الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترجيح:
إذا نظرنا إلى هذه الأقوال، وما ورد عليها من مناقشات يظهر لنا - والله أعلم - أن القول الراجح، هو القول الأول، وهو أن زيارة القبور مستحبة، وذلك لأمرين.
أولا: قوة أدلتهم وصراحتها.
ثانيا: أن أدلة الأقوال الأخرى قد تمت مناقشتها، بما يدل على ضعفها، والله أعلم.
المبحث الرابع: حكم زيارة القبور للنساء:
لا خلاف بين أهل العلم على أن المرأة إذا علمت من نفسها أنها إذا زارت المقابر، صدر عنها ما لا يجوز من قول، أو فعل مثل تجديد بكاء ونياحة، أو حزن، أو تضييع لحق زوجها، أو تبرج وسفور، أو فتنة لها أو لغيرها أن هذه الزيارة على هذه الوجوه السابقة منهي عنها (1) أما إذا خلت الزيارة مما سبق، فإن للعلماء في حكم الزيارة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن زيارة المقابر للنساء لا يجوز.
(1) ينظر: الفتاوى لابن تيمية 24/ 356.
وهذا قول في مذهب الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) وهو رواية عن أحمد، اختارها بعض الأصحاب (4) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (5) وتلميذه ابن القيم (6) والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى (7)
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور (8)»
(1) ينظر: البحر الرائق 2/ 210، ورد المحتار 2/ 242.
(2)
ينظر: مواهب الجليل 2/ 237.
(3)
ينظر: مغني المحتاج 2/ 57.
(4)
ينظر: الإنصاف 2/ 562، والمبدع 2/ 248.
(5)
ينظر: الاختيارات الفقهية ص 93.
(6)
ينظر: تهذيب السنن 9/ 59.
(7)
ينظر: كتاب التوحيد مع شرحه فتح المجيد ص 344.
(8)
أخرجه الترمذي 3/ 371، الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، برقم (1056)، وابن ماجه 1/ 502، الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم (1576)، وأحمد 2/ 331، وابن حبان كما في الإحسان 5/ 72، برقم 3168، والبيهقي 4/ 78، الجنائز، باب ما ورد في نهيهن عن زيارة القبور، وابن عبد البر في التمهيد 3/ 235، من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعمر هذا صدوق، فحديثه من قبيل الحسن، وله شواهد تقويه إلى الصحة من حديث حسان بن ثابت، وابن عباس، لذلك قال الترمذي بعد أن أخرجه في السنن: هذا حديث حسن صحيح. الجامع الصحيح 3/ 374.
2 -
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (1)»
(1) أخرجه أبو داود في الجنائز، باب في زيارة النساء للقبور 3/ 216، برقم (3336)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهة أن يتخذ القبر مسجدا 2/ 136، برقم (320)، والنسائي في الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور 4/ 400، رقم 2042، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة القبور 1/ 502، رقم (1575)، وابن حبان في الجنائز، ذكر لعن المصطفى صلى الله عليه وسلم المتخذين المساجد والسرج على القبور 7/ 452، رقم (3179، 3180)، والبيهقي في الجنائز، باب ما ورد في نهيهن عن زيارة القبور 4/ 130، رقم (7206)، وأحمد 1/ 287، 299، 3240، 337. وكل روايات هذا الحديث بلفظ (: زائرات)، إلا ابن ماجه فلفظه:(زوارات)، وكل هؤلاء أخرجوه من طريق أبي صالح، عن ابن عباس، وأبو صالح: هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وقد ضعفه جماعة، ينظر: تقريب التهذيب ص 21. قال أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الترمذي 2/ 137 وليس لتضعيف أبي صالح حجة، والذي ادعى أنه لم يسمع من ابن عباس هو ابن حبان - ولعلها فلتة منه - فإن أبا صالح تابعي قديم، وروى عن مولاته أم هانئ، وعن أخيها علي بن أبي طالب، وعن أبي هريرة، وابن عباس أصغر من هؤلاء كلهم، وإنما تكلم فيه من أجل التفسير الكثير المروي عنه، والحمل في ذلك على تلميذه محمد بن السائب الكلبي، ولذلك قال ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، وهذا تضعيف للكلبي لا أبي صالح. . . ثم قال: فهذا الحديث على أقل حالاته حسن، ثم الشواهد التي ذكرناها في تأييده ترفعه إلى درجة الصحة لغيره، إن لم يكن صحيحا بصحة إسناده هذا. وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية كلام الأئمة في أبي صالح، ورجح أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، والله أعلم.
