الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ست وخمسين وثلاثمائة
فيها أقامت الرافضة المأتم على الحسين، على العادة المارّة في هذه السنوات.
وفيها مات السلطان معز الدولة، أحمد بن بويه الدّيلمي، وكان في صباه يحتطب، وأبوه يصيد السمك، فما زال إلى أن ملك بغداد، نيّفا وعشرين سنة، ومات بالإسهال [1] عن ثلاث وخمسين سنة، وكان من ملوك الجور والرّفض، ولكنه كان حازما سايسا مهيبا، قيل: إنه رجع في مرضه عن الرفض، وندم على الظلم، وقيل: إن سابور ذا الأكتاف، أحد ملوك الفرس من أجداده، وكان أقطع، طارت يده اليسرى [2] في بعض الحروب، وتملّك بعده ابنه عزّ الدولة بختيار.
وفيها أبو محمد المغفّلي [3] أحمد بن عبد الله بن محمد المزني الهروي، أحد الأئمة.
قال الحاكم: كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة. سمع أحمد بن نجدة، وإبراهيم بن أبي طالب، ومطيّنا وطبقتهم، وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه.
وفيها القالي أبو علي، إسماعيل بن القاسم البغدادي اللغوي النحوي
[1] في المطبوع: «بالإسمال» وهو خطأ، وانظر «العبر» (2/ 309) .
[2]
لفظة «اليسرى» لم ترد في «العبر» .
[3]
تحرّفت نسبته في «العبر» إلى «المعقلي» فتصحح فيه.
الأخباري، صاحب التصانيف، ونزيل الأندلس بقرطبة، في ربيع الآخر، وله ست وسبعون سنة. أخذ الآداب عن ابن دريد، وابن الأنباري، وسمع من أبي يعلى الموصلي، والبغوي، وطبقتهما، وألّف كتاب «البارع» في اللغة، في خمسة آلاف ورقة، لكن لم يتمّه. قاله في «العبر» [1] .
وقال ابن خلّكان [2] : طاف البلاد، وسافر إلى بغداد، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي، ودخل بغداد في سنة خمس وثلاثمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصدا الأندلس.
ودخل قرطبة سابع عشري شعبان، سنة ثلاثين وثلاثمائة، واستوطنها وأملى كتابه «الأمالي» بها وأكثر كتبه بها وضعها، ولم يزل بها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر، وقيل: جمادى الأولى، ليلة السبت، لست خلون من الشهر، ومولده بمنازجرد من ديار بكر.
والقالي: نسبة إلى قالي قلا [3] ، من ديار بكر. انتهى. ملخصا.
وفيها الرّفاء، أبو حامد بن محمد الهروي، الواعظ المحدّث، بهراة في رمضان. روى عن عثمان الدارمي، والكديمي، وطبقتهما، وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها الرّافقي [4] أبو الفضل العبّاس بن محمد بن نصر بن السّريّ.
روى عن هلال بن العلاء وجماعة، وتوفي بمصر.
قال يحيى بن علي الطّحان: تكلموا فيه.
[1](2/ 310) .
[2]
في «وفيات الأعيان» (1/ 226- 227) وقد نقل المؤلف عنه بتصرّف.
[3]
كذا ذكرها المؤلف نقلا عن «وفيات الأعيان» (1/ 227) وانظر «معجم البلدان» (4/ 299- 300) ففي كلام ياقوت عنها فائدة عزيزة.
[4]
في الأصل والمطبوع: «الرافعي» وهو خطأ، والتصحيح من «التصحيح من «العبر» (2/ 310) و «سير أعلام النبلاء» (16/ 45) .
وفيها عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا، أبو محمد السقطي، نسبة إلى بيع السّقط [1] ، المعدّل البغدادي، ببغداد. روى عن محمد بن غالب تمتام وجماعة.
وسنقة [2] ، أبو عمرو عثمان بن محمد البغدادي السقطي. سمع الكديمي، وإسماعيل القاضي، ومات في آخر السنة، وله سبع وثمانون سنة.
وفيها صاحب الأغاني، أبو الفرج علي بن الحسين الأموي الأصبهاني، الكاتب الأخباري. يروى عن مطيّن فمن بعده، وكان أديبا، نسابة، علّامة، شاعرا، كثير التصانيف. ومن العجائب أنه مرواني يتشيع.
توفي في ذي الحجة عن ثلاث وسبعين سنة. قاله في «العبر» [3] .
