الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: حكم السفر من أجل زيارة القبور:
إن مسألة السفر لأجل زيارة القبور مسألة مشهورة، كثرت حولها الردود والمناقشات، ونشأ الخلاف فيها في القرون المتأخرة بعد عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، وذلك على يد بعض المبتدعة من الرافضة ونحوهم.
وأول من وضع الأحاديث في السفر لزيارة القبور هم أهل البدع من الرافضة وغيرهم.
وسأبين خلاف العلماء في هذه المسألة فيما يلي:
اختلف العلماء في مسألة السفر لأجل زيارة القبور على قولين:
القول الأول: أن السفر لزيارة القبور لا يجوز مطلقا.
وقال بذلك بعض الحنفية (1) وهو قول مالك، وأكثر أصحابه (2) وقال به بعض الشافعية (3) وهو رواية عند الحنابلة (4) اختارها كبار
(1) ينظر: حجة الله البالغة 1/ 543.
(2)
ينظر: الصارم المنكي ص 18.
(3)
ينظر: شرح مسلم 9/ 106.
(4)
ينظر: الإنصاف 2/ 317، كشاف القناع 2/ 150.
الأئمة المحققين، كابن عقيل (1) وشيخ الإسلام ابن تيمية (2) وابن القيم (3) وابن عبد الهادي (4) والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من أئمة الدعوة (5)
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولا: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى (6)»
(1) ينظر: المغني 3/ 117.
(2)
ينظر: الفتاوى 27/ 162، 191.
(3)
ينظر: إغاثة اللهفان 1/ 171.
(4)
ينظر: الصارم المنكي ص 19 وما بعدها.
(5)
ينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص 354.
(6)
أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد بيت المقدس 1/ 355، رقم 1197، ومسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره 2/ 976 رقم (828).
حيث دل هذا الحديث على النهي عن السفر لغير المساجد الثلاثة، وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد، والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب (1)
ونوقش هذا الدليل: بأن هذا الحديث يحمل على نفي الفضيلة لا على التحريم، فيكون المقصود أن الفضيلة التامة، إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد الثلاثة، خاصة بخلاف غيرها فإنه جائز (2)
ويرد عليهم: بأن الحديث يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم، لا نفي الفضيلة فقط، ثم إن قولهم: إن هذا نفي للفضيلة، تسليم بأن هذا السفر إلى القبور ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة؛ لأن من اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وطاعة فقد خالف الإجماع (3)
ثانيا: أن السفر لأجل زيارة القبور لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولم يكن في عصر السلف الصالح.
(1) ينظر: الصارم المنكي ص 19.
(2)
ينظر: فتح الباري 3/ 65.
(3)
ينظر: الفتاوى 27/ 221.
فمن اعتقد أن ذلك عبادة، فهو مخالف للسنة والإجماع (1)
ثالثا: أن السفر لأجل زيارة قبور الأنبياء والصالحين، والتبرك بهم من عادات أهل الجاهلية، وهو وسيلة إلى الشرك فيحرم ذلك؛ سدا لذريعة الشرك، وحماية لحمى التوحيد (2)
القول الثاني: أن السفر إلى زيارة القبور جائز شرعا.
وقال بذلك طائفة من المتأخرين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (3) بل ذهب طائفة منهم إلى أن السفر لأجل ذلك أمر مستحب
(1) ينظر: الفتاوى 27/ 33.
(2)
ينظر: حجة الله البالغة 1/ 188.
(3)
ينظر: المغني 3/ 117، قال ابن قدامة: والصحيح إباحته، يعني السفر لزيارة القبور.
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولا: استدل أصحاب هذا القول بالأدلة السابقة التي تدل على استحباب الزيارة، ولم يفرقوا بين زيارة القبور مع السفر إليها، وبين الزيارة بدونها (1)
ويجاب عن ذلك: بأن هناك فرقا بين زيارة القبور، وبين السفر لأجل زيارة القبور؛ لأن السفر لأجل الزيارة عبادة زائدة.
وليس في هذه الأحاديث ما يدل عليها، بل جاء ما يدل على النهي عن السفر لأجل زيارة القبور (2)
ثانيا: استدلوا بأحاديث وآثار قالوا: إنها تدل على استحباب السفر لأجل زيارة القبور.
