الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نموذج آخر من تراجم الشعراء
الشيخ حسين العشاري
تتمة
وله من قصيدة في الإمام علي حينما زار قبره سنة 1185 وذكر المنازل التي قطعها من بغداد إلى النجف:
إليك توجهنا فلاحت لنا البشرى
…
وتمت لنا الدنيا بجاهك والأخرى!
حبسنا على حر الهجير نفوسنا
…
لأنا علمنا أن سنوردها بحرا!
ولم نصحب المسك الفتيت لعلمنا
…
بكون ثراكم فوق ارداننا عطرا!
ولم نحمل الدينار علما بأننا
…
سنلقط من حصباء أرضكم تبرا!
وما قصدنا إلَاّ الحضور بحضرة
…
على عرش بلقيس سما فضلها قدرا
ورؤية قبر قد تضمن سيد
…
هو البحر سمته العباد لنا حبرا
محل حوى علما وجودا وسؤددا
…
إلى منتهى الدنيا تدوم له الذكرى
كريم نجار من لؤي بن غالب
…
وصفوة عدنان ومن مضر الحمرا
ولما قصدناه تركنا عيالنا
…
وأولادنا الأطفال والبلدة الزورا
إلى أن نزلنا (الخان) أول منزل
…
ونمنا وصلينا بساحته الظهرا
ومن قبل عصر قد شددنا رحالنا
…
وجئنا (لبئر النصف) والركب قد سرا
ومن بعد ذا جئنا إلى (الخان) بعده
…
وبتنا به والنوم عن مقلتي فرا
ولما بدا الصبح المنير وأقبلت
…
كتائبه تسعى برأيته الشقرا
نهضنا وروينا جميع دوابنا
…
بلطف وصلينا بجانبه الفجرا
وسرنا إلى (خان المحاويل) والهوى
…
لحب أبي السبطين يقدمنا شهرا
أقمنا به حتى أتى العصر فانثنت
…
إلى (الحلة الفيحاء) رواحلنا تترى
نزلنا على قوم كرام بها نشوا
…
على الجود والاضياف في دورهم تقرى
ومن بعد ذا سرنا صباحا وعندنا
…
من الشوق ما يستوعب السهل والوعرا!
ولما أتينا قبر (ذي الكفل) وانجلت
…
لنا عن طريق القصد باقعة غبرا
نظرت تجاه السائرين أشعة
…
تبين وتستخفي لنا تارة أخرى
فزحزحت عن عيني الكرى ونظرت عن
…
نواظر عن صنعا تلوح لها بصرى
وقلت: أتلك الشمس أرخت ثيابها
…
وألقت عليها من أشعتها سترا؟
أم انتشرت نار الكليم لناظري
…
على طور سينا والفؤاد بها أدرى؟
أم البرق في تلك العراص تلألأت
…
لوامعه حتى أبان لنا فجرا؟
فراجعت خضر القلب عن درك ما أرى
…
يبين لعيني كي أحيط به خبرا
فقال: إذا أخبرتك اليوم سره
…
وأنت كليم القلب لم تستطع صبرا
فقلت: ولو أخبرتني لوجدتني
…
صبورا ولا اعصي لما قلته أمرا
فقال: هو القصر المنيف الذي علت
…
على القبة الخضراء قبته الصفرا!
هو المرقد السامي الشريف الذي حوى
…
محيا أبي السبطين والغرة الغرا
فالق العصا في بابه وأنخ به
…
قلوصك وانزل عند همته الكبرى!
فهاجت بنا نار الغرام وقد جرت
…
مدامع تصلي نارها مهجتي حرا
وما ثم إلَاّ نفس وجوانح
…
تطير وأنعام طوت دونه البرا
إلى أن أتت (خان العقيل) خيولنا
…
وبتنا بقرب البئر نستوجب البرا
ولما رأينا الفجر سرنا بسرعة
…
إلى بلدة ضمت بها الحيدر الطهرا
وقال من قصيدة يذكر بها مصاب بغداد بالوباء ويحن إلى سالف أيامها الغر:
أبيت ولي وجد حرارته تعلو
…
ودمع له في عارضي عارض وبل
واطوي على جمر وأغضي على قذى
…
واشغل أعضائي وقلبي له شغل
إذا الليل وافى ضقت ذرعا إلى الحمى
…
وفاضت شؤون ليس يعقلها عقل
حداني إلى الزورآء شوق مبرح
…
وماذا الذي حدثت عن حالها سهل
إذا ما نبت دار السلام بأهلها
…
فلا جبل يؤوي الكرام ولا سهل
وإن كسفت شمس البلاد وبدرها
…
فليس لنا في نجمها منزل يعلو
وإن قلص الظل الذي في جنابها
…
فأين من الرمضاء في غيرها ظل؟
وإن نضب الماء النمير بأرضها
…
فأي شراب في مواها لنا يحلو؟
مصاب عراها لا أصيب بأهلها
…
فأنهم للمكرمات بها أهل
ديار بها نيطت على تمائمي
…
قديما ولي فيها نما الفرع والأصل
بها سكني في ربعها الخصب ناقتي
…
بها جملي يرغو بها قيمتي تغلو