وقال ابن خلّكان [4] : جده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة، وهو أصفهاني الأصل بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها، وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالما بأيام الناس، والأنساب، والسّير.
قال التنوخي: ومن المتشيعين الذين شاهدناهم، أبو الفرج الأصبهاني، كان يحفظ [من] الشعر، والأغاني، والأخبار، والآثار، والأحاديث المسندة، والأدب، والنسب [ما] لم أر قطّ من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخر [5] ، منها اللغة، والنحو، والخرافات [6] ، والسير، والمغازي، ومن
[1] قال السمعاني في «الأنساب» (7/ 91) في شرح السّقط: وهي الأشياء الخسيسة كالخرز، والملاعق، وخواتيم الشّبة والحديد، وغيرها.
[2]
تحرّفت في الأصل والمطبوع إلى «سبعة» والتصحيح من «العبر» و «سير أعلام النبلاء» (16/ 81) .
[3]
(2/ 311) .
[4]
في «وفيات الأعيان» (3/ 307- 309) .
[5]
في المطبوع: «أخرى» وما جاء في الأصل موافق لما في «وفيات الأعيان» .
[6]
في الأصل والمطبوع: «والحرف» وما أثبتناه من «وفيات الأعيان» ، و «تاريخ بغداد»
آلة المنادمة شيئا كثيرا، مثل علم الجوارح والبيطرة، وشيء من الطب والنجوم والأشربة، وغير ذلك وله شعر [1] يجمع إتقان العلماء وإحسان ظرفاء الشعر، وله المصنفات المستملحة، منها: كتاب «الأغاني» الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، يقال: إنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان، فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه.
وحكي عن الصاحب بن عبّاد أنه كان في أسفاره يستصحب حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب «الأغاني» لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه، استغناء به عنها.
وكان منقطعا إلى الوزير المهلّبي، وله فيه مدائح، منها قوله فيه:
ولما انتجعنا لائذين بظله
…
أعان وما عنّى ومن وما منا
وردنا عليه مقترين فراشنا
…
وردنا نداه مجدبين فأخصبنا
وكان قد خلّط قبل أن يموت، رحمه الله تعالى. انتهى ما أورده ابن خلّكان مختصرا.
وفيها سيف الدولة، علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التّغلبيّ الجزريّ، صاحب الشام، بحلب، في صفر، وله بضع وخمسون سنة. وكان بطلا شجاعا، كثير الجهاد، جيد الرأي، عارفا بالأدب والشعر، جوّادا، ممدّحا. مات بالفالج، وقيل: بعسر البول، وكان قد جمع من الغبار الذي أصابه في الغزوات ما جاء منه لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خدّه إذا دفن عليها، وتملّك بعده ابنه سعد الدولة خمسا وعشرين سنة.
وبعده ولده أبو الفضل، وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة.
(11/ 399) .
[1]
لفظة «شعر» سقطت من الأصل وأثبتها من المطبوع.
قال الثعالبي في «يتيمته» [1] : كان بنو حمدان ملوكا [وأمراء] ، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة شهم سادتهم [2] وواسطة قلادتهم، [ويقال: إنه] [3] لم يجتمع بباب أحد من الملوك- بعد الخلفاء- ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعراء [4] وغيرهم، وكان شاعرا يرتاح للشعر وجرت بينه وبين أخيه ناصر الدولة وحشة، فكتب إليه من شعره:
لست أجفو وإن جفيت [5] ولا أت
…
رك حقا عليّ في كلّ حال
إنما أنت والد والأب الجا
…
في يجازى بالصبر والاحتمال
وكتب إليه مرة أخرى:
رضيت لك [6] العليا وإن كنت أهلها
…
وقلت وهل بيني وبين أخي فرق
ولم يك لي [7] عنها نكول وإنما
…
تجافيت عن حقي ليبقى لك الحق
ولا بدّ لي من أن أكون مصليّا
…
إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
وأخباره كثيرة مع شعراء وقته، كالمتنبي، والسّريّ الرّفّاء، والنّامي، والوأواء، وتلك الطبقة.
ويحكى أن ابن عمه أبا فراس كان يوما بين يديه في نفر من ندمائه،
[1] انظر «يتيمة الدهر» (1/ 37) طبع دار الكتب العلمية ببيروت ولفظة «وأمراء» زيادة منه وقد نقل المؤلف عن «وفيات الأعيان» (3/ 401- 405) و (2/ 115- 116) .
[2]
في «يتيمة الدهر» و «وفيات الأعيان» (3/ 401) : «مشهور بسيادتهم» .
