الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والبرهان، أو متعلق ب: ما عِنْدَكُمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْعَاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الْبَاطِلِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، فَقَالَ: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ مِنَ الْعِلْمِ فِي شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الْجَهْلِ الْمَحْضِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُولَ لَهُمْ قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَالُوهُ كَذِبٌ، وَأَنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ لَا يُفْلِحُ، فَقَالَ: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ أَيْ: كُلُّ مُفْتَرٍ هَذَا شَأْنُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلَاءِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا. وَذِكْرُ الْكَذِبِ مَعَ الِافْتِرَاءِ لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الِافْتِرَاءَ وَإِنْ فَازَ صَاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَطَالِبِ الْعَاجِلَةِ فَهُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ الْمَوْتُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ الْمُفْتَرِي عَذَابًا مُؤَبَّدًا. فَيَكُونُ مَتَاعٌ: خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ:
مُسْتَأْنَفَةٌ، لِبَيَانِ أَنَّ مَا يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرَائِهِ لَيْسَ بِفَائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِهَا، بَلْ هُوَ مَتَاعٌ يَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَتَعَقَّبُهُ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ الْحَاصِلِ بِأَسْبَابٍ مِنْ جُمْلَتِهَا: الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّ التَّقْدِيرَ: لَهُمْ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا، فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ عَلَى هَذَا هُوَ الْخَبَرُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَتَاعٌ، أَوْ هُوَ مَتَاعٌ، فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ عَلَى هَذَا: هُوَ الْمُبْتَدَأَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَحْزُنْكَ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ: وَأَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ، كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيمَا يُعَاتِبُهُ: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ وَيَعْلَمُهُ، فَلَوْ شَاءَ بِعِزَّتِهِ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَالنَّهارَ مُبْصِراً قَالَ: مُنِيرًا. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ:
إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا يقول: ما عندكم سلطان بهذا.
[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 74]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
لَمَّا بَالَغَ سُبْحَانَهُ فِي تَقْرِيرِ الْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ الْمُنْهَارَةِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
أَيْ: عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَاصِرِينَ لَكَ الْمُعَارِضِينَ لِمَا جِئْتَ بِهِ بِأَقْوَالِهِمُ الْبَاطِلَةِ نَبَأَ نُوحٍ أَيْ: خَبَرَهُ، وَالنَّبَأُ: هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ وَشَأْنٌ، وَالْمُرَادُ: مَا جَرَى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ كَمَا فَعَلَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَأَمْثَالُهُمْ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَيْ: وَقْتَ قَالَ لِقَوْمِهِ، والظرف: منصوب بنبإ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ، وَاللَّامُ فِي: لِقَوْمِهِ لام التبليغ يَا قَوْمِ إِنْ كانَ
كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي
أَيْ: عَظُمَ وَثَقُلَ، وَالْمَقَامُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقَامُ فِيهِ، وَبِالضَّمِّ: الْإِقَامَةُ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى الْفَتْحِ، وَكَنَّى بالمقام عن نَفْسِهِ كَمَا يُقَالُ: فَعَلْتُهُ لِمَكَانِ فُلَانٍ، أَيْ: لأجله، ومنه: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ «1» أَيْ: خَافَ رَبَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَقَامِ الْمُكْثُ، أَيْ: شَقَّ عَلَيْكُمْ مُكْثِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَقَامِ: الْقِيَامُ لِأَنَّ الْوَاعِظَ يَقُومُ حَالَ وَعْظِهِ وَالْمَعْنَى: إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ قِيَامِي بِالْوَعْظِ فِي مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِكُمْ، وَكَبُرَ عَلَيْكُمْ تَذْكِيرِي لَكُمْ بِآياتِ اللَّهِ التَّكْوِينِيَّةِ وَالتَّنْزِيلِيَّةِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالْمَعْنَى: إِنِّي لَا أُقَابِلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَأْبِي الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ إِحْدَاثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْ مَرَاتِبِ التَّوَكُّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّرْطِ فَأَجْمِعُوا وَجُمْلَةُ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ اعتراض، كَقَوْلِكَ: إِنْ كُنْتَ أَنْكَرْتَ عَلِيَّ شَيْئًا فَاللَّهُ حَسْبِي.