حيث دل الحديثان على لعن زوارات القبور، وهذا دليل على حرمة هذا الفعل، وخاصة أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته (1)
ونوقش هذان الدليلان بما يلي:
أولا: أنها ضعيفة الإسناد؛ فلا يصح الاحتجاج بها على حرمة زيارة النساء للقبور.
وقد أجاب - شيخ الإسلام - ابن تيمية عن هذا الاعتراض من ثلاثة وجوه وهي:
أولا: أن كل من تكلم فيه من رجال الإسناد قد عدله طائفة من العلماء، وإذا كان الجارح والمعدل من الأئمة، لم يقبل الجرح إلا
(1) ينظر: تهذيب السنن 9/ 60.
مفسرا، فيكون التعديل مقدما على الجرح المطلق.
ثانيا: أن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذي يحتج به جمهور العلماء، فإذا صححه من صححه، كالترمذي وغيره، ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر؛ كان أقل أحواله أن يكون من الحسن.
ثالثا: أن يقال: قد روي من وجهين مختلفين: أحدهما عن ابن عباس، والآخر عن أبي هريرة، ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ، ومثل هذا حجة بلا ريب (1)
وكلام شيخ الإسلام عن حديث أبي هريرة، وابن عباس. فكيف إذا انضم إلى ذلك ما روي عن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال:«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " زوارات القبور (2)»
فهذا يبين أن الحديث في الأصل معروف.
(1) ينظر: الفتاوى 24/ 351 - 352.
(2)
أخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور 1/ 502 برقم (1574)، والبيهقي في الجنائز، باب ما ورد في نهيهن عن زيارة القبور 4/ 130 رقم (7205)، وأحمد 3/ 442. قال البوصيري في الزوائد 1/ 502: إسناد حديث حسان بن ثابت رجاله ثقات. فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن لذاته، وهو مع الشواهد السابقة صحيح لغيره، ينظر: إرواء الغليل 3/ 333.
ثانيا: أن اللعن إنما يكون للمكثرات من الزيارة بدليل قوله: (زوارات القبور. .)، وذلك لما تقتضيه الصفة من المبالغة، وهذا لا يتناول الزائرة من غير إكثار (1)
ويجاب عن ذلك بما يلي:
أنه ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنه لفظ: (زائرات)، وهذا يصدق على الزائرة مرة واحدة، فيؤخذ به.
ثالثا: أن اللعن قد نسخ بالأمر بزيارة القبور للرجال والنساء (2)
ويجاب عن هذا: بأن الصحيح أن حديث اللعن غير منسوخ، بل هو بعد الإذن للرجال في زيارة القبور، وذلك بدليل أن اللعن جاء مقرونا بالمتخذين عليها المساجد والسرج، حيث جاء بصيغة التذكير، التي تتناول الرجال فقط (3)
رابعا: أن اللعن إنما ورد على ما إذا كانت زيارة النساء للقبور لتجديد الحزن، والبكاء والنياحة، أما إذا كانت الزيارة للقبور على الوجه الشرعي من الاعتبار ونحوه فلا يحرم عليهن ذلك. (4)
(1) ينظر: فتح الباري 3/ 149.
(2)
ينظر: الفتاوى 24/ 354 - 355.
(3)
ينظر: الفتاوى 24/ 353، تهذيب السنن 9/ 60.
(4)
ينظر: المجموع 5/ 285.
ويجاب عن هذا:
بأن هذا التأويل لا دليل عليه، بل إن ما ذكر قد يكون علة للنهي؛ لأن ذلك هو عادة النساء غالبا.
