الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة تسع وتسعين
فيها على خلاف توفي أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤليّ.
قال ابن قتيبة [1] : هو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان بن كنانة، وأمّه من بني عبد الدّار بن قصيّ، وكان عاقلا، حازما بخيلا، وهو أول من وضع العربيّة، وكان شاعرا مجيدا، وشهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وولي البصرة لابن عبّاس، وفلج بالبصرة ومات بها، وقد أسنّ، فولد عطاء، وأبا حرب، وكان عطاء ويحيى [بن][2] يعمر العدواني بعجا [3] العربية بعد أبي الأسود، ولا عقب لعطاء، وأمّا [أبو][4] حرب بن أبي الأسود فكان عاقلا شاعرا، وولّاه الحجّاج جوخى [5] فلم يزل عليها حتى مات الحجّاج.
[1]«المعارف» ص (434، 435) .
[2]
لفظة «ابن» التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع، و «المعارف» لابن قتيبة.
[3]
في الأصل، والمطبوع:«بعجبا» وهو خطأ، والتصحيح من «المعارف» لابن قتيبة.
ومعنى بعجا: أي شقا العربية، وأذلاها بعد أبي الأسود الدؤلي. (ع) .
[4]
لفظة: «أبو» التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركناها من «المعارف» لابن قتيبة.
[5]
قال البكري: جوخى بفتح أوله، وإسكان ثانيه، وبالخاء المعجمة، على وزن فعلى: بلد بالعراق، وهو ما سقي من نهر جوخى. قال محمد بن سهل: ولم يكن بالعراق عند الفرس كورة تعدل كورة جوخى، كان خراجها ثمانين ألف ألف. «معجم ما استعجم» ، للبكري (1/ 403) ، وانظر «معجم البلدان» لياقوت (2/ 179) .
وقد روي الحديث عن أبي حرب [وله عقب بالبصرة، وعدد][1] وهو القائل لولده: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد منكم، ولو شاء أن يوسّع على النّاس كلّهم، حتى لا يكون محتاج، لفعل، [ولا تجهدوا أنفسكم في التوسعة فتهلكوا هزالا][2] .
وسمع رجلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فعشّاه، ثم ذهب السائل ليخرج، فقال: هيهات! على أن لا تؤذي المسلمين الليلة، ووضع رجله في الأدهم [3] انتهى.
وقال ابن الأهدل [4] : هو ظالم بن عمرو الدّيلي، ويقال: الدؤلي نسبة إلى الدّيل من كنانة، وفتح بعضهم في النسبة لئلا تتوالى الكسرات، كما قالوا في النسبة إلى النّمر: نمري، وهي قاعدة مطوقة، وكان من خواصّ عليّ، وشهد معه صفّين، وكان من كمل الرّجال، وهو أول من وضع النحو، حكى ولده أبو حرب قال: أول ما وضع والدي باب التعجّب، وقيل له: من أين لك النحو، قال: تلقّنت حدوده من عليّ رضي الله عنه. انتهى.
وباع له دارا [5] بالبصرة، فقيل له: بعت دارك، فقال: بل بعت جاري، وكان جار سوء.
ودخل على بعض الولاة وعليه جبّة رثّة، فقال: يا أبا الأسود أما تملّ هذه الجبّة؟. فقال: رب مملوك لا يستطاع فراقه، فأمر له بمائة ثوب فقال:
[1] ما بين حاصرتين زيادة من «المعارف» لابن قتيبة.
[2]
ما بين حاصرتين زيادة من «المعارف» لابن قتيبة.
[3]
قال ابن منظور: الدّهمة السواد. والأدهم الأسود، يكون في الخيل والإبل وغيرهما، فرش أدهم وبعير أدهم. «لسان العرب» «دهم» (2/ 1443) .
[4]
هو حسين بن عبد الرحمن بن محمد الحسيني العلوي الهاشمي، بدر الدين، أبو محمد، مفتي الديار اليمنية، وأحد علمائها المتفننين، صاحب كتاب «تحفة الزمن في تاريخ سادات اليمن» ، المتوفى سنة (855 هـ) . «الأعلام» (2/ 240) .
[5]
في المطبوع: «وباع دارا له» .
