الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ست وثلاثين
فيها وقعة الجمل، وتلخيصها، أنه لما قتل عثمان صبرا توجّع المسلمون وأسقط [1] في أيدي جماعة، وعنوا بكيفية المخرج من تقصيرهم فيه، فسار طلحة، والزّبير، وعائشة نحو البصرة، وكانت عائشة قد لقيها الخبر، وهي مقبلة من عمرتها، فرجعت إلى مكة، وطلبوا من عبد الله بن عمر أن يسير معهم فأبى، وقال مروان لطلحة، والزّبير: على أيّكما أسلّم بالإمارة، وأنادي بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزّبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة:
على أبي، فكرهت عائشة قوله، وأمرت ابن أختها عبد الله بن الزّبير فصلّى بالناس، ولما علم عليّ كرّم الله وجهه بمخرجهم، اعترضهم من المدينة ليردّهم إلى الطاعة، وينهاهم عن شقّ عصا المسلمين، ففاتوه، فمضى لوجهه، وأرسل ابنه الحسن وعمارا يستنفران أهل المدينة، وأهل الكوفة فخطب عمّار وقال في خطبته: إني لأعلم أنها زوجة نبيّكم في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم ليعلم أتطيعونه، أم تطيعونها، ولما قدمت عائشة، وطلحة، والزّبير، البصرة، استعانوا بأهلها وبيت مالها، ووصل عليّ خلفهم، واجتمع عليه أهل البصرة والكوفة، فحاول صلحهم واجتماع الكلمة، وسعى
[1] في المطبوع: «وسقط» وهو خطأ.
السّاعون بذلك، فثار الأشرار بالتحريش، ورموا بينهم بالنار حتى اشتعلت الحرب، وكان ما كان، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفا، وقيل: سبعة عشر، وقتل عشرة من أصحاب الجمل، ومن عسكر عليّ رضي الله عنه نحو ألف، وقطع على خطام [1] جمل عائشة سبعون يدا من بني ضبّة [2] ، وهي في هودجها، ثم أمر عليّ بعقره، وكان رايتهم، فحمي الشرّ، وظهر عليّ، وانتصر، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس، إلى صلاة العصر، لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة، ولما ظهر عليّ جاء إلى عائشة، فقال:
غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلّا الإصلاح، ثم أنزلها في دار البصرة، وأكرمها واحترمها، وجهّزها إلى المدينة في عشرين أو أربعين امرأة من ذوات الشرف، وجهّز معها أخاها محمدا، وشيّعها هو وأولاده، وودّعها رضي الله عنهم.
وقتل يومئذ طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، قيل: رماه مروان بن الحكم لحقد كان في قلبه عليه، وكان هو وهو في جيش واحد.
وولده محمد بن طلحة السّجاد، وكان له ألف نخلة يسجد تحتها في كل يوم، ومرّ به عليّ صريعا، فنزل، ونفض التراب عن وجهه، وقال: هذا قتله برّه بأبيه، وتمنى الموت قبل ذلك.
[1] الخطام: كل حبل يعلّق في حلق البعير، ثم يعقد على أنفه، كان من جلد، أو صوف، أو ليف، أو قنب، وما جعلت لشفار بعيرك من حبل فهو خطام، وجمعه خطم. «لسان العرب» «خطم» (2/ 1203) .
[2]
بنو ضبة: ثلاث قبائل، الأولى في مضر، وتنسب إلى ضبة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر.
والثانية في قريش، وتنسب إلى ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النّضر.
والثالثة في هذيل، وتنسب إلى ضبة بن عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.
انظر «مختلف القبائل ومؤتلفها» لابن حبيب ص (31) ، و «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم ص (176- 177) و (203- 206) .
