الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرّابع عملنا في تحقيق الكتاب
إن أهم ما يراد من تحقيق أيّ كتاب من كتب تراثنا العربي الإسلامي العظيم، هو الوصول به إلى جادة الصواب:
قال ابن منظور: حقّ الأمر يحقّه حقا وأحقّه: كان منه على يقين، تقول:
حققت الأمر وأحققته: إذا كنت على يقين منه [1] .
وقال أيضا: وأحققت الشّيء أي أوجبته. وتحقّق عنده الخبر، أي صحّ.
وحقّق قوله وظنّه تحقيقا، أي صدّق. وكلام محقّق، أي رصين، قال الرّاجز:
«دع ذا وحبّر منطقا محقّقا» [2] وفن التحقيق كما تعلمته على يدي والدي- حفظه الله- يتفق تمام الاتفاق مع ما قاله ابن منظور، فإن والدي علّمني بأن التحقيق يعني محاكمة النص الذي يراد تحقيقه، بحيث لا يدع من يتصدى لتحقيق كتاب من الكتب كلمة أوردها المؤلّف دون أن يكون منها على يقين، وخاصة منها ما يحتمل التحريف والتصحيف والخطأ، كالآيات، والأحاديث، والأسماء، والكنى، والألقاب، وأسماء الأمصار، والأبيات الشعرية، والأمثال، والأقوال، وغير ذلك مما قد يرد في نص المؤلف، وذلك لتقويم ما قد يقع فيه من الخطأ، واستدراك السّقط، لأن العلماء المتقدمين الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم هم مثلنا من بني
[1]«لسان العرب» «حقق» (2/ 940) . طبعة دار المعارف بمصر.
[2]
المصدر السابق، ص (942) .
البشر، وبنو البشر عرضة للخطأ والنسيان، مهما كان موقع أحدهم من أهل عصره.
ومن ثم تخريج كل ما يحتاج إلى التخريج من الآيات، والأحاديث، وأبيات الشعر، والأمثال، والتعليق على المواطن التي لا بدّ من التعليق عليها، وتجنّب الإطناب في التعليق على المواطن التي لا فائدة من التعليق عليها، وخاصة في المصنفات التي يقتنيها الباحثون بشكل عام، ثم فهرست الكتاب [1] .
ولقد اجتهدت في أثناء خدمتي لهذا الكتاب في تحقيق هذا المنهج على أفضل وجه، وإن كنت لا أدّعي بأني قد اقتربت من صفة الكمال، لأن الله عز وجل يأبى إلّا أن يكون الكمال لكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن الذي حملني على العمل في تحقيق هذا الكتاب العظيم، هو ما وقع في طبعته السابقة المنتشرة من الخطأ، والسّقط، والتحريف، والتصحيف، وسوء الإخراج، إضافة إلى أنها خلت من الضبط، والترقيم، والتخريج، الأمر الذي قلّل من إمكانية الاعتماد عليها من قبل الباحثين إلى حدّ بعيد، فكان لا بدّ من العمل على إخراجه إخراجا جديدا يليق به من
[1] قلت: ويخطئ من يعتقد بأن التحقيق هو أن يقوم المرء بإخراج النص كما ورد في الأصل الخطّي أو أحد المصوّرات للكتاب الذي يتصدى لتحقيقه، مقتفيا في ذلك آثار المستشرقين الذين لا يحسن معظمهم فهم النصوص ناهيك عن تحقيقها.
ولقد ظن البعض ممّن لا علم لديهم ولا ثقافة ممّن اقتحموا عالم تحقيق التراث عن غير أهلية، بأن المستشرقين هم الذين سبقوا المسلمين إلى العمل في فن التحقيق.
والصواب أن الذي يقوم به معظم المستشرقين من العمل في كتب التراث العربي الإسلامي إنما هو نشر لتلك الكتب، وليس تحقيقا لها، وبين النشر والتحقيق فرق كبير.
ولعلّ من أهمّ ما ينبغي أن يتّصف به المحقّق هو فهم اللغة، أو الرجوع إلى المصادر التي تعينه على فهمها في أسوأ الحالات، ومن أين للمستشرق أن يفهم لغة شرع بتعلّمها في العشرين من عمره؟.
وما ينبغي التأكيد عليه أخيرا هو أن فن التحقيق فنّ نشأ وترعرع في بلادنا، ووضعت أصوله وفروعه على أيدي علمائنا القدامى رحمهم الله، ولو نظر الباحث في كتب الرجال لوجد الكثير من العلماء موصوفين ب المحققين.
جهة الشكل والمضمون، إنصافا له، ولمؤلفه العالم الكبير.
