الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
ذكرنا في قسم السيرة النبوية الكثير من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وندر أن يمر معنا قسم إلا وفيه من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، وأثناء تفسيرنا للقرآن مرت معنا معجزات كثيرة، والمعجزة القرآنية هي أعظم المعجزات على الإطلاق في كل العصور لظهورها وديمومتها، وظهور المعجزة على يد الرسول علامة الرسالة.
ولقد كان من سنة الله عز وجل ليتأصل الإيمان ويتعمق ولتبقى حجج الله على خلقه متوالية أن جعل الكرامات على يد أوليائه استمرارًا للمعجزات وتثبيتًا لأهل الإيمان.
ومع الكرامات نجد المعونات والتأييدات والتوفيقات التي يكرم الله عز وجل بها عباده المؤمنين على مقتضى الأسباب ولكن بما يظهر معه توفيق الله للمؤمنين أو بركته.
ومن المكرمات أو المعونات استجابة الدعاء، وإنما جعل جل جلاله المعجزات بالقدر الذي تقوم به الحجة حتى لا تصبح عادة فتضعف بذلك حجيتها، ومن ناحية أخرى فإن الذين يكذبون بالآيات بعد ظهورها يستحقون العذاب:
قال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (1).
ولقد جعل الله عز وجل ظواهر الكون ومظاهره بحيث يعرف بها الله عز وجل، وجعل عز وجل في المعجزات والكرامات والمعونات مزيدًا من الحجج وعلامة على قدرته، جل جلاله، ومن خلال ذلك يعرف المكلف ربه عز وجل ويعرف رسل ربه وأولياءه، ويقتضي ذلك منه إيمانًا والتزامًا بوحي الله عز وجل، وإجلالًا لله ولرسله وأوليائه.
وهذا هو دين الله الإسلام، الذي هو معرفة الله ورسوله والتصديق بقول الله ورسوله، والالتزام بأمر الله ورسوله، وإذا كان الكون وقوانينه وما فيه من روائع وخدمات مسخرًا للإنسان:
(1) الإسراء: 59.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (1).
{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (2).
وإذا كان الإنسان باحثاً عن المصلحة والمنفعة حريصا عليهما لايني يبحث عن أمور دنياه {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (4).
فقد جعل الله عز وجل أمر استكشاف الدنيا للإنسان ومن ههنا جاء قوله عليه الصلاة والسلام: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"(5).
وقال جل جلاله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (6).
ومن هذا وغيره قسم علماء العقائد الأحكام التي يصدرها الإنسان إلى ثلاثة: فهناك الحكم العقلي الذي يدرك بمحض العقل.
وهناك الحكم العملي الذي يدرك بالتجربة والاستقراء والاستنتاج وهو الذي يسمونه بالحكم العادي.
وهناك الحكم الشرعي الذي يعرف بواسطة الوحي.
ولكل مجاله، ولكل وسائل البحث فيه ومن لم يعرف أنه لا يتناقض حكم عادي مع حكم عقلي أو شرعي ولا حكم عقلي مع حكم عادي أو شرعي، ولا حكم شرعي مع عقلي أو عادي فقد أخطأ التصور، ومن طلب من الشرع أن يعرفه على الحكم العادي إلا بقدر ما يحتاجه الحكم الشرعي، أو طلب من الشرع أن يعرفه بالحكم العقلي إلا الأحكام العقلية
(1) البقرة: 21.
(2)
هود: 61.
(3)
لقمان: 20.
(4)
الأعلى: 16، 17.
(5)
مسلم (4/ 1836) 43 - كتاب الفضائل، 28 - باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا
…
(6)
الروم: 7.
التي تحتاجها إقامة الحجة على صحة الشرع فإنه يأتي البيوت من غير أبوابها، نعم فقد يخرق الله الحكم العادي بمعجزة أو كرامة لتقوم الحجة على الخلق أو ليزداد أهل الإيمان إيمانًا.
وهناك حالة من خرق العوائد تأتي استدراجًا لأصحابها كما يظهر على يد المسيح الدجال وذلا لا يكون إلا إذا كانت حجة الله على أصحاب ذلك قائمة بأنهم كاذبون في دعواهم.
إن معرفة هذه القضايا تأتي بالدرجة العليا من الأهمية في قسم العقائد ولذلك أحببنا الإشارة إليها هنا مؤكدين ما مر معنا من قبل، وبمناسبة أننا ضممنا هذا الباب كلاما عن المشوشات على المعجزات والكرامات والمعونات.
إن في المعجزات والكرامات حجة لله على خلقه، ويشوش على ذلك في حق بعض الناس الخوارق التي هي من باب الاستدراج كما يظهر على يد المسيح الدجال، وإنما جعل الله عز وجل هذا النوع من الخوارق ليبقى للعقل وللشرع دوره في الإثبات والنفي. فالاستقامة على الشرع شرط وجود الكرامة وإلا فهي استدراج، وموافقة الدعوى للحكم العقلي شرط وجود الخارقة التي هي حجة لصاحبها، فعندما يدعى المسيح الدجال الألوهية وهو أعور، وهو جسد فدعواه تنقضها العقول، فالعقول تثبت أن الله صفات الكمال وأنه تنزه عن صفات الحوادث.
