الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفقرة الرابعة
في:
مشاهد من القرآن الكريم فيما يجري في
اليوم الآخر من حوار
إن الإنسان في الدنيا عندما يجد نفسه في خطر فإنه يبذل غاية وسعه للخلاص من الخطر، وعندما يكون للإنسان حق يجادله فيه الآخرون، ثم يظهر حقه فإن له مقالًا، وعندما يقهر الظالمون يعتذرون، فالإنسان له طبيعته ومواقفه، واليوم الآخر هو يوم الفصل فيما كان الناس يختلفون فيه، وهو اليوم الذي تظهر فيه الأمور على حقائقها، وينكشف فيه صدق الرسل، ويرى الناس تحقق الوعد والوعيد. وفي هذا كله تجد الإنسان يجادل عن نفسه أقصى الجدال لعل ذلك ينفعه، وترى أهل الباطل يعتذرون أشد الاعتذار لعل ذلك ينفعهم، وترى الحوار بين أهل الباطل فيما بينهم، وترى الحوار بين أهل الحق فيما بينهم، وترى الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وترى مناشدة أهل النار للملائكة وأهل الجنة، وترى الكلمة الطيبة من الملائكة لأهل الجنة، وكل ذلك تجد تفصيلاته في القرآن. وفي هذه الفقرة سنعرض نماذج على ذلك للتذكير كي لا يخلو الكتاب من هذا الجانب المهم من مشاهد اليوم الآخر:
{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ *
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (1).
قوله تعالى: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} السائق والشهيد ملكان، وقيل: السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات. وقوله تعالى:{وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} : المراد بالقرين الملك الموكل عليه، والعتيد الحاضر، أي يقول الملك هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي. {أَلْقِيَا} هذا خطاب للملكين السائق والشهيد. قوله تعالى:{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} القرين هنا هو الشيطان المقيض له والمقيد معه {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} أي ما أضللته، وكأن هذا جواب على شكوى من الإنسان باتهام الشيطان؛ ولذلك قال تعالى:{قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} ، وهذا يفيد أن حوارًا يجري بين الشيطان وبين قرينه من الإنس يحمل كل منهما الآخر مسؤولية الضلال. والظاهر أن هذا الحوار بين الشيطان وقرينه في موقف الحساب.
قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} (3) هذان السؤالان قائمان في موقف الحساب: يسأل الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، ويسأل المرسلون عن البلاغ وعما أجابتهم به أقوامهم، وفي هذه الآيات نموذج على سؤال المرسلين، والمرسل إليهم ينكرون عادة أن رسلهم بلغتهم ويتبرؤون، فيشهد محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أن الرسل قد بلغت ومن خلال هذا النص الذي معنا نفهم أن النصارى الذين أشركوا
(1) ق: 19 - 35.
(2)
المائدة: 116 - 119.
(3)
الأعراف: 6.
يزعمون أن دعوة عيسى كانت أمرًا لهم بأن يتخذوه وأمه إلهين، وعيسى عليه الصلاة والسلام ينفي ويرد.
الظاهر أن القائلين للمجرمين في النار هم الملائكة. والمشركون عندئذ يعرفون أنهم ما كانوا يدعون جهة يعتد بها، والظاهر أن هذا السؤال يكون في مرحلة تسبق المرحلة التي يقرن فيها مع المشركين ما كانوا أشركوا به.
قوله تعالى: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} : الظاهر أن هذا على الصراط، وذكر الأيمان لأن فيها صحائف الاعمال المنيرة، وقوله تعالى:{قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ} القائل للمنافقين هذا القول هو المؤمنون أو الملائكة {فَالْتَمِسُوا نُورًا} أي اطلبوا النور إما من الموقف أو من الدنيا إشعارًا لهم بأن النور إنما يكون من العقائد الصالحة والأعمال الطيبة في الدنيا. وقوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} أي بحائط له باب يدخل منه المؤمنون فيؤول بهم إلى الجنة، ولذلك قال:{بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} وذلك لئلا يقرب هذا الباب المنافقون. ويبدو أن هذا كائن إما في أول الصراط
(1) غافر: 71 - 74.