كساني ولم أستكسه فحمدته
…
أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإنّ أحقّ النّاس إن كنت شاكرا
…
بشكرك من يعطيك والعرض وافر
ومن شعره أيضا:
وما طلب المعيشة بالتّمنّي
…
ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجيء بمثلها طورا وطورا
…
تجيء بحمأة وقليل ماء
وكان موسرا مبخّلا [1]، وعوتب في البخل فقال: لو أطعنا الفقراء في مالنا أصبحنا مثلهم.
وروي أنه عشّى سائلا لجوجا [2] وقيده، فقيل له في ذلك، فقال: لئلا يؤذي المسلمين الليلة.
وقيل له: عند الموت: أبشر بالمغفرة، فقال: وأين الحياء مما كانت منه المغفرة، وتوفي عن خمس وثمانين سنة.
وفيها توفي محمود بن الرّبيع الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، الذي عقل مجّة مجهّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من بئر في دارهم وله أربع سنين.
وفيها نافع بن جبير بن مطعم النّوفليّ المدنيّ، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريبا من أخيه محمّد بن جبير.
وفيها توفي عبد الله بن محيريز الجمحيّ المكيّ نزيل بيت المقدس، وكان عابد الشام في زمانه.
قال رجاء بن حيوة: إن تفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنّا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز، وإن كنت لأعدّ بقاءه أمانا لأهل الأرض.
وفي عاشر صفر مات الخليفة أبو أيّوب سليمان بن عبد الملك الأمويّ
[1] في المطبوع: «مبجّلا» وهو تصحيف.
[2]
في المطبوع: «لحوحا» .
وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقلّ من ثلاث سنين، وكان فصيحا فهما محبّا للعدل والغزو، ذا همّة عالية، جهّز الجيوش لحصار القسطنطينية، وقرّب ابن عمّه عمر بن عبد العزيز، وجعله وزيره ومشيره، وعهد إليه بالخلافة، وكان أبيض مليح الوجه، يضرب شعره منكبيه، وله محاسن.
قيل: قال له حكيم: عندي لك أن تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، ويسودّ شعرك ولا يبيضّ، فقال: كلّهنّ يرغب عنهن العاقل، فمع الأكل كثرة دخول المراحيض، وشمّ الروائح المنتنة، وفي كثرة النّكاح الشّغل بالنّساء، وتسويد الشعر تسويد نور الله تعالى. [1] وقال في «مروج الذهب» [2] : لما أفضى الأمر إلى سليمان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله [صلى الله عليه وسلم] ثم قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء رفع، ومن شاء وضع، أيّها الناس الدّنيا دار غرور وباطل، وزينة وتقلّب بأهلها، تضحك [3] باكيها، وتبكي ضاحكها، وتخيف آمنها، وتؤمّن خائفها، وتثري فقيرها، وتفقر مثريها، عباد الله: اتّخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه لكم هاديا دليلا، فإنه ناسخ ما قبله، ولا ينسخه ما بعده، واعلموا عباد الله أنه ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوء الصّبح إذا أسفر إدبار الليل إذا عسعس، ثم نزل، وأذن للناس عليه، وأقرّ عمّال من كان قبله على أعمالهم، وأقرّ خالد بن عبد الله [القسريّ][4] على مكّة.
وكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، كان شبعه في كلّ يوم
[1](5/ 398- 414) من الطبعة الأوروبية المنشورة في تسع مجلدات في باريس بفرنسا.
[2]
في «مروج الذهب» للمسعودي: «وما شاء رفع، وما شاء وضع» .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«فتضحك» ، وما أثبتناه من «مروج الذهب» للمسعودي.
[4]
لفظة «القسري» زيادة من «مروج الذهب» للمسعودي.
من الطّعام مائة رطل عراقيّ [1] وكان ربما أتاه الطّبّاخون بالسّفافيد [2] التي فيها الدّجاج المشوية وعليه جبّة [3] الوشي المثقلة [4] فلنهمه وحرصه على الطّعام يدخل يده في كمّه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارّة فيفصلها.
وحدّث المنقري [5] عن العتبي [6] عن إسحاق بن إبراهيم [7] بن الصّبّاح بن مروان، وكان مولى لبني أميّة من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظا لأخبار بني أميّة قال: لبس سليمان يوما في جمعة من ولايته لباسا تشهّر به وتعطّر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمّ [8] بواحدة بعد أخرى، حتى رضي منها واحدة، فأرخى من سدولها، وأخذ بيده مخصرة [9] وعلا منبره ناظرا في عطفيه [10] ، وجمع حشمه. و [خطب][11]
[1] في الأصل، والمطبوع:«بالعراقي» ، وما أثبتناه من «مروج الذهب» للمسعودي.
