الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع والمئة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ".
قوله: "حدّثنا الزُّهري" في رواية الأصيلي: "عن الزُّهري".
وقوله: "أسكر" أي كان من شأنه الإسكار، سواء حصل بشربه السكر أم لا.
ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب هو أن المسكر لا يحِلُّ شربه، وكل ما لا يحِلُّ شربه لا يجوز الوضوء به اتفاقًا.
وقوله: "فهو حرام" أي: قليله وكثيره، وحُدَّ شاربُه المكلف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنب أو تمر أو حِنطة أو لبن أو غير ذلك، نيئًا كان أو مطبوخًا.
قال الخطابي: فيه دليل على أن قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان، لأنها صيغة عموم أُشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السُّكر، فهو كما لو قال: كل طعام أشْبع فهو حلال، فإنه يكون دالاًّ على حِلِّ كل طعام من شأنه الإشباع، وإن لم يحصُل الشِّبَع به لبعض دون بعض.
قلت: ما ذكره استنباطًا وقع التصريح به في بعض طرق الحديث، فعند أبي داود والنسائي وصححه ابن حِبان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام". وللنَّسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله. وسنده إلى عمرو صحيح. ولأبي داود عن عائشة مرفوعًا:"كل مسكرٍ حرام، وما أسكر منه الفَرْق فملء الكف منه حرام". ولابن حِبّان والطحاوي عن سعد بن أبي وقّاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنهاكُم عن قليل ما أسكر كثيره". وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث.
وقال أبو حنيفة: لا يحرُم عصير العنب النيّئ حتى يغلي ويقذف بالزبد، فإذا على وقذف بالزبد حرم، وأما المطبوخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فلا يمتنع مطلقًا، ولو على وقذف بالزبد بعد الطبخ. وقال في المتَّخَذ من غير العنب: لا يحرُم منه إلا القَدْر الذي يُسكر، وما دونه لا يحرُم.
ففرَّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما، فإن كل ما قُدِّر في المتخذ من العنب يُقدر في المتجذ من غيرها، واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفًا أخرجه النَّسائي ورجاله ثقات:"إنما حُرِّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكرُ من كل شراب". قالوا: فهذا يدُل على أن الخمر قليلها وكثيرها أسكرت أم لا حرام، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار.
وقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية في هذا الحديث بلفظ: "والمُسْكر" بضم الميم، لا السُّكْر بضم فسكون، وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمِل، فكيف يعارِض تلك الأحاديث مع صحتها وكثرتها.
وقذ قال أبو المظفَّر ابن السمعاني: ثبتت الأخبار الكثيرة في ذلك، فلا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، وقد زلَّ الكوفيون في هذا الباب، وروَوْا أخبارًا معلولة لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب مسكرًا فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا ولم يكن مسكرًا.
وقال أبو الليث السَّمَرْقندي: شارب المطبوخ إذا كان يُسكر أعظم ذنبًا من شارب الخمر؛ لأن شارب الخمر يشربُها وهو يعلم أنه عاصٍ، وشارب المطبوخ يشرب المُسكر وهو يراه حلالًا، وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام، وثبت قوله صلى الله عليه وسلم:"كل مُسْكِر حرام"، ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر، وقد قال بعض الشعراء في المئة الثالثة، معرِّضًا بمن يُفتي بإباحة المطبوخ:
وأشربُها وأزعُمها حرامًا
…
وأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ
ويشربُها ويزعُمها حلالًا
…
وتلكَ على المسيء خطيئتانِ
واستدلوا لشراب المطبوخ بما أخرجه "الموطأ" عن عمر في قدومه للشام أن أهله شكوا إليه وباء الأرض، وقالوا: لا يُصلِخنا إلَاّ هذا الشراب. فقال عمر: اشربُوا العسل. قالوا: ما يُصلحنا العسل. فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعلَ لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر؟ فقال: نعم. فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان وبقي الثلث، فأتَوا به عمر، فأدخل فيه أُصْبُعَه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطَّط، فقال: هذا الطِّلاء مثل طِلاء الإِبل. فأمرهم عمر أن يشربوه، وقال: اللهم إني لا أُحِلُّ لهم شيئًا حرمتَهُ عليهم. والطِّلاء -بكسر المهملة والمد- الدبس، شُبِّه بطلاء الإبل وهو القَطِران الذي يُدهن به.
