الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقي الدين رواية " (1).
قال في الإنصاف: " قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: هل يحرم النظر إلى وجه الأجنبية لغير حاجة، رواية عن الإمام أحمد يكره، ولا يحرم "(2).
قال في الفروع: " وجوز جماعة، وذكره شيخنا رواية نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة والمذهب لا "(3).
(1) انظر الإنصاف 8/ 27.
(2)
انظر الإنصاف 8/ 28.
(3)
الفروع ج 5 ص 110، المبدع في شرح المقنع ج 7 ص 10.
المطلب الثاني: ذكر أدلة كل قول مع المناقشة والترجيح
أولا: أدلة القول الأول:
وقد استدلوا على وجوب ستر وجه المرأة بالكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول:
أولا: أدلتهم من الكتاب:
الدليل الأول: قوله تعالى:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (1){وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2).
وقبل ذكر أوجه الاستدلال من هذه الآيات أنبه على أمرين:
الأول: ما هو المقصود بالزينة؟
الزينة: اسم جامع لكل ما يحبه الرجل من المرأة، ويدعوه للنظر إليها، سواء في ذلك الزينة الأصلية، أو المكتسبة التي هي كل شيء تحدثه في بدنها تجملا وتزينا. وأما الزينة الأصلية: فإنها هي الثابتة كالوجه والشعر، وما كان من مواضع الزينة: كاليدين، والرجلين، والنحر، وما إلى ذلك، قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة. فالخلقية: وجهها، فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة. وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاول المرأة في تحسين خلقتها به، كالثياب، والحلي، والكحل، والخضاب. أهـ (3).
(1) سورة النور الآية 30
(2)
سورة النور الآية 31
(3)
انظر تفسير القرطبي ج 12 / ص 229.
الثاني: لقد ذكر الله سبحانه وتعالى الزينة في آيتين:
الآية الأولى: وهي ما جاء في قوله سبحانه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1).
والآية الثانية: وهي قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} (2).
فالآية الأولى تبين الزينة التي يجوز للمرأة إظهارها إذا كانت خارج بيتها، أو في مكان تتعرض فيه لرؤية الأجانب بدليل:
1 -
تفسير ابن مسعود رضي الله عنه.
2 -
وبدليل الآية بعدها: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (3) الآية.
وفي الآية الثانية بيان الذين يجوز للمرأة أن تبدي زينتها لهم:
1 -
ففي الآية الأولى استثنى الزينة المبداة.
2 -
وفي الآية الثانية استثنى من تبدى لهم الزينة.
ففي هاتين الآيتين دليل على وجوب تغطية الوجه من وجوه عدة:
الوجه الأول:
في الآية الأولى: أنه سبحانه وتعالى قد أمر المؤمنات بحفظ فروجهن، والأمر بحفظ الفرج أمر به، وبما يكون وسيلة إليه، ولا يرتاب عاقل بأن من وسائل حفظ الفرج تغطية الوجه؛ لأن كشفه
(1) سورة النور الآية 31
(2)
سورة النور الآية 31
(3)
سورة النور الآية 31
سبب للنظر إليها، وتأمل محاسنها، والتلذذ بذلك، وبالتالي إلى الوصول والاتصال، وفي الصحيحين، أن زنى العينين النظر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإذا كانت تغطية الوجه، من وسائل حفظ الفرج كان غطاء الوجه مأمورا به؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
الوجه الثاني:
وجه الاستدلال الأول من الآية الثانية: أنه قد نهى عن إبداء الزينة، فقوله سبحانه:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1) يستدل بها على تحريم كشف الوجه من أوجه عدة منها:
الأول: أنه قد نهى عن إبداء الزينة، ثم استثنى ما ظهر من الزينة، فهذه الزينة التي في الآية تشمل الزينة الباطنة، والزينة الظاهرة، وقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه بأن المستثنى من النهي هو زينة الثياب، أي لا يبدين زينتهن (الباطنة والظاهرة) إلا ما ظهر من الثياب التي يلبسنها، بغير إرادة منهن (2)؛ لأن المرأة وإن لبست العباءة، فقد يظهر بعض
(1) سورة النور الآية 31
(2)
انظر تفسير ابن كثير ج 3 / ص 284، تفسير ابن أبي حاتم ج 8 ص 2567.