فإذا كانت زيارة النساء للقبور مظنة، وسببا للأمور المحرمة شرعا، فيحرم هذا الباب سدا للذريعة (1)
3 -
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: " ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: " أتيت أهل هذا البيت، فترحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم "، فقال: " لعلك بلغت معهم الكدى؟ " قالت: " معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر ". فقال: " لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك (2)» والكدى هي القبور، هكذا فسرها بعض الرواة (3)
فقد دل هذا الحديث على أن النساء لا يجوز لهن زيارة القبور؛
(1) ينظر: الفتاوى 24/ 356.
(2)
أخرجه أبو داود في الجنائز، باب في التعزية 3/ 188، برقم (3123)، والنسائي 1/ 616، والحاكم 1/ 529 - 530، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(3)
ينظر: النهاية في غريب الحديث 4/ 156.
لقول فاطمة رضي الله عنها: «معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر (1)» ، يعني من النهي عن ذلك.
ونوقش هذا الدليل:
بأن النهي ليس عن زيارة القبور، وإنما النهي في الحديث عن اتباع الجنائز للنساء؛ لأن مفسدة اتباع الجنائز للنساء أعظم من مفسدة زيارة القبور، حيث إن المصيبة قريبة، ويترتب على ذلك أذى للميت، وفتنة للأحياء، ولا يلزم من تحريم اتباع النساء للجنائز تحريم زيارة المقابر (2)
وأجيب عن ذلك بما يلي:
إن مصلحة اتباع الجنازة أعظم من مصلحة الزيارة، حيث يحصل بالاتباع: الصلاة، ثم الحمل والدفن، وهي فروض كفاية، بخلاف زيارة القبور، فليست فرضا على الكفاية، فإذا كانت النساء قد منعن عما جنسه فرض كفاية، ومصلحته للميت أعظم، فما ليس بواجب على أحد أولى.
وأما قولهم: إن مفسدة الاتباع أعظم فغير مسلم؛ لأنه إذا رخص للنساء في الزيارة كان ذلك مظنة قصد الرجال لهن، وحصول الفتنة،
(1) سنن النسائي الجنائز (1880، 1880)، سنن أبي داود الجنائز (3123، 3123)، مسند أحمد (2/ 169، 2/ 169).
(2)
ينظر: الفتاوى 24/ 347، 348.
كما هو الحاصل في كثير من البلدان الإسلامية، حيث يقع بسبب الزيارة من الفتن والفساد ما لا يقع عند اتباع الجنائز (1)؛ لأن المرأة قليلة الصبر، كثيرة الجزع، وفي زيارتها للمقابر تجديد لحزنها، فقد يؤدي بها ذلك إلى ما لا تحمد عقباه.
القول الثاني: إن زيارة النساء للقبور مكروهة.
وهو قول عند الحنفية (2) والمالكية (3) وقال به جمهور الشافعية (4) وهو المذهب عند الحنابلة (5)
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 -
عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (6)»
حيث دل هذا على النهي عن اتباع النساء للجنائز؛ والزيارة من
(1) ينظر: الفتاوى 24/ 347، 348.
(2)
ينظر: رد المحتار 2/ 242.
(3)
ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي ص 87.
(4)
ينظر: مغني المحتاج 2/ 57.
(5)
ينظر: الإنصاف 2/ 561.
(6)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز 1/ 381، برقم (1278).
جنس الاتباع؛ فيكون كلاهما مكروها غير محرم (1)
وقد أجاب ابن القيم رحمه الله بما نصه: " وأما قول أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز (2)». . . " فهو حجة للمنع، وقولها:«ولم يعزم علينا (3)» . . " إنما نفت فيه وصف النهي، وهو النهي المؤكد بالعزيمة، وليس ذلك شرطا في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كاف، ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاستفتين عن العزيمة عليهن، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي، وقد دلت أحاديث لعنه الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة، فيجب تقديمها "(4)
يضاف إلى ذلك أن قول أم عطية: «ولم يعزم علينا (5)» . . " قد يكون مرادها لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس نهي تحريم، والحجة في قوله صلى الله عليه وسلم لا في ظن غيره.
2 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور (6)» مع الإذن بزيارة القبور في قوله صلى الله عليه وسلم: " فزوروها "(7)
قالوا: فالحديث الأول خاص بالنساء، والنهي المنسوخ كان عاما
(1) ينظر: الفتاوى 24/ 354.
