الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في كثير من أمور الشريعة وأصل الخلقة، وقد ثبت حديث:"من تصبَّحَ بسبع تَمَراتٍ من عجوة لم يضُرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ". وللنّسائي في قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات، وسنده صحيح، وفي "صحيح" مسلم القول لمن به وجع "أعوذُ بعزّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر سبع مرات"، وفي النسائي:"من قال عند مريضٍ لم يحضُر أجلُه: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك سبع مرات"، وبهذا الحديث تمسَّكَ بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعًا إنما هو لدفع السُّمية التي في ريقه.
وقوله: "لم تُحلَّل أوكِيتهُنَّ" إنما أمر بذلك لأن الماء البارد في بعض الأمراض تُردُّ به القوة، والحكمة في عدم حل الأوكية كونه أبلغ في طهارة الماء وصفائه لعدم مخالطة الأيدي، والوِكاء هو ما يُربط به فم القربة.
وقوله: "وأُجْلِس في مِخْضَب حفصة" زاد ابن خُزيمة عن عائشة: "أنه كان من نحاس". وفيه إشارة إلى الرد على من كره الاغتسال فيه كما ثبت ذلك عن ابن عمر. وقال عطاء: إنما كُره من النحاس ريحه.
وقوله: "ثم طفِقْنا" بكسر الفاء، وقد تُفتح، أي: جعلنا.
وقوله: "حتى طَفِق"، يقال: طفق يفعل كذا إذا شَرَع في فعل واستمر فيه.
وقوله: "يُشير إلينا أن قد فعلتُنَّ" أي: ما أمرتكن به من إهراق الماء من القرب المذكورة. وقوله: "ثم خرج إلى الناس" أي: الذين في المسجد، فصلى بهم وخطبهم كما للمصنف في الوفاة النبوية.
ويأتي في هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة ذكر أمره عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بالصلاة بالناس.
ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الصلاة في السطوح على ما فيه من أحكام الإمامة إلا القليل يأتي في باب حد المريض.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر العباس وابنه عبد الله وحفصة.
الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع.
الثاني: شُعيب بن أبي حَمْزة وقد مر تعريفهما في الحديث السابع من بدء الوحي.
ومر ابن شهاب في الثالث منه. ومر عبيد الله بن عبد الله في السادس منه. ومرت عائشة أم المؤمنين في الثاني منه. وعبد الله بن عباس في الخامس منه. وعلي بن أبي طالب في السابع والأربعين من كتاب العلم.
وأما العباس فهو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القُرشي الهاشمي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الفضل، أمه نُثَيلة بنت خَبّاب بن كُلَيْب بن مالك بن عُمر بن عامر بن زيد مَناة بن عامر بن الضَّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النَّمِر بن قاسط.
ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته، فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك.
وكان رئيسًا في الجاهلية في قريش، وإليه كانت عِمارة المسجد الحرام والسقاية في المسجد، فالسقاية معروفة، وأما العِمارة فإنه كان لا يدع أحدًا يسبُّ في المسجد الحرام ولا يقول هجرًا، يحملهم على عِمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعًا؛ لأنه كان ملأُ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانًا عليه، وسلّموا ذلك إليه.
وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلم، وكان أنصر الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي طالب، واشترط على الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان على دين قومه ليلة العقبة.
وخرج إلى بدر مع قومه مكرهًا، ففدى نفسه وبني أخويه عقيلًا ونوفلًا والحارث من ماله. وحدَّث يزيد بن الأصمّ أن العباس لما أسر يوم بدر كانوا شدّوا وَثاقه، فسهر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك
يا نبي الله؟ فقال له: "أسهرني أنينُ العبّاس"، فقام رجل من القوم فأرخى من وَثاقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما لي لا أسمع أنين العباس؟ " فقال الرجل: أنا أرخيتُ من وَثاقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افعل ذلك بالأسرى كلِّهم".
أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وذلك في حديث الحجاج بن علابط أنه كان مسلمًا يَسُرُّه ما يفتح الله عز وجل على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حُنَيْنًا والطائف وتبوك. وقيل: إن إسلامه قبل بدر، وكان رضي الله تعالى عنه يكتُب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون يتقوون به بمكة، وكان يحب أن يَقْوُم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن مقامَك بمكة خيرٌ" فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "من لقي منكُم العبّاس فلا يقتُلْه، فإنما أُخرج كارهًا"، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حُنين لما انهزم المسلمون غيره وغير عمرو علي وأبي سفيان بن الحارث رضي الله عنهم، وقيل: غير سبعة من أهل بيته، وذلك مذكور في شعر العباس الذي يقول فيه:
ألا هَلْ أتى عُرسي مكَرّي ومَقْدَمي
…
بوادي حُنينٍ والأسِنَّةُ تشرعُ
وقولي إذا ما النَّفْسُ جاشَتْ لها فِرّي
…
وهامٌ تدهدهها السيوفُ وأدرعُ
وكيفَ رددتُ الخيلَ وهيَ مغيرةٌ
…
بزَوراء تعطي في اليدين وتمنعُ
وهو شعر مذكور في "السير" لابن إسحاق، وفيه:
نَصَرْنا رسولَ الله في الحربِ سبعةً
…
وقد فرَّ من قد فَرَّ عنه وأَقْشعوا
وثامنُنا لاقى الحِمامَ بسيفِهِ
…
بما مسَّهُ في الله لا يتوجَّعُ
وقال ابن إسحاق: السبعة علي، والعباس، والفضل بن عباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه جَعْفر، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، والثامن أيمن بن عُبيد. وجعل غير ابن إسحاق في موضع أبي سُفيان عمر بن الخطاب، والصحيح أن أبا سفيان بن الحارث كان يومئذٍ معه لم يُخْتَلف فيه، واخْتلف في عمر.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم العباس بعد إسلامه ويعظِّمه ويُجِلُّه ويقول: "هذا عمي وصِنْو أبي"، وكان العباس جوادًا مطعِمًا وَصولًا للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة.
وروي عن سعد بن أبي وقّاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا العباس بن عبد المطلب، أجودُ قريش كفًّا وأوصلُهم للرحم".
وروى ابن أبي الزِّنا وعن أبيه أن العباس بن عبد المطلب لم يمرَّ بعُمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالًا له، ويقولان: عم النبي صلى الله عليه وسلم
وقال ابن شِهاب: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه ويشاورونه، ويأخذون برأيه، واستسقى به عمر، وكان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجدابًا شديدًا على عهد عمر زمن الرَّمادة، وذلك سنة سبع عشرة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين: إن بني إسرائيل كان إذا أصابهم مثل هذا استسْقَوا بعُصبة الأنبياء. فقال عمر: هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصِنْو أبيه، وسيد بني هاشم، فمشى إليه عُمر، وشكى إليه ما فيه الناس من القحط، ثم صعد المنبر ومعه العباس، فقال: اللهم إنّا قد توجَّهنا إليك بعمِّ نبينِّا وصِنْوِ أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. ثم قال عمر: يا أبا الفضل قُم فادعُ. فقال العباس رضي الله تعالى عنه بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: اللهم إنَّ عندك سحابًا، وعندك ماءً، فانشُر السحاب ثم أنزل الماء علينا منه، فاشدُد به الأصل، وأطِل به الفَرْع، وأدِرَّ به الضَّرْع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك، فاسقنا الغيث، اللهم شفِّعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم شفِّعنا فيما لا ينطِقُ من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسِقنا سقيًا وادعًا نافعًا طِبْقًا سحًّا عامًّا، اللهم إنا لا نرجو إلا إياك، ولا ندعوا غيرك، ولا نرغب إلا إليك، اللهم إليك نشكوا جوعَ كل جائع، وعُرْي كل عارٍ وخوف كل خائفٍ، وضَعْف كل ضعيف
…
في دعاء كثير.