ووجه الاستدلال به عندهم هو أنه أمر بشرب المطبوخ، ولم يفصِّل بين ما إذا أسكر أو لم يُسكر.
ورُد هذا الاستدلال بما في الأثر نفسه من قولهم له: نجعل لك شيئًا لا يُسكر. فما قَبِلَ الشراب إلا بشرط أنه لا يُسكر. وبقوله رضي الله تعالى عنه في آخره: اللهم لا أُحلُّ لهم شيئًا حرمته عليهم. فإنه يدل على التفصيل؛ لأن المسكر حرمه الله تعالى.
وبرده أيضًا ما أخرجه البخاري تعليقًا، ومالك وسعيد بن منصور موصولًا، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خرج عليهم، فقال: إني وجدت من فلان ريحَ شرابٍ، فزعم أنه شراب الطِّلاء، وإني سائل عمّا شرب، فإن كان يُسكر جلدته، فجلده عمر الحدَّ تامًّا، يعني بعد أن سأل عنه، فوجده يُسكر. فهذا الأثر يبين أن ما أحله عمر من المطبوخ الذي يسمى الطلاء، المراد به ما لم يبلغ حدَّ الإسكار، فإن بلغه لم يحِل عنده، ولذلك جلدهم، ولم يستفصل: هل شوبوا منه قليلًا أو كثيرًا.
فالحاصل أن مذهب الحنفية هذا مخالف لمذاهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء، فإن الشراب عندهم محرَّم إذا صار مسكرًا شُرْبُ قليله وكثيره، وسواء غلى أو لم يغل؛ لأنه يجوز أن يبلغ حد الإسكار بأن يغلي، ثم يسكن غليانه
بعد ذلك، وهو مراد من قال: حد منع شربه أن يتغير.
وقد قال أبو عبيدَة في الأشربة: بلغني أن المنصّف يُسكر، فإن كان كذلك فهو حرام.
والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأعناب في البلاد، فقد قال ابن حزم: إنه شاهد من العصير ما إذا طُبخ إلى الثلث ينعقد ولا يصير مسكرًا أصلًا، ومنه ما إذا طُبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طُبخ إلى الربع كذلك، بل قال: إنه شاهد منه ما يصير ربًّا خاثرًا لا يُسكر، ومنه ما لو طُبخ حتى لا يبقى غير ربعه لا يخثُر ولا ينفك السكر عنه، قال: فوجب أن يُحمل ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يُسكر بعد الطبخ.
وقد ثبت عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال: إن النار لا تُحِلُّ شيئًا ولا تحرِّمه. أخرجه النسائي، وقال: إنه يريد ما نُقل عنه في الطلاء. وأخرج أيضًا عن طاووس، قال: هو الذي يصير مثل العسل، يُؤكل ويُصب عليه الماء.
وما ورد عن الصحابة في أمر الطلاء منه ما مرَّ عن عمر. ومنه ما أخرجه سعيد بن منصور عن عامر بن عبد الله، قال: كتب عمر إلى عمار: أما بعد، فإنه جاءني عِير تحمل شرابًا أسود كانه طلاء الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثُلثاه الأخبثَان، ثلث بريحه، وثلث ببَغْيه، فمُر من قِبَلَك أن يشربوه. وعن سعيد بن المسيِّب أن عمر أحلَّ من الشراب ما طُبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وأخرج النسائي عن عمر قال: كتب عمر: اطبخوا شرابَكم حتى يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين ولكم واحد.
وهذه أسانيد صحيحة، وقد أفصح بعضُها بأن المحذور منه السكر، فمتى أسكر لم يحلَّ، وكأنه أشار بنصيب الشيطان إلى ما أخرجه النسائي عن ابن سِيرين في قصة نوح عليه السلام، قال: لما ركب السفينة فقد الحَبْلة، يعني: المكرمة، وهي بفتح الحاء وسكون الموحدة. فقال له الملك: إن الشيطان أخذها، ثم أُحضِرت له ومعها الشيطان، فقال له الملك: إنه شريكُك فيها،