المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93] - فتح القدير للشوكاني - جـ ٢

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌تنبيه:

- ‌سورة المائدة

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 2]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 3]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 4 الى 5]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 6]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 14]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 17 الى 18]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 19]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 31]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 32 الى 34]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 44]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 45 الى 50]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 56]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 63]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 64 الى 66]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 67]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 68 الى 75]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 81]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 89]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 93]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 94 الى 99]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 100 الى 104]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 105]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 109 الى 111]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 115]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 120]

- ‌سورة الأنعام

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 4 الى 11]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 21]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 22 الى 30]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 31 الى 36]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 37 الى 39]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 40 الى 45]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 46 الى 49]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 50 الى 55]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 56 الى 59]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 60 الى 62]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 65]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 66 الى 73]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 83]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 90]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 91 الى 94]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 99]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 100 الى 103]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 104 الى 108]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 109 الى 113]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 114 الى 117]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 118 الى 120]

- ‌[سورة الأنعام (6) : آية 121]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 124]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 125 الى 128]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 129 الى 132]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 137]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 138 الى 140]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 141 الى 142]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 143 الى 144]

- ‌[سورة الأنعام (6) : آية 145]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 146 الى 147]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 148 الى 150]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 153]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 154 الى 157]

- ‌[سورة الأنعام (6) : آية 158]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 159 الى 160]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 161 الى 163]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 164 الى 165]

- ‌سورة الأعراف

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 18]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 19 الى 25]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 26 الى 27]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 28 الى 30]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 33]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 34 الى 39]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 40 الى 43]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 49]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 50 الى 54]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 58]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 64]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 72]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 79]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 100]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 101 الى 102]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 122]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى 129]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 130 الى 136]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 137 الى 141]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 142]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 143 الى 147]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 151]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 152 الى 154]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 155 الى 157]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 158]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 159 الى 166]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 167 الى 170]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 171]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 174]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 178]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 179]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 180]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 181 الى 186]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 187 الى 192]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 193 الى 198]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 206]

- ‌سورة الأنفال

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 1]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 2 الى 4]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 10]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 11 الى 14]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 18]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 19]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 23]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 26 الى 28]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 29]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 34 الى 37]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 43 الى 44]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 49]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 50 الى 54]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 60]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 61 الى 63]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 64 الى 66]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 69]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 70 الى 71]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 72 الى 75]

- ‌سورة التّوبة

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 4 الى 6]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 12 الى 16]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 17 الى 22]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 23 الى 24]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 25 الى 27]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 28 الى 29]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 35]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 42]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 43 الى 49]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 50 الى 57]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 58 الى 60]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 61 الى 66]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى 70]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 73 الى 74]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 79]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 80 الى 83]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 84 الى 89]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 90]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 91 الى 93]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 94 الى 99]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 100 الى 106]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 107 الى 110]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 111 الى 112]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 113 الى 114]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 115 الى 119]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 120 الى 121]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 122 الى 123]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 124 الى 129]

- ‌سورة يونس

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 5 الى 6]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 11 الى 16]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 17 الى 19]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 20 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 24 الى 30]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 31 الى 41]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 42 الى 49]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 50 الى 58]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 59 الى 64]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 65 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 74]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 75 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 92]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 93 الى 100]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 101 الى 109]

- ‌سُورَةُ هُودٍ

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 9 الى 17]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 18 الى 24]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 25 الى 34]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 35 الى 44]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 45 الى 49]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 50 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 68]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 69 الى 76]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 77 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 95]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 96 الى 108]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 109 الى 115]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 116 الى 123]

الفصل: ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93]

ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمَاضِي عَابِرٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاقِي غَابِرٌ بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:

