الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا (1)»
وجه الاستدلال: أن أمره بالنظر إلى عيونها أمر بالنظر إلى وجهها، ولذا بوب الإمام النووي على هذا الحديث فقال: باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، وندبه للنظر إلى وجهها في حال الخطبة، إشارة إلى أن تغطية الوجه أصل معروف عندهم، فلو لم يلتزم الناس بالحجاب لما كان لهذا معنى.
(1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، صحيح مسلم [جزء 2 - صفحة 1040]، ح 1424.
ثالثا: دليل الإجماع على وجوب ستر وجه المرأة مطلقا
، ويؤخذ الإجماع على ذلك من مواضع:
الموضع الأول: إجماعهم المتقدم على وجوب ستر الوجه إذا لم تؤمن الفتنة، وهذا يدل على وجوب ستر الوجه مطلقا بالإجماع، لما يلي:
أن التقييد بانتفاء الفتنة، مع كشف الوجه لا يمكن وجوده عند التحقيق؛ لأن المرأة أصل كل فتنة، فهي أشد فتن الرجال، بل ليس هناك أعظم فتنة منها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من
النساء (1)» وقال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء (2)» فالافتتان بها واقع على كل حال، وكشف الوجه يزيدها فتنة.
إن الكثير من العلماء قد نصوا على منع المرأة من الخروج، أو كشف الوجه عند فساد الزمان، ومن نصوصهم في ذلك:
قال ابن رشد: تحقيق القول في هذه المسألة عندي أن النساء أربع: عجوز انقطعت حاجة الرجال منها، فهذه كالرجل فتخرج للمسجد وللفرض ولمجالس العلم والذكر، وتخرج للصحراء في العيد والاستسقاء، ولجنازة أهلها وأقاربها، ولقضاء حوائجها.
ومتجالة (3) لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة، فهذه تخرج للمسجد للفرائض، ومجالس العلم والذكر، ولا تكثر التردد في قضاء حوائجها، أي: يكره لها ذلك، كما قال في الراوية.
وشابة غير فارهة في
(1) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، صحيح البخاري ج 5، ص 1959، ح 4808، باب ما يتقى من شؤم المرأة، وقوله تعالى: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم، صحيح مسلم ج 4، ص 2097، ح 2740، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء.
(2)
من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، صحيح مسلم ج 14، ص 2098، ح 2742 باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء.
(3)
قال في الثمر الداني شرح رسالة القيرواني ج 1، ص 660:" أي التي لا أرب فيها للرجال ".
الشباب والنجابة تخرج للمسجد لصلاة الفرض جماعة، وفي جنائز أهلها وأقاربها، ولا تخرج لعيد ولا استسقاء ولا لمجالس الذكر، أو علم.
وشابة فارهة في الشباب والنجابة، فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلا " (1).
قال في عمدة القاري. . قال صاحب الهداية: ويكره لهن حضور الجماعات. . . قال أصحابنا: لأن في خروجهن خوف الفتنة، وهو سبب للحرام، وما يفضي إلى الحرام فهو حرام، فعلى هذا قولهم: يكره مرادهم يحرم لا سيما في هذا الزمان؛ لشيوع الفساد في أهله، قوله: ما أحدث النساء. . قلت: لو شاهدت عائشة رضي الله تعالى عنها ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات لكانت أشد إنكارا. . على أن نساء ذلك الزمان ما أحدثن جزء من ألف جزء مما أحدثت نساء هذا الزمان " اهـ (2).
قلت: رحمك الله فكيف لو رأيت نساء هذا الزمان؟
وقال في موضع آخر: " وفيه استحباب خروج النساء إلى شهود العيدين، سواء كن شواب، أو ذوات هيئات أم لا. قلت: في هذا الزمان لا يفتى به؛ لظهور الفساد، وعدم الأمن، مع أن جماعة من السلف
(1) بلغة السالك ج 1، ص 294.
(2)
انظر عمدة القاري ج 6، ص 156 - 158.
منعوا ذلك، وهم عروة، والقاسم، ويحيى الأنصاري، ومالك، وأبو حنيفة في رواية، وأبو يوسف، ومنع الشافعية ذوات الهيئات والمستحسنات؛ لغلبة الفتنة، وكذلك الثوري منع خروجهن اليوم " (1).
وقال في الفواكه الدواني: " وأقول الذي يقتضيه الشرع: وجوب سترها وجهها في هذا الزمان لا لأنه عورة، وإنما ذلك لما تعورف عند أهل هذا الزمان الفاسد أن كشف المرأة وجهها يؤدي إلى تطرق الألسنة إلى قذفها، وحفظ الأعراض واجب كحفظ الأديان والأنساب "(2).
قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: " قال ابن رسلان (3) وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع، أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية، والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء
(1) عمدة القاري ج 6، ص 303 - 304.
(2)
الفواكه الدواني ج 2 ص 214.
(3)
تقدمت ترجمته وهو المعروف بالبلقيني.
أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق " (1).
قال الغزالي رحمه الله: " الخلوة بالأجنبية، والنظر إلى وجهها حرام، سواء خيفت الفتنة أم لم تخف؛ لأنها مظنة الفتنة على الجملة، فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات إلى الصور "(2).