ومن ههنا إن هذا النوع من الخوارق تشويشًا على المعجزة والكرامة في حق الجاهلية والسفهاء، وهناك مشوشات أخرى على المعجزات والكرامات:
فهناك الكهانة والتنجيم اللذان يشوشان على النبوءة والكشف، واللذان هما أثر عن إيحاء الشياطين وإنما يعرف أصحاب ذلك من الكذب وعدم الاستقامة.
ومن المشوشات على المعجزة والكرامة السحر، وهناك فارق بين السحر والخارق: أن السحر يجري على مقتضى عالم الأسباب، بينما المعجزة والكرامة خرق لعالم الأسباب.
ومن ههنا أدخلنا في هذا الباب فصولًا حول هذه المشوشات:
وقد وقع أهل الجاهلية في إسفافات خطيرة من جملتها قضية تحكيم الأزلام والطيرة التي تعني في النهاية تحكيم الجماد والطير في قرار الإنسان، وقد أبدلنا الله بهما الاستخارة فلا
أروع ولا أشرف.
ومن طبيعة الإنسان التفاؤل والتشاؤم، ولذلك تأثيره على سلوك الإنسان وهو بشكل من الأشكال له علاقة بالتوكل، فالتفاؤل يرافقه توكل والتشاؤم إضعاف للتوكل وضعف فيه.
والإنسان بطبيعته إذا أصابته مصيبة يفر إلى غيره فإذا كان الفرار إلى الله فما أحلاه، ولكنه يفر أحيانًا إلى عالم الأسباب، فإذا كان فراره مقيدًا بالحكم الشرعي فلا حرج، ومما يفر إليه الإنسان أن ينسب أشياء إلى عالم الأسباب ناسيًا خالقها، ومما يفر إليه الإنسان التميمة والرقي، فإذا فر إلى مباح شرعًا فذلك له وجهه وإلا فقد وقع في المحظور، وقد أدخلنا هذه الأبحاث في هذا الباب لأن لها صلة بالعقائد.
ولا زال هذا الإنسان مجهولًا، ولا زال بعض الناس لهم خاصيات، ومن الخواص التي ذكرها الشارع خاصية العين، ولورودها في كلام الشارع ولأن فيها جانبًا غيبيًا أدخلناها في هذا الباب.
وانتقال المرض من إنسان لإنسان ومن حيوان لحيوان أو من حيوان لإنسان أو من إنسان لحيوان مشاهد معروف، ولكن هذه قضية متداخلة ومتسلسلة وخفية ولذلك أهدرها الشارع، وعلى هذا نفهم قوله عليه الصلاة والسلام:"لا عدوى"(1) فليس المراد بذلك أن أحدًا لا يعدي أحدًا بمرض فذلك منفي بالمشاهدة ومنفي في أحاديث أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإنما المراد أن العدوى لا يترتب عليها حكم ولا مسألة، ولالتباس هذا الأمر أدخلناه في العقائد.
وكان أهل الجاهلية ينذرون لأصنامهم وأوثانهم، والنذر عبادة، ثم إن النذر يعني في النهاية إنشاء لعبادة يوجبها الإنسان على نفسه، وهي قضية يختلف فيها الحكم الفقهي بالحكم الاعتقادي ويقع فيها لبس قد يوصل إلى شرك أو إثم فأدخلنا موضوع النذر ههنا، واليمين
(1) البخاري (1/ 171) 67 - كتاب الطب، 25 - باب لا صفر.
ومسلم (4/ 1742) 39 - كتاب السلام، 22 - باب لا عدوى ولا طيرة.
بالله فيه معنى التعظيم لله واليمين بغيره فيه تعظيم لذلك الغير، وفي كل الأحوال فإن الأمر مرتبط بالعقائد بشكل من الأشكال وإن كانت تفريعات من مسائل الإيمان تدخل في كتب الفقه، فأدخلنا هذا الموضوع ههنا.
فهذه موضوعات هذا الباب الذي أسميناه: مباحث عقدية:
السحر والكهانة والتنجيم وقطع نسبة الأشياء إلى الله والطيرة والفأل والشؤم والعدوى والعين والرقي والنذور والإيمان وقد جعلناها في فصول هذا الباب:
الفصل الأول: في بعض المشوشات الزائفة على النبوة: السحر والكهانة والتنجيم.
الفصل الثاني: في نسبة الحادثات إلى الأسباب مقطوعة عن الله عز وجل.
الفصل الثالث: في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى وما يجري مجراها.
الفصل الرابع: في العين والتمائم والرقي.
الفصل الخامس: في النذر.
الفصل السادس: في اليمين.
* * *