[2]
السفافيد، مفردها سفود على وزن تنّور، وهي حديدة يشوى بها اللحم، وتسفيد اللحم:
نظمه فيها للاشتواء. (ع) .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«الجبة» وما أثبتناه من «مروج الذهب» للمسعودي.
[4]
في الأصل: «المشغلة» وهو خطأ، وما أثبتناه من المطبوع، وهو موافق لما في «مروج الذهب» للمسعودي.
[5]
هو موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، أبو سلمة، حافظ للحديث، ثقة، من أهل البصرة، المتوفى سنة (223 هـ) . انظر «الأعلام» للزركلي (7/ 320) م، وسوف ترد ترجمته في المجلد الثالث من كتابنا هذا.
[6]
هو محمد بن عبيد الله بن عمرو العتبي، أبو عبد الرحمن، أديب كثير الأخبار، حسن الشعر، من أهل البصرة، قال ابن قتيبة: الأغلب عليه الأخبار، وأكثر أخباره عن بني أمية، توفي سنة (228 هـ) . وهو غير العتبي المؤرّخ المتوفى سنة (427 هـ) . انظر «الأعلام» للزركلي (6/ 258، 259) ، وسوف ترد ترجمته مفصلة في المجلد الثالث من كتابنا هذا.
[7]
في المطبوع: «عن إسحاق بن إبراهيم» وهو تحريف.
[8]
في الأصل: «يقيم» وهو خطأ، وما أثبتناه من المطبوع، وهو موافق لما في «مروج الذهب» للمسعودي.
[9]
مخصرة، كمكنسة: ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه. وما يأخذه الملك إذا خاطب، والخطيب إذا خطب. (ع) .
[10]
أي ناظرا في رداءيه كبرا، لأن العطاف ككتاب والمعطف، كمنبر: الرداء، والسيف. (ع) .
[11]
لفظة «خطب» زيادة من «مروج الذهب» للمسعودي.
خطبته التي أرادها، التي يريد يخطب بها الناس، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشابّ السّيّد [1] الحجاب [2] الكريم الوهّاب، فتمثّلت له جارية [من جواريه][3] وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه منى النفس، وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال [الشاعر؟][4] قالت قال:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
…
غير أن لا بقاء للإنسان
ليس أنّا يريبنا منك شيء
…
علم الله غير أنّك فان
فدمعت عيناه، وخرج على النّاس باكيا، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبر ذلك ودعا بقيّمة [5] جواريه فصدّقتها [6] في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلّا مدّة حتى توفي.
وكان يقول: قد أكلنا الطّيّب، ولبسنا اللّيّن، وركبنا الفاره، ولم يبق [7] لي لذّة إلّا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة [8] التّحفّظ.
[1] في الأصل، والمطبوع:«أنا الملك الكريم الحجاب الكريم» وما أثبتناه من «مروج الذهب» للمسعودي.
[2]
الحجاب: ما حال بين شيئين، وما طال وأشرف من الجبل، وما احتجب به.
[3]
ما بين حاصرتين زيادة من «مروج الذهب» للمسعودي.
[4]
لفظة «الشاعر» زيادة من «مروج الذهب» للمسعودي.
[5]
في الأصل: «بقية» وهو تحريف، وما أثبتناه من المطبوع، وهو موافق لما في «مروج الذهب» للمسعودي.
[6]
في الأصل: «فصدقنها» وهو تصحيف، وما أثبتناه من المطبوع، وهو موافق لما في «مروج الذهب» للمسعودي.
[7]
في المطبوع: «ولم تبق» وما جاء في الأصل موافق لما في «مروج الذهب» للمسعودي.
[8]
في «مروج الذهب» للمسعودي: «مؤنة» .
ووقف سليمان على قبر ولده أيّوب، وبه كان يكنى، فقال: اللهمّ إني أرجوك له، وأخافك عليه، فحقّق رجائي، وآمن خوفي [1] .
وبالجملة فإنّه كان من أحسن بني أميّة حالا، ولو لم يكن له إلّا [2] ما عمر في مسجد دمشق، وعهده بالخلافة لعمر بن عبد العزيز لكفى، فرحمه الله تعالى وتجاوز عنه.