الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِهِ وَهْوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ.
وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى عند ذكره في باب مَتى يصحُّ سماع الصغير من كتاب العلم.
رجاله ستة:
الأول: علي بن عبد الله بن المديني، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه أيضًا. ومرَّ أبوه إبراهيم بن سعد في السادس عشر من كتاب الإيمان. ومرَّ صالح بن كَيْسان في السادس من بَدْء الوحي. ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه أيضًا، ومرَّ محمود بن الرّبيع في التاسع عشر من كتاب العلم.
وقال عروة عن المِسْوَر وغيره يصدق كل واحد منهما صاحبه وإذا توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كادوا يقتتلون على وضوئه.
وزعم الكِرماني أن قوله: "وقال عروة" معطوف على قوله في السند الذي قبله: "أخبرني محمود"، فيكون صالح بن كَيْسان روى عن الزُّهري حديث محمود، وعطف عليه حديث عروة، فعلى هذا فلا يكون حديث عروة معلقًا، بل يكون موصولًا بالسند الذي قبله. وصنيع أئمة النقل يخالف ما زعمه. واستمر الكرماني على هذا التجويز حتى زعم أن الضمير في قوله:"يصدق كل واحد منهما صاحبه" للمسور ومحمود، وليس كما زعم، بل هو للمسور ومروان، وهو
تجويز منه بمجرد العقل، والرجوع إلى النقل في باب النقل أولى.
وقوله: "كانوا يقتتلون على وَضوئه" أي: بفتح الواو، "وكانوا" لأبي ذر، وللباقين:"كادوا" بالدال، وهو الصواب؛ لأنهم لم يقع بينهم قتال، ويمكن أن يكون أطلق القتال مبالغة، وإنما حكى ذلك عروة بن مسعود الثَّقَفي لما رجع إلى قريش ليُعْلِمَهم شدة تعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا التعليق أخرجه البخاري موصولًا في كتاب الشروط في باب الشروط في الجهاد، وهو حديث طويل.
وعروة المراد به عُروة بن الزبير، وقد مرَّ تعريفه في الحديث الثاني من بدء الوحي.
والمِسْوَر -بكسر الميم- هو ابن مَخْرمة بن نَوْفل بن أُهَيْب بن زُهرة بن كِلاب بن مُرة بن كعب بن لُؤي القُرشي الزُّهري يُكْنى أبا عبد الرحمن، وأمه عاتكة بنت عَوْف أخت عبد الرحمن بن عَوْف، أسلمت وهاجرت، وقيل: أمه الشِّفاء بنت عَوْف أخته أيضاً.
ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقُبضَ النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، ووقع في بعض طرق حديثه في خطبة علي بنت أبي جهل عند مسلم:"سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مُحتلم". وهذا يدُلُّ على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه وُلد بعدها، وتأوَّلوا أن قوله:"محتلم" من الحِلْم -بالكسر- لا من الحُلْم -بالضم- يريد أنه كان عاقلًا ضابطًا لما يتحمله.
كان يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن بن عَوْف مقبلًا ومدبرًا في أمر الشّورى، وبقي بالمدينة إلى أن قُتل عثمان، ثم نزل مكة. ويقال: إنه كان لفضله ودينه وحسن رأيه تغشاه الخوارج وتعظمه وتنتحل رأيه، وقد برّأه الله منهم.
وروي من طريق أم بكر بنت المِسْور عنه، قال: مرَّ بي يهودي والنبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وأنا خلفه، فَرُفَع ثوبه، فإذا خاتَم النبوّة في ظهره، فقال لي اليهودي: ارفع رداءه عن ظهره، فذهبت أفعل، فنضح في وجهي كفًّا من ماء.
وروي عنه أيضًا أنه قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعليَّ إزار خفيف، فانحلَّ، فلم أستطع أن أضع الحجر حتى بلغت به موضعه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:"ارجع إلى ثوبك فخُذه ولا تمشُوا عراة".
وروي عن مالك قال: بلغني أن المِسْور بن مَخْرمة دخل على مروان، فجلس معه وحدثه، فقال المسور لمروان في شيء سمعه: بئس ما قلت. فركضه مروان برجله، فخرج المسور، ثم إنَّ مروان نام، فأُتِي في المنام، فقيل له: مالك وللمِسْوَر {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} [الإسراء: 84] ، فأرسل مروان إلى المسور، وقال له: إني زُجرت عنك في المنام، وأخبره بالذي رأى. فقال المسور: لقد نُهيت عني في اليقظة والنوم، وما أراك تنتهي.