(2)
صحيح البخاري الجنائز (1278، 1278)، صحيح مسلم الجنائز (938، 938)، سنن أبي داود الصلاة (1139، 1139)، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1577، 1577)، مسند أحمد (6/ 408، 6/ 408).
(3)
صحيح البخاري الجنائز (1278، 1278)، صحيح مسلم الجنائز (938، 938)، سنن أبي داود الجنائز (3167، 3167)، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1577، 1577)، مسند أحمد (6/ 408، 6/ 408).
(4)
تهذيب السنن 9/ 62.
(5)
صحيح البخاري الجنائز (1278، 1278)، صحيح مسلم الجنائز (938، 938)، سنن أبي داود الجنائز (3167، 3167)، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1577، 1577)، مسند أحمد (6/ 408، 6/ 408).
(6)
أخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور 1/ 502 برقم (1574)، والبيهقي في الجنائز، باب ما ورد في نهيهن عن زيارة القبور 4/ 130 رقم (7205)، وأحمد 3/ 442. قال البوصيري في الزوائد 1/ 502: إسناد حديث حسان بن ثابت رجاله ثقات. فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن لذاته، وهو مع الشواهد السابقة صحيح لغيره، ينظر: إرواء الغليل 3/ 333.
(7)
أخرجه الحاكم من طريقين في كتاب الجنائز 1/ 532، برقم (1393)، (1394)، وأحمد 3/ 237.
للرجال والنساء، ويحتمل أنه كان خاصا للرجال، ويحتمل - أيضا - كون الخبر في لعن زوارات القبور - بعد أمر الرجال بزيارتها، فقد دار الأمر بين الحظر والإباحة، فأقل أحواله الكراهة (1)
ويجاب عن هذا بما يلي:
أن الصحيح أن حديث اللعن غير منسوخ، بل هو بعد الإذن للرجال في زيارة القبور، ويدل على هذا أن حديث اللعن جاء مقرونا بالمتخذين عليها المساجد والسرج، وذكر هذا بصيغة التذكير التي تتناول الرجال، ولعن الزائرات مختص بالنساء، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج باق محكم؛ كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فكذلك الآخر (2)
القول الثالث: أن زيارة النساء للقبور مباحة، وهو الأصح في مذهب الحنفية (3) وقال به بعض المالكية وبعض الشافعية - عند
(1) ينظر: المغني 3/ 523.
(2)
ينظر: الفتاوى 24/ 353، تهذيب السنن 9/ 60.
(3)
ينظر: البحر الرائق 2/ 210، رد المحتار 2/ 242.
أمن الفتنة (1) -، وهو رواية عند أحمد (2)
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 -
حيث إن عائشة رضي الله عنها قد فهمت دخول النساء في عموم الإذن في زيارة القبور؛ وهذا يدل على الإباحة.
ويجاب عن هذا بما يلي:
1 -
أن عائشة رضي الله عنها تأولت الحديث، وفهمت منه دخول النساء في الأمر، والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا في
(1) ينظر: المجموع 5/ 285، مغني المحتاج 2/ 57.
(2)
المغني 3/ 523، الإنصاف 2/ 561.
(3)
أخرجه الحاكم في الجنائز 1/ 532 رقم (1392)، والبيهقي في الجنائز، باب ما ورد في دخولهن في عموم قوله:(فزوروها) 4/ 131 رقم (7207)، وابن ماجه، مختصرا بلفظ: أرخص في زيارة القبور 1/ 500، رقم (1570) قال البوصيري في الزوائد: رجال إسناده ثقات؛ لأن بسطام بن مسلم وثقه ابن معين وأبو زرعة، وأبو داود وغيرهم، وباقي رجاله على شرط مسلم.
تأويل الراوي؛ لأن تأويل الراوي يكون مقبولا حين لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهنا قد عارضه أحاديث المنع (1)
2 -
أن عائشة رضي الله عنها قالت في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «لو شهدتك ما زرتك (2)» وهذا يدل على أنه من المعلوم عندها أن النساء لا يباح لهن زيارة القبور، وإلا لم يكن لقولها ذلك معنى (3)
3 -
أن في إنكار من أنكر الصحابة على عائشة رضي الله عنها دليلا على أن الصحابة حملوا الإذن للرجال على وجه الخصوص، وإذا تعارض الرأيان من الصحابة، فلا حجة في واحد على الآخر (4)
(1) ينظر: تهذيب السنن 9/ 61.
