الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 35
- بتاريخ: 01 - 07 - 1926
سنتنا الرابعة
1: مجلتنا في السابق
كنا قد أصدرنا مجلتنا في سنة 1911 فبرز منها ثلاثة مجلدات عن ثلاثة أعوام ولما جاءت الحرب العظمى بأهوالها، كنا قد أصدرنا من سنتها الرابعة جزأين فقط. حينئذ نفينا ظلماً إلى قيصرية كباودكية (المعروفة عند الأتراك بقيصري) فانقطعنا عن إخراجها للقوم إلى أن كان الصلح.
فأصدرنا (دار السلام) مدة تزيد على ثلاث سنوات، ثم سافرنا إلى أوربة لمشتري آلات طباعة فتم الأمر في منتصف سنة 1921. ثم عاندتنا الأحداث بأنواعها. إلى أن ذللناها في هذه الأيام، وعلماء البلاد العربية اللسان يلحون علينا بإصدارها لما قامت به من خدمة للعراق وتعريف أبنائه ودياره وتسويق تاريخه في سابق العهد وحديثه، حتى كادت النفس تمل من كثرة ما سمعت.
2: إلحاح المستشرقين علينا
دع عنك أكابر المستشرقين من جميع الأمم فأنهم يعيدون علينا الالتماس لإصدارها حتى لم يبق في النفس منزع. وها نحن أولاء نزفها إلى محبي العراق والمتشوقين إلى الوقوف على أحواله.
3: خطتنا
أما خطتنا فتبقى كما كانت في السابق أي أنها تتحرى ما يتعلق بالعراق وما جاوره من البلاد على اختلاف المباحث التي تمسها وتتجنب كل ما يشتت الآراء ويلقي الفتن بين أبناء العراق أو بين محبي العرب.
4: المقالات
وكل مقالة يبعث بها إلينا خارجة عن نهج المجلة لا تدرج ولا تعاد إلى أصحابها وكل ما يوافق خطتنا تصلح أغلاطه أو يحذف ما فيه من غريب الآراء المخالفة لمنهاجنا ثم يدرج.
5: النقد
ولا بد من النقد الأدبي أو العلمي أو التاريخي ولا ندعي أننا نصيب في كل ما نكتب أو ننتقد، إذ لابد من الخطأ. أما الكمال فلله وحده على أننا لا نتعرض للرد على أحد أن أصبنا أم لم نصب إذ في ذلك خسارة وقت وكتابة وإنشاء حقد وضغينة على غير طائل ولا نتيجة حسنة. فالسكوت احسن جواب لمن لا يقنع بالحق.
6: العنوان الأولان القديمان من السنة الرابعة
وكان بودنا أن نجعل هذا الجزء الجزء الثالث من السنة الرابعة. لكننا نعلم أن ما كان منهما عند الأدباء العراقيين اتلف. وكذلك ما كان منهما عندنا لأن الحكومة العثمانية أبادت مع مجلدات المجلة كل ما كان في خزائننا من كتب خطية ومطبوعة ولم تبق منها شيئا ولم تذر، حتى اضطررنا إلى أن نشتري أو نجلب كتباً جديدة لنعيد الخزانة إلى سابق كنزها.
7: العدد الأول الجديد من السنة الرابعة
ولهذا جعلنا هذا الجزء الجزء الأول مع نية أن نعيد درج المقالات التي نشرت في الجزءين السابقين شيئا بعد شيء لغايات منها 1: الحرص على ما نشر منها. - 2: إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه فيهما. 3: إتمام السنة مستقلة وتامة عند الجميع لأن إعادة طبع ما مضى يكلفنا مبلغا عظيما نحب أن نرصده لهذه السنة.
8: الاشتراك في المجلة وثمن الجزء الواحد منها
قد جعلنا الاشتراك في المجلة عن اثني عشر جزءاً اثنتي عشرة ربية على حساب
الربية سبعة غروش مصرية ونصف غرش. وذلك في بغداد وأما في خارج بغداد فخمس عشرة ربية. والجزء منها بربية ونصف.
9: مبادلات المجلة
نبادل مجلتنا أصحاب سائر المجلات، بل الجرائد العربية اليومية التي تظهر في البلاد الضادية اللسان ولا نقبل مبادلة الجرائد الإفرنجية.
10: لهذه المجلة إدارتان: الواحدة للتحرير والثانية للإدارة
فكل ما يتعلق بدرج المقالات وإهداء الكتب وتوجيه الجرائد
والمجلات يكون باسم (محرر مجلة لغة العرب) وكل ما يتعلق
باشتراك أو شراء أجزاء أو مجلدات منها يعنون باسم (مدير
مجلة لغة العرب) وكلتا الإدارتين في كنيسة اللاتين في بغداد.
ولا ترسل المجلة إلا لمن يطلبها ويبعث ببدل الاشتراك مع طلبه ومن يخالف هذا الأمر لا يلتفت إلى رغائبه.
قرطاجنة
قرطاجة. قرية جونا أو دونا قرية حدشة. قرث حدشث
أستأذنكم وأستأذن أخي وصديقي وتلميذي المحبوب أمين بك كسباني في نقل ساحة هذا البحث من سورية إلى العراق ومن بيروت إلى بغداد ومن الكلية إلى الحرية فأقول:
1: بعض التمهيد
تأسست قرطاجنة سنة 869 قبل المسيح في حين لم تكن رومية بعد في حيز
الوجود وفي حين أيضا لم يكن بعد لغة لاتينية معروفة ولا أقول في موريتانية أو نوميدية أو البلاد التونسية فقط بل في إيطاليا نفسها. واسمها مؤلف من لفظين أولهما (قرية) بمعنى مدينة وهو لفظ سامي بحت فهل يعقل أن يكون الثاني من اصل لاتيني أو يوناني؟ كلا لا يعقل وفقا لما اعتقد ولما اعلم من طبع العمران الغالب.
2: بماذا كانوا يسمون المدن
كانوا يسمون المدن باسم الأمير الذي أمر ببنيانها أو باسم رئيس الجالية التي قطنتها أو باسم القبيلة نفسها أو باسم إله من آلهتها سواء ظهر ذلك الإله للأمر بالبناء في حلم أو في يقظة تخيل ووهم أو لم يظهر. ومن أسماء الفينيقيين وأسماء آلهتهم أيضاً جونو أو جونه ويونو أو يونه وادونو أو ادونه ودون أو دونه وتون أو تونه. والجيم والدال والتاء والثاء والسين وحروف العلة تتبدل بعضها من بعض كما يقول بذلك علماء الفيلولوجيا وأهل البحث والثقة في مخارج الحروف وتبدلاتها.
3: جونه أخت (بعن عليون) أو ديدو
لا اعلم كيف وصلتني رواية (جونه أو دونه محرفة عن جونه أو مستقلة عنها.
