الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتويات
الافتتاحية لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ....... 7
الفتاوى
من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ....... 27
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ....... 37
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ....... 45
من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ....... 65
البحوث
نواقض كلمة التوحيد لفضيلة الدكتور / عواد بن عبد الله المعتق ....... 77
المسيح الدجال للدكتورة / أسماء بنت سليمان بن عبد الرحمن السويلم ....... 173
أحكام زيارة القبور لفضيلة الدكتور / فهد بن عبد الله العمري ....... 233
فصل الخطاب في حكم الحجاب لفضيلة الدكتور / خالد بن مفلح الحامد ....... 297
صفحة فارغة
الموقف الشرعي من أعداء الأمن
لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. . . . أما بعد:
فإن من حكمة الله ابتلاء عباده بالضراء والسراء، فالله سبحانه وتعالى حين يبتلي عباده بالسراء؛ ليتبين شكر الشاكرين لنعمه، ويظهر من كان شاكرا لله، وحين يبتلي عباده بالضراء ليظهر صبر الصابرين الموقنين، قال الله تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (1).
وإن نعم الله على العباد عظيمة، وآلاءه جسيمة، نعم لا يستطيع العباد عدها ولا إحصاءها، قال الله تعالى:{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (2)، وقال الله تعالى:
(1) سورة الأنبياء الآية 35
(2)
سورة إبراهيم الآية 34
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (1).
وإن من أجل النعم وأكبرها نعمة الإسلام، فمن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإسلام فقد أنعم الله عليه بالنعمة الكبرى، وهذا هو الفلاح الكبير، والفوز العظيم، والمنة العظمى، قال الله تعالى:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (2)، وقال تعالى:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} (3)، ومن أجل ذلك بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وهاديا إلى صراطه المستقيم، فكانت بعثته صلى الله عليه وسلم نعمة، أنعم الله بها على أهل الأرض قاطبة، قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (4)، وقال تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (5)، فأخرج الله عباده ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم من ظلمات الجهل وظلم العباد إلى نور الإسلام
(1) سورة النحل الآية 53
(2)
سورة الحجرات الآية 17
(3)
سورة الأنعام الآية 125
(4)
سورة الأنبياء الآية 107
(5)
سورة آل عمران الآية 164
وعدله، فأمن الناس على أنفسهم، وأولادهم، وأعراضهم، وأموالهم، ولا ريب أن الأمن في الأوطان نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه على عباده، ذكر الله بها العباد ليقابلوا تلك النعمة بشكر الله، والثناء عليه، قال تعالى:{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} (1){إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} (2){فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} (3){الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (4)، إذا فليقابلوا نعمة رغد العيش، ونعمة الأمن بعبادة الله، وإخلاص الدين له سبحانه.
ولذلك كانت نعمة الأمن نعمة من ضروريات الإنسانية، ومن مقاصد الشرائع السماوية، نعمة الأمن فيها يعبد العبد ربه، ويؤدي واجبه، فيها يتعلم المتعلم، ويدعو الداعي إلى الله تعالى، ويسعى الساعي في كل ما يحقق له سعادته في الدنيا والآخرة.
بالأمن تطمئن النفوس، وتنشرح الصدور، ويتفرغ العباد لمصالح دينهم ودنياهم، قال الله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} (5)، وقال تعالى:{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (6).
(1) سورة قريش الآية 1
(2)
سورة قريش الآية 2
(3)
سورة قريش الآية 3
(4)
سورة قريش الآية 4
(5)
سورة العنكبوت الآية 67
(6)
سورة القصص الآية 57
نعمة الأمن عرف قدرها الكمل من البشر وهم أنبياء الله، يقول الله سبحانه عن صالح عليه السلام، وهو يذكر قومه هذه النعمة، ويحذرهم من الاستخفاف بها:{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ} (1){فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} (2){وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} (3){وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} (4){فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (5){وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} (6){الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} (7).
وأبونا إبراهيم عليه السلام عندما فرغ من بناء البيت دعا لسكانه بتلك الدعوات، قال الله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (8) الآية، فبدأ بنعمة الأمن؛ لأن بحصوله يتحقق الخير بتوفيق من الله سبحانه.
أيها المسلم. . . . بم يتحقق الأمن؟ إن الأمن في الأوطان يتحقق بعبادة الله وحده لا شريك له، والخضوع له، والقيام بشرعه، قال الله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (9).