مِنَ الْغابِرِينَ أَيْ: مِنَ الْغَائِبِينَ عَنِ النَّجَاةِ. وَقَالَ اَبُو عُبَيْدٍ: الْمَعْنَى مِنَ الْغابِرِينَ أَيْ: مِنَ الْمُعَمَّرِينَ وَكَانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وَأَكْثَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْغَابِرَ: الْبَاقِي. قَوْلُهُ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً قِيلَ: أَمْطَرَ بِمَعْنَى إِرْسَالِ الْمَطَرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ فِي الرَّحْمَةِ وَأَمْطَرَ فِي الْعَذَابِ، وَالْمَعْنَى هُنَا: أَنَّ اللَّهَ أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ مَا يَعْتَادُونَهُ وَهُوَ رَمْيُهُمْ بِالْحِجَارَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ «1» فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ هَذَا خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، أَوْ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَسَيَأْتِي فِي هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأَبْيَنَ مِمَّا هُنَا.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ قَالَ: أَدْبَارَ الرِّجَالِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَهُمْ فِي هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أَجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النَّاسُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلَى ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قَالَ: مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ وَمِنْ أَدْبَارِ النِّسَاءِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ قَالَ: مِنَ الْبَاقِينَ فِي عَذَابِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: كَانَ قَوْمُ لُوطٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ ألف.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93]

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَاّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)

وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)

قَوْلُهُ: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَيْ: وَأَرْسَلْنَا. ومدين: اسم قبيلة،

(1) . الحجر: 74.

ص: 254

وَقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَسُمِّيَتِ الْقَبِيلَةُ بِاسْمِ أَبِيهِمْ: وَهُوَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كَمَا يُقَالُ بَكْرٌ وَتَمِيمٌ. قَوْلُهُ:

أَخاهُمْ شُعَيْباً شُعَيْبٌ: عَطْفُ بَيَانٍ، وَهُوَ شُعَيْبُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ وغيرهما. وقال الشرقيّ بْنُ الْقَطَّامِيِّ: إِنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفَاءَ بْنِ يوبب بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَزَعَمَ ابْنُ سَمْعَانَ أنه شعيب بن جزي بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شُعَيْبُ ابن صَفْوَانَ بْنِ عَيْفَاءَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بن إبراهيم. قوله: قالَ يا قَوْمِ إِلَى قَوْلِهِ: بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ نُوحٍ. قَوْلُهُ: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ أَمَرَهُمْ بِإِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ مُعَامَلَةٍ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَكَانُوا لَا يُوَفُّونَهُمَا، وَذَكَرَ الْكَيْلَ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ الْمِيزَانَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْآلَةِ.

وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَيْلِ: الْمِكْيَالُ، فَتَنَاسَبَ عَطْفُ الْمِيزَانِ عَلَيْهِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمِيزَانِ الْوَزْنُ فَيُنَاسِبُ الْكَيْلَ، وَالْفَاءُ فِي فَأَوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلَى اعْبُدُوا. قَوْلُهُ: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ الْبَخْسُ: النَّقْصُ وَهُوَ يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أَوِ التَّزْهِيدِ فِيهَا أَوِ الْمُخَادَعَةِ لِصَاحِبِهَا وَالِاحْتِيَالِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَشْياءَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْخَسُونَ النَّاسَ فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ، وَقِيلَ: كَانُوا مَكَّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ مَا دَخَلَ إِلَى أَسْوَاقِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

أَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِتَاوَةٌ

وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

قَوْلُهُ: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الْفَسَادِ وَكَثِيرُهُ وَدَقِيقُهُ وَجَلِيلُهُ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ هُنَا: الزِّيَادَةُ الْمُطْلَقَةُ، لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عَدَمِ إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَفِي بَخْسِ النَّاسِ، وَفِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ الصِّرَاطُ: الطَّرِيقُ، أَيْ: لَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النَّاسَ بِالْعَذَابِ، قِيلَ: كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي الطُّرُقَاتِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَنْ أَرَادَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُونَ:

إِنَّهُ كَذَّابٌ فَلَا تَذْهَبْ إِلَيْهِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْقُعُودُ عَلَى طُرُقِ الدِّينِ وَمَنْعُ مَنْ أَرَادَ سُلُوكَهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقُعُودَ عَلَى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، وَيُؤَيِّدُهُ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ: النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَخْذِ السَّلْبِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَشَّارِينَ يَأْخُذُونَ الْجِبَايَةَ فِي الطُّرُقِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ.