هكذا كنت وجدتها في ذاكرتي ولذلك فحالما يتبين لي ما يترجح معه عدم صحة الرواية فليس ثم ما يحملني على التمسك بها وبكل طيبة نفس اطرح عني عبء المحافظة على ما بدر مني من الرأي فيها ولكني لا أزال (معربطا) اشد عربطة أن جون وجونه ودون
ودونه) وسائر الأسماء التي ذكرناها أعلاه هي سامية الأصل وكان يسمى بها المدن والآلهة والناس. ولا أزال أيضا اعتقد أن (قرية حدشة) لم تكن اسما للمدينة التي بنتها المستعمرة الصورية سنة 869 قبل المسيح بل هي اسم لقرطاجة (أي المدينة الجديدة) التي بناها هؤلاء في أسبانيا أو لقرطاجة الأفريقية (المدينة الجديدة) التي جدد بناءها يوليوس قيصر كما أظن على موقع المدينة القديمة وعلى غاية القرب منه. والأرجح أن قطعة النقد التي يقول تلميذي العزيز أن أمامه صورة منها وأنه مكتوب على جانبها الواحد بالحرف الفينيقي (قرث حدشة) وعلى الأخر (تحنة) هي من ضرب قرطاجة الأسبانية أو من ضرب (قرث حدشة) الأفريقية التي جدد بناؤها موخرا كما ذكرنا. على أني ارجح أنها من ضرب قرطاجة الأفريقية بدليل ما هو مكتوب على جانبها الأخر اعني لفظة (تحنة) كما سأذكره فيما يأتي:
عزيزي أمين. أنت تعلم أن المبادئ الفيلولوجية وعلم مخارج الحروف وانقلاباتها لا تجوز لنا أن نحول (قرث حدشة) إلى قرطاجنة ولا أن نرد (قرطاجنة) إلى (قرث حدشة)((إلا بصعوبة كلية لا نعدل إليها إلا مضطرين) ولكنها تجوز
في قرطاجنة أن تحول إلى كرشيدون أو كرخيدون) وقرشيدون وكرخيدون هما الاسمان المتعارفان في اللاتينية واليونانية عند أكابر فصحاء وعلماء هاتين الأمتين. ومن الصعب الصعب أن يعدل عما اختاره بلغاء أمة وعلماؤها واشتهر عنهم بضع مئات من السنين وفي عشرات بل في مئات من المؤلفات إلى ما أفسدته العامة باستعمالها.
خطر لي بعد أن فكرت طويلا فيما ذكرته من المكتوب على الوجه الآخر من قطعة النقود تعليل لا بأس فيه ولعله يحل مشكل قطعة النقود التي أشرت إليها وهو الآتي: أن الاسم الأصلي هو (قرية جونه أو دونه) وقد ورد في مؤلفات اليونان والرومان بلفظ كرخيدون وكرشيدون وليس شيء من الصعوبة في تحول الصيغة السامية إلى الصورتين اليونانية واللاتينية ولا في ردهما إلى الأصل المحولتين عنه. وقرية هنا بمعنى مدينة والتركيب تركيب إضافي كما نقول مدينة مكة أو مدينة صنعاء.
هذه المدينة خربها الرومان سنة 146 قبل المسيح ويقول العلامة بولي في تاريخه العام أن النار استمرت فيها لظى سبعة عشر يوما بلياليها فلم تبق عن شيء في المدينة إلا التهمته.
ثم جدد بناؤها حيث مدينة تونس الآن. وارجح أن هذه المدينة الجديدة هي التي كتب على القطعة من نقودها (قرث حدشة) على أحد جانبيها و (تحنة) على الجانب الأخر. والفيلولوجي لا يصعب عليه أن يرى (تحنث).
نظرة في إصلاح الفاسد من لغة الجرائد
بحث لغوي انتقادي
الشيخ إبراهيم بن ناصيف اليازجي باحث منقب ولغوي ضليع. خدم اللغة العربية بقدر ما أوتي من العلم خدمة لا تنكر. بل تذكر له فيشكر. على ممر الدهر.
ولولا خلتين - هما الغرور والتسرع - تغلبت عليه تغلب القوي على الضعيف لكان يعد في الرعيل الأول بين علماء اللغة المحققين.
كان اليازجي من الغرور بنفسه بحيث لا يرى أحد من الغابرين والحاضرين أعلم منه باللغة. ومن التترع إلى النقد بحيث ينكر الشيء وهو ظاهر ظهور الشمس في رائعة النهار. كما يظهر ذلك لمن ينظر في رسالته (لغة الجرائد) نظر ناقد بصير
ورسالته هذه عبارة عن مقالات كان ينشرها في مجلة الضياء ينتقد فيها كلمات وتعابير الكتاب غير جارية على أصول اللغة ومناحي العرب في أساليبهم. وربما ادمج فيها كلمات سبقه إلى انتقادها أمثال الحريري والخفاجي وغيرهما من أئمة اللغة من غير إشارة إلى ذلك. ثم جمعت بشكل رسالة جاءت في 124 صفحة بقطع الربع.
وقد اتفق أن اطلع عليها أخيرا الأستاذ محمد سليم الجندي من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، فرأى فيها من الأوهام ما لا يصح السكوت عنه. فكتب مقالة أخذ على اليازجي فيها نحو أربعين غلطة. منها كلمات غير جارية على السنن الصحيح. وأخرى عدها من الغلط وهي من الفصيح: ونشر مقالته في إحدى
صحف الشام، فكبر ذلك على الأديب قسطاكي الحمصي، أحد عشاق الشيخ اليازجي، فانبرى للرد عليه. ولكن بأسلوب هو إلى المهاترة، أقرب منه إلى آداب البحث والمناظرة، فكان في دفاعه عن شيخه (كالغريق يتشبث بالغرفط طلبا للنجاة) كما وصفه الجندي. فلم يسع الجندي إذ ذاك إلا أن يناقشه فكتب سلسلة مقالات نشرت في إحدى جرائد دمشق. ثم عاد فجمعها في كتاب بلغ نحو (153) صفحة وسماه (إصلاح الفاسد من لغة الجرائد).
ليس الجندي هو أول من تعرض لأوهام اليازجي بل سبقه إلى ذلك من الفضلاء فيما سمعت. وأعرف منهم صديقنا الأديب الفحل الأستاذ الشيخ عبد الرحمن سلام البيروتي، فقد رد عليه برسالة سماها (دفع الأوهام) وطبعت سنة 1317 هـ في المطبعة الأدبية ببيروت.
وقد التزم فيها الدفاع عمن غلطهم اليازجي من الشعراء الجاهليين، والبلغاء الإسلاميين: كالحرث بن حلزة اليشكري، وعنترة العبسي، وعدي بن زيد العبادي من الفريق الأول. وكالبديع، والحريري،
ولسان الدين الخطيب وأمثالهم من الفريق الثاني. وجملة ما أخذه على اليازجي نحو أربعين كلمة أيضاً لم يتعرض لها الجندي إلا في كلمات منها مثل تأنيث اليشكري كلمة (ضوضاء) في قوله:
أجمعوا أمرهم عشاء فلما
…
أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
واستعمال لسان الدين الخطيب فعل (أنف) متعديا في قوله:
قالوا لخدمته دعاك محمد
…
فأنفتها وزهدت في التنويه
وتذكير عبد الصمد الصفار كلمة (الشقائق) في قوله:
وشقائق شق القلوب كأنه
…
خد مليح ضم صدغا اسودا
وقولهم (تعرف على فلان) إذ أحدث به معرفة.
على أن كلاً من هذين الفاضلين لم يستقص جميع أوهام اليازجي. بل اغفلا أشياء كثيرة أذكر منها على سبيل المثال: إنكاره استعمال (النوادي) مع كونه القياس في جمع (النادي). وهذه دعوى لا تسلم له ولا لمن هو اكثر منه إحاطة بكلام العرب. كيف وقد استعمل هذا الجمع قديما ولم ينكر وروده أحد سواه:
قال معاذ بن صرم الخزاعي فارس خزاعة:
ولست برعديد إذا راع معضل
…
ولا في نوادي القوم بالضيق المسك
وقال مجد الدين الفيروزابادي في مقدمة القاموس المحيط:
(محمد غير من حضر النوادي) وأقره عليه الشراح، ولم يأخذه عليه أحد من النقاد الفصاح.
