الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا مناص من الأخذ به لمن أراد الحق بدليله. والله تعالى أعلم.
المطلب الثالث: سبب الخلاف عند العلماء المتأخرين
.
أولا: الخلط بين مسألتين: عورة المرأة في الصلاة، وعورتها خارج الصلاة.
من أهم أسباب الخلاف في هذه المسألة أن بعض العلماء من المتقدمين والمتأخرين، نقلوا الاصطلاح - الذي تداوله العلماء في باب سترة العورة في الصلاة بأن:" المرأة عورة إلا الوجه والكفين " - إلى خارج الصلاة، وهو يخالف نصوص العلماء الذين نقلوا بأن تغطية الوجه عن الرجال الأجانب هي الأصل المجمع عليه عندهم كما تقدم. وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: ". . فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين هو العورة. . وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم أنزل الله عز وجل آية الحجاب. . فإذا كن مأمورات بالجلباب؛ لئلا يعرفن وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب
كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين " (1).
وقال ابن القيم رحمه الله في بيان الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة: وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع. . . وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك. . فهذا غلط محض على الشريعة، وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولهم: إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبا كالبطن والظهر والساق، فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر؛ فإن العورة عورتان: عورة في النظر، وعورة في الصلاة، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك " (2).
ثانيا: نصوص العلماء المتضاربة في نسبة الأقوال ومن ذلك:
قول ابن عبد البر رحمه الله " واختلف العلماء في تأويل
(1) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 22 ص 109 - 111.
(2)
انظر أعلام الموقعين 2/ 80.
قول الله عز وجل: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1)، فروي عن ابن عمر، وابن عباس في قوله:({إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (2)) قال: الوجه والكفان، وروي عن ابن مسعود أنه قال: البنان والقرط والدملج، وروي عنه أيضا أنه قال: الخلخال، والخاتم، والقلادة.
واختلف التابعون في ذلك على هذين القولين، وعلى قول ابن عباس، وابن عمر جماعة الفقهاء " (3)
وقال أيضا: " الحرة عورة [مجتمع على ذلك منها]، إلا وجهها وكفيها "(4).
وقال شيخ الإسلام. . والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود، ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم، وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقول في مذهب أحمد، وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها، وهو قول مالك " (5).
(1) سورة النور الآية 31
(2)
سورة النور الآية 31
(3)
الاستذكار ج 2 ص 201 - 202.
(4)
الاستذكار ج 6 ص 254.
(5)
كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 22، ص 109 - 110.
قال الألباني رحمه الله: " إن تتبعنا الآيات القرآنية، والسنة المحمدية، والآثار السلفية في هذا الموضوع الهام قد بين لنا أن المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن تستر جميع بدنها، وأن لا تظهر شيئا من زينتها حاشا وجهها وكفيها "(1)
وقد حررت فيما تقدم أقوال العلماء في ذلك، ونقلت نصوصهم الدالة على اتفاقهم على وجوب تغطية وجه المرأة مطلقا، وبينت بأن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لم يثبت عنه، بل قد ثبت عنه خلاف ذلك.
ثالثا: الأخذ بمفهوم الحديث في نهي المحرمة أن تنتقب: جواز كشف الوجه مطلقا، وقياس وجه المرأة على رأس الرجل في الإحرام، فيجوز كشفه إذا لم تكن محرمة. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في بيان ذلك، والإجابة عنه وهذا المفهوم معارض بمنطوق الآيات والأحاديث المتقدمة، الدالة بالنص الصريح والصحيح على وجوب ستر وجه المرأة.
(1) جلباب المرأة المسلمة 1/ 37.