(1) سورة الشعراء الآية 146
(2)
سورة الشعراء الآية 147
(3)
سورة الشعراء الآية 148
(4)
سورة الشعراء الآية 149
(5)
سورة الشعراء الآية 150
(6)
سورة الشعراء الآية 151
(7)
سورة الشعراء الآية 152
(8)
سورة البقرة الآية 126
(9)
سورة النور الآية 55
كيف نحافظ على هذا الأمن؟ نحافظ عليه أولا بشكر الله تعالى على هذه النعمة بقلوبنا، وبألسنتنا، وبجوارحنا، وأن نتصور عظم هذه النعمة، ونعلم عظمة من تفضل بها وجاد بها وهو ربنا جل وعلا، فنرفع الشكر والثناء لرب العالمين على هذه النعمة، نعتقدها في قلوبنا، وأنها من الله فضلا وإحسانا وجودا وكرما، فنقابلها بشكره، وشكره يزيد النعم، قال الله تعالى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (1).
وثانيا: نأخذ على يد كل من يريد زعزعة هذه النعمة وتكديرها، نأخذ على يده حتى لا يتمادى في شره وطغيانه، فإن ترك أولئك يعيثون في الأرض فسادا كفر بهذه النعمة التي أنعم الله بها على عباده، قال الله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (2).
أمة الإسلام. . . بلادكم بلد العقيدة الصافية ولله الفضل والمنة، بلد ظهرت فيها شعائر الإسلام، وحكمت فيها شعائر الإسلام، بلد
(1) سورة إبراهيم الآية 7
(2)
سورة الأنفال الآية 53
العلم والتعلم، بلد الخيرات، بلد آوى فئات من المسلمين، عاشوا في ظلها في أمن واستقرار وطمأنينة، بلد يفد إليها طلاب العلم من كل مكان للدراسة في جميع التخصصات، ويفد إليها الحجاج والمعتمرون فيجدون حرما آمنا، رغدا سخاء في كل نعمة، فضل من الله ورحمة، بلد هيأ الله له قيادة ترعى شأنه، نسأل الله لها المزيد من التوفيق والهداية، والسداد، والعون على كل خير.
فيا أهل الإسلام. . لتكن كلمة المسلمين واحدة، وعلى قلب واحد في الدفاع عن هذا الدين وعن تعاليمه السامية، والأخذ على يد المفسدين والعابثين والمغرر بهم، ومن ليس لهم حظ في العلم والتعلم.
يا أهل الإسلام. . . إن هناك شرذمة من الناس ضالة تريد زعزعة أمن هذه الأمة، ليس لها غرض صحيح، ولا هدف مقبول، تصرفاتها دالة على ضلال أولئك، وضعف الإيمان أو انعدامه من قلوبهم والعياذ بالله، هدفهم التفجير والتدمير، همهم القتل والإفساد، غايتهم الخروج على الأئمة وتكفير من خالفهم، وقتل الأمة والسعي في الأرض فسادا.
نعمة الأمن، ورغد العيش التي يتمتع بها عباد الله، ويدعو إلى شكرها العلماء المخلصون، ويضيق بها ذرعا أولئك الحاقدون الكارهون، هؤلاء تغيظهم تلك النعم، يريدون للأمة أن تعيش في
فوضى وبلاء، ويأبى الله والمؤمنون ذلك، قال الله تعالى:{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1)، قال تعالى:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (2){هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (3).
أمة الإسلام. . . إن من يريد زعزعة أمن هذه البلاد إنه ضال مضل، منحرف شاذ عن طريق الله المستقيم، يريد بالأمة كيدا، ويريد بالأمة ضررا وفسادا، إذا فالواجب على الجميع تقوى الله، وتضافر الجهود في سبيل الحيلولة بين أولئك وما يريدونه بالأمة من بلاء وفساد.
إن الأمة بعد ما عرفت الأمر، وتدبرت حقيقة أولئك لم يبق شك، ولا ارتياب في أن أهداف هذه الفئة الضالة واضح للملأ، وأنه الإفساد والإضرار، والسعي في الأرض فسادا، وتحقيق مطالب أعداء الإسلام، وتسهيل المهمة لهم، هكذا يقصدون، قوم غرر بهم، وقوم تلاعب بهم الأعداء حتى جعلوهم وقودا لهذه الفتنة، وإن المسلم ينبغي أن يكون حذرا يقظا، لا يغتر بكل رأي، وبكل فكر يفد إليه من غير أن يمحصه، ويضعه في الميزان العادل، فيعرف حقائق الأمور.
