الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربع وعشرين
في أولها بويع ذو النّورين عثمان بن عفّان الأموي بالخلافة بإجماع من المسلمين، وكيفيتها مقرّرة في «صحيح البخاري» [1] وغيره، وهو من أهل السوابق والقدم في الإسلام، هاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، وتزوج الابنتين، وجهز جيش العسرة بثلاثمائة بعير بأقتابها، وأحلاسها، وألف دينار، وغير ذلك، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» [2] . وتلاوته للقرآن في الصلاة، [وصدقاته][3] ، وعبادته، وحياؤه، وحب النبيّ صلى الله عليه وسلم له أمر معلوم.
وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم [4] المدني، المذكور في حديث الهجرة [5] ،
[1] انظر «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» للحافظ ابن حجر (7/ 59- 69) .
[2]
هو قطعة من حديث رواه الترمذي رقم (3701) في المناقب: باب مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأحمد في «المسند» (5/ 63) وإسناده حسن.
[3]
لفظة «وصدقاته» سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
[4]
في المطبوع: «جعثم» وهو خطأ.
[5]
قال ابن هشام في «السيرة» (1/ 489، 490) : قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم.
قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرّوا عليّ آنفا، إني لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت إليه- يعني: أن اسكت-، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت.
قال: ثم مكثت قليلا، ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها، ثم
وكان نازلا بقديد [1] ، وهو منزل أمّ معبد، المذكورة أيضا في حديث الهجرة، ولكليهما جرى معجزات من معجزات النّبوّة، منها ما ذكره في «ربيع الأبرار» [2] عن هند بنت الجون: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيمة خالتها أمّ معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ في
انطلقت، فلبست لأمتي، ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره» قال: وكنت أرجو أن أرده على قريش، فآخذ المئة ناقة. قال: فركبت على أثره، فبينما فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره» قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال:
فركبت في أثره، فبينا فرسي يشتد بي، عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟. قال:
ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره» ، قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار. قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم:
انظروني أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «قل له: وما تبتغي منا؟» قال: فقال ذلك أبو بكر، قال: قلت:
تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك. قال: «أكتب له يا أبا بكر» . فكتب لي كتابا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم ألقاه إليّ، فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت.
وقال السهيلي في «الروض الأنف» (2/ 233) : وذكر غير ابن إسحاق، أن أبا جهل لامه حين رجع بلا شيء، فقال- وكان شاعرا-:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا
…
لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأنّ محمّدا
…
رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكفّ القوم عنه فإنني
…
أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر يودّ الناس فيه بأسرهم
…
بأنّ جميع الناس طرّا يسالمه
قلت: وقد أورد البيتين الأولين من هذه الأبيات الحافظ ابن حجر في ترجمته لسراقة رضي الله عنه في «الإصابة» (4/ 127) . وانظر خبر سراقة في «فتح الباري» (7/ 240- 248) .
[1]
قديد: موضع قرب مكة. انظر «معجم البلدان» لياقوت (4/ 313) ، و «الروض المعطار» للحميري ص (454) .
[2]
قلت: واسمه الكامل «ربيع الأبرار ونصوص الأخبار» وهو لأبي القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، أحد أئمة العلم، واللغة، والآداب، المتوفى عام (538 هـ) ، وكتابه المشار إليه لم يطبع منه سوى الجزء الأول كما ذكر العلامة الزركلي. انظر «كشف الظنون» لحاجي خليفة (1/ 832) ، و «الأعلام» للزركلي (7/ 178) .
عوسجة [1] إلى جانب الخيمة، فأصبحنا وهي كأعظم دوحة [2] ، وجاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس [3] ورائحة العنبر، وطعم الشّهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا ودرّ لبنها، فكنّا نسمّيها المباركة، وكان من البوادي [4] من يستشفي بها ويتزود منها، حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها، واصفرّ ورقها ففزعنا، فما راعنا إلا نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أسفلها إلى أعلاها، وتساقط ثمرها، وذهبت نضارتها، فما شعرنا إلا بمقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فما أثمرت بعد ذلك اليوم، فكنّا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط، وقد ذبل ورقها، فبينا نحن فزعين مهمومين إذ أتانا خبر مقتل الحسين، ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت.
والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما اشتهر أمر الشاة في قصة هي من أعلام القصص انتهى [5] .
[1] العوسجة: الشوك.
[2]
الدوحة: الشجرة العظيمة.
[3]
الورس: نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه. «لسان العرب» ، «ورس» (6/ 4812) .
[4]
في الأصل: «وكان من البواد» بدون الياء، وما أثبتناه من المطبوع.
[5]
قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (13/ 292) : وذكر عمر بن شبة في «كتاب مكة» من طريق عبد العزيز بن عمران أنها أتت أم معبد بنت الأشعر، وذكر لها قصة مع سراقة بن جعشم.
أقول: وعبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، الأعرج، يعرف بابن أبي ثابت، متروك احترقت كتبه، فحدّث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفا بالأنساب، ولم يكن من أصحاب الحديث، وليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا، وقال عمر بن شبة في أخبار المدينة: كان كثير الغلط في حديثه لأنه احترقت كتبه، فكان يحدث من حفظه. انظر «تقريب التهذيب» (1/ 511) ، و «تهذيب التهذيب» (6/ 351)(ع) .