وقتل يومئذ الزّبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة، قتله ابن جرموز [1] غدرا بوادي السّباع [2] ، وقد فارق الحرب، وودّعها حين ذكّره عليّ قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:«لتقاتلنّه وأنت ظالم له» [3] . ولما جاء ابن جرموز إلى عليّ ليبشره بذلك بشّره بالنار.
وروى ابن عبد البرّ عن عليّ كرّم الله وجهه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزّبير، من أهل هذه الآية وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ 7: 43 [الأعراف: 43] ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بفضلهم، وسابقتهم عند الله، وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يكون لأصحابي من بعدي هنات يغفرها الله بسابقتهم معي، يعمل بها قوم من بعدهم يكبّهم الله في النار على وجوههم» [4] . وكان الزّبير بن العوام رضي الله عنه شجاعا، مقداما، مقطوعا له
[1] هو عمرو بن جرموز. رجل من بني تميم ويقال له: عمير أيضا، ويقال غير ذلك. انظر «تاريخ الطبري» (4/ 510) ، و «الكامل» لابن الأثير (3/ 244) ، و «الإصابة» لابن حجر (4/ 9) .
[2]
قال ياقوت: وادي السباع الذي قتل فيه الزّبير بن العوام رضي الله عنه: بين البصرة ومكة، بينه وبين البصرة خمسة أميال، كذا ذكره أبو عبيدة. «معجم البلدان» (5/ 343) .
وقال الحميري: وادي السباع بالبصرة على طريق المدينة. وانظر تتمة كلامه ص (603 و 604) .
[3]
ذكره أبو عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» (3/ 316) على هامش «الإصابة» . وانظر «الرياض النضرة» في مناقب العشرة للمحب الطبري (4/ 60 و 61) .
[4]
لم أره بهذا اللفظ فيما بين يديّ من المصادر، والذي عند مسلم رقم (1852) ، وأبو داود رقم (4762)، وأحمد في «المسند» (4/ 341) من حديث عرفجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف، كائنا من كان» ، وانظر «مختصر شعب الإيمان» للقزويني ص (103- 104) بتحقيقي، طبع دار ابن كثير.
بالجنة، من أيسر الصحابة رضي الله عنه وعنهم، ولو قيل: إنه أيسرهم لما بعد، يؤيد ذلك ما رواه البخاري في «صحيحه» في باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، من كتاب الجهاد، أن عبد الله بن الزّبير رضي الله عنهما حسب دين أبيه فكان ألفي ألف ومائتي ألف، وأنه أوصى بالثلث بعد الدّين، وأنه قضى دينه وأخرج ثلث الباقي بعد الدين، وقسم ميراثه، فأصاب كل زوجة من زوجاته الأربع ألف ألف ومائتا ألف، ثم قال البخاري بعد ذلك: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف انتهى [1] .
وقال ابن الهائم [2] رحمه الله: بل الصواب أن جميع ماله بحسب ما [3] فرض تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف انتهى.
وصرح ابن بطّال [4] والقاضي عياض [5] وغيرهما، بأن ما قاله البخاري غلط في الحساب، وأن الصواب كما قال ابن الهائم، وأجاب الحافظ شرف الدين الدّمياطي [6] رحمه الله، بأن قول البخاري رحمه الله محمول على أن
[1] هو جزء من حديث طويل رواه البخاري في «صحيحه» رقم (3129)(6/ 227 و 228) في الجهاد، باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، وجملة:«فجمع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف» سقطت من نسخة «فتح الباري» طبع المكتبة السلفية بمصر، وهي موجودة في بقية نسخ البخاري. وانظر ما قاله الحافظ ابن حجز في «الفتح» (6/ 232- 235) حول هذا العدد.
[2]
هو محمد بن أحمد بن محمد بن عماد ابن الهائم، أبو الفتح، محب الدين، مصري الأصل، مقدسي الإقامة والوفاة، اشتغل بالفقه والحديث، وخرّج لنفسه ولغيره، مات سنة (792 هـ) . انظر «الأعلام» للزركلي (5/ 329) .