ودعواه آن استعمل (التحرير) بمعنى الإنشاء علمي. وقد فاته أن الحر من كل شيء خياره وان التحرير في الكتاب أن يراعي فيه خيار الكلام والمعاني. وأن المتقدمين كانوا يستعملون التحرير في تجويد الخط ثم توسعوا فيه فأطلقوه على الإنشاء.
قال الأستاذ المتبحر العبقري، الشيخ عبد القادر المغربي، في نقد (تذكرة الكاتب) التي تابع صاحبها اليازجي في كثير من المسائل: وهذا (يعني التحرير) عينه وقع في كلمة (الكتابة) فإن اصل معناها الخط باليد، والكاتب هو الذي يخط الكلام لا الذي ينشؤه ويهيؤه في نفسه،
(كذا وردت الهمزتان مكتوبتين على الواو. ل. ع) ثم توسعوا في الكتابة فأطلقوها على الإنشاء وأطلقوا الكاتب على المنشئ. راجع مجلة المجمع العلمي العربي م 4 ص 261.
- وقوله أن العدو اللدود بمعنى الشديد العداوة هو خلاف المعروف في استعمال العرب لأن اللدود عندهم بمعنى الذي يغلب في الخصومة. ولا أدري أيخلو عدو من خصومة حتى يأتينا
اليازجي بهذه الفلسفة المبتكرة؟
- وقوله إن (القهاوي) في جمع القهوة متابعة للعامة.
وهو هنا يرشدنا إلى تصحيح الجمع قبل تصحيح مفرده وقد فاته أن القهوة للمكان عامية وأن الصواب أن يقال (المقهى).
ونحو هذا مما أغفله ذانك الفاضلان كثير جدا في كلام اليازجي ولعلنا نفرد له مقالة إذا وفق الله.
ونقد الأستاذ الجندي نقد عالم بصير. وناقد خبير. لا ترى فيه إلا السلوك على المحجة. وقرع الحجة بالحجة. اللهم إلا في الندرى مما هو ناشئ عن تشدد فيه. لرأي يرتئيه. تجاوز فيما احسب. حد التعصب. وما كان ينبغي له أن (يحجر علينا من اللغة واسعا. ويحرمنا من شهي أثمارها يانعا) مما لو رجع إلى نفسه وكلفها ما يكلفنا من الجمود على (ورد ولم يرد) وعدم التسامح في التوليد والاشتقاق، والتوسع في الاستعمال والاطلاق، لما وسعه إلَاّ أن يتهم اللغة بالعقم أو يخرج على نظامها غير حاسب لأحد حسابا، وهذا ما عيذه منه.
ولقد هالني تشدده في منع (مشاهير) في جمع (مشهور)
بدعوى أنه لم يرد في كلام العرب. ولا ادري مما يضر اللغة لو قسناه - وباب القياس في لغتنا أوسع ولا شك من سم الخياط! - على الجموع التي يدعي شذوذها؟
نحن لا نريد أن نقتسر الأستاذ على النزول عن رأيه لأن ذلك لا يعنينا وليس بنافعه أيضاً إذ من المحال، أن يهجر هذا الاستعمال، وينزل عند رأي هذا المفضال، ولكننا نورد نكتة يتبين منها مبلغ تعصبه لما يذهب إليه وأن كان غير سديد.
كنت يوما في مجلس شيخنا علامة العراق الأكبر الإمام الالوسي رحمه الله فورده كتاب من صديقنا الأستاذ اللغوي. الأب أنستاس الكرملي، يذكر فيه أنه رد على أحد أدباء دمشق (يعني الأستاذ الجندي) مبينا فساد قول من يذهب إلى أن جمع مفعول لا يكسر على مفاعيل
سوى في ألفاظ معدودة: ويطلب إليه أن يذكر (أي الاثنين مصيب في كلامه). فأملى الإمام - على عادته - علي كلاما جاء غاية الغايات في التحقيق. ثم قدر الله سبحانه أن نفقد الإمام ويكتب الأب الكرملي تأبينا يستدل فيه بهذه الفتوى على إمامته في العلوم اللسانية، وأن يسمعها الفاضل الجندي ويطلبها مني فأبعث بها إليه.
ولكن ماذا كان من أمره؟
كان من أمره إن أبى إلا الوقوف عند رأي نفسه. والتلذذ بنغمة جرسه! ونحن نورد فتوى شيخنا على طولها لتكون حجة بيد المجيرين، على المانعين، استغفر الله! بل على المانع. إذ ليس هناك غير الأديب الجندي. قال رحمه الله:
(. . . نظرت فيما كتبته على لفظ (المشاهير) راداً به على من أنكر هذه اللفظة من أدباء دمشق حيث حكم أنه لا يقال مشاهير. . . فرأيتك قد وفيت له الكيل صاعا بصاع وألجمته بلجام الإسكات والإفحام غير إن خصمك لا يذعن للحق إما لجهل وإما لتجاهل. فان لفظ مشاهير أشهر من نار على علم: واستعمال البلغاء لها قديما وحديثا لا يحيط به نطاق الحصر ولا سيما وجموع لغة العرب لا تدخل تحت قاعدة من القواعد وما ذكروه في هذا الباب إنما هو تقريب لا تحقيق: فقولهم (كل ما جرى على الفعل من اسمي الفاعل والمفعول وأوله ميم فبابه التصحيح) فأعلم أن هذه القاعدة منقوضة بمئات من الكلمات. منها ملعون ومشؤوم وميمون ومسلوخ ومكسور وميسور ومفطر ومنكر ومطفل ومرضع ومجنون ومملوك ومجذوب وموقوت وموعود ومصروع ومخدوم ومضمون ومقدور ومعذول ومخنث ومسند ومسانيد ومرسل ومراسيل ومجموع ومجاميع ومكتوب ومكاتيب إلى غير
ذلك مما لا يقوم به الاحصاء؛ فهل يجوز الحكم على جميع ذلك بالشذوذ وهي تجمع على مفاعيل ويستعمل هذا الجمع فصحاء الأمة العربية صيانة لما ذكره بعض الأعاجم من القاعدة التي ما انزل الله بها من سلطان؟
على أنه لو سلمنا إن هذه اللفظة من الشواذ عن قاعدتهم فلا يجوز الحكم بإنكارها وقد وردت في الحديث النبوي لفظة (المشابيب) فقول خصمكم أنه ورد الحديث برواية أخرى وأن الدليل إذا طرقه الاحتمال: بطل به الاستدلال؛ مما يدل على مبلغ علمه في هذا المقام.
فقد ذكر الأئمة أن غلبة الظن في هذا الباب تكفي. فكيف وقد وردت روايات متعددة في
غالب ما اشتهروا به من الشعر العربي ولم يقل أحد من أئمة العربية أنه لا يصح التمسك، بمثل ذلك: لأن الدليل إذا طرقه الاحتمال: بطل به الاستدلال.