[3]
زيادة من «يتيمة الدهر» و «وفيات الأعيان» .
[4]
في «يتيمة الدهر» و «وفيات الأعيان» : «من شيوخ الشعر» .
[5]
في الأصل والمطبوع: «وإن جفوت» وأثبت ما جاء في «وفيات الأعيان» .
[6]
كذا في الأصل والمطبوع و «وفيات الأعيان» : «رضيت لك» وفي «يتيمة الدهر» (1/ 56) :
«رضيت إليك» .
[7]
في «يتيمة الدهر» و «وفيات الأعيان» : «ولم يك بي» .
فقال لهم سيف الدولة: أيّكم يجيز قولي؟ وليس له إلا سيدي، يعني أبا فراس:
لك جسمي تعلّه
…
فدمي لم تحلّه
فارتجل أبو فراس وقال:
قال إن كنت مالكا
…
فلي الأمر كلّه
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج، تغلّ ألفي دينار في كل سنة.
ومن محاسن شعر سيف الدولة قوله في وصف قوس قزح وقد أبدع فيه كل الإبداع:
وساق صبيح للصّبوح دعوته
…
فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم
…
فمن بين منقضّ عليها [1] ومنفض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا
…
على الجوّد كنا والحواشي على الأرض
يطرّزها [2] قوس السحاب بأصفر
…
على أحمر في أخضر إثر مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل
…
مصبّغة والبعض أقصر من بعض
وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يخطر مثلها لغيرهم.
ومن حسن شعره أيضا قوله:
تجنّى عليّ الذنب والذنب ذنبه
…
عاتبني ظلما وفي شقّه العتب
إذا برم المولى بخدمة عبده
…
تجنّى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
وأعرض لما صار قلبي بكفه
…
فهلّا جفاني حين كان لي القلب
ومحاسنه وأخباره كثيرة فلنكتف بهذا القدر.
[1] في «وفيات الأعيان» : «منقض علينا» .
[2]
في الأصل والمطبوع: «وطرزها» وأثبت لفظ «وفيات الأعيان» .
وفيها أبو المسك كافور الحبشي الأسود، الخادم الإخشيذي، صاحب الديار المصرية. اشتراه الإخشيذ، وتقدم عنده حتّى صار من أكبر قوّاده، لعقله، ورأيه، وشجاعته، ثم صار أتابك ولده من بعده، وكان صبيّا، فبقي الاسم لأبي القاسم أنوجور، والدّست لكافور، فأحسن سياسة الأمور إلى أن مات أنوجور- ومعناه بالعربي محمود- في سنة تسع وأربعين، عن ثلاثين سنة، وأقام كافور في الملك بعده أخاه عليا، إلى أن مات في أول سنة خمس وخمسين، وله إحدى وثلاثون سنة، فتسلطن كافور، واستوزر أبا الفضل جعفر بن حنزابة، ابن الفرات [1] ، وعاش بضعا وستين سنة. قاله في «العبر» [2] .
وأخباره كثيرة شهيرة، منها أنه كان ليلة كل عيد يرسل وقر بغل دراهم في صرر مكتوب على كل صرة اسم من جعلت له، من بين عالم، وزاهد، وفقير، ومحتاج، وتوفي يوم الثلاثاء عشري جمادى الأولى، فعلى هذا لم تطل مدته في الاستقلال، بل كانت سنة واحدة وشيئا يسيرا، رحمه الله تعالى، وكانت بلاد الشام في مملكته أيضا مع مصر، وكان يدعى له على المنابر بمكّة، والحجاز جميعه، والديار المصرية، وبلاد الشام، من دمشق، وحلب، وأنطاكية، وطرسوس، والمصّيصة، وغير ذلك، وكان تقدير عمره خمسا وستين سنة، على ما حكاه الفرغاني [3] في «تاريخه» .
وفيها أبو الفتح عمر بن جعفر بن محمد بن سلم الجيلي الرجل الصالح ببغداد وله خمس وثمانون سنة روى عن الكديمي وطبقته.
[1] انظر ترجمته ومصادرها في «الأعلام» للزركلي (2/ 126) .
[2]
(2/ 312) .
[3]
هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني، أبو منصور، مؤرخ من سكان مصر، وبها وفاته، له «تاريخ» أشار إليه المؤلف، مات سنة (398) هـ. انظر ترجمته في «مختصر تاريخ دمشق» لابن منظور (3/ 132) طبع دار الفكر بدمشق، و «الأعلام» للزركلي (1/ 156) .