(2)
هذا جزء من حديث أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور 3/ 371، برقم (1055)، وعبد الرزاق من طريق أخرى في الجنائز، باب لا ينقل الرجل من حيث يموت 3/ 517، رقم (6535) قال المباركفوري: رجاله ثقات، إلا ابن جريج مدلس، ورواه عن عبد الله بن مليكة بالعنعنة، لكن قد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بالسماع، فزالت شبهة تدليسه. ينظر: تحفة الأحوذي 3/ 138.
(3)
ينظر: الفتاوى 24/ 345.
(4)
ينظر: إعلاء السنن 8/ 279.
4 -
أن عائشة رضي الله عنها إنما قدمت مكة للحج، فمرت على قبر أخيها عبد الرحمن في طريقها، فوقفت عليه، وهذا لا بأس به للنساء، إنما الخلاف في قصدهن الخروج لزيارة القبور (1)
2 -
قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها (2)»
حيث يدل ظاهر هذا الحديث بعمومه على جواز زيارة القبور للرجال والنساء؛ لأنه لم يستثن فيه رجلا ولا امرأة، ويجاب عن هذا بأن الخطاب في الحديث خاص بالرجال دون النساء؛ لأن اللفظ ورد بصيغة التذكير، وهو مختص (3) بالرجال بأصل الوضع، فلا يدخل فيه النساء.
ولو سلمنا بدخول النساء بطريق التبع والتغليب عن طريق العموم فلا يعارض الأدلة الخاصة الصريحة في نهي النساء من زيارة القبور.
3 -
«عن عائشة رضي الله عنها قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: " السلام على أهل الديار من المؤمنين
(1) ينظر: تهذيب السنن 9/ 61.
(2)
أخرجه الحاكم من طريقين في كتاب الجنائز 1/ 532، برقم (1393)، (1394)، وأحمد 3/ 237.
(3)
ينظر: الفتاوى 4/ 344، 353، 361.
والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (1)»
حيث إن تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها هذا الدعاء يدل على إباحة زيارة القبور للنساء (2)
ويجاب عن هذا: بأن الحديث لا يدل على إباحة الزيارة للنساء، وإنما يدل على مشروعية السلام على أهل القبور عند المرور بها دون قصد الزيارة.
4 -
حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على هذه المرأة جلوسها عند القبر،
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (7110).
(2)
ينظر: نيل الأوطار 4/ 166.
(3)
أخرجه البخاري في الجنائز، باب زيارة القبور 1/ 382، رقم (1283)، ومسلم في الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى 2/ 637 رقم (626).
وهذا إقرار منه صلى الله عليه وسلم (1)
ويجاب عن هذا الدليل: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقر تلك المرأة؛ وإنما أنكر عليها، وأمرها بتقوى الله، ومن ذلك النهي عن زيارة القبور للنساء.
الترجيح:
إذا أمعنا النظر فيما سبق من الأقوال، وما ورد عليها من مناقشات يظهر - والله أعلم - أن القول الراجح هو القول الأول، وهو أن زيارة القبور للنساء محرمة، وذلك للأسباب الآتية:
أولا: قوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المناقشة في الجملة.
ثانيا: أن أدلة الأقوال الأخرى، قد تمت الإجابة عليها.
ثالثا: أن القول بالتحريم يتمشى مع قواعد الشريعة العامة، ومع مصلحة الناس في العاجل والآجل.
رابعا: أن القول بالجواز قد يقبل في زمن أمن الفتنة والفساد، أما في زمن كثرة الفتن، والفساد، والابتداع، فلا يمكن أن يقبل بحال، وخاصة ما يحصل في هذه الأزمنة في بعض البلدان الإسلامية عند زيارة القبور، من البلاء، والفتن، والتبرج ما لا يرضاه دين، ولا يقره عقل، فالله المستعان.
(1) ينظر: فتح الباري 3/ 148.