روي له اثنان وعشرون حديثًا، اتّفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بواحد.
روى عن: الخلفاء الأربعة، وعمرو بن عوف القُرشي، والمغيرة، وغيرهم.
وروى عنه: سعيد بن المسيِّب، وعلي بن الحسين، وعَوْف بن الطُّفيل، وعُروة، وآخرون.
وكان مع ابن الزُّبير، ولما كان الحصار الأول الواقع من الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية، أصابه حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي، فأقام خمسة أيام، ومات يوم أتى نَعيُّ يزيد بن معاوية سنة أربع أو خمس وستين، وصلّى عليه ابن الزُّبير بالحجون، وهو معدود في المكيين، توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة.
وقوله في الحديث: "وغيره" المراد بالغير هو مروان، لما يأتي عن البخاري في محل وصله المذكور عن المِسور بن مخرمة ومروان يُصَدِّق كل واحد منهما حديث صاحبه.
ومروان هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القُرشي الأموي أبو عبد الملك أو أبو القاسم أو أبو الحكم، أمه آمنة بنت عَلْقمة بن صفوان الكِناني، تُكنى أم عثمان، وهو وابن عم عثمان وكاتبه في خلافته.
ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وقيل: ولد عام أحد، يعني ثلاث سنين. وقال ابن شاهين: مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، فيصح أن مولده بعد الهجرة بسنتين.
قال ابن حجر: لم أر مَن جزم بصحبته، فلم يثبت أزيد من الرؤية؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقلْ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نفى أباه الحكم إليها، فلم يزل بها حتى ولي عُثمان بن عفان رضي الله عنه، فرده عثمان، فقدم إلى المدينة هو وولده في خلافة عثمان، وتوفي أبوه، فاستكتبه عثمان رضي الله عنه، وضمه إليه، فاستولى عليه، إلى أن قُتل عثمان بسببه.
ونظر علي رضي الله عنه إليه يومًا، فقال له: ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا ساءت دِرْعك.
وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعد من موبقاته أنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل، وهما جميعًا مع عائشة، ومات. ثم وثب على الخلافة بالسيف.
وقال ابن حجر في "مقدمته": فإن ثبت أن له رؤية، فلا يُعرج على من تكلم فيه. وقد قال عُروة بن الزبير: كان مروان لا يُتَّهم في الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي اعتمادًا على صدقه، وإنما نقموا عليه أنه رمى طلحة
يوم الجمل بسهم فقتله، ثم شهر السيف في طلب الخلافة، حتى جرى ما جرى.
فأما قتل طلحة فكان متأولًا فيه، وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد، وعروة، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في "صحيحه" لما كان أميرًا على المدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزُّبير ما بدا. وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه، والجماعة سوى مسلم.
شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولي أمر المدينة لمعاوية لما صار إليه الأمر جمع له معها مكة والطائف، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، وولاها سعيد بن أبي العاص، فأقام عليها أميرًا إلى سنة أربع وخمسين، ثم عزله وولّى الوليد بن عُتبة، فلم يزل واليًا على المدينة حتى مات معاوية وولي يزيد، فلما كفَّ الوليد بن عُتبة عن الحسين وابن الزُّبير في شأن البيعة ليزيد، وكان الوليد رحيمًا حليمًا سربًّا، عزله وولّى يزيدُ عمرو بن سعيد الأشدق، ثم عزله ورجع الوليد بن عتبة، ثم عزله وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان عليهما ثم لما مات وولي ابنه أبو ليلى معاوية ابن يزيد، وذلك سنة أربع وستين، وعاش بعد أبيه أربعين ليلة، ومات وهو ابن إحدى وعشرين سنة من قُرحة يقال لها: السكتة، وكانت أمه أُم خالد بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، وقالت له: اجعل الخلافة من بعدك لأخيك، فأبى، وقال: لا يكون لي مرُّها، ولكم حلوها. وثب مروان حينئذٍ عليها، وأنشد:
إني أرى فتنةً تغلي مراجِلُها
…
والملكُ بعدَ أبي لَيْلا لمَنْ غَلَبا
ثم التقى هو والضحاك بن قيس في مرج راهط على أميال من دمشق، فقتل الضحاك، وكان مروان قد تزوج أم خالد بن يزيد ليضع منه، فوقع بينه وبين خالد يومًا كلام، فقال له مروان وأغلظ عليه في القول: اسكت يا ابن الرطبة. فقال له خالد: مؤتمن خائن. فندم مروان، وقال ما أدّى الأمانة إذا اؤتمن. ثم دخل
خالد على أمه، وقال لها: هكذا أردت يقول لي مروان على رؤوس الناس كذا وكذا؟ فقالت له اسكت، فوالله لا ترى بعد منه شيئًا تكرهه، وسأقرب عليك ما بعد، فسمته، ثم قامت إليه مع جواريها، فضمته حتى مات، وكانت خلافته عشرة أشهر. وقيل تسعة أشهر.