(2)
الحديد: 12 - 15.
أو في آخر الصراط أو في مكان ما على الصراط.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ} أي يتعام عن القرآن ويعرض عنه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} نسلط {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي مصاحب {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} الضمير في الكلمتين يعود على الإنسان الضال وقرينه؛ فإن هؤلاء يتعاونون على صد الخلق عن سبيل الله، وهم يتصورون أنهم مهتدون بذلك كما نرى حال الكافرين في عصرنا دعاة ومدعوين، فكل صاحب دعوة يتوهم أنه يدعو الناس إلى هداية، {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} أي ذلك الإنسان الذي أضله الشيطان {قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} ، وذلك أن الكفار يحشرون مقرنين مع شياطينهم.
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} أي المتبعون ممن كانوا يتبعونهم، ويدخل في المتبعين هما أئمة الضلال ومن عبد من دون الله، والظاهر أن هذا يكون بعد شفاعة فصل الخطاب. وقوله تعالى:(وتقطعت بهم الأسباب) أي الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والأغراض الداعية إلى ذلك وهذا نموذج على الحوار بين الأتباع والمتبوعين عندما تؤمر كل طائفة أن تتبع ما كانت تعبد من دون الله أو عندما يدعى كل أناس بإمامهم وذلك بعد شفاعة فصل الخطاب.
{وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا
(1) الزخرف: 36 - 39.
(2)
البقرة: 165 - 167.
وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ * {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (1).
هذا نموذج على ما تتلقى به الملائكة أصحاب النار من سؤال، وهو سؤال يأتي بعد أن قامت عليهم الحجة، وهم يجيبون على هذا السؤال معترفين مقرين بعد إذ رأوا أن إنكارهم من قبل لم يفدهم لكثرة الشهود ولقطعية الشهادات.
هذا نموذج على نوع مما يحدث من خطاب لأهل النار من الله عز وجل، ومن دعاء وجواب من أهل النار، وظاهر النص أن الخطاب مباشر من الله عز وجل لأهل النار، وبعض المفسرين ذهب إلى أنه بالواسطة.
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ
(1) تبارك: 6 - 12.
(2)
المؤمنون: 101 - 115.
عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} (1).
قوله تعالى: {وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} يحتمل هذا النص أن يكون من إجابة بعضهم لبعض، أو من إجابة الملائكة لهم، {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} أي وأشباهم، والخطاب من الله عز وجل، وهذا يفيد أن عباد الأصنام أو عباد صنم ما أو عباد الكواكب أو عباد كوكب ما، وهكذا قل في سائر المشركين أنهم يحشرون مع بعضهم بعضًا، والأمر بحشر الأصناف بعضها مع بعض من الله عز وجل. والظاهر كما أنه تحشر الأصناف مع بعضها فإنها تدخل النار مع بعضها وهذا مقتضى قوله تعالى:{كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} (2)، وقوله تعالى:{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} أي فعرفوهم طريقها ليسلكوها {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} عن عقائدهم وأعمالهم، ومعنى قوله {وَقِفُوهُمْ} أي واحبسوهم يوم الموقف. {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} هذا سؤال يوجه إليهم تبكيتا
(1) الصافات: 19 - 68.
(2)
الملك: 8.
وتوبيخًا، والسائل إما الله تعالى، وإما الملائكة، وفي السؤال إشارة إلى أن سر اشتراكهم في الكفر هو التناصر، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} أي الرؤساء والأتباع أو الكفرة والقرناء {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي بأقوى ما تستطيعون أن تأتونا به من الشبه لتضلونا، فيجيب المتبوعون ما يجيبون به، وفي النص نموذج على حوار متعدد بين أكثر من متكلم.
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي محبوسون عند ربهم وذلك يكون في موقف الحساب قبل الوزن والميزان وبعد الشفاعة لفصل الخطاب. {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} أي يتحاورون وهذا الحوار بين المتبوعين من الأنس من السادة والكبراء وأئمة الضلالة وبين أتباعهم، وقوله تعالى على لسان المستضعفين:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي بل مكركم في الليل والنهار حتى فتنتمونا وأمررتم علينا ضلالكم فأضللتمونا، ومن يشهد في عصرنا سهر الدوائر الكافرة ودأبها على الإضلال يرى ما ذكرته الآية واقعًا حيًا وقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} المراد بذلك ما يقيدون به في النار بعد إذ يدخلونها.