وكل من ذكر هذه القاعدة استثنى ألفاظا كثيرة منها. فانظر إلى البغية للسيوطي وما استثناه وهو كتاب ألفه على الكافية والشافية والألفية والشذور. فأنه تعقب كثيرا من قواعدها وما أهمله أصحابها. وهكذا شراح التسهيل استثنوا كثيرا من الكلمات من هذه القاعدة: أفيقال إن كل ذلك شاذ مع أن
الشاذ ينحصر في كلمة أو كلمتين أو اكثر. ثم أن الشاذ أقسام قسم منه موافق للاستعمال لا يعاب مستعمله فلو سلم أن لفظة المشاهير شاذة فلتكن من هذا القسم. ثم أن منهم من يقول إن لفظة المشاهير هي جمع شهير: وشهير لا يجمع جمع السلامة لما في كتب الصرف: أن فعيلا بمعنى مفعول لا يجمع جمع الصحيح فلا يقال جريمون ولا جريمات ليتميز عن فعيل بمعنى فاعل: وقالوا إن لم يكن متضمنا للآفات والمكاره التي يصاب بها الحي كالقتل وغيره لا يجمع على فعلى كجريح وجرحى وقتيل وقتلى: فالشهير ليس متضمنا للمكاره فحينئذ لا محذور إذا قلنا إنها تجمع على مشاهير. وكذلك فأي منكر يلحق المستعمل لذلك بهذا المعنى. وكذا إذا قلنا إن المشاهير جمع لكلمة مشتهر وهذا الجمع لهذا المفرد مما صرحوا به مع حذف بعض الزوائد: فكيف ينكر استعمال لفظة المشاهير إذا ادعى إنها جمع مشتهر؟ فهل وقف أحد على أنهم جمعوا المشتهر جمع سلامته فقالوا (مشتهرون)؟
ما سمعنا ذلك من أحد قط. فتبين مما ذكرناه أن قد حكم على من أنكر استعمل هذه اللفظة قدح صحيح: وأن المخالف لكم فيه الحاكم بإنكار هذه الكلمة ليس وجه وجيه.
انتهى كلام الأستاذ الإمام وهو من التحقيق وبعد الغور بحيث
لا يسع الجندي أن ينكره؛ وإذا بقي مصراً على رأيه وقال (أن العرب لم تستعمل المشاهير فلا يجوز لنا استعمالها مطلقا) فإنا نطالب بإثبات استعمال العرب بكلمة (الواقع) في قوله ص 59 (ما لم يصدقه به الواقع) ونحوها في كلامه مما لو طالبناه بإثباته عن العرب لضاق ذرعه: فلم يبق له بعد هذا إلَاّ أن يهجر مذهبه ويقول باطراد القياس الذي هو أحد الأدلة الجليلة على فضل لغتنا وقبولها للنمو ووسعها كل شيء من أسباب الحضارة.
وقد مررت بكتاب الأستاذ الجندي على غلطات وتعابير فرأيت أن أذاكره بها تلبية لدعواه
الجفلى في أول الكتاب وآخره لتدارك ما فيه من الخلل والخطأ عسى أن يجد فيما أزجيه بين يديه بغيته.
قال في ص 38 (وإِلَاّ لما اعترض) وفي ص 58 (والالجاز). وإدخال اللام في جواب أن الشرطية المقرونة بلا النافية ممنوع عند الجمهور على ما اذكر منذ زمان طلبي للنحو؛ فماذا يقول الأستاذ؟
وقال في ص 23 (فأتى في أضعاف سطوره من القول البذيء بما يندي الجبين ويضحك الحزين) وأنا اعلم يقينا أن القول البذيء يندي جبين صاحب الحياء. ولكن هل يضحك الحزين؟ أنا هنا مستفيد!
وقال في ص 66 (وصفوة القول أننا قلنا) وكسر همزة إن: الذي اعلمه أن التي تقع بعد لفظ القول غير محكية كما في عبارته هذه لا تكسر بل تفتح.
وقال في ص 136 (لم نقل أن اليازجي) وفتح الهمزة وحقها الكسر لأنها هنا محكية بخلاف الأولى وفي ص 72 (والجواب إن) والصواب فتح الهمزة. ولعل هذا من أغلاط الطبع؛ لا من وهام الطبع.
وقال في ص 76 (سواء كان مع الدراهم أو غيرها) والصواب وضع (أم) موضع (أو) وقد وقع هذا الغلط لخصمه أيضاً فلم ينتبه إليه فيأخذه عليه كما أخذ عليه استعمال (تفقيه) وقال إنه سيضيفها فيما بعد إلى الكلمات التي استعملها وهي مخالفة لقواعد العلم أو غير مذكورة في كتبه. ولعله لم يشأ أن يشير هنا إلى كل غلط يقع فيه خصمه ولو شاء لأنكر عليه أيضاً قوله ص 82 (ومما شرحناه يتضح للناقد المنصف أن تفيقه وحذلقة بعض الكتاب. . .) حيث عطف على المضاف كلمة حذلقة قبل أن يأتي بالمضاف إليه. وهذا شائع في مقالات الكتاب فلينتبه إليه.
وكتب في ص 2 (الصلوة) هكذا بالواو. وهي كذلك عند الأقدمين ولكنني رأيته غير جار على مذهبهم حيث كتب (الحرث)
في عدة مواضع هكذا (الحارث) وهم يحذفون منه الألف ما لم يتجرد منه الألف واللام.
وفي ص 2 س 14 (للخواجة) الصواب حذف النقطتين من الهاء وفي ص 17 (احمد بن فارس) وص 110 (نعمان ابن المنذر) وص 140 (زياد ابن عدي) والصواب حذف همزة
(ابن) من كل ذلك. وقد حذفها حيث يجب إثباتها كما جاء في ص 141 (وانشد بن دريد). وفي ص 12 و127 و133 و134 (وجائني) وفي ص 24 (البذائة) وفي 25 (يسترون ورائها) وفي 58 (الملائة) وفي 81 و152 (مؤنة) وفي 94 (وسئلت) وفي 95 (ما ورائها) وفي 115 (وجائت) وفي 118 (قرائتها - بقرائه) وفي 132 (الجزئين) وفي 138 (جائه) وفي 151 (بذائته) وفي 152 (بادئ بدئ) وفي 153 (لنرجوا) - والصواب: (وجاءني)(البذاءة)(وراءها)(الملاءة)(مؤونة)(وسألت)(وما وراءها)(وجاءت)(قراءتها - بقراءة)(الجزءين)(جاءه)(بذاءته) و (بادئ بدء)(لنرجو).
وفي ص 24 (أن يطغي) والصواب حذف التحتانيتين. وفي 28 (جاحظ) الصواب (الجاحظ) وفي 78 وهو من كلام قسطاكي (فيقال لك قوم من جلدتنا أي ملتصقين بعشيرتنا) والصواب
(ملتصقون) وفي ص 136 وهو من كلام قسطاكي أيضاً (فلينظر أولي الألباب) والصواب (أولو الألباب) وفي ص 127 و131 (الاشموني) كذا بفتح الهمزة وإنما هي مضمومة
بغداد في 10 حزيران سنة 1926:
محمد بهجة الأثري
أخوان الأدب
شكري الفضلي
(1882م 1926م)
أصيب عالم الأدب العراقي في أول الشهر الماضي بفقد أديب فاضل وكاتب مجيد، قضي شبابه باحثا دارسا، وكاتبا في الصحف ومؤلفا. نريد به شكري الفضلي الذي انتقل إلى دار البقاء في غرة حزيران 1926 فعزت وفاته على عارفي فضله. ورأينا من واجبنا أن نخلد له ذكرا على صفحات (لغة العرب) وقد كان رحمه الله من مكاتبيها وأنصارها الغيارى.
الثقافات الثلاث:
وجدت في العراق بعد منتصف القرن الماضي ثلاث ثقافات للنشء: ثقافة شرقية عربية بعيدة عن أساليب التعليم الغربي، ولا اثر للغات الأجنبية فيها إنما هي علوم الدين والعلوم العربية
يتعلمها الناشئون في المساجد أو الكتاتيب أو المدارس الأهلية. وثقافة رسمية عليها صبغة الأساليب الغربية وللغة التركية فيها المقام الأول لأنها لغة الدولة، ترافقها مبادئ اللغة الفارسية التي يفرض الإلمام بها على من يشدو شيئا من الأدب التركي، ويحوي منهاجها شيئا من مبادئ العلوم الحديثة مع علوم الدين ودروسا عربية ضئيلة واضال منها اللغات الأجنبية. تلك هي المدارس الأميرية العثمانية. وثقافة أجنبية قائمة في مدارس البعثات الدينية الغربية بين فرنسية وإنكليزية وأميركية وألمانية، للغات الأجنبية فيها الحظ الأوفر من العناية. وبلغة الضاد اهتمام ليس باليسير مع مسحة خفيفة من لغة الحكومة: أما مبادئ العلوم الحديثة فتدرس فيها بهمة وباللغات الأوربية وفي الكتب المؤلفة المطبوعة في الغرب. كما أن نمط التربية نمط المدارس الحديثة في البلاد الغربية مع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان. ولا سيما القائمون بأمر البعثات يجهدون في محاسنة الآهلين على اختلاف طبقاتهم توسلا لجذبهم واستمالتهم.
