المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 63] - فتح القدير للشوكاني - جـ ٢

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌تنبيه:

- ‌سورة المائدة

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 2]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 3]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 4 الى 5]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 6]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 14]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 17 الى 18]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 19]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 31]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 32 الى 34]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 44]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 45 الى 50]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 56]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 63]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 64 الى 66]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 67]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 68 الى 75]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 81]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 89]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 93]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 94 الى 99]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 100 الى 104]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 105]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 109 الى 111]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 115]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 120]

- ‌سورة الأنعام

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 4 الى 11]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 21]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 22 الى 30]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 31 الى 36]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 37 الى 39]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 40 الى 45]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 46 الى 49]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 50 الى 55]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 56 الى 59]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 60 الى 62]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 65]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 66 الى 73]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 83]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 90]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 91 الى 94]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 99]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 100 الى 103]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 104 الى 108]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 109 الى 113]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 114 الى 117]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 118 الى 120]

- ‌[سورة الأنعام (6) : آية 121]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 124]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 125 الى 128]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 129 الى 132]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 137]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 138 الى 140]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 141 الى 142]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 143 الى 144]

- ‌[سورة الأنعام (6) : آية 145]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 146 الى 147]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 148 الى 150]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 153]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 154 الى 157]

- ‌[سورة الأنعام (6) : آية 158]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 159 الى 160]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 161 الى 163]

- ‌[سورة الأنعام (6) : الآيات 164 الى 165]

- ‌سورة الأعراف

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 18]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 19 الى 25]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 26 الى 27]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 28 الى 30]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 33]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 34 الى 39]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 40 الى 43]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 49]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 50 الى 54]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 58]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 64]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 72]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 79]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 100]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 101 الى 102]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 122]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى 129]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 130 الى 136]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 137 الى 141]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 142]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 143 الى 147]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 151]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 152 الى 154]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 155 الى 157]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 158]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 159 الى 166]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 167 الى 170]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 171]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 174]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 178]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 179]

- ‌[سورة الأعراف (7) : آية 180]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 181 الى 186]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 187 الى 192]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 193 الى 198]

- ‌[سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 206]

- ‌سورة الأنفال

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 1]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 2 الى 4]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 10]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 11 الى 14]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 18]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 19]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 23]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 26 الى 28]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 29]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 34 الى 37]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 43 الى 44]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 49]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 50 الى 54]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 60]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 61 الى 63]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 64 الى 66]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 69]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 70 الى 71]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 72 الى 75]

- ‌سورة التّوبة

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 4 الى 6]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 12 الى 16]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 17 الى 22]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 23 الى 24]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 25 الى 27]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 28 الى 29]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 35]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 42]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 43 الى 49]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 50 الى 57]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 58 الى 60]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 61 الى 66]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى 70]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 73 الى 74]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 79]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 80 الى 83]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 84 الى 89]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 90]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 91 الى 93]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 94 الى 99]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 100 الى 106]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 107 الى 110]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 111 الى 112]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 113 الى 114]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 115 الى 119]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 120 الى 121]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 122 الى 123]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 124 الى 129]

- ‌سورة يونس

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 5 الى 6]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 11 الى 16]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 17 الى 19]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 20 الى 23]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 24 الى 30]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 31 الى 41]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 42 الى 49]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 50 الى 58]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 59 الى 64]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 65 الى 70]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 74]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 75 الى 87]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 88 الى 92]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 93 الى 100]

- ‌[سورة يونس (10) : الآيات 101 الى 109]

- ‌سُورَةُ هُودٍ

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 9 الى 17]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 18 الى 24]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 25 الى 34]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 35 الى 44]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 45 الى 49]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 50 الى 60]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 68]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 69 الى 76]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 77 الى 83]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 84 الى 95]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 96 الى 108]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 109 الى 115]

- ‌[سورة هود (11) : الآيات 116 الى 123]

الفصل: ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 63]

وَقَالَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا: نُصْلِي الصَّلَاةَ وَلَا نُزَكِّي وَاللَّهِ لَا تُغْصَبُ أَمْوَالُنَا، فَكُلِّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي ذَلِكَ لِيَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَوْ قَدْ فَقِهُوا أَدُّوا الزَّكَاةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَهُ اللَّهُ وَلَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَصَائِبَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلُوا حَتَّى أَقَرُّوا بِالْمَاعُونِ وَهُوَ الزَّكَاةُ.