(1) سبأ: 31 - 33.
(2)
سبأ: 40 - 42.
هذا نموذج على سؤال الله والملائكة وجوابهم فهناك ناس عبدوا الملائكة من دون الله وأظهر ما يظهر ذلك في ديانة الصابئة الموجودين في العراق حاليًا إذ يعبدون الأرواح العلوية.
هذا نموذج للحوار بين أئمة الضلالة وأتباعهم في النار، كما أنه نموذج على حوار أهل النار للملائكة وطلبهم منهم تخفيف العذاب ولو يومًا واحدًا ورد الملائكة عليهم، وأمثال هذه النصوص التي تتحدث عن الحوار بين الأتباع والمتبوعين تؤكد أن على المسلم أن يختار للاقتداء والاتباع من يطمئن إلى ربانيته وولايته، وأن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وذلك بحبهم وطاعتهم.
{الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (2).
قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} أي نبيا يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، وفي هذا المقام مقام شهادة الأنبياء على الأمم {لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي ولا هم يسترضون. وبعد هذا المقام يشكو المشركين متبوعيهم إما من باب
(1) غافر: 47 - 52.
(2)
غافر: 70.
(3)
النحل: 84 - 87.
الطلب أن يضاعف لهم العذاب، وإما من باب الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين، ويكذبهم المتبوعون ويستسلم الجميع لحكم رب العالمين حين لا ينفعهم الاستسلام الذي كان مطلوبا منهم في الدنيا بأن يدخلوا الإسلام ويستسلموا لله فيه.
وتتمة المشهد هو: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} (1) وقد مر معنا من قبل.
قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} أي عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها غيرها فتقول نفسي نفسي ولكن النفس الكافرة لابد أن توفى أعمالها أما النفس المؤمنة فلله فيها مشيئة وهناك شفاعات تصيبها وتنفعها.
وهذا نموذج آخر على ما يكون من سؤال وجواب وحوار يوم القيامة وفيه دعوة للكينونة من أهل التقوى والبعد عن الشرك ومظاهره.
(1) النحل: 89.
(2)
النحل: 111.
(3)
النحل: 27 - 32.
(4)
الكهف: 52 - 53.
{وَيَوْمَ يَقُولُ} أي الله تعالى للكافرين: {نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي زعمتم أنهم شركائي أو شفعاؤكم يمنعونكم من عذابي والمراد ما بعد من دونه، وقيل إبليس وذريته (فَدَعَوْهُمْ} أي فنادوهم (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} أي بين الكافرين وآلهتهم {مَوْبِقًا} مهلكا يشتركون فيه وهو النار أو عداوة هي في شدتها هلاك.
قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} أي لما أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فإن الشيطان يقوم خطيبا في الأشقياء من الثقلين، وفي النص نموذج على الحوار بن الأتباع والمتبوعين في النار ومحاولة الشيطان أن يخرج من لوم اللائمين على إغوائهم وقوله {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم تغيثونني.
قوله تعالى: {حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} أي شراب يغلي، والغساق صديد أهل النار {وَآخَرُ} أي وعذاب آخر {مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} من مثله أجناس.
(1) إبراهيم: 21 - 22.
(2)
ص: 55 - 58.
(3)
ص: 59 - 61.
النص يدل على أن أئمة الضلال يدخلون النار قبل أتباعهم فيكون بين الأتباع والمتبوعين هذا التخاصم الذي ذكره النص الكريم.
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي للجزاء {وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي كل معبود سواه {فَيَقُولُ} أي الله تعالى للمعبودين {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} . {قَالُوا} الظاهر من السياق أن المراد بذلك أن من عبد فلم يرض أو عبد ولم يشعر يقولون {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} أي هالكين {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا} أي دفعاً للعذاب عنكم {وَلَا نَصْرًا} يعينكم أحد عليه، وفي النص دليل على أن كثيرا ممن عبد من دون الله لا مسؤولية عليهم.