هذه هي الثقافات الثلاث التي كانت سائدة في العراق في العهد الأخير، وعلى غرارها ينطبع الناشئون فيكتسب كل منهم ما يقدم إليه منها في مسجده أو كتابه أو مدرسته. وإذا
درسنا شخصية
كثيرين من المستنيرين في هذا البلد نرى اثر إحدى هذه الثقافات فيه وقد يجمع بعضهم بين طريقتين فيكتسب الاثنتين في تكوين عقليته ونفسه.
وقد جمع المرحوم شكري الفضلي بين ثقافتين أهلية ورسمية، فتسنى له الوقوف على علوم الدين والعلوم العربية وبرع في اللغة التركية - لغة الحكم في ذلك العهد - فكانت له كوة اطل منها على الحضارة الغربية، في الكتب التركية المترجمة غالبا والمؤلفة نادرا في هذا الباب، كما أن رسه الكردي دفعه إلى العناية بتعلم الكردية إلى حد الإتقان بل قد أعلمني في حياته أنه نظم الشعر بهذه اللغة.
موجز ترجمته:
ينتمي شكري الفضلي إلى أسرة كردية إلَاّ أنه قبل أن تنتعش القضية الكردية ويظهر لها شخصية في هذه الأيام كان قد استعرب حتى أنني لما سألته أن يسطر لي بوجيز الكلام ترجمة حياته الأولى كتب أنه عربي بغدادي ومنها علمت أنه ولد في بغداد سنة 1298 رومية (1882م) وتعلم في الكتاتيب والمدارس الأميرية.
ولا اعلم بالتفصيل تربيته الأولى إلَاّ أنني عرفت منه أنه بعد أن حصل ما حصل في التعليم النظامي في المدارس الأهلية
والحكومية تفرغ فترة من شبابه للتوسع في العلوم والفنون التي تلقى مبادئها في دراسة الحداثة ولا سيما الآداب الغربية والعلوم الحديثة وقد استعان في دراسة الأولى بجماعة من جلة المدرسين من الشيوخ المعروفين في عهده، وأعانه فهمه اللسان العثماني على التثقف بالعلوم الحديثة في الكتب التركية المؤلفة والمترجمة، ولم يزل يكد ويسهر الليالي في الدرس والتعليم حتى احسن اللغات الثلاث التركية والفارسية والكردية، وأمعن النظر في آداب هذه اللغات فضلا عن دراسته لغة القرآن وآدابها.
اخذ يزاول الكتابة والنظم بالعربية والتركية فكتب مقالات سياسية واجتماعية يومية ونظم القصائد ناشرا آثاره في جريدتي (التعاون والزهور) البغداديتين.
ولما لم يكن للأدب سوق في هذه الديار، يصعب على الكاتب أو الأديب أن ينقطع للأدب والكتابة إذ لا يدر أن عليه إخلاف الرزق ولا يكسبانه معيشته، فيضطر الأديب المتطلب المعيشة إلى أن يتعاطى عملا آخر أو صناعة أو يستخدم في وظائف الحكومة ليستعين
براتبه منها على حاجياته المعاشية. وهكذا تقدم المترجم عنه إلى دواوين الحكومة للتوظف فيها. كما أنه امتهن التعليم في المدارس بضع سنين. وقد علم في مدرسة القديس
يوسف العالية في بغداد من سنة 1908 إلى سنة 1911، ولم تكن أشغاله اليومية لتحول بينه وبين القلم والكتاب فثابر على المطالعة والكتابة في الجرائد والمجلات، باللغتين العربية والتركية ونظم القصائد في اللغات الأربع التي يحسنها وقد نشر في (لغة العرب) جملة مقالات نفيسة عن الأكراد وبلادهم وأحوالهم حتى كانت الحرب العالمية فأضطهد مع من اضطهد من المفكرين والأحرار.
وقد توظف بعد احتلال الإنكليز بغداد سنة 1917 رئيسا لكتاب محكمة الصلح فنظم أوراق المحاكمات باللغة العربية، ثم انتدب للتحرير في ثلاث جرائد أصدرتها السلطة العسكرية في بغداد (العرب) العربية و (إيران وظفر عراق) الفارسيتان و (تي كه يشتن راستي) الكردية. كما حرر بعد أن أوقفت هذه الجرائد في جديدة (الشرق) التي أصدرها في مدينة المنصور السيد حسين أفنان سنة 1921 مدة قصيرة وكاتب جريدة (العراق) بمقالات سياسية نحو عام. وعين عضوا في لجنة ترجمة القوانين العثمانية التي الفت في نظارة العدلية على عهد ناظرها السر بونهام كارتر في حكومة الاحتلال. وبعد أن تقلص ظل الحكم
العسكري وتألفت الحكومة النقيبية الموقتة سنة 1921 أسندت إليه وظيفة رئيس كتاب في ديوان مجلس الوزراء وظل في هذه الوظيفة إلى أن قامت عليه نوادبه. وكان قد انتدب قبل بضعة أشهر ليكون عضوا في لجنة الترجمة الكردية التي تشرف عليها وزارة المعارف لترجمة القوانين والكتابات الرسمية ووضع الكتب الدراسية باللغة الكردية.
وأصيب أخيرا بضعف شديد وزعم الطبيب الذي عالجه أنه كان مبتلى بداء السل فثقلت وطأته عليه فجأة وأودى بحياته وا أسفاه عليه!
(لها تلو)
رفائيل بطي
دجلة
كأنما دجلة والبدر قد
…
أرسل نورا فوقها كاللجين
قضيب بلور صفا ماؤه
…
أو صارم نزه عن كل رين
أو خد عذراء إذا أسفرت
…
عن شنب أخجلت النيرين
محمد بهجة الأثري
المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية
المنعقدة في أنقرة في 5 حزيران سنة 1126
-
كتاب فخامة رئيس الوزراء إلى معالي رئيس مجلس النواب الموقر في 12 حزيران سنة 1926
صاحب المعالي حضرة رئيس مجلس النواب:
بعد التحية: اقدم إلى معاليكم في طيه المعاهدة العراقة الإنكليزية التركية المنعقدة في أنقرة في 5 حزيران سنة 1926 راجيا رفعها إلى مجلس النواب الموقر.