قَالَ قَتَادَةُ: فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَأَصْحَابِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الْآيَةَ، قَالَ عُمَرُ: أَنَا وَقَوْمِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا بَلْ هَذَا وَقَوْمُهُ» يَعْنِي أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَيَّاضٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هُمْ قَوْمُ هَذَا» ، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي جَمْعِهِ لِحَدِيثِ شُعْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: تُلِيَتْ عند النبي صلى الله عليه وسلم فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ الْآيَةَ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:

«قَوْمُكَ يَا أَبَا مُوسَى أَهْلُ الْيَمَنِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْكُنَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ الْآيَةَ، فَقَالَ:«هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ثم كندة ثم السّكون ثم تحبيب» . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ثُمَّ مِنْ كِنْدَةَ ثُمَّ مِنَ السَّكُونِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقَادِسِيَّةِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فَرَحَّبَ بِي، ثُمَّ تَلَا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ الْآيَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبَيْ وَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أَهْلَ الْيَمَنِ، ثَلَاثًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي الْمُتَّفَقِ وَالْمُفْتَرَقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمٍ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلسَّائِلِ: مَنْ أَعْطَاكَ هَذَا الْخَاتَمَ؟ قَالَ:

ذَاكَ الرَّاكِعُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَمَّارٍ نَحْوَهُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ فيه مجاهيل عنه نحوه.

[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 63]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَاّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61)

وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ (63)

ص: 61

قَوْلُهُ: لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً هذا النهي عن موالاة المتخذين الدين هزؤا وَلَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْبَيَانُ بِقَوْلِهِ: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَى آخِرِهِ لَا يُنَافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إِذَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ الَّتِي هِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: وَالْكُفَّارَ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِالْجَرِّ عَلَى تَقْدِيرِ مِنْ أَيْ وَمِنَ الْكُفَّارِ.

قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ وَمِنَ الْكُفَّارِ وَقَرَأَ مَنْ عَدَاهُمَا بِالنَّصْبِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ أَوْضَحُ وَأَبَيْنُ.

وَقَالَ مَكِّيٌّ: لَوْلَا اتِّفَاقُ الْجَمَاعَةِ عَلَى النَّصْبِ لَاخْتَرْتُ الْخَفْضَ لِقُوَّتِهِ فِي الْإِعْرَابِ وَفِي الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ بِالْكُفَّارِ هُنَا الْمُشْرِكُونَ، وَقِيلَ الْمُنَافِقُونَ وَاتَّقُوا اللَّهَ بِتَرْكِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، وَالنِّدَاءُ: الدُّعَاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَنَادَاهُ مُنَادَاةً وَنِدَاءً:

صَاحَ بِهِ، وَتَنَادَوْا: أَيْ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَتَنَادَوْا: أَيْ جَلَسُوا فِي النَّادِي، وَالضَّمِيرُ فِي اتَّخَذُوها لِلصَّلَاةِ: أَيْ اتَّخَذُوا صَلَاتَكُمْ هُزُؤًا وَلَعِبًا وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُنَادَاةِ الْمَدْلُولُ عَلَيْهَا بِنَادَيْتُمْ. قِيلَ: وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُ الْأَذَانِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْجُمُعَةِ: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ «1» فَهُوَ خَاصٌّ بِنِدَاءِ الْجُمُعَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كَوْنِ الْأَذَانِ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَفِي أَلْفَاظِهِ وَهُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاطِنِهِ. قَوْلُهُ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ أَيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، لأن الهزء وَاللَّعِبَ شَأْنُ أَهْلِ السَّفَهِ وَالْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ. قَوْلُهُ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا يُقَالُ: نَقِمْتُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْكَسْرِ فَأَنَا نَاقِمٌ: إِذَا عِبْتَ عَلَيْهِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: نَقِمْتُ بِالْكَسْرِ لُغَةً، وَنَقَمْتُ الْأَمْرَ أَيْضًا وَنَقِمْتُ: إِذَا كَرِهْتَهُ، وَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ: أَيْ عَاقَبَهُ، وَالِاسْمُ مِنْهُ النِّقْمَةُ، وَالْجَمْعُ نَقِمَاتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وَكَلِمَاتٍ، وَإِنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ الْقَافَ وَنَقَلْتَ حَرَكَتَهَا إِلَى النُّونِ، وَالْجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ وَنِعَمٍ وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَسْخَطُونَ وَقِيلَ: يُنْكِرُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ:

مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا

أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا

وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أَوْ تَسْخَطُونَ أَوْ تُنْكِرُونَ أَوْ تَكْرَهُونَ مِنَّا إِلَّا إِيمَانَنَا بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ بِأَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ بِتَرْكِكُمْ لِلْإِيمَانِ وَالْخُرُوجِ عَنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْ آمَنَّا: أَيْ مَا تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ إِيمَانِنَا وَبَيْنَ تَمَرُّدِكُمْ وَخُرُوجِكُمْ عَنِ الْإِيمَانِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَالتَّمَرُّدَ وَالْخُرُوجَ مِنْ جِهَةِ النَّاقِمِينَ وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تقدير محذوف: أي واعتقادنا أن أكثركم

(1) . الجمعة: 9.

