الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتتجلى رؤية الشيخ المسعودى في ثوبها العلمي القشيب الذي ينم عن درايته بقواعد نقد السند طارحًا في أثناء رده عليهم الافتراضات التي ربما تعن لسائل منهم أن يسأل أو لمدع أن يلتمس عذرًا لما يقولون .. وتتلخص رؤيته النقدية فيما يلي:
يقال للنصارى ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواترًا أم آحادًا؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حُجة ولم يثبت العلم الضروري، إذ الآحاد لا يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يعرض ذلك لهم فلا يحتج بهم في القطعيات (1).
وإن عزو ذلك إلى التواتر، قلنا لهم شرط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة، وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير عن الذين شاهدوا المشهود به وهو المصلوب -وعلموا به ضرورة فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر، فإن زعموا أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه هذه الصفة كذبتهم الأناجيل إذ قالت: إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة يسيرة من تلاميذه فلما قُبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه أحد سوى بطرس من بعيد، فلما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته، فقالت هذا كان مع يسوع فحلف أنه لا يعرف يسوع
…
وخادعهم حتى تركوه وذهب (2) وأن شابًا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به "فترك إزاره في أيديهم وذهب عريانًا"(3).
فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين يزعم النصارى أنهم حضروا الأمر لم يبلغوا حد التواتر؛ بل كانوا آحادًا وأفرادًا، وهم أعداؤه ويُحتمل تواطؤهم على الكذب على عدوهم إيهامًا أنهم ظفروا به (4).
ب- الرؤية النقدية حول عقيدة الصلب لبعض المحدثين:
ولكثرة الردود الإجمالية على عقيدة الصلب أذكر منها ما يلي:
يعرض م / الطهطاوي؛ أ/ محمَّد رشيد رضا (5)، وغيرهما من العلماء مختصرًا لفكرة الصلب قبل مناقشتها ثم يعقبون عليها بالردود الشافية الكافية في إبطالها، ويعترضون عليها بافتراضات عقلية تبين فسادها وفي عرضهم للفكرة يقولون:
(1) المنتخب الجليل: المسعودى، ص 274.
(2)
انظر: متى: (26/ 69 - 74) إنكار بولس.
(3)
انظر: مرقس: (14/ 52) وقد انفرد مرقس بذكر هذه الواقعة.
(4)
المنتخب الجليل: ص 274.
(5)
هو: محمَّد رشيد علي رضا بن علي خليفة القلامونى البغدادي الأصل، ولد ونشأ في القلامون بالشام سنة 1865 م، صاحب مجلة المنار، له مؤلفات منها: عقيدة الصلب والفداء، شبهات النصارى وحجج الإِسلام، توفي بمصر سنة 1935م (الأعلام للزركلي 6/ 126).
(يقول المسيحيون أن أساس هذا الصلب هو صفة العدل، إذ كان على الله بمقتضى هذه الصفة أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي ارتكبها أبوهم، ولكن بمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر (1).
بعض الاعتراضات على هذه الفكرة كما يعرضها م/ الطهطاوي وهي نقد في نفس الوقت:
1 -
أين كان عدل الله ورحمته منذ طرد آدم من الجنة حتى صلب المسيح فهل كان الله حائرًا بين العدل والرحمة آلاف السنين حتى قبل المسيح منذ ألفى عام أن يصلب للتكفير عن خطيئة البشر؟
2 -
والمبدأ العام المعترف به في الديانات جميعًا وفي القوانين الوضعية وعُرف جميع الناس أنه لا يورث عن الآباء سوى ثرواتهم، أما جرائمهم فلا تورث عنهم ولا تؤاخذ بها ذرياتهم، ويترتب على ذلك ما يلي:
أ- أنه لا علاقة لذرية آدم بخطيئة آدم طبقًا لما أوردته عقيدة الفداء عن النصارى بأن المسيح قُتل وصلب كفارة عن خطيئة آدم وذريته إذ لا شأن لذرية آدم بما ارتكبه آدم تطبيقًا لما ورد في سفر التثنية: "لا يُقتل الآباء عن الأولاد ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يُقتل"(2). وما ورد في حزقيال: "النفس التي تخطئ هى تموت، الابن لا يحمل من إثم أبيه والأب لا يحمل من إثم الابن بر البار عليه وشر الشرير عليه يكون"(3)
ب- فساد القول بالمعمودية التى يقول عنها النصارى أنها تطهير المصطبغ بها من خطيئة آدم.
3 -
إذا كانت الكلمة قد تجسدت لمحو الخطيئة الأصلية، فما العمل في الخطايا التي تجد بعد ذلك؟ ومنها ما هو أقسى من عصيان آدم.
4 -
إذا كان المسيح ابن الله فأين كانت عاطفة الأبوة؟ وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقى دون ذنب ألوان التعذيب والسخرية ثم الصلب مع دق المسامير في يديه (4).
أما أ/محمَّد رشيد رضا في نقده الاجمالي لهذه العقيدة يقول:
1 -
لا يمكن أن يقبل هذه القصة من يؤمن بالدليل العقلي أن خالق العالم لا بد أن يكون بكل شيء عليمًا، وفي كل صنعة حكيمًا؛ لأنها تستلزم الجهل والبداء على الباري عز وجل، كأنه حين خلق آدم ما كان يعلم ما يكون عليه أمره وحين عصى آدم ما كان يعلم ما يقتضيه العدل والرحمة في شأنه حتى اهتدي إلى ذلك بعد آلاف السنين مرت على خلقه.
(1) النصرانية والإِسلام: ص 50.
(2)
الإصحاح: (24/ 16).
(3)
الإصحاح: (18/ 20).
(4)
انظر: النصرانية والإِسلام، ص 50 - 53.