الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
فيها تمّ أمور هائلة، وكان أبو نصر الذي ولي مملكة بغداد شابا حزما [1] والطائع لله ضعيفا، ولّاه السلطنة، ولقّبه بهاء الدولة، فلما كان في شعبان، وأمر الخليفة الطائع بحبس أبي الحسين بن المعلّم، وكان من خواصّ بهاء الدولة، فعظم على بهاء الدولة ذلك، ثم دخل على الطائع للخدمة، فلما قرب، قبّل الأرض، وجلس على كرسي فتقدم أصحابه، فشحطوا الطائع من السرير بحمائل سيفه، ولفّوه في كساء، وحمل إلى دار المملكة، وكتب عليه بخلعه نفسه وتسليم الأمر إلى القادر، فاختبطت بغداد، وظن الأجناد أن القبض على بهاء الدولة من جهة الطائع، فوقعوا في النهب، ثم إن بهاء الدولة أمر بالنداء بخلافة القادر بالله وأنفذ إلى القادر بالله سجل بخلع الطائع لله وهو بالبطائح، وأخذوا جميع ما في دار الخلافة، حتّى الرخام والأبواب، ثم أبيحت للرعاع، فقلعوا الشبابيك، وأقبل القادر بالله، أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر [بالله] وله يومئذ أربع وأربعون سنة، وكان أبيض، كثّ اللحية، كثير التهجد والخير والبر، صاحب سنّة وجماعة.
وكان من جملة من حضر إهانة الطائع وخلعه الشريف الرضي، فأنشد:
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه
…
لقد تقارب بين العزّ والهون
[1] في «العبر» : «جريئا» .
ومنظر كان بالسرّاء يضحكني
…
يا قرب ما عاد بالضرّاء يبكيني
وفيها توفي أحمد بن الحسين بن مهران الأستاذ، أبو بكر الأصبهاني، ثم النيسابوري، المقرئ، العبد الصالح، مجاب الدعوة، ومصنّف كتاب «الغاية في القراءات» [1] قرأ بدمشق على أبي النّضر الأخرم، وببغداد على النقّاش، وأبي الحسن بن بويان [2] وطائفة، وسمع من السرّاج، وابن خزيمة، وطبقتهما.
قال الحاكم: كان إمام عصره في القراءات، وأعبد الناس ممّن رأينا في الدّنيا، وكان مجاب الدعوة، توفي في شوال، وله ست وثمانون سنة، وله كتاب «الشامل في القراءات» وهو كتاب كبير.
وفيها جوهر القائد، أبو الحسن الرّومي، مولى المعزّ بالله، ومقدّم جيشه، وظهيره ومؤيد دولته، وموطّد [3] الممالك له، وكان عاقلا سائسا، حسن السيرة في الرعية، على دين مواليه، ولم يزل عالي الرتبة، نافذ الكلمة، إلى أن مات. وجرت له فصول في أخذ مصر يطول ذكرها، من ذلك، ما ذكره ابن خلّكان [4] أن القائد جوهر وصل إلى الجيزة، وابتدئ في القتال في الحادي عشر من شعبان، سنة ثمان وخمسين فأسرت رجال، وأخذت خيل، ومضى جوهر إلى منية الصيادين [5] وأخذ المخاضة بمنية شلقان، واستمال [6] إلى جوهر جماعة من العسكر في مراكب، وجعل أهل
[1] في الأصل والمطبوع: «الغاية في القراءة» والتصحيح من «العبر» و «النجوم الزاهرة» (4/ 160) .
[2]
تحرّف في «العبر» في طبعتيه إلى: «الحسن بن ثوبان» فيصحح فيهما.
[3]
في «العبر» طبع الكويت: «وموطئ» .
[4]
انظر «وفيات الأعيان» (1/ 378- 380) .
[5]
في الأصل والمطبوع: «مينة الصيادين» وهو خطأ، والتصحيح من «وفيات الأعيان» .
[6]
في «وفيات الأعيان» : «واستأمن» وهو أصوب.