ص: 62

فَاسِقُونَ وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهَ: أَنْ آمَنَّا هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ الْعِلَّةِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا لِأَنْ آمَنَّا، وَلِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، وَقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلَى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أَيْ لِقِلَّةِ إِنْصَافِكُمْ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ وَقِيلَ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ هِيَ الَّتِي بِمَعْنَى مَعَ: أَيْ مَا تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا الْإِيمَانَ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ: أَيْ وَلَا تَنْقِمُونَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ وَفِسْقُكُمْ مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقُرِئَ بِكَسْرِ إِنَّ مِنْ قَوْلِهِ:

وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِرَسُولِهِ أَنَّ فِيهِمْ مِنَ الْعَيْبِ مَا هُوَ أَوْلَى بِالْعَيْبِ، وَهُوَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الْمُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ وَمَسْخِهِ وَالْمَعْنَى: هَلْ أُنْبِئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ نقمتكم عَلَيْنَا أَوْ بِشَرٍّ مِمَّا تُرِيدُونَ لَنَا مِنَ الْمَكْرُوهِ أَوْ بِشَرٍّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ بِشَرٍّ مِنْ دِينِهِمْ. وَقَوْلُهُ: مَثُوبَةً أَيْ جَزَاءً ثَابِتًا، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْخَيْرِ كَمَا أَنَّ الْعُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. وَوَضُعِتْ هُنَا مَوْضِعَ الْعُقُوبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى التَّمْيِيزِ مِنْ بِشَرٍّ. وَقَوْلُهُ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ هُوَ لَعْنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَوْ هُوَ دِينُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِنْ شَرٍّ. قَوْلُهُ: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ أَيْ مَسَخَ بَعْضَهُمْ قِرَدَةً وَبَعْضَهُمْ خَنَازِيرَ وَهُمُ الْيَهُودُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَسَخَ أَصْحَابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وَكُفَّارَ مَائِدَةِ عِيسَى مِنْهُمْ خَنَازِيرَ. قَوْلُهُ:

وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ قَرَأَ حَمْزَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ مِنْ عَبَدَ وَكَسْرِ التَّاءِ مِنَ الطَّاغُوتَ أَيْ جَعَلَ مِنْهُمْ عَبُدَ الطَّاغُوتِ بِإِضَافَةِ عَبُدِ إِلَى الطَّاغُوتِ. وَالْمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمْ مَنْ يُبَالِغُ فِي عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، لِأَنَّ فَعِلَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، كَحَذِرَ وَفَطِنَ لِلتَّبْلِيغِ فِي الْحَذَرِ وَالْفِطْنَةِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ عَبَدَ وَفَتْحِ التَّاءِ مِنَ الطَّاغُوتَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَاضٍ وَهُوَ غَضِبَ وَلَعَنَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ: أَيْ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَجَعَلَ مِنْهُمْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ مِنْ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَاهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُبُدَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ كَأَنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَمَا يُقَالُ: سَقْفٌ وَسُقُفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ وَرُغُفٍ، أَوْ جَمْعُ عَابِدٍ كَبَازِلٍ وَبُزُلٍ. وَقَرَأَ أَبُو وَاقِدٍ «وَعُبَّادَ» جَمْعُ عَابِدٍ لِلْمُبَالَغَةِ، كَعَامِلٍ وَعُمَّالٍ. وَقَرَأَ الْبَصْرِيُّونَ وَعُبَّادَ جَمْعُ عَابِدٍ أَيْضًا، كَقَائِمٍ وَقِيَامٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّقَاشِيُّ وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالتَّقْدِيرُ وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ فِيهِمْ. وَقَرَأَ عَوْنٌ الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ بُرَيْدَةَ:«وَعَابِدَ الطَّاغُوتِ» عَلَى التَّوْحِيدِ. وَرُوِيَ عن ابن مسعود وأبيّ أنهما قرءا وَعَبَدَةَ الطَّاغُوتِ وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «وَأَعْبُدَ الطَّاغُوتِ» مِثْلَ كَلْبٍ وَأَكْلُبٍ. وَقُرِئَ وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ عَطْفًا عَلَى الْمَوْصُولِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ أَوِ الْكَهَنَةُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ:

أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَجُعِلَتِ الشَّرَارَةُ لِلْمَكَانِ، وَهِيَ لِأَهْلِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْنَادُ مَجَازِيًّا. قَوْلُهُ: وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ مَعْطُوفٌ عَلَى شرّ، أي

ص: 63

هُمْ أَضَلُّ مِنْ غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالتَّفْضِيلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلزِّيَادَةِ مُطْلَقًا أَوْ لِكَوْنِهِمْ أَشَرُّ وَأَضَلُّ مِمَّا يُشَارِكُهُمْ فِي أَصْلِ الشَّرَارَةِ والضلال. قوله: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا أَيْ إِذَا جَاءُوكُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ.

قَوْلُهُ: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ جُمْلَتَانِ حَالِيَّتَانِ: أَيْ جَاءُوكُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالْكُفْرِ وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ مَا سَمِعُوا مِنْكَ، بَلْ خَرَجُوا كَمَا دَخَلُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ عِنْدَكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَفِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَقِيلَ: هُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ قَالُوا: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ «1» . قوله: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَوِ الْيَهُودِ أو إلى الطائفتين جميعا ويُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ على أن الرؤية بَصَرِيَّةٌ أَوْ هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتَرَى عَلَى أَنَّهَا قَلْبِيَّةٌ، وَالْمُسَارَعَةُ: الْمُبَادَرَةُ، وَالْإِثْمُ: الْكَذِبُ أَوِ الشِّرْكُ أَوِ الْحَرَامُ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْغَيْرِ أَوْ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الذُّنُوبِ، وَالسُّحْتُ: الْحَرَامُ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْإِثْمَ بِالْحَرَامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبَالِغَةِ، وَالرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى، وَالْأَحْبَارُ: عُلَمَاءُ الْيَهُودِ وَقِيلَ: الْكُلُّ مِنَ الْيَهُودِ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ فِيهِمْ ثُمَّ وَبَّخَ عُلَمَاءَهُمْ فِي تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقَالَ: لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ وَهَذَا فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتَّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صَاحِبُهُ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ: إِذَا جَوَّدَ عَامِلُهُ عَمَلَهُ، فَالصُّنْعُ هُوَ الْعَمَلُ الْجَيِّدُ لَا مُطْلَقُ الْعَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحَانَهُ الْخَاصَّةَ، وَهُمُ الْعُلَمَاءُ التَّارِكُونَ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ وَأَشَدُّ مِنْ تَوْبِيخِ فَاعِلِ الْمَعَاصِي، فَلْيَفْتَحِ الْعُلَمَاءُ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَسَامِعَهُمْ وَيُفْرِجُوا لَهَا عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإِنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِمَا فِيهِ الْبَيَانُ الشَّافِي لَهُمْ بِأَنَّ كَفَّهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي مَعَ تَرْكِ إِنْكَارِهِمْ عَلَى أَهْلِهَا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مَنْ جُوعٍ، بَلْ هُمْ أَشَدُّ حَالًا وَأَعْظَمُ وَبَالًا مِنَ الْعُصَاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَالِمًا قَامَ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ فَرِيضَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ أَعْظَمُ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَوْجَبُ مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَعِنَّا عَلَى ذَلِكَ وَقَوِّنَا عَلَيْهِ وَيَسِّرْهُ لَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ تَعَدَّى حُدُودَكَ وَظَلَمَ عِبَادَكَ، إِنَّهُ لَا نَاصِرَ لَنَا سِوَاكَ وَلَا مُسْتَعَانَ غَيْرُكَ، يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عباس قال: وكان رفاعة ابن زيد بن التابوت وسويد بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ وَنَافَقَا، وَكَانَ رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً قَالَ: كَانَ منادي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَادَى بِالصَّلَاةِ فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: قَدْ قَامُوا لَا قَامُوا، فَإِذَا رَأَوْهُمْ رَكَعُوا وَسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وَضَحِكُوا مِنْهُمْ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ تَاجِرًا إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي يُنَادِي بِالْأَذَانِ قَالَ: أَحْرَقَ اللَّهُ الْكَاذِبَ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَتْ جَارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ، فَطَارَتْ شرارة منها في البيت فأحرقته.

(1) . آل عمران: 72.

ص: 64