وكان مروان يقال له: خيط باطل. وضُرِب يوم الدار على قفاه، فخرَّ لفيه، فلما بويع له بالإمارة، قال فيه أخوه عبد الرحمن بن الحكم، وكان ماجنًا شاعرًا محسنًا، وكان لا يرى رأي مروان:
فواللهِ لا أدري وإني لسائلٌ .... حليلةَ مضروب القَفَا كيفَ يصنعُ
لحى الله قومًا أمَّروا خيطَ باطلٍ .... على النّاسِ يُعَطي ما يشاءُ ويمنعُ
وقيل: إنما قال له أخوه ذلك حين ولاّه معاوية إمارة المدينة، وكان كثيرًا ما يهجوه، ومن قوله فيه:
وهبتُ نفسي فيكَ يا مروَ كلَّه .... لعمروٍ ومروانَ الطويلِ وخالدي
فكل ابنِ أمٍّ زائدٌ غيرُ ناقصٍ .... وأنت ابنُ أمٍّ ناقص غير زائدِ
ومن شعره فيه:
ألا مَنْ مبلغٌ مروانَ عنّي
…
رسولاً والرسولُ من البيانِ
بأنَّك لَن ترى طردًا لِحُرٍّ
…
كإلصاق به بعضَ الهوانِ
وهل حُدِّثْتَ قبلي عن كريمٍ .... معينٍ في الحوادثِ أو مدانِ
يقيمُ بدارِ مَضْيَعةٍ إذا لَمْ
…
يكُنْ حيرانَ أو خَفِقَ الجَنانِ
فلا تَقْذِف بيَ الرَّجوَين إنّي
…
أقلُّ القوم مَن يفْنَى مكاني
سأكفيكَ الذي استكفَيْتَ منّي
…
بأمر لا يُخالجُهُ يدانِ
ولو أنا بمنزلةٍ جميعًا
…
جريت وأنتَ مضطربُ العِنانِ
ولولا أنَّ أمَّ أبيكَ أمّي
…
وأنْ مَنْ قَدْ هجاكَ فَقدْ هجاني
لقد جاهَرْتُ بالبَغْضاءِ إنّي
…
إلى أمرِ الجهارةِ والعلانِ
وهجاه مالك بن الريب وقال فيه:
لعمركَ ما مروانُ يقضي أُمورنا
…
ولكنَّ ما تقضي لنا بنتُ جعفرِ
فيا ليتها كانت علينا أميرةً
…
وليتَكَ يا مروانُ أمسيتَ فأخر
وفي "حياة الحيوان" وروى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من "المستدرك"، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: كان لا يولد لأحد مولودٌ إلا أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال:"هو الوَزَغُ بن الوَزَغِ بن الوزغ الملعون بن الملعون"، ثم قال: صحيح الإسناد.
قلت: صحة هذا الحديث يأباها ما اتفق عليه ابن عبد البر وابن حجر في "الإصابة" وغيرهما، من أنه ولد بعد الهجرة بسنتين، وأبوه كافر بمكة، وهو من مسلمة الفتح كما اتّفقا على ذلك، فكيف يصح إدخاله عليه عليه الصلاة والسلام؟ فانظره.
وقال الدُّمَيري أيضًا: وروى الحاكم أيضًا عن عمرو بن مُرة الجُهَنْي وكانت له صحبة، أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف صوته، فقال: "إيذنوا له، وعليه وعلى من يخرج من صلبه لعنة الله إلا المؤمن منهم، وقليل ما هم، يترفهون في الدنيا ويضيعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعْطَوْن في الدُّنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
مات مروان في رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن ثمانية وستين، وهو معدود فيمن قتله النساء.
لم يصح له سماع، وروى عن عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي هُريرة، وبُسْرة بنت صفوان، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث.
وروى عنه: ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد الساعدي وهو أكبر منه، وسعيد بن المسيِّب، وعلي بن الحسين، وعُروة بن الزُّبير، وأبو بكر بن