الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ.
قوله: "بالهاجِرة" أي: في وسط النهار عند شدة الحر في سفر، وفي رواية أنّ خروجه كان من قبة حمراء من أدم، وكان ذلك بالأبطح بمكة.
وقوله: "فأُتِي" بضم الهمزة وكسر التاء.
وقوله: "بوَضوء" أي: بفتح الواو، أي: بماء يتوضأ به.
وقوله: "فجعل الناس يأخذون" في محل نصب خبر جعل الذي هو من أفعال المقاربة.
وقوله: "من فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام" وهو بفتح الواو، الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، وكأنهم اقتسموه أو كانوا يتناولون ما سال من أعضاء وضوئه صلى الله عليه وسلم
وقوله: "فيتمسَّحون به" تبركًا به، لكونه مس جسده الشريف المقدس، وفيه دِلالة بينة على طهارة الماء المستعمل.
والتمسح تفعل، كأن كلَّ واحد منهم مسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى، نحو: تجرّعه أي: شربه جرعة بعد جرعة، أو هو من باب التكلُّف؛ لأنّ كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام كان يتعنّى لتحصيله، كتشَجّع وتصبّر.
وعلى القول بأن الماء المأخوذ ما فضل في الإناء بعد فراغه عليه الصلاة والسلام، فالماء طاهر، مع ما حصل له من التشريف والبركة بوضع يده المباركة فيه.
وفي رواية تأتي للمصنف عن عَوْن، عن أبيه:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قُبة حمراء من أدم، ورأيت بلالاً أخذ وَضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به، ومن لم يُصبْ منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه". وفي رواية: "إن الوضوء الذي ابَتَدَرَه الناس كان فضل الماء الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم"، وفي مسلم ما يُشعر بأن ذلك كان بعد خروجه من مكة، بقوله:"ثم لم يَزَلْ يصلّي رَكْعتين حتّى رجَع إلى المدينة"، وفي رواية:"وخرجَ في حُلة حمراء مشمرًا"، وفي رواية:"كأني أنظُر إلى وَبيص ساقيه".
وقوله: "وبين يديه عَنَزَة" بفتحات، أقصر من الرُّمح، وأطول من العَصَى، وفيها زَجٌ كَزَج الرمح.
وقد روى عمر بن شَبَّة في أخبار المدينة: "أن النجاشي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حَرْبة، فأمسكها لنفسه، فهي التي يمشي بها مع الإِمام يوم العيد".
وعن الليث أنه بلغه "أن العَنَزَة التي كانت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كانت لرجل من المشركين، فقتله الزُّبير بن العوام يوم أحد، فأخذها منه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ينصبها بين يديه إذا صلى".
ويحتمل الجمع بأن عَنَزة الزبير كانت أولًا قبل حربة النجاشي.
وقوله: "صلّى الظهر رَكعتين والعصر رَكعتين"، قال النووي: يُستفاد منه أنه علبه الصلاة والسلام جمع حينئذٍ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويُحتمل أن يكون قوله:"العصرَ رَكعتين" أي: بعد دخول وقتها.
وفي الحديث من الفوائد التماس البركة مما لامسه الصالحون، خلافًا لزنادقة الخوارج الذين لا يلتمسون البركة من نبي ولا صالح، ولا يعتقدونها في
أحد. وفيه وضع السترة للمصلي حيث يَخْشى المرور بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة. وأن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام لما يُشعر به الخبر من مواظبته صلى الله عليه وسلم وأن ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه. وفيه تعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم. وفيه استحباب تفسير الثِّياب لاسيمَّا في السفر، وكذا استصحاب العَنَزَة ونحوها. وجواز النظر إلى الساق، وهو إجماع في الرجل، حيث لا فتنة. وجواز لبس الثوب الأحمر، وفيه سبعة أقوال:
الأول: الجواز مطلقًا، ودلَّ عليه حديث البراء:"رأيته في حُلّة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منه"، ورواية أبي جُحَيْفة السابقة:"خرج في حلة حمراء مشمّرًا"، وقد جاء عن علي، وطلحة، والبراء، وعبد الله بن جَعْفر، وطائفة من التابعين: سعيد بن المسيِّب، والنَّخعي، والشّعبي، وأبي قِلابة، وأبي وائل.
الثاني: المنع مطلقًا، لحديث عبد الله بن عَمرو أخرجه مسلم، قال:"رأى عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين مُعَصْفرين، فقال: إن هذه من لباس الكفار فلا تَلْبَسْهما". وفي لفظ له: "فقلتُ أغسِلُهما؟ قال: بل أحرِقْهما". وما نقله البيهقي وأخرجه ابن ماجه عن ابن عمر: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفَدَّم" وهو بالفاء وتشديد الدال، وهو المشبَّع بالمعصفر. ورُوي عن عمر "أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبًا معصفرًا جَذَبه، وقال: دعوا هذا للنساء". أخرجه الطَّبري.
وأخرج ابن أبي شَيْبة من مرسل الحسن: "الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة"، وصله أبو يَعْلى بن السكن، وأبو محمد بن عدي. وأخرج البيهقي عن رافع بن يزيد الثَّقَفي رفعه:"إن الشيطان يحبُّ الحُمرة، وإياكم والحُمرةَ وكلَّ ثوبٍ ذي شهرة"، وأخرجه ابن منده وهو حديث ضعيف. وقول الجُوزقاني: إنه باطل. غير صحيح.