وقد جرى العمل في تحقيق الكتاب- وهذا المجلد منه على وجه الخصوص- وفق ما يلي:
1-
قمت بقراءة المطبوع على والدي- المشرف على تحقيق الكتاب- وذلك لمقابلة المطبوع على الأصل، فصحّحنا الخطأ، والتحريف، والتصحيف الذي لحق بالنصوص، واستدركنا السّقط، وكنت في أثناء ذلك، أدوّن ملاحظات والدي القيّمة التي انحصرت بشكل أساسي فيما يتصل بضبط الأسماء، والأبيات الشعرية، والنصوص القرآنية منها والحديثية.
2-
وبعد ذلك قمت بتفصيل النصوص، وترقيمها، وضبط الألفاظ التي رأيت أن ضبطها أمر ضروري، ولا سيما الآيات، والأحاديث، وأسماء الأعلام، والبلدان، والأبيات الشعرية، وغير ذلك مما يراه القارئ الكريم في أثناء مطالعته للكتاب، وقد استعنت في ذلك بكتب اللغة والرّجال ودواوين الشعر.
3-
وقمت بالتذييل على هذا الجزء من الكتاب بشكل خاص، وذلك في المواطن التي تبين لي بأن المؤلف اختصر فيها من إيراد الحوادث التي جرت إلى حدّ بعيد، فأثبتّ ما صحّ من الأخبار في عدد من المصادر بعد التحقيق فيها، أو ما رأيت أن هناك شبه إجماع من المؤرخين المتقدمين عليه، وهذا ما تطلّب منّي جهدا إضافيا، ووقتا طويلا لإخراج هذا المجلد.
4-
وقمت بترقيم الآيات، وتخريج أبيات الشعر من مصادرها بالقدر الممكن، وشرحت ما ورد في النصوص من الألفاظ الغريبة، وعلّقت على عدد من المواطن من الكتاب، وعرّفت بعدد من الأعلام ممّن دعت الحاجة إلى التعريف بهم، ولا سيما الذين لم ترد لهم تراجم مستقلة في الكتاب، وتتبعت النقول التي وردت في الكتاب في مصادرها، فصحّحت ما وقع فيها من الخطأ، واستدركت ما حصل فيها من السّقط.
5-
ثم قمت بكتابة هذه المقدمة التي اجتهدت في جعلها مقدّمة تليق بهذا الكتاب العظيم وصاحبه بعد دراسة وإعداد طويلين.
ومن ثم شرعت بتقديم مواد الكتاب إلى والدي حفظه الله على مراحل لكي يقوم بمراجعته وتخريج النصوص الحديثية الواردة فيه تمشيا مع المنهج الذي وضعته لتحقيق الكتاب، وقد أضاف- حفظه الله- إلى تعليقاتي على الكتاب عددا من التعليقات جعلها مختومة بحرف (ع) .
بقي أن أشير إلى أننا اعتمدنا في تحقيق الكتاب على مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي تحت رقم (3465) عام، وعدد أوراقها (546) ورقة بقياس (30 42) سم، وكل ورقة تتألف من صفحتين، وفي كل صفحة ثمانية وثلاثون سطرا، وفي كل سطر ما يقرب من ثماني عشرة كلمة، وقد جاء في آخر هذه النسخة الخطية ما يلي:
وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة الشريفة صبيحة يوم الجمعة رابع عشر شهر شوّال، من شهور سنة خمس وثمانين وألف، على يد أحقر العباد، الفقير إلى الله تعالى شعبان بن عبد الله بن يوسف بن علي الشافعي الخزرجي، غفر الله له ولوالديه، ولمن دعا له بالمغفرة آمين.
ونقلت هذه النسخة المباركة من خط مؤلفها بلّغه الله مناه، وجعل الجنة جزاه، وهي ثالث نسخة تمّت، فلله الحمد والمنّة، وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه وسلّم تسليما كثيرا.
وقيمة هذه النسخة تعود إلى نسخها عن نسخة المؤلف في حياته، ولعلها قوبلت عليه.
وأرى من الواجب عليّ أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان بالجميل إلى العالم الكبير الأستاذ الدكتور شاكر الفحّام نائب رئيس مجمع اللغة العربية العامر بدمشق الذي أذن لي بالحصول على مصوّرة النسخة الخطبة من الظاهرية، وشجّعني على المضيّ في تحقيق الكتاب حين أطلعته على مقدمتي للكتاب،
وعلى نماذج مما تمّ طبعه من هذا المجلد، حفظه الله ذخرا للعلم وطلبته في هذا البلد.
ولقد كتبت إلى كل من أعلم أن في مقدوره مساعدتي في الحصول على مصوّرات لنسخ خطية أخرى من الكتاب، فجاءتني رسالة الأستاد الدكتور خالد عبد الكريم جمعة مدير معهد المخطوطات العربية في الكويت تعلمني عن وجود نسختين خطيتين من الكتاب في دار الكتب المصرية في القاهرة جزاه الله تعالى خيرا، وقد تعذّر عليّ الحصول على أيّ من النسختين، ولكن عزائي كان في أن الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى وأحسن إليه قد اعتمد في طبعته على النسختين المذكورتين، الأمر الذي حملني على اعتماد طبعته كأصل ثان في العمل أثناء تحقيق الكتاب.