كم من مدع يزعم الإصلاح والصلاح، وكم من مدع للخير،
(1) سورة التوبة الآية 32
(2)
سورة الصف الآية 8
(3)
سورة الصف الآية 9
والله يعلم ما وراء ذلك، قال الله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (1) الآية، وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} (2){وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (3){وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} (4).
هؤلاء المفسدون قوم ضل سعيهم، وزين لهم الشيطان الباطل فرأوه حقا، قال الله تعالى:{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (5)، وقال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} (6){الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (7).
إن هؤلاء المخربين عاثوا في الأرض فسادا، قتلوا الأبرياء بلا سبب، سفكوا دماء رجال الأمن بلا مبرر يدعو إليه، وإنما هو الحقد الدفين، ومحاولة إلحاق الأذى بالأمة، ولكن الله بالمرصاد لكل من يريد الشر والبلاء بالمسلمين، قال الله تعالى:{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (8)
(1) سورة البقرة الآية 220
(2)
سورة البقرة الآية 204
(3)
سورة البقرة الآية 205
(4)
سورة البقرة الآية 206
(5)
سورة فاطر الآية 8
(6)
سورة الكهف الآية 103
(7)
سورة الكهف الآية 104
(8)
سورة فاطر الآية 43
الآية.
إن الأمة يجب أن تكون حذرة، وأن تأخذ عبرة من هنا وهناك، كم من أناس يعيشون في فوضى وبلاء، عجزوا أن يحققوا لمجتمعاتهم أمنا، تستقر به نفوسهم، ويهنؤون فيه بعيشهم، ويأمنون على أنفسهم، وأولادهم، وأعراضهم، وأموالهم، خيرات في الأرض، وخيرات متعددة، لكن والعياذ بالله ألبسوا شيعا، وصار بعضهم عدوا لبعض، يقتل بعضهم بعضا، قال الله تعالى:{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} (1).
إن الفرد المسلم يدين الله بالمحبة لهذا الدين وأهله، وموالاة المسلمين، ودفع الأذى عنهم بكل ما يستطيع، ومن يرضى بالأذى للمسلم بغير حق فقد باء بالإثم العظيم، وخالف تعاليم الإسلام، قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (2).
إن سفك دماء النفوس المعصومة كبيرة من كبائر الذنوب،
(1) سورة الأنعام الآية 65
(2)
سورة الأحزاب الآية 58
وعظيمة من العظائم، وجريمة من الجرائم، لا يستحل دم امرئ مسلم إلا من فارق الإيمان والعياذ بالله، فإن المؤمن حقا يعظم دماء الأمة ويحفظها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما (1)» فلا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما.
فليتق الله أولئك المفسدون، وليتوبوا إلى الله من جرمهم، وليندموا على ما مضى، وليعزموا ألا يعودوا إلى تلك الجرائم والخطيئات، وليعلموا أن الله مجاز كلا بما عمل، وأن أول ما يقضى به بين العباد من حقوقهم الدماء يوم القيامة، أول ما ينظر في قضاياهم يوم القيامة الدماء، فحافظوا - رحمكم الله - على أرواح أمتكم، وصونوا بلادكم، واحذروا من أولئك المفسدين، وإياكم أن تكونوا أعوانا لهم، أو متعاطفين معهم، أو مسوغين لهم فعلهم، أو متأولين لباطلهم، فإن أمرهم واضح جلي لا يرتاب فيه مسلم، وإن سعيهم إفساد وفساد، وانحراف عن الطريق المستقيم، وليس لهم أي مبرر ولا تأويل، ولكنه الخطأ الواضح، والجرم الكبير.
عباد الله. . . . إن تقوى الله سبحانه هي صمام الأمان، والحصن
(1) أخرجه البخاري في الديات (6862)، وأحمد في المكثرين (5423) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
الحصين من الوقوع في هذه الضلالات، والمخرج من هذه الفتن، والجالبة للأمن في الأوطان الذي يتحقق به السعادة، والطمأنينة، والراحة النفسية لجميع أفراد المجتمع، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه وليلته فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها (1)»
إذا فالأمن نعمة من نعم الله تعالى على عباده، فمن أصبح معافى في بدنه، لا يشكو من أي شيء، عنده من العيش ما يكفيه ليومه وليلته، آمنا في بيته، آمنا على دينه، آمنا على أهله، آمنا على نفسه، آمنا على ماله، فكأنما أعطي الدنيا بأسرها؛ لأن الصحة في البدن، ورغد العيش مع توفر الأمن الذي يحفظ ذلك نعمة من أجل نعم الله على عباده، وسلبها والعياذ بالله عقوبة من الله على العباد، قال الله تعالى:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (2).