[3]
في المطبوع: «حسبما» .
[4]
هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن، عالم بالحديث من أهل قرطبة، له «شرح البخاري» مات سنة (449 هـ) . انظر «الأعلام» للزركلي (4/ 285) .
[5]
هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي، أبو الفضل، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب، وأنسابهم، وأيامهم، خلف مصنفات عديدة منها «مشارق الأنوار» و «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» مات سنة (544 هـ) . انظر «الأعلام» للزركلي (5/ 99) .
[6]
هو عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، أبو محمد، شرف الدين، حافظ للحديث، من أكابر
جملة المال حين الموت كانت ذلك دون الزائد في أربع سنين إلى حين القسمة. انتهى.
ومناقب الزّبير ومآثره يضيق عنها هذا المختصر ولو [1] لم يكن له إلا مصاهرته للصّدّيق- فإنه كان زوج ابنته أسماء ذات النطاقين [2] ، ورزق منها عبد الله، وهو أول مولود ولد بالمدينة للمهاجرين، وبه كنى النبيّ صلى الله عليه وسلم عائشة على الصحيح- لكفى.
وقتل يومئذ زيد بن صوحان من خواص عليّ من الصلحاء الأتقياء.
وتوفي في تلك السنة حذيفة بن اليمان العبسي صاحب السر المكنون في تمييز المنافقين، ولذلك كان عمر لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة، يخشى أن يكون من المنافقين، وسمّي ابن اليمان لأن جده حالف بني عبد الأشهل وهم من اليمن.
وفيها سلمان الفارسي المشهور بالفضل والصحبة، الذي قال في حقه المصطفى صلى الله عليه وسلم:«سلمان منّا أهل البيت» [3] . وقصته مشهورة في طلب الدّين، وقوله تداولني بضعة عشر ربا حتى اتصلت بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.
وروي من وجوه أنه اشترى نفسه من مواليه يهود بكذا وكذا وقية، وعلى
الشافعية، قال الذهبي: كان مليح الهيأة، حسن الخلق، بساما، فصيحا، لغويا، مقرئا، جيد العبارة، كبير النفس، صحيح الكتب، مفيدا جدا في المذاكرة، وقال المزي: ما رأيت أحفظ منه، من كتبه «معجم» ضمنه أسماء شيوخه وهم نحو ألف وثلاثمائة، في أربع مجلدات. مات سنة (705 هـ) . انظر «الأعلام» للزركلي (4/ 169) .
[1]
سقط حرف الواو الأول من الأصل في لفظة «ولو» وأثبته من المطبوع.
[2]
في المطبوع: «الناطقين» وهو تحريف.
[3]
رواه الطبراني في «الكبير» ، والحاكم في «المستدرك» (3/ 598) من حديث عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني رضي الله عنه، وإسناده ضعيف.
أن يغرس لهم كذا وكذا وديّة [1] من النّخل، ويعمل عليها حتى تدرك، فغرسها صلى الله عليه وسلم كلها بيده المباركة إلا واحدة غرسها عمر، فأطعم كلّ النّخل من عامه إلا تلك الواحدة فقلعها [2] صلى الله عليه وسلم ثم غرسها فأطعمت، وكان سلمان الفارسي، وأبو الدرداء يأكلان من صحفة [3] ، فسبّحت الصّحفة، أو سبّح ما فيها.
وفيها أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو من السابقين الأولين.
[1] قال ابن منظور: الوديّ على فعيل: فسيل النّخل وصغاره، واحدتها وديّة، وقيل: تجمع الوديّة. ودايا. «لسان العرب» «ودي» (6/ 4804) .
[2]
في الأصل: «فقلها» ، وفي المطبوع:«فقطعها» وكلاهما تحريف، والصواب ما أثبتناه.
[3]
الصحفة كالقصعة، والجمع صحاف. «مختار الصحاح» ص (357) .