ثوبها من هنا أو هناك، فهذا معفو عنه إن كان بغير قصد، فإذا كان قد نهى عن إبداء زينة الثياب رغم كونها أبعد ما يكون عن إثارة الفتنة، فإن نهيه لما يكون أعظم فتنة، وهو الوجه يكون من باب أولى وأحرى.
الثاني: أن قوله في الآية التي تليها: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (1) دليل على أن الزينة المستثناة في الآية السابقة: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (2) هي ظاهر الثياب، وأن الوجه من الزينة التي لا يجوز للمرأة أن تبديها لما يلي:
أولا: أن الجيب هو الجزء الذي يلي النحر، فهي مأمورة بإسدال الخمار على جيبها حتى تغطي نحرها، والجزء الذي يليه من صدرها؛ لأن الثوب الذي تقوم بلبسه المرأة في الغالب لا يغطي ذلك الجزء، فالأمر بإسدال الخمار على الجيب من أجل ستر النحر وما يليه أمر بتغطية الوجه، بل وأولى؛ لأن الوجه هو موضع الفتنة، وموضع الجمال، فهل يعقل أن يكون الأمر مقتصرا على تغطية ما هو أقل فتنة، وهو النحر، والشعر، وترك الوجه، وهو أصل الفتنة في المرأة كلها؟ فالقول بهذا فيه نسبة القرآن للتناقض، وحاشا كلام الله عن ذلك.
الثاني: أن في قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (3) دليلا صريحا في إدناء الخمار من الرأس إلى الصدر. والوجه داخل في
(1) سورة النور الآية 31
(2)
سورة النور الآية 31
(3)
سورة النور الآية 31
ذلك؛ لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلا وشرعا وعرفا، ولا يوجد أي دليل يدل على إخراج الوجه من مسمى الرأس في لغة العرب، كما لم يأت نص على إخراجه، أو استثنائه بمنطوق القرآن والسنة، ولا بمفهومهما، واستثناء الوجه من عموم التخمير مردود بالمفهوم الشرعي واللغوي، ومدفوع بأقوال بقية علماء السلف والخلف، كما هو مردود بقاعدتين أوضحهما علماء الأصول ومصطلح الحديث، إحداهما: أن حجة الإثبات مقدمة على حجة النفي. والثانية: أنه إذا تعارض مبيح وحاظر قدم الحاظر على المبيح، ولما كان الله سبحانه وتعالى يعلم ما في المرأة من وسائل الفتنة المتعددة للرجل، أمرها بستر هذه الوسائل، حتى لا تكون سببا للفتنة، فيطمع بها الذي في قلبه مرض.
الثالث: ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: شققن مروطهن فاختمرن بها (2)» قال ابن حجر - رحمه الله تعالى - في فتح الباري: " قوله: فاختمرن: أي غطين وجوههن " اهـ (3).
(1) صحيح البخاري ج 4، ص 1782، ح 4480، باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن.
(2)
سورة النور الآية 31 (1){وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}
(3)
انظر: فتح الباري ج 8 / ص 490.
الرابع: أن الخمار، ليس هو غطاء الرأس فقط، كما يظن البعض، بل هو بحسبه، فإن خمرت الرأس فهو غطاء للرأس، وإن خمرت الوجه فهو غطاء الوجه، وفي ذلك ما يلي:
1 -
الحديث المتقدم لعائشة رضي الله عنها.
2 -
ما جاء في صحيح مسلم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: " في قصة الرجل الذي وقصته ناقته، وهو محرم فمات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (1)» فقوله: «لا تخمروا رأسه ولا وجهه (2)» ، دليل على أن الخمار يكون للرأس، ويكون للوجه أيضا، وقد تقدم حديث:«خمروا الإناء (3)» في بداية هذا البحث.
3 -
وهو من أبين الأدلة وأوضحها من السنة على وجوب تغطية الوجه - ما جاء في الصحيحين في قصة الإفك، قول عائشة رضي الله عنها تقول: «فجئت منازلهم، وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني
(1) صحيح مسلم ج 2 / ص 866 / ح 1206 / باب ما يفعل بالمحرم إذا مات.
(2)
صحيح البخاري الجنائز (1268، 1268)، صحيح مسلم الحج (1206، 1206)، سنن الترمذي الحج (951، 951)، سنن النسائي مناسك الحج (2858، 2858)، سنن أبي داود الجنائز (3241، 3241)، سنن ابن ماجه المناسك (3084، 3084)، مسند أحمد (1/ 346، 1/ 346)، سنن الدارمي المناسك (1852، 1852).
