الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والتسعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
قوله: "يشدِّد في البول" أي: في الاحتراز منه، حتى كان يبول في قارورة خوفًا من أن يصيبه شيء من رشاشه، وقد بيَّن ابن المنذر وجه هذا التشديد، فأخرج عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع أبا موسى، ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحكَ! أفلا قاعدًا؟ ثم ذكر قصة بني إسرائيل، وبهذا تظهر مطابقة حديث حذيفة في تعقبه على أبي موسى.
وقوله: "إن بني إسرائيل"، أي: بني يعقوب، وإسرائيل لقبه؛ لأنه لما فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عيصو توعده بالقتل، فلحق بخاله ببابل أو بحران، فكان يسير الليل ويكمُن بالنهار، فسمي لذلك إسرائيل.
وقوله: "ثوب أحدهم" وقع في مسلم: "جلد أحدهم" قال القرطبي مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبَسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حُمِّلوه. ويؤيده رواية أبي داود ففيها: كان إذا أصاب جسد أحدهم، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب.
وقوله: "قرضه" أي: قطعه، وللإسماعيلي:"بالمقراض"، وهو يدفع حمل من حمل القرض على الغسل بالماء.
وقوله: "ليته أمسك" أي: نفسه عن هذا التشديد، فإنه خلاف السنة. وعن
الإسماعيلي: "لوددتُ أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد".
وقوله: "فبال قائمًا" أي: فلم يتكلف البول في القارورة، ولا التزم الجلوس، وإنما احتج حذيفة بهذا الحديث لأن البائل من قيام قد يتعرض للرشاش، ولم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاحتمال، فدل على أن التشديد مخالف للسنة.
واستُدل به لمالك في الرخصة في مثل رؤوس الإبر المتطاير من البول.
قال في "الفتح" وفيه نظر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة لم يصل إلى بدنه شيء.
قلت: مشهور مذهب مالك عدم اغتفار المتطاير المذكور، فيجب غسله.
وإلى كونه لم يصل إلى بدنه شيء أشار ابن حِبان في ذكر السبب في قيامه، قال: لأنه لم يجد مكانًا يصلُح للقعود، فقام، لكون الطرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله. وقيل: لأن السُّباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء. وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يُؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:"البول قائمًا أحصن للدُّبر". وقيل: السبب في ذلك ما رُوي عن الشافعي وأحمد أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به.
وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: إنما بال صلى الله عليه وسلم قائمًا لجُرح كان في مأبَضِه -بهمزة ساكنة بعدها موحدة فمعجمة- باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن من القعود لأجله، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم، لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي، والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول من قعود.
وسلك أبو عَوانة في "صحيحه" وابن شاهين فيه مسلكًا آخر، فزعما أن البول عن قيام منسوخ، واستدلا عليه بحديث عائشة الذي مرَّ: "ما بال قائمًا منذ