وَمَعْنَى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ اعْتَزِمُوا عَلَيْهِ، مِنْ أَجْمَعَ الْأَمْرَ: إِذَا نَوَاهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَرُوِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: أَجْمَعَ الشَّيْءَ: أَعَدَّهُ. وَقَالَ مُؤَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ: أَجْمَعَ الْأَمْرَ: أَفْصَحُ مِنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ
…
هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: أَجْمَعَ أَمْرَهُ: جعله جميعا بعد ما كَانَ مُتَفَرِّقًا، وَتَفَرُّقُهُ أَنْ تَقُولَ مَرَّةً: أَفْعَلُ كَذَا، وَمَرَّةً:
أَفْعَلُ كَذَا، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ، أَيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ صَارَ بِمَعْنَى الْعَزْمِ. وَقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ عَلَى نَصْبِ شُرَكاءَكُمْ وَقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَجْمَعُوا. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ فِي أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبُ:
وَشُرَكَاؤُكُمْ بِالرَّفْعِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَفِي نَصْبِ الشُّرَكَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ بِمَعْنَى وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ، أَيِ: ادْعُوهُمْ لِنُصْرَتِكُمْ، فَهُوَ عَلَى هَذَا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى كما قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا لَيْتَ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى
…
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
وَالرُّمْحُ لَا يُتَقَلَّدُ بِهِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ كَالسَّيْفِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى مَعَ شُرَكَائِكُمْ، فَالْوَاوُ عَلَى هَذَا، وَاوُ مَعَ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ اجْمَعُوا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ فَالْعَطْفُ ظَاهِرٌ أَيِ: اجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَاجْمَعُوا شُرَكَاءَكُمْ. وَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ، فَعَلَى عَطْفِ الشُّرَكَاءِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي أَجْمِعُوا، وَحَسُنَ هَذَا الْعَطْفُ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ بِمُنْفَصِلٍ كَمَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ طَالَ. قَالَ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ: وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ بَعِيدَةٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شُرَكَاءَكُمْ مَرْفُوعًا لَرُسِمَ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ، وَلَيْسَ ذلك موجودا فيه. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ الشُّرَكَاءُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: وَشُرَكَاؤُكُمْ لِيَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى الشُّرَكَاءِ مَعَ كَوْنِ الْأَصْنَامِ لَا تَعْقِلُ: لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ، وَالتَّقْرِيعِ لِمَنْ عَبْدَهَا. وَرُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ: وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ بِإِظْهَارِ الْفِعْلِ. قوله ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً الْغُمَّةُ: التَّغْطِيَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ، غُمَّ الْهِلَالُ: إِذَا اسْتَتَرَ أَيْ: لِيَكُنْ أَمْرُكُمْ ظَاهِرًا مُنْكَشِفًا. قَالَ طرفه:
(1) . الرحمن: 46.
لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ
…
نَهَارِي وَلَا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
هَكَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ: مَعْنَاهُ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ مُبْهَمًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْغُمَّةَ: ضِيقُ الْأَمْرِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَالْمَعْنَى: لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ بِمُصَاحَبَتِي وَالْمُجَامَلَةِ لِي ضِيقًا شَدِيدًا، بَلِ ادْفَعُوا هَذَا الضِّيقَ وَالشِّدَّةَ بِمَا شِئْتُمْ وَقَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الثَّانِي هُوَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ، وَعَلَى الثَّالِثِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ أَيْ: ذَلِكَ الْأَمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَهُ بِي.
وَأَصْلُ اقْضُوا مِنَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ الْإِحْكَامُ. وَالْمَعْنَى: أَحْكِمُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ. قَالَ الْأَخْفَشُ وَالْكِسَائِيُّ: هو مثل وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ «1» أَيْ: أَنْهَيْنَاهُ إِلَيْهِ وَأَبْلَغْنَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ: أَيْ لَا تُمْهِلُونِ، بَلْ عَجِّلُوا أَمْرَكُمْ وَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: ثُمَّ امْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُؤَخِّرُونَ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَضَى الْمَيِّتُ: مَضَى. وَحَكَى الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ثُمَّ أَفْضُوا بِالْفَاءِ وَقَطْعِ الْهَمْزَةِ، أَيْ:
تَوَجَّهُوا، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ نُوحٍ عليه السلام مَا يَدُلُّ عَلَى وُثُوقِهِ بِنَصْرِ رَبِّهِ، وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِمَا يَتَوَعَّدُهُ بِهِ قَوْمُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلَّ مَا أَتَى بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ وَتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ لِطَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَا لِغَرَضٍ خَسِيسٍ، فَقَالَ: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أَيْ: إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْعَمَلِ بِنُصْحِي لَكُمْ وَتَذْكِيرِي إِيَّاكُمْ، فَمَا سَأَلْتُكُمْ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ تُؤَدُّونَهُ إِلَيَّ حَتَّى تَتَّهِمُونِي فِيمَا جِئْتُ بِهِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ لِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَالْفَاءُ فِي فَما سَأَلْتُكُمْ جَزَائِيَّةٌ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أَيْ: مَا ثَوَابِي فِي النُّصْحِ وَالتَّذْكِيرِ إِلَّا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ يُثِيبُنِي آمَنْتُمْ أَوْ تَوَلَّيْتُمْ. قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عُمَرَ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ بِتَحْرِيكِ الْيَاءِ مِنْ أَجْرِيَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالسُّكُونِ. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُنْقَادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أَعْمَالَهُمْ خَالِصَةً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَأْخُذُونَ عَلَيْهَا أَجْرًا فِي عَاجِلٍ. قَوْلُهُ: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ أَيِ: اسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِ وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا تَكْذِيبَهُ بعد أن لم يكن، والمراد مَعَهُ مَنْ قَدْ أَجَابَهُ وَصَارَ عَلَى دِينِهِ، وَالْخَلَائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُهْلَكِينَ بِالْغَرَقِ، وَيَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مِنَ الْكُفَّارِ الْمُعَانِدِينَ لِنُوحٍ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفَانِ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَتَهْوِيلٌ عَلَيْهِمْ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أَيْ: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أَيْ: بِالْمُعْجِزَاتِ وَبِمَا أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِقَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أَيْ: فَمَا أَحْدَثُوا الْإِيمَانَ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَأَصَرُّوا عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مَا صَحَّ وَلَا اسْتَقَامَ لِقَوْمٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ الَّذِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ أَنْ يُؤْمِنُوا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أَيْ: مِنْ قَبْلِ تَكْذِيبِهِمُ الْوَاقِعِ مِنْهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ. وَالْمَعْنَى:
أَنَّ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ الْعَالَمِ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ أَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الرَّسُولَ الْمَبْعُوثَ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ بِمَا كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ قَبْلِ مَجِيئِهِ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بَلْ مُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ، وَلَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا وَفِي بِما كَذَّبُوا رَاجِعٌ إِلَى الْقَوْمِ المذكورين في
(1) . الحجر: 66.