(3)
صحيح البخاري بدء الخلق (3280، 3280)، صحيح مسلم الأشربة (2012، 2012)، سنن الترمذي الأطعمة (1812، 1812)، مسند أحمد (3/ 386، 3/ 386)، موطأ مالك الجامع (1727، 1727).
عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي (1)» الحديث، فدل قولها ذلك، على أن الخمار يغطى به الوجه، وأن تغطية الوجه واجبة.
الوجه الثالث:
وجه الاستدلال الثاني من الآية الثانية: قوله سبحانه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} (2).
فالمقصود بالزينة في هذه الآية ما تظهر به المرأة عادة في بيتها كالوجه، واليدين، ويشمل أيضا الزينة المكتسبة، كالكحل، والقرط، والخاتم ونحو ذلك؛ لأنه لا يجوز لأحد من هؤلاء المذكورين في
(1) من حديث عائشة رضي الله عنها، صحيح البخاري ج 4 ص 1517 ح 3910 باب حديث الإفك، صحيح مسلم ج 4 / ص 2129 / ح 2770 / باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف.
(2)
سورة النور الآية 31
هذه الآية النظر للمرأة، وهي لابسة ثيابا تكشف عورتها، حتى لو كانت هذه المرأة ابنته، أو أخته، إلا الزوج الذي ذكر في أول الآية، فإنه يجوز له ذلك بأدلة أخرى، وجميع من رخص لهم بالنظر لهذه الزينة الباطنة في هذه الآية، هم من المحارم للمرأة، أو من الأطفال، أو من الذين ليس لديهم رغبة في النساء لمرض أو كبر.
فوجه الاستدلال: فإذا كان قد خص هؤلاء المذكورين في الآية برؤية الزينة الباطنة، وهي ما تظهر به المرأة عادة في بيتها، دل على أن غيرهم ممنوع، من النظر لتلك الزينة، ولا يشك أحد في أن أعظم زينة باطنة في المرأة هي الوجه، فهو مجمع الحسن، ومحط الفتنة، ولا يمكن منع تلك الزينة من الرجال الأجانب إلا بحجاب الوجه، فدل على وجوب تغطيته.
ويشهد لذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بزوجته صفية عندما حجبها وبعد نزول هذه الآية، وآية الأحزاب من قوله تعالى:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (1). فقد قام أمهات المؤمنين، والنساء المؤمنات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالستر الكامل بالخمر والجلابيب، وكانت النساء قبل ذلك يسفرن عن وجوههن وأيديهن حتى نزلت آيات الحجاب.
(فإذا كن مأمورات بالجلباب؛ لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب [دل ذلك على أن] الوجه واليدين من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة)(2).
الوجه الرابع:
وجه الاستدلال الثالث من الآية الثانية: قوله سبحانه في آخر الآية: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} (3)، والمقصود بذلك ما يتحلى به في الأرجل كالخلخال ونحوه، فإذا كان صوت الخلخال يعد بريدا إلى الفتنة، فكيف بالوجه الذي يحكي الجمال والشباب والنضارة؟ وصوت الخلخال يصدر من الفتاة، ومن العجوز، ومن الجميلة، ومن الدميمة، أما الوجه فهو لا يحتمل إلا
(1) سورة الأحزاب الآية 59
(2)
كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 22، ص 110 - 111.
(3)
سورة النور الآية 31
صورة واحدة.
فوجه الاستدلال: أيهما أعظم فتنة؟ أن يسمع الرجل خلخالا بقدم امرأة لا يدري ما هي، وما جمالها؟ وهل هي شابة أم عجوز؟ ولا يدري أشوهاء أم حسناء؟ أيهما أعظم فتنة؟ هذا؟ أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل، ممتلئ شبابا ونضارة، وحسنا وجمالا وتجميلا، فهل يعقل أن ينهى عن كشف الوجه؟.
بل حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " (2)» فإذا كان هذا في القدم، فالوجه أكثر فتنة، والحكمة والنظر تأبيان ستر ما هو أقل فتنة كالقدم، وصوت الخلخال، والترخيص في كشف ما هو أعظم فتنة وهو الوجه.
(1) سنن النسائي (المجتبى) ج 8 ص 209 ح 5336، سنن الترمذي ج 4 ص 223، ح 1731، وقال:" حسن صحيح ".