لا يخفى أن مجلس عصبة الأمم كان قد اصدر قراره المعلوم ببقاء ولاية الموصل للعراق وجعل خط بروكسل الحد الفاصل بين العراق وتركية وأن الحكومة التركية لم تعترف بهذا القرار وعدته مجحف بحقوقها ولما كان العراق راغبا شديد الرغبة في مصافاة جيرانه وتأمين الصلات الودية ومناسبات حسن الجوار معهم بدأت المفاوضات مع تركية للتفاهم معها على حسم مسألة الحدود حسما نهائيا وحملها على الاعتراف بقرار مجلس عصبة الأمم وأخيرا تم الاتفاق على عقد هذه المعاهدة التي هي عبارة عن تثبيت الحالة الراهنة بتمامها سوى نقطتين اثنتين وهما:
الأولى. ترك طريق اشوثا - الامون داخل الأراضي التركية. والثانية. إعطاء تركية عشرة في المائة من حصة الحكومة من شركة النفط التركية
لمدة 2 سنة. أما النقطة الأولى فليست بذات أهمية لأن الأراضي التي ستضم إلى تركية من جراء إعطائها هذا الطريق هي عبارة عن بضعة أميال مربعة فقط وأما النقطة الثانية فلم تر الحكومة بدا من الموافقة عليها بغية تأمين السلم مع تركية وتأسيس العلاقات الودية معها. والحكومة تعتقد أن عقد هذه المعاهدة صفقة رابحة وإبرامها في مصلحة البلاد ومنفعتها لأن العراق قد حصل فيها على فوائد جزيلة منها اعتراف تركية بالعراق كدولة مستقلة وتأمين استقرار الأحوال في المنطقة الشمالية وذلك بتأليف لجنة الحدود الدائمة المنصوص عليها في المادة 11.
لقد ابرم المجلس الوطني التركي المعاهدة بصورة مستعجلة في اليوم السابع من هذا الشهر وفي اليوم الثامن منه بحث عنها وزير الخارجية البريطانية في مجلس عصبة الأمم وطلب
موافقته على التعديل الطفيف الذي طرأ على خط بروكسل فوافق المجلس على ذلك.
أن مصلحة البلاد تتطلب التعجيل في إبرامها لا سيما وأن المجلس الوطني التركي قد فعل ذلك قبلا وعليه ترجو الحكومة أن يتذاكر فيها المجلس العالي بصورة مستعجلة.
اقبلوا فائق الاحترام
رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون
نص المعاهدة
صاحب الجلالة ملك العراق:
وصاحب الجلالة ملك المملكة المتحدة بريطانيا العظمى وارلندة والممتلكات البريطانية في ما وراء البحار وانبراطور الهند
من جهة وصاحب الفخامة رئيس الجمهورية التركية من جهة أخرى
لما كانوا قد اخذوا بعين الاعتبار ما يختص بتعيين الحدود ما بين تركية والعراق من مواد المعاهدة الممضاة في لوزان في 24 تموز 1923
ولما كانوا قد اعترفوا بالعراق دولة مستقلة وبالصلات الخصوصية الناشئة
من المعاهدات ما بين العراق وبريطانية العظمى المعقودة في 10 تشرين الأول 1922 وفي 13 كانون الثاني 1926
ولما كانوا راغبين في اجتناب كل حادث في منطقة الحدود يخشى منه تعكير صفو الوفاق وحسن التفاهم ما بينهم: قرروا عقد معاهدة لأجل هذا الغرض وعينوا مفوضين عنهم:
صاحب الجلالة ملك العراق:
الزعيم نوري السعيد سي. أم. جي. دي. اس. او. وكيل وزير الدفاع الوطني في العراق.
صاحب الجلالة ملك المملكة المتحدة بريطانية العظمى وارلاندة والممتلكات البريطانية في ما وراء البحار وانبراطور الهند:
الريت هونورابل السر رونلد تشارلس لندسي كه. سي. ام. جي. - سي. بي. سي. في. او - سفير صاحب الجلالة ملك بريطانية العظمى فوق العادة ومفوضه لدى الجمهورية التركية.
وصاحب الفخامة رئيس الجمهورية التركية:
صاحب العطوفة الدكتور توفيق رشدي بك وزير الأمور الخارجية في الجمهورية التركية ونائب أزمير.
وهؤلاء بعد أن اطلع كل منهم على أوراق اعتماد الآخرين ووجدها طبق الأصول الصحيحة المرعية اتفقوا على المواد الآتية:
الفصل الأول - الحدود ما بين تركية والعراق
المادة الأولى - أن خط الحدود ما بين تركية والعراق قد تعين نهائيا حسب التخطيط الذي اقره مجلس جمعية الأمم في جلسته في 29 تشرين الأول 1924 والمبين فيما يلي:
وصف خط بروكسل ملحق بهذا
ومع ذلك فالخط المشار إليه فيما تقدم قد عدل جنوبي الامون واشوثا بحيث
يجعل ذلك القسم من الطريق المخترق الأرض العراقية بين هذين المكانين داخلا ضمن الحدود التركية.
المادة الثانية - أن خط الحدود المبين في المادة المذكورة مع مراعاة الفقرة الأخيرة من المادة الأولى هو الحد ما بين تركية والعراق، وحسبما مرسوم على الخريطة الملحقة بهذه المعاهدة بمقياس 250000م وإذا وقع اختلاف بين النص والخريطة يعول على النص.
المادة الثالثة - أن الحدود المبينة في المادة الأولى يعهد برسمها على الأرض إلى لجنة التخطيط. وهذه اللجنة تؤلف من ممثلين اثنين تعينهما الحكومة التركية ومن ممثلين آخرين تعينها الحكومتان البريطانية والعراقية بالاشتراك معا ومن رئيس يعينه رئيس الاتحاد السويسري إذا تفضل بقبول ذلك من الرعايا السويسريين.
تجتمع هذه اللجنة في اقرب ما يمكن من الزمان على أن يكون ذلك مهما كانت الأحوال في خلال الأشهر الستة التي تلي وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ.
تتخذ قرارات هذه اللجنة بأكثرية الآراء ويتحتم امتثالها على جميع المتعاقدين السامين وتبذل لجنة التخطيط جهدها في كل الأحوال في اتباع التعاريف الواردة في هذه المعاهدة بكل دقة.
تقسم نفقات اللجنة بالسوية ما بين تركية والعراق.
تتعهد الدول ذوات المصلحة بتقديم المساعدة للجنة التخطيط أما مباشرة أو بواسطة
السلطات المحلية في كلما يختص بإقامتهم وما يحتاجون إليه من الأيدي العاملة والمواد (من أعلام وأنصاب) اللازمة للقيام بمهمتها.
ويتعهدون علاوة على ذلك بالمحافظة على علامات المساحة والأعلام أو أنصاب الحدود التي تقيمها اللجنة:
تنصب الأعلام على أبعاد تمكن رؤية الواحد من الآخر وترقم وتثبت مواقعها وأرقامها في خريطة رسمية.
يحرر محضر التخطيط النهائي والخرائط والوثائق الملحقة عن ثلاث نسخ أصلية ترسل اثنتان منها إلى الدول المتاخمة والثالثة إلى حكومة الجمهورية الافرنسية
لأجل تسليم نسخ صحيحة منها إلى الدول الموقعة في معاهدة لوزان:
المادة الرابعة - أن جنسية سكان الأراضي المتروكة للعراق بموجب أحكام المادة الأولى تعين بمواد 30 - 36 من معاهدة لوزان ويوافق المتعاقدون السامون على استمرار حق الخيار الوارد في المواد 31 - 32 - 34 من المعاهدة المذكورة مدة اثني عشر شهرا ابتداء من دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ ومع ذلك تحتفظ تركية بحرية العمل في الاعتراف بخيار من يختار الجنسية التركية من الأهالي المشار إليهم أعلاه؛
المادة الخامسة - يقبل كل من المتعاقدين السامين بخط الحدود المعين في المادة الأولى خط نهائيا للحدود مصونا من كل تعرض ويتعهد باجتناب كل محاولة لتبديله.
الفصل الثاني - حسن الجوار
المادة السادسة - يتعهد المتعاقدون السامون تعهدا متبادلا بان يقلوا بكلما في استطاعتهم من الوسائل استعدادات شخص مسلح أو أشخاص مسلحين يقصد بها ارتكاب أعمال النهب والشقاوة (قطع الطرق) في المنطقة المجاورة للحدود وبأن يمنعوهم من اجتياز الحدود.
