الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد أورد ابن القيم رحمه الله في ذلك بعض الأخبار والمنامات (1)
ويجاب عن ذلك: بأن هذا القول لا دليل عليه سوى بعض الأخبار والمنامات، ومثل هذا لا يصح لإثبات الأحكام الشرعية، والذي ورد في السنة أن الميت يعلم بزائره متى جاءه لا يختص ذلك بوقت معين (2)
(1) ينظر: زاد الميعاد 1/ 415، 416.
(2)
ينظر: الاستذكار 2/ 165.
المبحث العاشر: صفة الزيارة الشرعية:
لقد بينا - سابقا - أن زيارة القبور للرجال أمر مستحب، وهذه الزيارة المشروعة يقصد بها ما يلي:
أولا: تذكر الآخرة، والاعتبار، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله:«زوروا القبور؛ فإنها تذكر الآخرة (1)»
ثانيا: الإحسان إلى الميت بالدعاء له بالمغفرة والرحمة، وسؤال العافية.
ثالثا: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند حدود الشرع.
(1) أخرجه الحاكم من طريقين في كتاب الجنائز 1/ 532، برقم (1393)، (1394)، وأحمد 3/ 237.
أما ما يتعلق بصفة الزيارة ففيها عدة أحكام منها:
أولا: السلام على أهل القبور، والدعاء لهم عند الزيارة، أو المرور بها.
اتفق الفقهاء على مشروعية السلام على أهل القبور، والدعاء لهم عند زيارة المقابر، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 -
عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام على أهل الديار، وفي رواية: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية. وفي رواية " أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية (1)»
2 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء
(1) أخرجه مسلم في الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها 2/ 671 رقم (975).
الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (1)»
3 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة، فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. . . (2)» الحديث
وذهب جمهور الفقهاء (3) كذلك إلى مشروعية هذا السلام، والدعاء عند المرور بالمقابر، ويدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:«مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن الأثر (4)»
أما إذا كانت المقابر - مستورة - كما هو الحال في كثير من البلاد الإسلامية، فإن المار يسلم على أهلها، ولو من وراء السور؛ لأن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، ولأن عامة المسلمين يسلمون على
(1) أخرجه مسلم في الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، والدعاء لأهلها 2/ 669، برقم (9740).
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل 1/ 216، رقم (249).
(3)
ينظر: التاج والإكليل 2/ 237، المجموع 5/ 286، المغني 3/ 517.
(4)
أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما يقول إذا دخل المقابر 3/ 369 رقم (1053)، قال الترمذي:" حديث ابن عباس حديث حسن غريب "، والحديث له شواهد كثيرة، فيتضح تحسين الترمذي له، والله أعلم.
النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من خارج الحجرة، وهم لا يشاهدون قبورهم.
فالمقصود من ذلك السلام، والدعاء للأموات بالرحمة والمغفرة، وهذا حاصل بإذن الله، والله أعلم.
ثانيا: أن يكون حال الزيارة قائما:
اختلف العلماء في الزائر، هل يستحب له القيام، أم يكون مخيرا بينه وبين الجلوس، على قولين:
القول الأول: أن الأفضل للزائر أن يكون حال الزيارة والدعاء قائما، وقال بذلك فقهاء الحنفية (1) والشافعية (2) وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (3)
واستدل أصحاب هذا القول بأن القيام في زيارة القبور هو الوارد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ بدليل حديث عائشة رضي الله عنها الطويل قالت: ". . . «ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات (4)». . . " الحديث.
القول الثاني: أن الزائر للقبور مخير بين القيام والجلوس،
(1) ينظر: فتح القدير 2/ 150.
(2)
ينظر: المجموع 5/ 286.
(3)
ينظر: الإنصاف 2/ 562.
(4)
أخرجه مسلم في الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، والدعاء لأهلها 2/ 669، برقم (9740).
وهذا قول في مذهب المالكية (1) والشافعية (2) وهو رواية في مذهب الحنابلة (3)
وقاسوا ذلك على زيارة الرجل أخاه في الحياة، فلربما جلس عنده، وربما زاره قائما.
والأقرب للصواب هو القول الأول، لما ذكروه من الدليل؛ ولأن القيام عند القبر قد روي عن جماعة من السلف، فينبغي الوقوف عند الوارد في السنة والأثر (4)
ثالثا: أن يكون قريبا من القبر.
يشرع للزائر أن يدنو من قبر الميت، وقال بذلك فقهاء الحنفية (5) والشافعية (6) والحنابلة (7)
ولم أقف على دليل، أو مستند لهذا القول، والصواب أن المشروع هو الوقوف عند القبر، والسلام على صاحبه، والدعاء له - كما سبق -
(1) ينظر: مواهب الجليل 2/ 237.
(2)
ينظر: المجموع 5/ 286.
(3)
ينظر: الإنصاف 2/ 562.
(4)
ينظر: المجموع 4/ 285.
(5)
ينظر: رد المحتار 2/ 242.
(6)
ينظر: روضة الطالبين 1/ 657.
(7)
ينظر: الإنصاف 2/ 562.
والله أعلم.
رابعا: أن الزائر يستقبل القبور حال السلام على أهلها والدعاء لهم.
وقال بذلك جمهور الفقهاء (1) رحمهم الله.
وفي مذهب أبي حنيفة قولان، الأول: مثل قول الجمهور، والثاني: أن السنة أن يقف الزائر مستقبل القبلة
والذي يظهر أن قول الجمهور هو الأقرب للصواب، بدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم:«حين مر بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه (2)» . . . " الحديث.
فهذا الحديث يدل على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت، وكذلك حال الدعاء (3)
وقد ذكر بعض الفقهاء: أن الأولى أن يأتي الزائر من قبل رجل الميت، لا من قبل رأسه، وعللوا ذلك بأنه أيسر لبصر الميت (4)
والذي يظهر أن الأمر في ذلك واسع، وما ذكروه لا دليل عليه من
(1) ينظر: مواهب الجليل 2/ 237، مغني المحتاج 2/ 57، المغني 5/ 466.
(2)
أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما يقول إذا دخل المقابر 3/ 369 رقم (1053)، قال الترمذي:" حديث ابن عباس حديث حسن غريب "، والحديث له شواهد كثيرة، فيتضح تحسين الترمذي له، والله أعلم.
(3)
ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 4/ 253.
(4)
ينظر: رد المحتار 2/ 242.