(2)
(1) فقالت أم سلمة رضي الله عنها: " فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن قال: ترخيه ذراعا لا تزدن عنه
الدليل الثاني من الكتاب:
ما خوطب به أمهات المؤمنين، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} (1)، ويستدل بهذه الآية على وجوب ستر الوجه من وجهين:
الوجه الأول: أن في قوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (2) الآية نصا واضحا في وجوب تحجب النساء عن الرجال، وتسترهن منهم، ولم يستثن من المرأة شيئا، لا الوجه ولا غيره، فهي جميعها من وراء حجاب، وهي آية محكمة؛ فوجب الأخذ بها، والتعويل عليها، وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين، قال القرطبي رحمه الله تعالى: " ويدخل في هذه الآية جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة. . . فلا يجوز كشف ذلك إلا
(1) سورة الأحزاب الآية 53
(2)
سورة الأحزاب الآية 53
لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها " (1).
الوجه الثاني:
أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أمهات المؤمنين، رغم جلالة قدرهن، وكونهن أبعد من كل شبهة ومع ذلك أمرن بأن يكون الحديث مع الأجانب من وراء حجاب، وعلل ذلك بأنه أطهر لقلوبهن، فما بالك بالنساء الأخريات؟
وإذا كان الرجال وهم من خير القرون، ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أمروا بعدم الحديث مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم، رغم كونهم وكونهن أبعد من كل شبهة إلا من وراء حجاب، وعلل ذلك بأنه أطهر لقلوبهم، فما بالك برجال هذا الزمان؟
لا شك أن الأمر بذلك في حقهم أولى، وأشد وجوبا من أمهات المؤمنين الطاهرات، ومن الصحابة الأخيار رضي الله عنهم أجمعين.
الدليل الثالث من الكتاب:
قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (2).
(1) انظر: تفسير القرطبي ج 14 ص 227.
(2)
سورة الأحزاب الآية 59
ويستدل بهذه الآية على وجوب ستر الوجه من وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} (1) يدل على تخصيص الوجه؛ لأن الوجه عنوان المعرفة، فهو نص على وجوب ستر الوجه.
الوجه الثاني: وقوله تعالى: {فَلَا يُؤْذَيْنَ} (2) نص على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاء لها ولغيرها بالفتنة والشر، فلذلك حرم الله تعالى عليها أن تخرج من بدنها ما تعرف به محاسنها أيا كانت، ولو لم يكن من الأدلة الشرعية على منع كشف الوجه إلا هذا النص منه سبحانه وتعالى لكان كافيا في وجوب الحجاب، وستر مفاتن المرأة ومن جملتها وجهها، وهو أعظمها؛ لأن الوجه هو الذي تعرف به، وهو الذي يجلب الفتنة.
ولأنها إذا كانت قد خرجت مبدية زينتها فهي تعرض نفسها للإيذاء من قبل الفساق، فإذا كانت متحجبة فإن ذلك كفيل ببعدها عن الأذى، وهذا واقع مشاهد، فإن المتبرجة كأنما هي بتبرجها تدعو الناس إليها، بخلاف تلك المتحجبة الحجاب الشرعي الساتر فإنها تورث هيبة وحياء واحتراما، حتى من قبل الفساق.
الوجه الثالث: وقوله: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} (3).
(1) سورة الأحزاب الآية 59
(2)
سورة الأحزاب الآية 59
(3)
سورة الأحزاب الآية 59
فإدناء الجلباب يعني: سدله وإرخاءه على جميع بدنها، بما في ذلك وجهها، وهذا هو ما فسره به ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكره ابن كثير عنه حيث قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة، وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} (1) فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى " (2).
وكذلك نقل القرطبي في تفسيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما في صفة إدناء الجلباب قال:" أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها "(3).
وأما دليل السنة، فهو ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أم عطية رضي الله عنها " قالت:«أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور؛ فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن، قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها (4)»
(1) سورة الأحزاب الآية 59
(2)
تفسير ابن كثير ج 3 ص 519.
(3)
تفسير القرطبي ج 14 ص 243.
(4)
صحيح البخاري ج 1 ص 139، ح 344، باب وجوب الصلاة في الثياب، صحيح مسلم ج 2 ص 606، ح 890، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى، وشهود الخطبة مفارقات للرجال.