مصر على المخاضة من يحفظها، فلما رأى ذلك جوهر، قال لجعفر بن فلاح: لهذا اليوم أرادك المعز، فعبر عريانا في سراويل وهو في مركب، ومعه الرجال خوضا، حتّى خرجوا إليهم، ووقع القتال، فقتل خلق من الإخشيذية، وأتباعهم، وانهزمت الجماعة في الليل، ودخلوا مصر، وأخذوا ما قدروا عليه من دورهم [وانهزموا][1] وخرج حرمهم مشاة ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان، فكتب إليه يهنئه بالفتح، وسأله إعادة الأمان، وجلس الناس عنده ينتظرون الجواب، فعاد إليهم بأمانه وحضور رسوله. ومعه بند أبيض، وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهب، فهدأ البلد وفتحت الأسواق، وسكن الناس، كأن لم تكن فتنة.
فلما كان آخر النهار ورد رسوله إلى أبي جعفر بأن تعمل على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان بجماعة الأشراف والعلماء ووجوه البلد، فانصرفوا متأهبين لذلك، ثم خرجوا ومعهم الوزير جعفر وجماعة من الأعيان إلى الجيزة، والتقوا القائد، ونادى مناد: ينزل الناس كلهم إلّا الشريف والوزير، فنزلوا وسلّموا عليه واحدا واحدا، والوزير عن شماله والشريف عن يمينه، ولما فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد، فدخلوا من زوال الشمس وعليهم السلاح والعدد، ودخل جوهر بعد العصر وطبوله وبنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أصفر، وشقّ في مصر، ونزل في مناخه موضع القاهرة اليوم، واختطّ موضع القاهرة.
ولما أصبح المصريون حضروا إلى القائد للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكان فيه زورات جاءت غير معتدلة فلم تعجبه، ثم قال: حفرت في ساعة سعيدة فلا أغيّرها، وأقام عسكره يدخل [إلى] البلد سبعة أيام أولها الثلاثاء المذكور، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه [المعز]
[1] زيادة من «وفيات الأعيان» .
يبشره بالفتح وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة، وقطع خطبة بني العبّاس عن منابر الدّيار المصرية، وكذلك اسمهم من على السكة، وعوّض عن ذلك باسم مولاه المعز، وأزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض، وجعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم يحضره الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء.
وفي يوم الجمعة ثامن ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة:
اللهمّ صلّ على محمد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. اللهمّ وصلّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الآخر، سنة تسع وخمسين، صلى القائد في جامع [ابن] طولون بعسكر كثير، وخطب عبد السميع بن عمر العبّاسي الخطيب، وذكر أهل البيت وفضائلهم، رضي الله عنهم، ودعا للقائد جوهر، وجهر القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وأذن بحيّ على خير العمل، وهو أول ما أذن به بمصر، ثم أذن به في سائر المساجد، وقنت الخطيب في صلاة الجمعة.
وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة أذّنوا في جامع مصر العتيق بحيّ على خير العمل، وسرّ القائد جوهر بذلك، وكتب إلى المعز يبشره بذلك، ولما دعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر، أنكر عليه، وقال: ليس هذا رسم موالينا.
وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة، وفرغ من بنائه في سابع شهر رمضان سنة إحدى وستين، وجمع فيه الجمعة، وأظن [1] هذا الجامع المعروف بالأزهر. انتهى ملخصا.
[1] القائل ابن خلّكان.
وفيها سعد الدولة، أبو المعالي [1] شريف بن سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي، صاحب حلب، توفي في رمضان، وقد نيّف على الأربعين، وولي بعده ابنه سعد، فلما مات ابنه، انقرض ملك سيف الدولة من ذريته.
وفيها عبد الله بن أحمد بن حمّويه بن يوسف بن أعين أبو محمد السّرخسي، المحدّث الثقة. روى عن الفربري «صحيح البخاري» وروى عن عيسى بن عمر السمرقندي «كتاب الدارمي» وروى عن إبراهيم بن خريم «مسند عبد بن حميد» و «تفسيره» وتوفي في ذي الحجة، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها الجوهري، أبو القاسم، عبد الرحمن بن عبد الله المصري المالكي، الذي صنّف «مسند الموطّأ» توفي في رمضان.