المادة السابعة - عندما يبلغ السلطات ذوات الاختصاص المعينة في المادة الحادية عشرة أن هناك استعدادات يقوم بها شخص مسلح أو أشخاص مسلحون بقصد ارتكاب أعمال النهب والشقاوة في المنطقة المجاورة للحدود يجب أن تنذر تلك السلطات بعضها بعضا بدون تأخير.
المادة الثامنة - تتبادل السلطات ذوات الاختصاص المذكورة في المادة 11 جميع ما يحدث
من أعمال النهب والشقاوة في أراضيها بأسرع ما يمكن وعلى السلطات المبلغة أن تسعى بكل ما لديها من الوسائل في منع مرتكبي تلك الأعمال من اجتياز الحدود.
المادة التاسعة - إذا تمكن شخص مسلح أو أشخاص مسلحون وقد ارتكبوا جناية أو جنحة في منطقة الحدود المجاورة من الالتجاء إلى منطقة الحدود الأخرى فعلى سلطات هذه المنطقة الأخيرة توقيف هؤلاء الأشخاص لوضعهم
وفقا للقانون هم وغنائمهم وأسلحتهم تحت تصرف سلطات الفريق الأخر الذين هم من رعاياه.
المادة العاشرة - أن منطقة الحدود التي ينفذ فيها هذا الفصل من المعاهدة هي كل الحدود الفاصلة ما بين تركية والعراق؛ كذلك منطقة تمتد من جانبي الحدود إلى مسافة 75 كيلو مترا داخلا.
المادة الحادية عشرة - أن السلطات ذوات الاختصاص المكلفة بتطبيق هذا الفصل من المعاهدة هي:
لتنظيم التعاون العام ومسؤولية القيام بالتدابير الواجب اتخاذها:
من الجانب التركي - آمر الحدود العسكري
من الجانب العراقي - متصرفا الموصل وأربيل
ولتبادل المعلومات المحلية والتبليغات المستعجلة:
من الجانب التركي - السلطات المعينة بموافقة الولاة
من الجانب العراقي - قائمقامو زاخو والعمادية والزيبار وراوندوز
وللحكومتين التركية والعراقية لأسباب إدارية تعديل قائمة سلطاتهم ذات الاختصاص على أن يعين ذلك أما بواسطة لجنة الحدود الدائمة المنصوص عليها في المادة 13 أو بالطريقة الدبلوماسية.
المادة الثانية عشرة - على السلطات التركية والسلطات العراقية أن تمتنع من كل مخابرة ذات صبغة رسمية أو سياسية مع رؤساء العشائر أو شيوخها أو غيرهم من أفرادها من رعايا الدولة الأخرى الموجودين فعلا في أراضيها وعليها أن لا تجيز في منطقة الحدود تشكيلات للدعاية ولا اجتماعات موجهة ضد أي الدولتين.
المادة الثالثة عشرة - تسهيلا لتنفيذ أحكام هذا الفصل من هذه المعاهدة بوجه عام؛ حفظا
لصلات حسن الجوار على الحدود؛ تؤلف لجنة حدود دائمة من عدد متساو من موظفين يعينون من وقت إلى آخر لهذه الغاية من قبل الحكومتين التركية والعراقية وتجتمع هذه اللجنة على الأقل في كل ستة أشهر مرة واحدة أو اكثر إذا اقتضت الحاجة. ومن واجب هذه اللجنة التي تجتمع مناوبة في
تركية والعراق أن تبذل جهدها في تسوية كل المسائل المتعلقة بتنفيذ أحكام هذا الفصل من المعاهدة تسوية ودية وكل مسائل الحدود الأخرى التي لا يمكن التوصل إلى الاتفاق على حلها بين موظفي مناطق الحدود المختصين بها.
تجتمع اللجنة للمرة الأولى في زاخو خلال شهرين بعد دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ.
الفصل الثالث - أحكام عامة
المادة الرابعة عشرة - بقصد توسيع نطاق المصالح المشتركة بين البلادين تدفع الحكومة العراقية إلى الحكومة التركية لمدة 25 سنة ابتداء من دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ. عشرة من المئة من كل عائداتها:
(أ) شركة النفط التركية عملا بالمادة العاشرة من امتيازها المؤرخ ب 14 آذار 1925
(ب) الشركات أو الأشخاص الذين قد يستغلون النفط عملا بأحكام المادة السادسة من الامتياز المتقدم ذكره
(ج) الشركات الفرعية التي تؤلف عملا بأحكام المادة 33 من الامتياز المتقدم ذكره
المادة الخامسة عشرة - توافق حكومة تركية وحكومة العراق على الدخول في المفاوضات بأسرع ما يمكن لعقد معاهدة تسليم المجرمين وفقا للعادات المألوفة بين الدول المتحابة.
المادة السادسة عشرة - تتعهد حكومة العراق بعدم إزعاج أو إيذاء الأشخاص المقيمين في أراضيها بسبب ما أبدوه من الآراء وسلكوه من المسالك السياسية في مصلحة تركية حتى التوقيع في هذه المعاهدة وبمنحهم عفوا تاما شاملا وتلغى جميع الأحكام الصادرة من هذا القبيل وتوقف جميع التعقيبات الجارية.
المادة السابعة عشرة - تدخل هذه المعاهدة في حيز التنفيذ عند تبادل وثائق الإبرام.
يبقى الفصل الثاني من هذه المعاهدة معمولا به لمدة عشر سنوات ابتداء من وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ.
لكل من المتعاقدين الحق بعد مرور سنتين على وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ في فسخ
هذا الفصل في كل ما يختص به منه ولا يصبح الفسخ نافذا إلا بعد مرور سنة على الإعلام بذلك.
المادة الثامنة عشرة - يجب إبرام هذه المعاهدة من قبل كل من المتعاقدين السامين وتبادل وثائق الإبرام في أنقرة بأسرع ما يمكن.
ترسل نسخ من هذه المعاهدة إلى كل من الدول الموقعة في معاهدة لوزان وشهادة على ذلك وقع المفوضون المذكورون أعلاه في هذه المعاهدة واثبتوا أختامهم فيها.
وكتب في أنقرة في 5 حزيران 1926 من ثلاث نسخ
توقيع توقيع توقيع
(ت رشدي)(آر. سي. لندسي)(نوري السعيد)
(لها تلو)
حروف الكسع في الألفاظ العربية والمعربات
المراد بحروف الكسع، ما يزاد منها في آخر الكلام للدلالة على معنى جديد يزيد اللفظة الأولى، قال الأزهري: العندليب: رباعي اصله العندل ثم مد بياء، وكسعت بلام مكررة، ثم قلبت ياء.
ويقال أيضاً لهذه الحروف حروف الإلحاق ومنه قول النحاة يلحق بآخر الفعل المضارع نون مشددة مفتوحة أو نون ساكنة
يقال لها نون التوكيد. وتسمى أيضاً الحروف المذيلة، لأنها تزاد في أواخر الكلم وهي بالإنكليزية
واللغة العربية من اللغات القديمة التي كسعت بعض الألفاظ الثلاثية فصيرتها رباعية. لأحداث معنى لم يكن في الأصل الثلاثي. ومن الكواسع المطردة في لغتنا تاء التأنيث اللاحقة في أواخر الأسماء والصفات المذكورة فيقولون في عم وخال وأخ: عمة وخالة وأخت (وكتبت الهاء تاء مبسوطة لأن الخاء ساكنة والكلمة ثلاثية، وألا ما جاز ذلك). هذا في الأسماء وقالوا في الصفات حسنة وحلوة وعربية في تأنيث حسن وحلو وعربي. وأما في الأفعال فأنهم بسطوا التاء للإشارة إلى الفعلية فقالوا: نجحت وسمعت وانقادت لتأنيث نجح وسمع وانقاد. وجعلوا هذه التاء في الأول للإشارة إلى المضارعية فقالوا: تنجح وتسمع وتنقاد في مؤنث ينجح ويسمع وينقاد.
