق أن يكون أنه سيسكن الله مع الناس على الأرض وكل من فيها فيكون الرب عليها شاهدًا من بيته القدوس ويخرج من موضعه وينزل ويطأ على مشاريق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب"(1).
تقول د/مريم زامل:
(إذا كان المسيح هو الذي وطئ أطراف الأرض وساكن الناس فيها فإن هذا النص قد عبر عن ذلك بأن الله هو الذي فعل ذلك، فالمسيح إذًا -كما يزعمون- إنما فعل ذلك باعتباره ربًا لحلول الرب فيه واتحاده به)(2).
ويجيب الإمام ابن تيميه على هذا الدليل بأن هذا السفر "الملوك" يحتاج إلى أن يثبت أن الذي تكلم به نبي وأن ألفاظه ضبطت وتُرجمت إلى العربية ترجمة مطابقة ثم بعد ذلك يُقال فيه ما يقال في أمثاله من الألفاظ الموجودة عندهم، وليس فيها ما يدل على اتحاده بالمسيح فإن قوله:"إن الله سيسكن مع الناس في الأرض" لا يدلّ على المسيح، إذا كان المسيح لم يسكن مع الناس في الأرض، بل لما أظهر الدعوة لم يبق في الأرض إلا مدة قليلة ولم يكن ساكنًا في موضع معين، وقبل ذلك لم يظهر منه شيء من دعوى البنوة فضلًا عن الإلهية ثم إنه بعد ذلك رُفع إلى السماء فلم يكن يسكن مع الناس في الأرض، وأيضًا إذا قالوا سكونه هو ظهوره في المسيح عليه السلام قيل لهم: أما الظهور الممكن المعقول كظهور معرفته ومحبته ونوره وذكره وعبادته فهذا لا فرق فيه بين المسيح وغيره. وأما قوله: "فيكون الرب عليها شاهدًا" فيقال شهود الله على عباده لا يستلزم حلوله أو اتحاده ببعض مخلوقاته، بل هو شهيد على العباد بأعمالهم كما قال:{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (3)} (4).
إلى غير ذلك من الردود التي رد بها الإمام ابن تيميه على النصارى وأثبت من خلال التفسير الصحيح للنصوص أن الله عز وجل لم يحل بالمسيح عليه السلام وقد بين أيضًا أنه مجرد الشك في نبوة حبقوق وأرميا وغيرهم كفيل برد النصوص الواردة التي استدل بها النصارى ونسبوها إليهم .. وهذا كله يُثبت بُطلان عقيدة الاتحاد والحلول.
(1) انظر: ملوك الأوّل: (8/ 26 - 27) وهذا النص محرف في النسخة الحالية، وليس الملوك الثالث كما ذكر ابن تيميه.
(2)
موقف ابن تيمية من النصرانية: 1/ 237.
(3)
سورة يونس الآية: (46).
(4)
الجواب الصحيح: 2/ 228.
أما صاحب كتاب الجوهر الفريد فقد أدلى بدلوه في قضية الحلول والاتحاد وأسهم في إبطالها والرد على مزاعم النصارى الباطلة، وكان منهجه في مناقشة هذه القضية قائم على ما يلي:
1 -
الاستدلال بنصوص من الكتاب المقدس تدل على بطلان القول بالحلول والاتحاد وتعارض ما يدعيه النصارى.
2 -
رد التفسير الخاطئ لرؤية الله في الدنيا وأنه ليس على الحقيقة إلى ضرورة استخدام المعني المجازى في مثل هذه الأمور وبيان أن الأخذ بالظاهر وحمل اللفظ على حقيقته لا يجوز.
وقال: يستدل النصارى على اتحاد المسيح بالله وحلول الله فيه اتحادًا وحلولًا حقيقيًا بقول جبرائيل الملك للسيدة مريم الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك (1) وبقول السيد المسيح: "الذي رآني فقد رأى الأب (2) " وقوله: "إن إني أنا في الأب والأب فىّ"(3) وغير ذلك من الأقوال (4).
وفي رده عليهم يقول: إن الاستدلال بمثل هذه الألفاظ على الاتحاد والحلول الحقيقى مردود بجملة وجوه منها:
أن لفظ الحلول يطلق على كثير من الخلق غير المسيح بل وعلى الجمادات ففى مواضع متعددة من الكتاب المقدس منها: "حل روح الرب على داود"(5)، حل روح الله على شاول (6)، وفي سفر القضاة:"ولبس روح الرب جدعون"(7). وغير ذلك من النصوص.
(1) لوقا: (1/ 34 - 35) البشارة بميلاد يسوع.
(2)
يوحنا: (14/ 9) أنا هو الطريق والحق والحياة.
(3)
يوحنا: (14/ 10) السابق.
(4)
الجوهر الفريد: ص 55.
(5)
صموئيل الأوّل: (16/ 13) صموئيل يمسح داود ملكًا.
(6)
صموئيل الأوّل: (10/ 10) شاول يصبح ملكًا.
(7)
الإصحاح: (6/ 34) جدعون.
3 -
إقرار المسيح عليه السلام نفسه وأنه قد صرح مرارًا بأن الله تعالى واحد لا يُري ولا يُسمع صوته وأنه شيء آخر غيره وأنه إلهه وإله العالمين ونادى عن نفسه بأنّه إنسان وابن إنسان وقوله: "الله بالحقيقة فيكم"(1) .. وغير ذلك من الأقوال التي تنافي الحلول والاتحاد الحقيقي وقول بولس: "الله بالحقيقة فيكم" أظهر من قوله: "يحل عليك" وقول المسيح: "أنا في الأب والأب فىّ".
4 -
إن رؤية الله تعالى في الدنيا ممتنعة واعتراف المسيح نفسه بأنّه تعالى لا يُري وذلك يعارض الأخذ بظاهر قول الإنجيل: "من رآنى فقد رأى الأب" وهذا يتضح معناه هو أن من رأى صنع الله تعالى على يديه من الآيات كإحياء الميت وإبراء المرضي فكأنه رأى الله كما يؤيد ذلك بقوله: "لو عرفتموني لعرفتم أبى (2) "(3).
ثم يضيف العلامة أحمد ديدات حول هذا الاتحاد المزعوم قائلا:
(لو كان عيسى يكون مع الله شيئًا واحدًا، ولو كان هذا التوحد معه، يجعل منه إلهًا، لكان لنا أن نعتبر: "يهوذا الخائن وتوما وبطرس" إلى جانب التسعة الآخرين الذين تخلوا عنه عندما كان في شدة الحاجة إليهم، آلهه)(4).
(1) رسالة بولس إلى كورنثيوس: (14/ 25) البنوة والألسن.
(2)
يوحنا: (8/ 19) أنا هو نور العالم.
(3)
الجوهر الفريد: ص 56 - 58.
(4)
المسيح في الإِسلام: ديدات، ص 80، ولمزيد من التفصيل، انظر: ص78 - 80.