الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي أبو بكر بن المهندس، أحمد بن محمد بن إسماعيل محدّث ديار مصر. كان ثقة تقيا، روى عن البغوي [1] ، ومحمد بن محمد الباهلي، وطبقتهما.
وفيها أبو القاسم، الصاحب بن عبّاد إسماعيل بن عبّاد بن العبّاس بن عبّاد بن أحمد بن إدريس الطالقاني، وزير مؤيد الدولة أبي منصور بن بويه، وفخر الدولة، وصحب أبا الفضل الوزير ابن العميد، وأخذ عنه الأدب، والشعر، والترسل، وبصحبته لقب بالصاحب، وكان من رجال الدهر، حزما، وعزما، وسؤددا، ونبلا، وسخاء، وحشمة، وإفضالا وعدلا.
قال الثعالبي في «اليتيمة» [2] في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات [3] في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه.
ثم شرع في وصف بعض محاسنه وطرف من أحواله.
[1] يعني عن أبي القاسم البغوي الإمام الكبير، وقد تقدمت ترجمته.
[2]
انظر «يتيمة الدهر» (3/ 225) وما بعدها.
[3]
في «يتيمة الدهر» التي بين يدي: «بغايات» .
وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه [1] : الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها [2] ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه [3] كما قال أبو سعيد الرّستمي في حقه:
ورث الوزارة كابرا عن كابر
…
موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العبّاس عبّاد وزا
…
رته وإسماعيل عن عبّاد
وأنشده أبو القاسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها:
أيا من عطاياه تهدي الغنى
…
إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين
…
كسا لم نخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في
…
صنوف [4] من الخزّ إلا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني، أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة، وفرس، وبغل، وحمار، وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبة، وقميص، وعمامة، ودرّاعة، وسراويل، ومنديل، ومطرف، ورداء، وكساء، وجورب، وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخزّ لأعطيناكه.
واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح، وكان حسن الأجوبة.
كتب إليه بعضهم رقعة أغار فيها على رسائله، وسرق جملة من ألفاظه، فوقّع فيها: هذه بضاعتنا ردت إلينا.
وصنّف في اللغة كتابا سمّاه «المحيط» في سبع مجلدات [5] ، وكتاب
[1] لا زال المؤلف ينقل عن «يتيمة الدهر» .
[2]
في «يتيمة الدهر» الذي بين يدي: «في وكرها» .
[3]
في «يتيمة الدهر» : «وورثها من أبيه» .
[4]
في «يتيمة الدهر» : «ضروب» .
[5]
قال ابن خلكان: رتبه على حروف المعجم، كثّر فيه الألفاظ، وقلّل الشواهد، فاشتمل من
«الكافي» في الرسائل، وكتاب «الأعياد وفضائل النيروز» وكتاب «الإمامة» يذكر فيه فضائل عليّ رضي الله عنه، ويثبت إمامته على من تقدمه، لأنه كان شيعيا، وله غير ذلك، وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله:
وشادن جماله
…
تقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي
…
فقلت قبّل شفتي
وله في رقة الخمر:
رقّ الزجاج وراقت الخمر
…
فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
…
وكأنما قدح ولا خمر
وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي، أن نوح بن منصور، أحد ملوك بني سامان [1] ، كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوّض إليه وزارته وتدبير مملكته، وكان من جملة أعذاره إليه، أنه يحتاج في نقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل؟! وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، سنة ست وعشرين وثلاثمائة بإصطخر، وقيل: بالطّالقان، وتوفي ليلة الجمعة رابع عشري صفر بالرّيّ، ثم نقل إلى أصبهان.
ومن أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصّاحب، فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الرّيّ، واجتمع الناس على باب القصر [2] ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر القواد وقد غيّروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب، صاح الناس بأجمعهم صيحة
اللغة على جزء متوفر.
[1]
في الأصل والمطبوع: «ساسان» وهو خطأ، والتصحيح من «وفيات الأعيان» . قال في «القاموس المحيط» (سمن) : والملوك السامانيّة تنسب إلى سامان بن حيّا.
[2]
في «وفيات الأعيان» : «على باب قصره» .
واحدة وقبّلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعد للعزاء أياما.