وَجُمْلَةُ تُوعِدُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهَا، أَيْ: لَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأَهْلِهِ صَادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بَاغِينَ لَهَا عِوَجًا، وَالْمُرَادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النَّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ وَمَنْعُهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى شُعَيْبٍ، فَإِنَّ سُلُوكَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ هُوَ سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنْ آمَنَ بِهِ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، وَالضَّمِيرُ فِي آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، أَوْ إِلَى سَبِيلِ الله، أو

ص: 255

إِلَى كُلِّ صِرَاطٍ أَوْ إِلَى شُعَيْبٍ، وَتَبْغُونَها عِوَجاً أَيْ: تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْعِوَجِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: كَسْرُ الْعَيْنِ فِي الْمَعَانِي وفتحها في الإجرام وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ أَيْ: وَقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكُمْ فَكَثَّرَكُمْ بِالنَّسْلِ وَقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَرَاءَ فَأَغْنَاكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَهْلَكَهُمْ وَأَنْزَلَ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَاتِ مَا ذَهَبَ بِهِمْ وَمَحَا أَثَرَهُمْ وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لَكُمْ وَطائِفَةٌ مِنْكُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهُمْ.

وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْكُفْرِ. وَحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: هُوَ نَصْرُ الْمُحِقِّينَ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ «1» أَوْ هُوَ أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ حَتَّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي: قال الأشراف المستكبرون لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالتَّمَرُّدِ عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، بَلْ جَاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وَبَطَرًا وَأَشَرًا إِلَى توعد نبيهم ومن آمن به الإخراج مِنْ قَرْيَتِهِمْ أَوْ عَوْدِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فِي مِلَّتِهِمُ الْكُفْرِيَّةِ، أَيْ: لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا الْإِخْرَاجُ، أَوِ الْعَوْدُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ، يُقَالُ: عَادَ إِلَيَّ مِنْ فُلَانٍ مَكْرُوهٌ، أَيْ: صَارَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يُرَدُّ مَا يُقَالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلَى مِلَّتِهِمُ الْكُفْرِيَّةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا؟ وَيَحْتَاجُ إِلَى الْجَوَابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْخِطَابِ بِالْعَوْدِ إِلَى مِلَّتِهِمْ، وَجُمْلَةُ قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَالْهَمْزَةُ: لِإِنْكَارِ وُقُوعِ مَا طَلَبُوهُ مِنَ الْإِخْرَاجِ أَوِ الْعَوْدِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، أَيْ: أَتُعِيدُونَنَا فِي مِلَّتِكُمْ فِي حَالِ كَرَاهَتِنَا لِلْعَوْدِ إِلَيْهَا، أَوْ: أَتُخْرِجُونَنَا مِنْ قَرْيَتِكُمْ فِي حَالِ كَرَاهَتِنَا لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، أَوْ في الحال كَرَاهَتِنَا لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تُكْرِهُونَا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَلَا يَصِحُّ لَكُمْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ لَا اخْتِيَارَ لَهُ وَلَا تُعَدُّ مُوَافَقَتُهُ مُكْرَهًا: مُوَافَقَةً، وَلَا عَوْدُهُ إِلَى مِلَّتِكُمْ مُكْرَهًا عَوْدًا، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، حَتَّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الْكَلَامِ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ الَّتِي هِيَ الشِّرْكُ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها بِالْإِيمَانِ فَلَا يَكُونُ مِنَّا عَوْدٌ إِلَيْهَا أَصْلًا وَما يَكُونُ لَنا أَيْ: مَا يَصِحُّ لَنَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَعُودَ فِيها بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أَيْ: إِلَّا حَالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عز وجل، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنَّا الْعَوْدُ إِلَى الْكُفْرِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عز وجل كَمَا فِي قوله: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ «2» وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِهِمْ: لَا أُكَلِّمُكَ حَتَّى يَبِيضَ الْغُرَابُ، وَحَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَالْغُرَابُ لَا يَبِيضُ، وَالْجَمَلُ لَا يَلِجُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ. وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَيْ: أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَعِلْمًا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها أَيِ:

الْقَرْيَةِ بَعْدَ أَنْ كرهتم مجاورتنا لهم إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ عَوْدَنَا إِلَيْهَا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي: عليه اعتمدنا

(1) . التوبة: 25.