وجاءتني أيضا رسالة الأستاذ أحمد مشاري العدواني الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت تعلمني عن وجود نسخة من مخطوطات الكتاب في الهند، وعدد من الأوراق منه في ألمانيا، جزاه الله تعالى كل خير، وأقوم الآن بالسعي للحصول على النسختين المذكورتين.
وبعد: فهذه هي أهم الأسس التي ارتكز عليها عملنا في تحقيق هذا المجلد من الكتاب، وحسبنا أننا بلغنا فيه ما استطعناه من الجودة والإتقان، فإن أحسنّا فذلك من توفيق الله عز وجل، وإن قصّرنا وأخطأنا، فلسنا ممّن يدّعي العصمة، وإنّا لنرجو جميع العاملين بإخلاص على إحياء التراث العربي الإسلامي على اختلاف اختصاصاتهم أن لا يبخلوا علينا بملاحظاتهم واستدراكاتهم، لأننا سوف نرحب بما يردنا منها، وسوف نذكر بالجميل أصحابها، فإن هذا الكتاب هو في نهاية الأمر إرث لأفراد الأمة جميعهم، والنصح للقائمين على تحقيقه وإخراجه هو نصح للناطقين بالعربية في مشارق الأرض ومغاربها.
وختاما أتوجه بالشكر الجزيل إلى والدي وأستاذي المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الذي كان لخبرته الواسعة في مضمار التحقيق أكبر الأثر في ظهور
الكتاب على هذا الوجه الذي يسعد له فؤاد كل محبّ في الله، جزاه الله تعالى عنّي كل خير، وجعلني ممّن يترسمون خطاه ويسيرون على منواله.
وأسأله تعالى أن يمدّ في عمره، وأن يجعله من الرّجال الذين يجري النفع على أيديهم للمسلمين أجمعين.
وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور خالد عبد الكريم جمعة المدير الفذ لمعهد المخطوطات العربية في الكويت، والمحبّب إلى نفوس العاملين بصدق على تحقيق ونشر ما ينفع الناس من تراث أمتنا، لتفضله بتقديم الكتاب، على الرغم من ازدحام أوقاته بأعمال هي في مردودها أنفع لأهل العلم دون شك، جزاه الله تعالى كل خير ونفع به وأعلى مقامه في الدّنيا والآخرة.
وإلى الأستاذ الدكتور عدنان درويش مدير إدارة إحياء التراث العربي بوزارة الثقافة الذي أفدت من ملاحظاته التي تناولت مقدمتي للكتاب لدى اطلاعه على تجربة طبعها الأولى، حفظه الله تعالى ونفع به.
وإلى الأخ الصديق الأستاذ علي أبو زيد الذي أفدت من ملاحظاته أثناء عملي في تحقيق هذا المجلد، حفظه الله تعالى وزاده توفيقا.
وأرى من الواجب عليّ أيضا أن أذكر بالجميل الأخ الصديق الأستاذ علي مستو صاحب «دار ابن كثير» الذي بذل كل ما في وسعه لظهور هذا الكتاب على أحسن وجه من جهة الشكل والمضمون، وإني أسأل الله عز وجل أن يعوّضه أضعاف ما أنفق من المال في طبعه هذا الكتاب وكل كتاب مما نشره في الماضي أو سينشره في المستقبل، لأنه والحقّ يقال، من أفاضل الناشرين في أيامنا هذه، سدّد الله خطاه، وأنجح مسعاه، وأحسن مثوبته يوم القيامة.
والأستاذ الفاضل محيي الدين مستو الذي شجعني على الاستمرار في تحقيق الكتاب، وكان من أسعد الناس بظهور هذا المجلد منه بهذا الإتقان لدى اطّلاعه على تجارب طبعه الأولى، بارك الله فيه.
بقي أن أشير أخيرا إلى الحثّ والتشجيع اللذين لمستهما خلال عملي في هذا المجلد من أستاذي الجليل سليم الزركلي كبير شعراء الشام في هذا العصر، فقد كانت سعادته عظيمة في إقدامي على خدمة هذا الكتاب، الذي هو أحد السجلّات الذهبية التي تفخر بها هذه الأمة في نظره، حفظه الله تعالى ذخرا لدنيا الأدب العربي الرفيع.
وأضرع إلى الله عز وجل وأنا على مشارف هذه المقدمة أن يجعل خير أعمالي خواتيمها، وخير أيامي يوم ألقاه، إنه خير مسؤول.
دمشق: في 24/ ربيع الآخر/ 1406 هـ الموافق ل 5/ كانون الثاني/ 1986 م أبو عبد القادر محمود الأرناؤوط