قال ابن عبد البَرّ: وهذه الألفاظ كلها لم تجيء في حديث واحد، ولكنها جاءت في أحاديث جمعتُها واختصرتُها ولم أخالف شيئًا منها، وفي بعضها: فُسقوا والحمد لله. وفي بعضها: فأرخت السماء عزاليها، فجاءت بأمثال الجبال، حتى استوت الحُفَر بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل، والمكان منه. قال حسان بن ثابت:
سألَ الإمامُ وقد تتابَعَ جدبنُا
…
فسقَى الغمامُ بغرَّةِ العبّاسِ
عمِّ النبيِّ وصِنْوِ والدهِ الذي
…
ورثَ النبيَّ بذاكَ دونَ النّاسِ
أحيا الإِلهُ به البلادَ فأصبَحَتْ
…
مخضرةَ الأخبابِ بعدَ الياسِ
وقال الفضل بن عبّاس بن عتبة بن أبي لهب:
بِعَمّي سَقَى الله الحجازَ وأهْلَهُ
…
عشيَّةَ يسْتَسْقي بشيبته عُمر
توجَّهَ بالعباسِ في الجَدْبِ راغبًا
…
فما كَرَّ حتى جادَ بالديِّمةِ المطرُ
قال ابن عبد البر: ورَوينا من وجوه عن عُمر أنه خرج يستسقي، وخرج معه العباس، فقال: اللهم إنا نتقَرَّب إليك بعمِّ نبيك صلى الله عليه وسلم، ونستشفع به، فأحفظ فيه لنبيِّك صلى الله عليه وسلم كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين، ثم أقبل على العباس، فقال:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} نوح: [10 - 12]، ثم قام العباس رضي الله تعالى عنه وعيناه تنضحان، فطالع عمر، ثم قال: اللهم أنت الراعي لا تهمل الضّالة، ولا تدع الكسير بدار مَضيعة، فقد ضرع الصغير، ورقَّ الكبير، ارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغِثْهم بغياثك من قبل أن يَقْنَطوا فيهلِكُوا، فإنه لا ييأس من رَوْحِكَ إلا القومُ الكافرون، فنشأت طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون ترون!! ثم تلاءمت واستتمت ومشت فيها ريح، ثم هزت ودرت، فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الجدر، وقلصوا المآزر، وطَفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون: هنيئًا لك ساقي الحرمين.
وأخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من آذى العبّاس فقد آذاني فإنما عم الرجل صِنو أبيه". ورُوي عنه أيضًا أنه قال: "العبّاس مني وأنا منه".
وله خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة.
روى عنه: بنوه عبد الله وكَثير وعبيد الله وأم كلثوم، ومولاه صُهيب، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، والأحنف بن قيس، ونافع بن جُبير بن مُطعم، وعامر بن سعد بن أبي وقّاص، وغيرهم.
قال الحسن بن عثمان: كان العباس جميلًا أبيض بضًّا ذا ضفيرتين، معتدل القامة. وقيل: بل كان طُوالًا. وروى ابن غيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: أردنا أن نكسو العباس حين أُسر يوم بدر، فما أصبنا قميصًا يصلُح عليه إلا قميص عبد الله بن أُبي.
توفي رضي الله عنه بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: من رمضان. سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان رضي الله تعالى عنه بسنتين، وصلى عليه عثمان، ودُفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين، وقيل: ابن تسع وثمانين.
أدرك في الإِسلام اثنتين وثلاثين سنة، وفي الجاهلية ستًّا وخمسين سنة.
وأما حفصة فهي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أخت عبد الله لأبيه وأمه، أمها زينب بنت مَظْعون بن حبيب بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح.
كانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خُنَيْس بن حُذافة بن قيس بن عدي السَّهْمي، وكان ممن شهد بدرًا، ومات بالمدينة، فانقضت عدتها، فعرضها عمر على أبي بكر فسكت، فعرضها على عثمان حين ماتت رُقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أريد أن أتزوج اليوم. فذكر ذلك عمر لرسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"يتزوج حفصة من هُو خيرٌ من عثمان، ويتزوَّج عثمان من هُو خُيرٌ من حفصة، فلقي أبو بكر عمر، فقال له: لا تجِدْ عليَّ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر حفصة، فلم أكن أفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوَ تركها لتزوجتها"، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة بسنتين، وقيل: ثلاث وهو الراجح؛ لأن زوجها قُتل بأحُد سنة ثلاث.
ولدت قبل: المبعث بخمس سنين، طلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تطليقة ثم ارتجعها، وذلك أن جبريل قال له: أرجعْ حفصة، فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة.
وروي عن عُقبة بن عامر طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحَثَى التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمةً لعُمر.
وفي رواية: دخل عُمر على حفصة وهي تبكي، فقال: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلَّقك، إنه كان قد طلّقك مرة، وإنه راجعك من أجلي، فإن كانْ طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا.
وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة، وأوصت حفصة إلى عبد الله بن عمر بما أوصى به إليها عمر، وبصدقة تصدقت بها، وبمال وقفته في الغابة.
لها ستون حديثًا، اتّفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بستة.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبيها.
وروى عنها: أخوها عبد الله بن عُمر، وابنه حَمْزة، وزوجته صَفيّة بنت أبي عُبيد، وأم بِشر الأنصارية، والمسيَّب بن رافع، وخلق.
ماتت لما بايع الحسن معاوية سنة إحدى وأربعين. وقيل: بل بقيت إلى خمس. وقال نافع: ماتت حفصة حتى ما تُفطر، ورأيت مروان بين أبي سعيد