ورثاه أبو سعيد الرّستمي بقوله:
أبعد ابن عبّاد يهشّ إلى السرى
…
أخو أمل أو يستماح جواد
أبى الله إلّا أن يموتا بموته
…
فما لهما حتّى المعاد معاد [1]
قال ابن الأهدل: ومن كلامه في وصف الأئمة الثلاثة المتعاصرين، أصحاب أبي الحسن الأشعري: الباقلاني نار محرق، وابن فورك صل مطرق، والإسفراييني بحر مغرق.
قال ابن عساكر: كأن روح القدس نفث في روعه بحقيقة حالهم.
انتهى.
وفيها أبو الحسن الأذني- بفتحتين، نسبة إلى أذنة [2] بلد بساحل الشام عند طرسوس- القاضي علي بن الحسين بن بندار المحدّث، نزيل مصر. روى الكثير عن ابن فيل، وأبي عروبة، ومحمد بن الفيض الدمشقي، وعلي الغضائري، وتوفي في شهر ربيع الأول.
وفيها الدّارقطني- بفتح الراء وضم القاف، وسكون الطاء، نسبة إلى دار القطن، محلة ببغداد- وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي، الإمام الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، إليه النهاية في معرفة الحديث وعلومه، وكان يدعى فيه أمير المؤمنين.
وقال في «العبر» [3] : الحافظ المشهور، صاحب التصانيف، توفي في ذي القعدة، وله ثمانون سنة. روى عن البغوي وطبقته.
[1] تنبيه: نقل المؤلف ترجمة الصاحب بن عبّاد عن «وفيات الأعيان» (1/ 228- 232) باختصار.
[2]
سبق التعريف بها، وتعرف الآن ب «أضنة» ، وتقع في الجنوب الأوسط من تركيا المعاصرة.
[3]
(3/ 30- 31) .
ذكره الحاكم فقال: صار أوحد عصره في الحفظ، والفهم، والورع، إماما في القراءات، والنحو، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها.
وقال الخطيب [1] : كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته. انتهى إليه علم الأثر [2] والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال [وأحوال الرواة] ، مع الصدق [والأمانة، والفقه، والعدالة، وقبول الشهادة] وصحة الاعتقاد [وسلامة المذهب] ، والاضطلاع من علوم سوى علم الحديث، منها القراءات، وقد صنّف فيها مصنفا، ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: إنه كان يحفظ دواوين جماعة.
وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال:
هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا؟! وقال البرقاني: كان الدارقطني يملي عليّ العلل من حفظه.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث. انتهى كلام «العبر» .
وقال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: صار أوحد أهل عصره في الحفظ، والفهم، والورع، وإماما في النحو، والقراءة، وأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله، توفي ببغداد ودفن قريبا من معروف الكرخي.
قال ابن ماكولا: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يدعى في الجنة بالإمام. انتهى ملخصا.
[1] انظر «تاريخ بغداد» (12/ 34- 35) وما بين حاصرتين زيادة منه.
[2]
في «سير أعلام النبلاء» (16/ 452) : «علو الأثر» .
وفيها أبو حفص بن شاهين، عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي، الواعظ المفسّر الحافظ، صاحب التصانيف وأحد أوعية العلم، توفي بعد الدارقطني [بشهر، وكان أكبر من الدارقطني][1] بتسع سنين. سمع من الباغندي، ومحمد بن المجدّر، والكبار، ورحل إلى الشام، والبصرة، وفارس.
قال أبو الحسين بن المهتدي بالله: قال لنا ابن شاهين: صنّفت ثلاثمائة وثلاثين مصنفا، منها «التفسير الكبير» ألف جزء، و «المسند» ألف وثلاثمائة جزء، و «التاريخ» مائة وخمسون جزءا.
قال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنّف ما لم يصنفه أحد.
وقال محمد بن عمر الداودي: كان ثقة بحّاثا، وكان لا يعرف الفقه، ويقول: أنا محمديّ المذهب. انتهى.
وممّن أخذ عنه الماليني، والبرقاني، وخلق كثير.
وقال السيوطي في كتابه «مشتهى العقول ومنتهى النقول» : منتهى التفاسير لابن شاهين ألف مجلد، والمسند له ألف وخمسمائة مجلد، ومداد تصانيفه انتهى إلى ثمانية وعشرين قنطارا.
