الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربع وستين
في أولها هلك مسلم بن عقبة بهرشى بين مكة والمدينة جبل قريب من الجحفة [1] متجهزا لحرب ابن الزّبير، بعد ما استباح المدينة، وفعل القبائح ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه، ومن العجب أنه شهد الحرّة وهو مريض في محفة كأنه مجاهد.
ومات يزيد بعده بنيّف وسبعين يوما، توفي بالذبحة وذات الجنب، في نصف ربيع الأول بحمص وله ثمان وثلاثون سنة، وصلى عليه ابنه معاوية، وقيل: ابنه خالد، وكان شديد الأدمة، كثير الشعر، ضخما، عظيم الهامة، في وجهه أثر الجدريّ، وكنيته أبو خالد، قيل: قال له أبوه معاوية رضي الله عنه: بايعت لك النّاس، ومهّدت لك الأمر، ولم يتخلّف عن بيعتك إلا أربعة: الحسين، وعبد الله بن عمر، وابن الزّبير، وعبد الرّحمن ابن أبي بكر، فاستوص بالحسين خيرا لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لحمه ودمه، وأما عبد الله بن عمر فقد وقّرته العبادة، فليس له في الملك حاجة، وأما عبد الرّحمن فمغرم بالنساء، فأذعنه بالمال، وأما الذي يثب عليك وثب الأسد، فكذا وكذا، وذكر كلاما معناه التحريض على قتاله، وكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية
[1] انظر «معجم البلدان» لياقوت (5/ 397) .
أشهر واثني عشر يوما، وعهد بالأمر إلى ابنه معاوية، فبقي في الأمر شهرين أو أقل ومات، وكان يذكر فيه الخير، ومات وله إحدى وعشرون سنة، وأبى أن يستخلف، وقال: لم أصب حلاوتها فلا أتحمّل مرارتها، ولما كان من أمر الحسين ما كان، بقي ابن الزّبير بمكّة عائذا بالبيت، فجهّز لحربه يزيد الحصين بن نمير السّكوني، فرمى الحصين الكعبة بالمنجنيق، حتى تضعضع بناؤها ووهى، وقتل بحجر المنجنيق المسور بن مخرمة النّوفلي، له صحبة ورواية، واحترق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل، وجاء نعي يزيد، فترجّل الحصين، وبايع أهل الحرمين ابن الزّبير، ثم أهل العراق واليمن، حتى كادت تجتمع الأمة عليه، وغلب على دمشق الضّحّاك الفهري، مختلف في صحبته، وكان دعا إلى ابن الزّبير ثم تركه، ودعا إلى نفسه، فانحاز عنه مروان في بني أميّة إلى أرض حوران [1] ووافاهم عبيد الله بن زياد من الكوفة مطرودا من أهلها، وتضعضع أمر بني أمية حتى كاد يندرس، فنهض مروان لطلب الملك، فالتقى هو والضّحّاك بعد قصص تطول، فقتل الضّحّاك في نحو ثلاثة آلاف من أصحابه.
ثم سار أمير حمص يومئذ النّعمان بن بشير [2] الأنصاري الصحابي لينصر الضّحّاك، فقتله أصحاب مروان.
وفيها: توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، وكان جوادا حليما، عين للخلافة بعد يزيد، ولي إمرة المدينة غير مرة.
وفيها توفي ربيعة الجرشي فقيه النّاس زمن معاوية [3] .
[1] قال ياقوت: حوران كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع وحرار، وما زالت منازل العرب، وذكرها في أشعارهم كثير، وقصبتها بصرى. «معجم البلدان» (2/ 317) .
[2]
في المطبوع: «النعمان بن بشيرا» وهو تحريف.
[3]
انظر ترجمته في «الإصابة» لابن حجر (3/ 268، 260) .
وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزّبير الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم على ما حدّثته خالته عائشة رضي الله عنها، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقّق أيضا من المنجنيق واحترق سقفه
.