إلا ليت شعري هل أراني بربعها
…
مقيما؟ وبالأحباب يجتمع الشمل
وهل التقي بالأهل من بعد فرقة؟
…
فلي عندها في كل ناحية أهل
وهل روضها يخضر بعد ذبوله
…
ويهمي على أوراقه الوبل والطل؟
وهل ظبيات الكرخ يخرجن شرعا
…
ودون حماهن الأسنة والنصل؟
وهل اسمع الداعي وقد حلق الدجى
…
يؤذن والتالي بأوراده يتلو؟
وهل أنا في يوم العروبة قاصد
…
لحضرة محي الدين دام له الفضل؟
وهل تنثني تلك المعالم والربا
…
وفوق ذراها العز والكرم الجزل
وهل علماء الجانبين تضمهم
…
مجالس علم لا يخامرها الجهل
وهل وزراء العدل تمضي أمورهم
…
على منهج ما عن محجته عدل
وهل خرجوا للعيد بين كتائب
…
منار العلى في ظلها أبدا يعلو
سلام على دار السلام وأهلها
…
فهم في فؤادي دائما أينما حلوا
فو الله لا أسلو هواها وماءها
…
إذا كان قلبي عندها فمتى أسلو؟
أحبتنا بالكرخ هل من رسالة؟
…
(فقد تعبت بيني وبينكم الرسل)
لعل أحاديث العواذل تنثني
…
(برجم ظنون بيننا ماله اصل)
إلا همة تزجي رواحل عزمتي
…
(لديكم إذا شئتم بها اتصل الحبل)؟
حلولي بناديكم وموتي بأرضكم
…
(أرى أبدا عندي مرارته تحلو)
أرى البعد في الضراء عنكم كبيرة
…
(فما اختاره مضنى به وله عقل)
وكم فتية فروا من الموت ضلة
…
(وما ضعنوا في السير عنه ولا كلوا)
أمن قدر الرحمن يجدي فرارهم
…
(فأوله سقم وآخره قتل)
فقل لمقيم صابر فزت بالعلى
…
(وللمدعي هيهات ما الكحل الكحل)
يهون علينا ما لقيتم من الأذى
…
ولكن عقد الله ليس له حل
فيا رب باسم الذات والحكمة التي
…
بها تظهر الأشياء والعدم الأصل
بنور جمال اشرق الكون عنده
…
وعز جلال دونه أحجم العقل
إلى أن يقول:
تول لنا دار السلام وأهلها
…
بلطفك وارحمهم فقد ثقل الحمل
وعاملهم بالعفو وارحم شيوخهم
…
وأطفالهم فالشيخ قد آب والطفل
وباء طاعون وما ثم ملجأ
…
سواك وأنت الراحم الحكم العدل
ويا غارة الله أسرعي لخلاصهم
…
من القهر فالرحمن من شأنه الفضل
ويا غارة الله اجعلي كل واحد
…
بحصنك قد غار العدو وهم عزل
ويا غارة الله انصريهم وبددي
…
جموع العدى عنهم فقمت العدى سهل
إلا فاستجب واسمع ندائي فأنني
…
دعوتك والأجفان في سحها هطل
وقابل سؤالي بالإجابة سيدي
…
فما خابت الشكوى لديك ولا السؤل
نثره
قال يصف زمانه وخلانه في بغداد:
(. . . مع أني في زمان تبا له وتب، ما أحقه بأن يدعى أبا لهب، قد أصلى أهله بنار ذات لهب قدم كل ركيك ضعيف. ورأس كل دني سخيف، وأذل كل سري شريف، فأهمل خروفه وسلك بها مسلك التحريف. وشدد مخففه وجنح به إلى التضعيف. ألقاه بين مصائب، كأنها كتائب. وأنزله في حفر، كأودية سقر، وإلى الله المشتكى من زمان إذا أمر بنائبة حرض، وإذا نظر إلى كريم اعرض، وإن جرح دفف، وإن قتل أسرف. ينظر إلي شزرا، وينفق علي نزرا. ويرهقني من أمري عسرا. في فتية مردة. كأنهم خنازير أو قردة. قلوبهم طاغية. وأيديهم باغية. وألسنتهم لاغية. وطباعهم ردية. وأصولهم باهلية. وأنفسهم دنية. وسجاياهم تارونية. وما (ما در) إلَاّ طليعة لأخلاقهم. ولا (أشعب) إلَاّ أنموذج لمذاقهم. في جماعة كبيرها صغير. ورئيسها حقير. ودنيها أمير، وشريفها أسير. ولولا عيال تثب عليهم الغيرة وثوب الشرر. وتنهمل الحمية دونهم انهمال المطر. وأطفال كأفراخ القطا تقصر عنهم الخطاء لزودت الشيخ والقيصوم. وتمتعت البصل والفوم. وفررت عنها فرار الغيور. عن مواطن الزور. ولتمثلت بقول القائل:
ولا يقيم على ضيم يراد به
…
إلَاّ الأذلان غير الحي والوتد
ولعملت بقول الآخر:
يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال
…
عذيب يوما ويوما بالخليصاء