وفيها أبو عدي، عبد العزيز بن علي بن محمد بن إسحاق المصري، المقرئ الحاذق، المعروف بابن الإمام. قرأ على أبي بكر بن سيف، صاحب أبي يعقوب الأزرق، وكان محققا ضابطا لقراءة ورش، وحدّث عن محمد بن زبّان، وابن قديد، وتوفي في شهر ربيع الأول.
وفيها أبو محمد بن معروف، قاضي القضاة، عبيد الله [2] بن أحمد بن معروف البغدادي.
قال الخطيب [3] : كان من أجلّاء [4] الرجال وألبائهم، مع تجربة وحنكة، وفطنة وعزيمة ماضية، وكان يجمع وسامة في منظره، وظرفا في
[1] في «العبر» : «أبو العباس» وانظر «النجوم الزاهرة» (4/ 161) و «الأعلام» (3/ 162) .
[2]
في الأصل والمطبوع: «عبد الله» وهو خطأ، والتصحيح من «تاريخ بغداد» و «العبر» .
[3]
انظر «تاريخ بغداد» (10/ 366) .
[4]
في الأصل والمطبوع: «من أجلاد» وفي «العبر» : «من أجواد» وما أثبته من «تاريخ بغداد» .
ملبسه، وطلاقة في مجلسه، وبلاغة في خطابه، ونهضة بأعباء الأحكام، وهيبة في القلوب.
وقال العتيقي: كان مجردا في الاعتزال. انتهى.
قال في «العبر» [1] : قلت: ولد سنة ست وثلاثمائة، وسمع من يحيى بن صاعد، وأبي حامد الحضرمي، وجماعة، وتوفي في صفر. انتهى.
وفيها أبو الفضل، عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزّهري العوفي البغدادي. سمع إبراهيم بن شريك الأسدي، والفريابي، وعبد الله بن إسحاق المدائني وطائفة، ومات في أحد الربيعين، وله إحدى وتسعون سنة.
قال عبد العزيز الأزجي: هو شيخ ثقة، مجاب الدعاء.
وفيها ابن المقرئ، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي الأصبهاني، الحافظ الثقة، صاحب الرحلة الواسعة، أول سماعه بعد الثلاثمائة، فأدرك محمد بن نصير المديني، ومحمد بن علي الفرقدي صاحبي إسماعيل بن عمرو البجلي، ثم رحل، ولقي أبا يعلى، وعبدان، وطبقتهما.
قال أبو نعيم الحافظ: كان محدّثا كبيرا ثقة صاحب مسانيد سمع ما لا يحصى كثرة [2] .
وقال ابن ناصر الدّين: كان محدّثا ثقة كبيرا، من المكثرين، وله «المعجم الكبير» و «كتاب الأربعين» . انتهى.
توفي في شوال، عن ست وتسعين سنة.
[1](3/ 20) .
[2]
كذا في الأصل والمطبوع و «سير أعلام النبلاء» (16/ 400) ونص النقل في «ذكر أخبار أصبهان» (2/ 297) : «محدّث كبير، ثقة أمين، صاحب مسانيد وأصول، سمع بالعراق والشام ومصر ما لا يحصى كثرة» .
وفيها قاضي الجماعة، أبو بكر محمد بن يبقى بن زرب القرطبي المالكي، صاحب التصانيف، وأحفظ أهل زمانه لمذهب مالك. سمع قاسم بن أصبغ وجماعة، وولي القضاء سنة سبع وستين وثلاثمائة، وإلى أن مات، وكان المنصور بن أبي عامر يعظّمه ويجلسه معه.
وفيها ابن دوست، أبو [بكر] محمد بن يوسف [1] العلّاف، ببغداد.
روى عن البغوي وجماعة.
[1] في الأصل والمطبوع: «أبو محمد بن يوسف» وهو خطأ، والتصحيح من «تاريخ بغداد» (3/ 409) و «العبر» (3/ 21) .