وعن عبد الله بن عمرو، قال:"مرّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه، فلم يردَّ عليه النبي عليه الصلاة والسلام" أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، والبزار وقال: لا نعلمه إِلا من هذا الإسناد، وفيه أبو يَحْيى
القتّات مختلف فيه، قال في "الفتح": ويُحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر.
وعن رافع بن خديج قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى على رواحلنا أكسية فيها خطوط عهن حمر، فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكم. قال: فقمنا سراعًا، فنزعناها، حتى نَفر بعضُ إبلنا". أخرجه أبو داود، وفي سنده راوٍ لم يسمَّ. وعن امرأة من بني أسد قالت: كنت عند زينب أم المؤمنين ونحن نصبغ ثيابًا لها بمُغْرة، إذ طلع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب غسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، فجاء فدخل. أخرجه أبو داوود، وفي سنده ضعف.
الثالث: يكره لبس الثوب المشبَّع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء وطاووس ومجاهد، وكان الحجة فيه حديث ابن عمر المذكور قريبًا في المفدَّم.
الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس.
الخامس: يجوز لبس ما كان صُبغ غزله ثم نسج، ويُمنع ما صُبغ بعد النسج، قال ذلك الخطّابي، واحتج بأن الحُلّة الحمراء الوارد لبسه صلى الله عليه وسلم لها إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يُصبغ غزلها ثم ينسج.
السادس: اختصاص النهي بما يُصبغ بالمعصفر، لورود النهي عنه، ولا يمنع ما صُبغ بغيره من الأصباغ، ويعكر عليه حديث المغيرة المتقدم.
السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يُصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الحمرة من بياض وسواد فلا، وعلى ذلك تُحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حُمر وغيرها.
وقال الطّبري بعد أن ذكر الأقوال: الذي أراه جواز لبس الثياب المصبَّغة
بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق الثياب، لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زِيّ الزمان من المروءة ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزَّي ضربٌ من الشهرة.
قال في "الفتح": وهذا يمكن أن يخلُص منه قول ثامن، والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار، فالقول فيه كالقول في المِيثرة الحمراء.
قلت: والكلام فيها طويل، يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
وإن كان من أجل أنه من زي النساء، فهو راجع على الزجر عن التشبيه بالنساء، فيكون النهي عنه لا لذاته وإن كان من أجل الشهرة أو خَرْم المروءة فيُمنع حيث يقع ذلك، وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت، فكرهه في المحافل دون البيوت.
والمِيثرة التي وقع التشبيه بها هي بكسر الميم وسكون التحتانية، وفتح المثلثة بعدها راء ولا همز فيها، وأصلها من الِوثارة أو الوِثرة -بكسر الواو وسكون المثلثة- والوَثير هو الفراش الوطىء، وامرأةَ وَثيرة كثيرة اللحم، كانت النساء تصنعه لبعولتهن مثل القطائف يصفّونها.
وقال الزبيدي: المِيثرة مرفقة كصفة السرج. وقال الطبري: هو وطاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير، كانت النساء تصنعه لأزواجبن من الأرجوان الأحمر، ومن الديباج، وكانت مراكب العجم وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج حكاهما في "المشارق". وقيل: المِيْثرة جلود السباع. وقال النووي: إن هذا التفسير باطل. قال فى "الفتح": ليس بباطل، بل يمكن توجيهه، وهو ما إذا كانت المِيْثرة وطاء صُنعت من جلد، ثم حُشيت، والنهي حينئذ عنها إما لأنها من زي الكفار، وإما لأنها لا تعمل فيها الذّكاة، أو لأنها لا تُذكّى غالبًا، فتكون فيه حجة لمن منع لبس ذلك، ولو دبغ.
لكن الجمهور على خلافه، وإن الجلد يطهر بالدباغ، وقد اختلف في الشَّعر
أيضًا هل يطهر بالدباغ؟ لكن الغالب على المياثر أن لا يكون فيها شعر.
وقد ثبت النهي عن الركوب على جلود النمور، أخرجه النسائي عن المقدام بن مَعدي كَرِب، وهذا بما يؤيد التفسير المذكور، ولأبي داود "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جلد نمر".
فتحصّل في تفسير المِيْثرة خمسة أقوال: هل هي وطاء للدابة، أو لراكبها، أو هي السرج نفسه، أو غِشاوة، أو هي من جلود السباع.
وقد اختلف في حكمها، فقد أخرج أحمد والنسائى وأصله عند أبي داود بسند صحيح، عن علي قال:"نُهي عن المياثر الأرجوان" بلفظ نُهي عن البناء للمجهول، وهو محمول على الرفع. وأخرج أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حِبّان، عن علي أيضًا قال:"نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتَم الذهب، وعن لبس القُسيّ، وعن المِيثرة الحمراء"، قال أبو عُبيد: المياثر الحُمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقيل: إنها تشبه المخدة، تُحشى بقطن أو ريش، يجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبري.
والأقوال المذكورة فيها يُحتمل أن لا تكون متخالفة، بل المِيثرة تطلق على كل منها، وعلى كل تقدير فالميثرة وإن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير، فيمتنع إن كانت حريرًا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء. وإن كانت من غير حرير فالنهي فيها للزجر عن التشبُّه بالأعاجم، قال ابن بطّال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه، سواء كانت من حرير أو من غيره، فكان النهي عنها إذا لم تكن من حرير للتشبُّه أو للسَّرف أو التزين، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة، فمن يحمل المطلق على المقيَّد وهم الأكثر، يخصُ المنع بما كان أحمر.
والأُرْجُوان المذكور في الرواية الماضية بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة وحكى عياض والقُرطبي: فتح الهمزة. وأنكره النووي،