(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (300)، والترمذي في الزهد: باب: التوكل على الله (2346)، وابن ماجه في الزهد، باب: القناعة (4141)، والحميدي في مسنده (439) من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري رضي الله عنه، قال الترمذي:" حديث حسن غريب ". وله شواهد من حديث أبي الدرداء، وابن عمر، وعلي رضي الله عنهم، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2318).
(2)
سورة النحل الآية 112
أمة الإسلام. . نعمة الأمن مهمتها ليست موكولة فقط إلى الجندي المسلم، ولا إلى ضابط أو أمير أو وزير، أو مسؤول فحسب، ولكنها مسؤولية الأفراد كلهم على اختلاف مسؤولياتهم، فهي مسؤولية الجميع، ذلك أن الأمن ينتفع به الجميع، وإذا غير والعياذ بالله انضر به الجميع، فكما أنه أنا وأنت ننتفع بهذا الأمن، ونرعى هذا الأمن، وإذا سلب والعياذ بالله صار الضرر على الجميع، إذا فلما كان الانتفاع به عاما، والتضرر بضده عاما كان مسؤولية كل فرد مسلم أن يسعى في تحقيق هذا الأمن، وألا يتعاطف مع أي مجرم وأي مفسد، وأن يعلم أن أولئك لم يريدوا بأمتهم خيرا، وإنما هم دمى، يسخرهم أعداء الإسلام، ويسيرونهم كيف يشاءون، ويخططون وينفذون لهم أهدافهم، ويظهرون بمظهر المصلح الحريص على مصالح المسلمين، فإما أن يتستروا باسم الدين، أو باسم الغيرة، أو باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله يعلم ما وراء ذلك من الشر والفساد.
أيها المسلم. . . . طبقات المجتمع كلها واجب عليهم النهوض
بمسؤولياتهم، والوقوف أمام هذه التحديات بقلوب ثابتة، وعزيمة صادقة، ونفوس مطمئنة، وصدق وأمانة في تحمل المسؤولية.
أيها المعلم الكريم. . . إنك تحملت أمانة كبيرة ومسؤولية عظيمة، فواجبك أن تتقي الله، وتبصر التلاميذ أمامك في جميع مراحل التعليم المختلفة، تبصرهم بحقيقة ما ينفعهم، وتجعل من درسك توعية لهم، تكشف عنهم اللبس، وتوضح لهم ما يدور حولهم، وتبين لهم أن هذه الفتن والمصائب ما أراد بها هؤلاء الأعداء إلا شرا للمسلمين حتى لا ينخدعوا بهم، ويقعوا في شراك حبائلهم.
فيا أيها المعلم. . . اتق الله، وليكن هدفك توعية شباب المسلمين، وتحذيرهم وإنقاذهم من الشر، وتربيتهم تربية إسلامية، وإذا سمعت عن شبهة لدى أحدهم. فأزل تلك الشبهة عنه، وبين له حقيقة الأمر، وأوضح له السبيل المستقيم.
أيتها المعلمة. . . . إن واجبك أمام الفتيات أن تعلميهن الخير، وتنشري بينهن الفضيلة والدعوة إلى الخير، والتحذير من أولئك وأمثالهم.
خطباء الجوامع. . . أئمة المساجد. . . واجبكم بين كل آن وحين أن تعرفوا العباد نعم الله، وتوصوهم باجتماع الكلمة وتآلف القلوب على الخير، وأن تحذروا المجتمع من دعاة الفرقة والاختلاف، من
دعاة الفتنة والبلاء.
مسؤولي الإعلام من صحافة وتلفاز وإذاعة وغيرها. . . إن مسؤوليتكم عظيمة، وإنكم تحملتم أمانة كبيرة، فواجبكم أن تكون صحافتنا وإذاعتنا، وإعلامنا المرئي كلها تخدم مبدأنا وهدفنا الإسلامي، وأن ننشر فيها باعتدال كيف نعالج هذه الجريمة، وكيف السعي في تحجيم هذه الجريمة، واحتوائها، ونوضح للقارئ والسامع والرائي الخطوات التي ينبغي أن يتخذوها ويسيروا عليها في سبيل مكافحة هذه الجريمة.