وهذه الأحاديث والآثار في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
أولا: الأحاديث المروية في ذلك، ومنها:
1 -
حديث: «من حج، فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني
(1) ينظر: المغني 3/ 118.
(2)
ينظر: الصارم المنكي ص 18، 30، 32.
في حياتي (1)»
2 -
وحديث: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني (2)»
3 -
وحديث: «من جاءني زائرا لا يعلم له حاجة إلا زيارتي، كان حقا علي أن أكون شفعيا له يوم القيامة (3)»
4 -
(1) أخرجه الدارقطني 2/ 278، والبيهقي في شعب الإيمان، باب المناسك 3/ 489، رقم (4154) من حديث ابن عمر. قال ابن عبد الهادي:" حديث منكر المتن، ساقط الإسناد. . . "، ينظر: الصارم المنكي ص 62، وقال البيروني: فيه حفص القارئ ضعيف الحديث، ورمي بالكذب، ينظر: أسنى المطالب ص 429، والفتاوى 27/ 217.
(2)
قال ابن عبد الهادي: هذا الحديث منكر جدا، لا أصل له، بل هو من المكذوبات والموضوعات، ولقد أصاب ابن الجوزي في ذكره في الموضوعات، ينظر: الصارم المنكي ص 87، كتاب الموضوعات لابن الجوزي 2/ 597.
(3)
أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر رضي الله عنه 12/ 225، رقم (13149)، قال ابن عبد الهادي، حديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، لا يصلح للاحتجاج به. الصارم المنكي ص 49.
(4)
أخرجه الدارقطني 2/ 278، والبيهقي في شعب الإيمان، باب المناسك 3/ 490، رقم (4159). وقال ابن عبد الهادي: هذا أمثل حديث ذكروه، وهو مع هذا حديث غير صحيح، ولا ثابت، بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن: الصارم المنكي ص 21، وانظر: تلخيص الحبير 2/ 334.
ويجاب عن هذه الأحاديث: بأنها ضعيفة واهية، بل بعضها موضوع فلا تصلح للاحتجاج بها لإثبات حكم شرعي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما نصه: " وكل حديث يروى في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ضعيف، بل موضوع " أ. هـ (1)
ولو سلمنا أن هذه الأحاديث صحيحة فليس فيها ما يدل على جواز السفر لزيارة القبور، فلا يستقيم الاستدلال بها؛ لأنها ليست في محل النزاع (2)
ثانيا: الآثار، ومنها:
1 -
أن عمر رضي الله عنه لما قدم إلى الشام، قال لكعب الأحبار: هل لك أن تسير معي إلى المدينة، وتزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتتمتع بزيارته؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك
2 -
ما روي عن بلال رضي الله عنه أنه سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
(1) الفتاوى 27/ 16، 29، وينظر: الصارم المنكي ص 21.
(2)
ينظر: الصارم المنكي ص 49.
ويجاب عن هذا: بأن هذه الآثار ضعيفة واهية لا يحتج بها؛ لأنها ليست ثابتة.
ولو سلمنا بثبوتها، فليست حجة في محل النزاع؛ لأن ما نقل عن عمر رضي الله عنه لا يدل على جواز السفر لزيارة القبور.
وأما الأثر عن بلال رضي الله عنه فليس فيه أنه قصد مجرد زيارة القبر، بل يحتمل أنه قصد زيارة المسجد، أو أنه قصدهما جميعا (1) والدليل إذا تطرق له الاحتمال سقط به الاستدلال.
الترجيح:
إذا أمعنا النظر - فيا سبق من الأقوال، وما ورد عليها من مناقشات يظهر - والله تعالى أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، وهو تحريم السفر لزيارة القبور، وذلك للأسباب التالية:
أولا: أن أدلة هذا القول أدلة صحيحة صريحة الدلالة في تحريم السفر لزيارة القبور.
ثانيا: أن أصحاب القول الثاني استدلوا بأدلة ضعيفة، لا تقوى على الاحتجاج بها.
ثالثا: أن القول بمشروعية السفر لزيارة القبور، وخاصة قبور
(1) ينظر: الصارم المنكي ص 241.