الموضع الثاني: إجماعهم المتقدم بأنه لا يجوز للمرأة أن تكشف الوجه والكفين إذا علمت أن من حولها قد ينظر لها النظر المحرم الذي نهى الله عنه بأن يتبع النظرة النظرة؛ لأنها لا تستطيع أن تزيل هذا المنكر إلا بحجب وجهها عنه، وهذا القول منهم يقتضي القول بوجوب تغطية وجه المرأة، ولا بد لثلاثة وجوه:
الأول: لأن عدم تغطية الوجه وسيلة للنظر إليه، والوسائل لها أحكام المقاصد.
الثاني: ولأنهم قد عللوا المنع بكون ذلك يؤدي إلى الافتتان بها كما تقدم.
الثالث: أن كشف وجه المرأة مظنة لأن ينظر إليه بشهوة، فلا تملك منع ذلك إلا بستر وجهها.
الموضع الثالث: الإجماع العملي الذي نقله العلماء على أن
(1) نيل الأوطار ج 6 ص 236.
(2)
إحياء علوم الدين ج 2 ص 281.
الأصل في المرأة هو تغطية الوجه، وقد حكى ذلك جمع من الأئمة " (1)
ومن ذلك: قال في عمدة القاري: " ويؤيد قول من قال بالجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب؛ لئلا تراهم النساء، فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين "(2).
وقال في فتح الباري: ويقوي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب؛ لئلا يراهم النساء " (3).
وقال الغزالي: " لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات "(4).
ومن ذلك ما ذكروه في مسألة إحرام المرأة: قال ابن قدامة في المغني: ". . إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها. . . ولا نعلم
(1) انظر حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد ص 33 - 34.
(2)
عمدة القاري ج 20 ص 217.
(3)
فتح الباري ج 9 ص 337.
(4)
إحياء علوم الدين ج 2 ص 47.
فيه خلافا ".
وقال في " بداية المجتهد ": وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها، وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها " (1).
وقال في الاستذكار: " وأجمعوا أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها وهي محرمة، وأن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا به تستتر به عن نظر الرجل إليها "(2).
قال في فتح الباري: " ولم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين "(3)
وقال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد: " فإن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) انظر بداية المجتهد ج 1 ص 239.
(2)
الاستذكار ج 4 ص 14 - 15.
(3)
فتح الباري ج 4 ص 54.
لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة، كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل، ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة، بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء، وأسافله بالإزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يزاد على موجب النص، ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارا، فأي نص اقتضى هذا، أو مفهوم، أو عموم، أو قياس، أو مصلحة؟.
بل وجه المرأة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره، كالنقاب والبرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب، فلم ينه عنه البتة، ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق، وقول من قال من السلف: إحرام المرأة في وجهها، إنما أراد به هذا المعنى، أي: لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قدر أنه أراد وجوب كشفه، فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك،
وأرادوا به وجوب كشف الوجه، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين " (1).
فيؤخذ من هذا ونحوه أن علماء الإسلام قد أجمعوا على كشف المرأة وجهها في الإحرام، وأجمعوا على أنه يجب عليها ستره بحضور الرجال، فحيث كان كشف الوجه في الإحرام واجبا فستره في غيره أوجب.
الموضع الرابع: أن العلماء قد اتفقوا على وجوب تغطية وجه المرأة إذا كانت جميلة خشية الفتنة، كما تقتضيه نصوصهم المتقدمة، وهذا يلزم منه تغطية وجه المرأة، سواء كانت جميلة أو لا؛ للوجوه التالية:
أولا: من المعلوم أن الجمال أمر نسبي بين الرجال، فما يكون جميلا عند بعضهم قد يكون قبيحا عند البعض الآخر، والعكس صحيح.
ثانيا: أن تخصيص الجميلة بالغطاء دون غيرها فيه دعوة إلى النظر إليها.
ثالثا: أن من كان عنده ابنتان، إحداهما جميلة، والأخرى قبيحة، فهل يسوغ تغطية إحداهما دون الأخرى؟ وكيف يتم إقناعهما بذلك؟.
(1) بدائع الفوائد 3/ 664.
الموضع الخامس: يؤخذ من قول أحد العلماء المعاصرين ممن يرى جواز كشف الوجه للمرأة، وهو الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني رحمه الله فقد اشترط للأخذ بهذا القول شرطا ينفي وجود الخلاف في وجوب ستر وجه المرأة في مثل هذا العصر، فقد قال - رحمه الله تعالى - ما نصه (. . . . ولكن ينبغي تقييد هذا إذا لم يكن على الوجه، وكذا الكفين شيء من الزينة؛ لعموم الآية: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} (1) وإلا وجب ستر ذلك، لا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم، بل عاقل ذو غيرة في تحريمه) اهـ (2).
قلت: وهذا القيد يدل على الإجماع على وجوب ستر وجه المرأة لثلاثة أمور:
الأول: أن هذا القيد ممتنع التطبيق في الواقع، فيندر جدا أن تنعدم الزينة من وجه المرأة أو من كفيها.
الثاني: أن هذا القيد ليس له معنى؛ لأن الفتنة حاصلة بالوجه إذا كان جميلا، ولو لم يكن عليه زينة.
الثالث: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " الأصل أن كل
(1) سورة النور الآية 31
(2)
انظر جلباب المرأة المسلمة 1/ 89 / المكتبة الإسلامية - المطبعة الأولى - 1413 هـ.