في النص دليل على أن الأمم المتقدمة في الزمن تدخل النار قبل الأمم المتأخرة في الزمن، ومن سبق في الضلال فتابعه عليه لاحقون يلومون السابقين، والسابقون يشمتون
(1) ص: 62 - 64.
(2)
الفرقان: 17 - 19.
(3)
الأعراف: 38 - 39.
بهم؛ لأن اللاحقين يدعون فضلاً على المتقدمين كما نرى في عصرنا؛ إذ يرى اللاحقون أنهم قد سبقوا المتقدمين في العلم والتقدم، وبعد استكمال النار أهلها يدعو اللاحقون أن يضاعف الله للسابقين العذاب فيعرفهم أن العذاب المضاعف للجميع لمن ضل وأضل بسبب ضلاله وإضلاله، ولمن ضل متابعا للأولين بسبب ضلاله وتقوية الضلال وأهله بتقليد الضالين.
(أهل الأعراف): قوم تساوت سيئاتهم وحسناتهم فلا هم استحقوا النار فيدخلونها، ولا استحقوا الجنة فيدخلونها لكنهم يطمعون أن يدخلوها بفضل الله وهم داخلون في المآل، ويكونون قبل دخولهم الجنة بين أهل الجنة والنار، والنص يدل على أن حوارًا يجري بين أهل الجنة والنار، وبين أهل الأعراف وأهل النار وهذا يفيد أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار وذلك من تمام النعمة والاعتبار ليشكروا.
{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ * ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ
(1) الأعراف: 44 - 49.
(2)
الأعراف: 50 - 51.
أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (1).
هذا نموذج آخر على حوار بين أهل الجنة وأهل النار.
{النَّاقُورِ} الصور {نُقِرَ} نفخ {لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} أي معاندًا جاحدًا للحق. {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} سأكلفه عذابًا شاقا لا يطاق. {وَبَسَرَ} اشتد في العبوس وكلوح وجهه {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} سأدخله جهنم {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} مسودة للجلود محرقة لها {الْكُبَرِ} الدواهي العظيمة {رَهِينَةٌ} أي مرهونة عنده تعالى بعملها {مَا سَلَكَكُمْ} ما أدخلكم {حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} حمر وحشية شديدة النفار {قَسْوَرَةٍ} أسد.
{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ
(1) المدثر: 8 - 51.
الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (1).
هذا نموذج على حوار بين أهل الجنة فيما بينهم ونموذج على أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار.
والمراد بالقرين في الآيات الصاحب الكافر في الدنيا، والذي يجمعه مع المؤمن سبب من عمل مشترك أو جوار أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل المؤمن يجالس الكافر، وكيف أن الكافر كان ينكر على المؤمن إيمانه. فههنا المؤمن يخاطب الكافر هذا الخطاب المذكور في الآية وقد جاءت هذه الآيات بعد الكلام عن اجتماع أهل الجنة على شرابهم فهم يتحدثون ويجرهم الحديث إلى هذا الموقف.
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي خيارًا أو عدولًا مزكين بالعلم والعمل {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أي على معاصريكم وعلى من قبلكم وبعدكم {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فيشهد لكم بالعدالة، وشهادته لكم بالعدالة في الموقف تأكيد لشهادتكم على الأمم، وهذا يكون عندما تنكر الأمم أن رسلها قد بلغتها وذلك في موقف من مواقف القيامة.
* * *
وبعد:
فلقد حرصنا ألا يخلو الكلام عن اليوم الآخر من الإكثار من النصوص القرآنية ليزداد المسلم فهما وبصيرة بما يجري في اليوم الآخر، وحرصنا أن نبين ما استطعنا تسلسل الأحداث في اليوم الآخر لأن الكتابة في هذا الشأن قليلة فاقتضى هذا منا الإكثار من النصوص والنقول والتعليقات
(1) الصافات: 50 - 61.
(2)
البقرة: 143.