قال ابن الجوزي: قلت: هذا من طي الزمان. انتهى كلام السيوطي.
وفيها أبو بكر الكسائي [2] ، محمد بن إبراهيم النيسابوري، الأديب الذي روى «صحيح مسلم» عن إبراهيم بن سفيان الفقيه، توفي ليلة عيد
[1] ما بين حاصرتين سقط من الأصل وأثبته من المطبوع و «العبر» .
[2]
في الأصل والمطبوع: «الكبشاني» وهو خطأ، والتصحيح من «المغني في الضعفاء» و «سير أعلام النبلاء» (16/ 465) .
النحر، ضعفه الحاكم لتسميعه الكتاب بقوله: من غير أصل.
وقال في «المغني» [1] : غمزه الحاكم، روى «الصحيح» من غير أصل.
انتهى.
وفيها أبو الحسن بن سكّرة، محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي، الشاعر المشهور، العبّاسي المفلق، ولا سيّما في المجون والمزاح، وكان هو وابن حجّاج يشبّهان في وقتهما بجرير والفرزدق، ويقال:
إن «ديوان ابن سكّرة» يزيد على خمسين ألف بيت.
قال الثعالبي في ترجمته [2] : هو شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول الظرف والملح [3] ، على الفحول والأفراد، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد، وكان يقال: إن زمانا جاد بمثل ابن سكّرة، وابن حجّاج لسخيّ جدا.
ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام في يده غصن مزهر:
غصن بان بدا وفي اليد منه
…
غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيّرت بين غصنين في ذا
…
قمر طالع وفي ذا نجوم
وله في غلام أعرج:
قالوا بليت بأعرج فأجبتهم
…
العيب يحدث في غصون البان
إني أحب حديثه وأريده
…
للنوم لا للجري في الميدان
وله أيضا:
أنا والله هالك
…
آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي
…
قد أقامت قيامتي
[1](2/ 545) .
[2]
انظر «يتيمة الدهر» (3/ 3- 34) .
[3]
في «يتيمة الدهر» : «الملح والظرف» .
وله:
قيل ما أعددت للبر
…
د فقد جاء بشدّه
قلت دراعة عري
…
تحتها جبة رعده
وله البيتان اللذان ذكرهما الحريري في مقاماته [1] وهما:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه
…
سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كنّ وكيسّ وكانون وكاس طلا
…
بعد [2] الكباب وكس ناعم وكسا
ومحاسن شعره كثيرة، وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر.
وفيها الفقيه العلّامة الورع الزاهد الخاشع البكّاء المتواضع أبو بكر الأودني- بالضم وفتح المهملة والنون، نسبة إلى أودنة، قرية من قرى بخارى- شيخ الشافعية ببخارى وما وراء النهر، أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن بصير [3] ، كان علّامة زاهدا، ورعا خاشعا، ومن غرائب وجوهه في المذهب، أن الربا حرام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء بجنسه. روى عن الهيثم بن كليب الشّاشي، وطائفة، ومات في شهر ربيع الآخر، وقد دخل في سن الشيخوخة، ومن تلامذته المستغفري.
قال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: كان من أزهد الفقهاء، وأورعهم، وأعبدهم، وأبكاهم على تقصيره، وأشدهم تواضعا وإنابة.
وقال الإمام في «النهاية» [4] : وكان من دأبه أن يضنّ بالفقه على من لا
[1] انظر «مقامات الحريري» ص (257) طبعة البابي الحلبي.
[2]
في الأصل والمطبوع: «مع» والتصحيح من «مقامات الحريري» و «وفيات الأعيان» مصدر المؤلف.
[3]
في الأصل والمطبوع و «العبر» : «ابن نصير» وهو تصحيف، والتصحيح من «الإكمال» (1/ 320) و «الأنساب» (1/ 380) و «سير أعلام النبلاء» (16/ 465) .
[4]
هو «نهاية المطلب في دراية المذهب» للجويني. انظر «كشف الظنون» (2/ 1990) .
يستحقه، وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع عليه في المناظرة، توفي ببخارى.
انتهى ملخصا.
وفيها أبو الفتح القوّاس، يوسف بن عمر بن مسرور البغدادي الزاهد، المجاب الدعوة في ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة، روى عن البغوي وطبقته.
قال البرقاني: كان من الأبدال.