عمداء الأحياء. . ورجال القبائل. . . . وكل فرد من هذا المجتمع المسلم. . . يجب أن يكون كل منا يقظا حذرا ناصحا لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا بد أن يكون لدى الجميع توعية صادقة ونصيحة خالصة، نحذر فيها الأمة من هذه البلايا، ومن هذه الأباطيل، فعسى الله أن يجعل في ذلك خيرا، فإن الأمة إذا تكاتفت وتعاونت على البر والتقوى نجحت بتوفيق الله، ألم تسمعوا قول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (1).
(1) سورة المجادلة الآية 9
أيها المسلمون. . . احذروا أن تكون مجتمعاتكم في أماكن استراحاتكم يسودها التناجي بالباطل والفساد، ليكن التناجي على الخير وما فيه خدمة الأمة، والسعي في تخليصها من هذه البلايا والفتن العظيمة، وليحذر الآباء والأمهات أن يؤتى شبابهم من حيث لا يعلمون، وليسألوهم عن أي مكان ذهبوا، وأين ذهبوا، ومن التقوا به، ليكون الجميع أعوانا على البر والتقوى، لنغلق على أولئك كل المنافذ، ونقطع عنهم خط الرجعة، حتى لا يكون لهم في بلادنا أرضية ينطلقون منها، بل نكون على حذر؛ لأن هذه نعمة الله التي نرعاها، ورعاها آباؤنا من قبل في أمان واستقرار، ولكن تلك الحوادث التي فاجأتنا لا علم لنا بها في السابق ولله الحمد، وليست من أرضنا ولا من طبيعة أمتنا، ولكنها من كيد الأعداء، فنسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم، ويردهم على أعقابهم خائبين خاسرين، وأن يكفي المسلمين شرورهم، وأن يبصر شبابنا بما ينفعهم، ويرزقهم الفهم الصحيح لدينهم، حتى يحذروا من تلك المكائد، ويستقيموا على الهدى، ويقوموا بما أوجب الله عليهم، ولا شك أن للذنوب والمعاصي آثارا في حصول ما حصل، قال الله تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (1)، وقال
(1) سورة الشورى الآية 30
فالواجب على الجميع تقوى الله، وإصلاح الأخطاء والسعي فيما يجمع الكلمة، ويوحد الشمل، وإن الأمة لا نجاة لها ولا سعادة لها في الدنيا والآخرة إلا إذا لجأت لربها، وتمسكت بدينها وعقيدتها الصحيحة علما وعملا، وابتعدت عن كل ما يثير الفتنة ويسبب المشاكل، فإن التمسك بهذا الدين، والاعتصام بهذا الدين سبب الخير والصلاح واجتماع الكلمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله
…
(2)» الحديث، فكتاب الله عصمة لنا من كل سوء، وعصمة لنا من كل بلاء، وفتنة، وعون لنا على أعدائنا، وسلاح ماض ضد أعدائنا.
إننا إذا تمسكنا بهذا الدين التمسك الصحيح علما وعملا، فإن الله يعلم منا ذلك، والله أكرم الأكرمين لا يغير نعمه على العباد حتى يكون العباد هم السبب في زوالها، قال الله تعالى:
(1) سورة الروم الآية 41
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1)، فإذا غير العباد نعمة الله بكفرها والعياذ بالله، وغيروا دين الله بالتهاون والتساهل غير الله عليهم نعمته بسلبها منهم، وإذا التجأ العباد إلى الله، ووثقوا بالله وتوكلوا عليه، وحكموا شرع الله، وأقاموا دين الله، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر فإن الله جل وعلا سينصرهم ويؤيدهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان هذه الأمة، يحفظها من كيد الكائدين، ويأخذ على أيدي المفسدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متى ما قوي جانبه، وعظم شأنه، وتفاعل في المجتمع ففيه الحماية بتوفيق من الله؛ لأن دين الله هو السبب في أمن الأمة، وسلامتها، وثباتها، وحفظها من كل سوء ومكروه.
نسأل الله الاستقامة على الهدى، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يجعلنا وإياكم ممن عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل فاجتنبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) سورة الأنفال الآية 53
صفحة فارغة
الفتاوى
صفحة فارغة