الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ:"أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ:"سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ".
قوله: "في بعض طريق المدينة" أي: بالإفراد للأكثر، ولكريمة والأصيلي:"طرق" بالجمع، ولأبي داود والنسائي:"لقيتُهُ في طريقٍ من طرق المدينة".
وقوله: "وهو جُنُب" يعني نفسه، جملة حالية من الضمير المنصوب في "لقيه"، وفي رواية أبي داوود:"وأنا جُنُب".
وقوله: "فانخَنَسْتُ" بنون ثم خاء معجمة ثم نون ثم سين مهملة، أي: مضيتُ عنه مستخفيًا، ولذلك وُصِفَ الشيطان بالخَنَّاس، وفي رواية:"فانسَلَلْتُ" وهي توافق هذه، وفي رواية:"فانْخَنَس"، وفي رواية:"فانْبَجَسْتُ" بالموحدة والجيم، أي: اندفعت، كقوله تعالى:{فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف: 60]، أي: جرت واندفعت، وفي رواية:"فانتَجَسْتُ" بنون ثم مثناة فوقية ثم جيم، من النجاسة، من باب الافتعال، أي: اعتقدت نفسي نجسًا. وفي رواية: "فانْبَخَسْتُ" بنون فموحدة ثم خاء معجمة ثم سين مهملة، قال القزّاز: لا وجه لها، وقد تُوَجَّه بأنها من البَخْس، وهو النقص، أي: اعتقدت نقصان نفسي بجنابتي عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "فذهب فاغتسل" بلفظ الغيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة من باب التجريد، وهو أنه جرد من نفسه شخصًا، فأخبر
عنه، وهو المناسب لرواية:"فانْخَنَسَ"، وفي رواية:"فذهبتُ واغتسلتُ"، وهو المناسب لرواية:"فانْخَنَسْتُ".
وسبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النسائي وابن حِبّان عن حُذيفة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا لقِيَ أحْدًا من أصحابه ماسَحَه ودعا له، فلما ظن أبو هُريرة أن الجُنُبَ يَنْجُسُ بالجنابة، خشي أن يماسَّه النبي صلى الله عليه وسلم كعادته، فبادر إلى الاغتسال.
وقوله: "قال: كنتُ جُنُبًا" أي: ذا جنابة؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر، وهو الإجْناب كما مرّ.
وقوله: "فكرهت أن أجالِسَكَ وأنا على غير طهارة" جملة اسمية حالية من الضمير المرفوع في "أُجالِسَك".
وقوله: "فقال" بالفاء قبل القاف، وسقطت في كلام أبي هُريرة على الأفصح في الجُمَلْ المفتتحة بالقول، كما قيل في قوله تعالى:{أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)} [الشعراء: 10]، وأما القول مع ضمير النبي عليه الصلاة والسلام، فالفاء سببية رابطة، فاجتلبت لذلك، ولأبي ذر والأصيلي:"قال" بإسقاط الفاء.
وقوله: "سبحان الله" نُصِبَ بفعل لازم الحذف، وأتى به هنا للتعجب والاستعظام، أي: كيف يَخْفى عليك هذا الظاهر من عدم التنجس بالجنابة.
وقوله: "إن المسلم لا ينجُسْ" أي: في ذاته حيًّا ولا ميتًا، ولذا يُغسل إذا مات، نعم يتنجس بما يعتريه من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار.
وتمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، كابن حزم، فقال: إن الكافر نجس العين، وقوّاه بقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28].
وأجاب الجمهور عن الحديث: بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك، لعدم تحفظه عن النجاسة. وعن الآية: بأن المراد نجاسة اعتقادهم، أو لأنه يجب أن يُتَجَنب عنهم كما يُتَجَنَّب