(2)

. هود: 88.

ص: 256

فِي أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ، وَيُتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ، وَيَعْصِمَنَا مِنْ نِقْمَتِهِ. قَوْلُهُ: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ الْفُتَاحَةُ: الْحُكُومَةُ، أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحَانَهُ إِلَّا بِنَصْرِ الْمُحِقِّينَ عَلَى الْمُبْطِلِينَ كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا نُزُولَ العذاب بالكفرين وَحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ هُمْ أُولَئِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَهُمْ مِنْ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ شُعَيْبٌ. وَاللَّامُ فِي لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً مُوَطِّئَةٌ لِجَوَابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: دَخَلْتُمْ فِي دِينِهِ وَتَرَكْتُمْ دِينَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ جَوَابُ الْقَسَمِ سَادُّ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَخُسْرَانُهُمْ: هَلَاكُهُمْ أَوْ مَا يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كَانُوا يُعَامِلُونَ النَّاسَ بِهِ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أَيِ: الزَّلْزَلَةُ وَقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ:

وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ «1» فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ.

قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِمَا حَلَّ بِهِمْ من النعمة، وَالْمَوْصُولُ:

مُبْتَدَأٌ، وَكَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا: خَبَرُهُ يُقَالُ: غَنَيْتُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَمْتُ بِهِ، وَغَنِيَ الْقَوْمُ فِي دَارِهِمْ أَيْ: طَالَ مُقَامُهُمْ فِيهَا، وَالْمَغْنَى: الْمَنْزِلُ وَالْجَمْعُ: الْمَغَانِي. قَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ:

غَنِينَا زمانا بالتّصعلك والغنى

كما الدّهر في أيامه العسر واليسر

كسبنا صروف الدّهر لينا وغلظة

وكلّا سقاناه بكأسهما الدَّهْرُ

فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ

غنانا ولا أزرى بأحسابنا الْفَقْرُ

وَمَعْنَى الْآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يُقِيمُوا فِي دَارِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اسْتَأْصَلَهُمْ بِالْعَذَابِ، وَالْمَوْصُولُ فِي الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَالْأُولَى، مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيَانِ خُسْرَانِ الْقَوْمِ الْمُكَذِّبِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أَيْ: شُعَيْبٌ لَمَّا شَاهَدَ نُزُولَ العذاب بهم وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي الَّتِي أَرْسَلَنِي بِهَا إِلَيْكُمْ وَنَصَحْتُ لَكُمْ بِبَيَانٍ مَا فِيهِ سَلَامَةُ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ فَكَيْفَ آسَى أَيْ: أَحْزَنُ عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلَى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الْإِجَابَةِ أَوِ الْأَسَى: شِدَّةُ الْحُزْنِ، آسَى عَلَى ذَلِكَ: فَهُوَ آسٍ. قَالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ تَحَسُّرًا عَلَى عَدَمِ إِيمَانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلَّا نَفْسَهُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يقع منه الأسى على قوم ليس بِأَهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدَّيِّ قَالَا: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إِلَّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إِلَى مَدِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، وَمَرَّةً إِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ قَالَ: لَا تَظْلِمُوا النَّاسَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ قَالَ: لَا تَظْلِمُوهُمْ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قَالَ: كَانُوا يُوعِدُونَ مَنْ أَتَى شعيبا وَأَرَادَ الْإِسْلَامَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قَالَ: كَانُوا يَجْلِسُونَ في الطريق فيخبرون من أتى عليهم

(1) . هود: 94. [.....]

ص: 257