وأصل هذه التاء أو الهاء مقطوع من تاء (أنثى) التي هي في اصل الوضع تاء مثناة لا تاء مثلثة. وتثليثها حديث وقد وقع بعد التثنية بكثير. يشهد وجودها بالمثناة في سائر اللغات السامية. فإنها منقطعة بثنتين في بعض اللغات وتلفظ بثنتين. ومنها منقطة بثنتين أيضاً لكنها تلفظ بثلاث. ومنها تنقط بثلاث وتلفظ بثلاث. لكن وجود
المؤنثات العربية منقطة بثنتين في أواخرها تدلنا على أن اصل تلك التاء كانت منقطة بثنتين.
ومن الكواسع المطردة في العربية: ألف التثنية في الرفع وياء التثنية في النصب والجر فيقولون في تثنية رجل وامرأة وحسن وحسنة: رجلان وامرأتان وحسنان وحسنتان. وهذه الألف مقطوعة من لفظة (اثنان) التي يقال فيها في حالتي النصب والجر اثنين وعليه انهم لما استثقلوا قولهم رجل اثنان وامرأة اثنتان قالوا: رجلان وامرأتان. فأفادوا في كلمة ما
كانوا يريدون أن يدلوا عليه بكلمتين.
ومن الأدوات المذيلة واو الجماعة في جمع المذكر السالم المرفوع وتقلب ياء في النصب والجر. فيقولون الكاتبون والكاتبين والأصل فيهما الواو. وهي مقطوعة من (كوم) فقولهم الكاتبون اصله (كاتب كوم) أي جماعة من الكتاب، فاكتفوا بالواو من الكوم للإشارة إلى ما يريدون. وأما الياء فهي مبدلة من الواو للدلالة على حالة النصب ويحتمل أن يكون اصل القوم أو الجوم (الكوم) فميزوا لفظة عن لفظة تمييز العاقل وهو قوم أو جوم من غير العاقل وهو كوم.
وأما تاء جمع السالم من المؤنث كما في مومنات جمع مومنة
فان التاء فيها مقطوعة من كلمة (فئة) فقولهم مومنات معناه فئة من المومنة. وهكذا استغنوا بحرف من الكلمة للدلالة على معنى الكلمة كلها. وأما الألف الزائدة قبل تاء الجمع فإما أن تكون مقلوبة عن همزة فئة. وأما أنها زيدت تمييزا لها من المؤنثة المفردة أي من قولهم مؤمنة. ومن هذا القبيل ياء النسب إلى الأعلام من رجال ومدن.
وما وقع في اللغات العربية والسامية وقع مثله في اللغات التي ليست من أخواتها. ونكتفي بهذا القدر من الشواهد لان ما بقي منها هو على هذا المنحى وكذلك القول في لغات الأجانب.
ولما كان عصر انحطاط العربية في القرون المتوسطة اتخذ العرب ألفاظا جمة من لغة الفرس وجروا فيها جري الأجانب في لغتهم، فقالوا: أستاذ دار وديوان خانه وطرازدان وتركستان وبيرقدار، لأستاذ الدار والمضيف وغلاف الميزان وديار الترك وحامل البيرق، فلم يذيلوا الألفاظ كما فعل السلف الفصيح اللسان. بل جاروا في أسلوبهم الفرس قصورا منهم وعجزا.
أما اليوم وقد اختلطنا بالأجانب الإفرنج وأخذنا في نقل علومهم العصرية إلى لغتنا. نرانا في حاجة إلى العودة إلى مناحي السلف في ضربنا الألفاظ على مضاربهم ووشيبا على طرازهم.
فمن ذلك ألفاظ كثيرة طبيعية وطبية وكيموية تنتهي أواخرها بأدوات هي كواسع لها، فتكون كواسع في لغتنا أيضاً من ذلك قولهم كبريتاة وخلاة وليموناة وهي في لغة على أن الجميع يكتبونها كبريتت وخلات (أو آسيتت وهذه في منتهى القبح) وليمونات
(ومنهم من يقول سترات وهي من المضحكات المبكيات).
أما أنه يجب علينا اتخاذ هذا المصطلح فواضح مما قدمناه من أعمال السلف قبل الإسلام بمئات من السنين في وضع المذيلات وهناك سبب آخر وهو: ليس لنا مبنى نعبر به عن الفكر الحديث وأن وجدنا منه ما يقاربه فأنه لا يقوم مقامه ولا يفيد مفاده، فمن الواجب التمسك به لعدم استغنائنا عنه. والسبب الثالث هو أن هذا المصطلح دخل في لغة العلم مهما كان أهلها فلقد دخل في اللغات الحامية والآرية (أو اليافثية) فلم يبق علينا إلا إدخالها في لغتنا السامية (وقد دخلت في العبرية الحديثة).
وكتابة تلك التاء بصورة هاء في الآخر من الواجب للدلالة على أفرادها، فإن العرب جعلوا الألف والتاء المبسوطة (هكذا ات) للألفاظ المجموعة، ولذلك لا تراها في لفظة مفردة، مصدرا كانت أو اسما أو نعتا. وحروفها تزيد على الأربعة. إلا رأيتها
مكتوبة على الوجه الذي نوجهك إليه فقد قالوا: ملاشاة ومباهاة ومساعاة في المصادر، وموماة وسعلاة وسلحفاة في الأسماء وعقاب عقنباة وعبنقاة وبعنقاة في الصفات. ولا ترى كلمة واحدة في بحر اللغة كلها وفيها المفردة منتهية بألف وتاء؛ بل بألف وهاء، ليس إلا. وإنما فعلوا ذلك ليسهل الجمع عليهم ويتميز عن المفرد فقالوا في جمع تلك الكلم: ملاشيات ومباهيات ومساعيات وموميات (في الجمع السالم وموام في الجمع المكسر وهو المشهور) وسعليات (وفي المكسر سعال وهو المشهور) وسلحفيات (وسلاحف في المكسر وهو المشهور) وعقبان عقنبيات وعبنقيات وبعنقيات.
أما الذين قالوا في جمع الألفاظ المذكورة في لسانهم كبريتاتات وخلاتات أو آسيتاتات وليموناتات فقد نطقوا بالهندية أو الكردية أو بالصينية أو بلغة لا نعرف نعتها. هذا فضلاً عن أن العربي الصميم إذا سمع الكبريتات والخلات والسترات تصور أنه يسمع ألفاظا مجموعة، مفرداتها كبريتة وخلة وسترة وهناك البلاء وصريف الأسنان. فالكبريتة القطعة من الكبريت على ما هو معهود في لغتنا من أن الهاء (أو التاء) اللاحقة بعض الأسماء المحتملة التجزئة تفيد الكسرة أو القطعة أو الطائفة منها. أما الخلة فللطائفة من
الخل، وابن المخاض، وابنة المخاض، والثقبة الصغيرة. أو عام والرملة الفردة، والخمر والحامضة منها أو المتغيرة بلا حموضة والمراة الخفيفة ومكانة الإنسان الخالية بعد موته والحاجة والفقر
والخصاصة والخصلة إلى غيرها من المعاني: فانظر بعد هذا إلى ما يستهدف له الكاتب إذا أصر على كتابة تلك الألفاظ بتاء مبسوطة.
والفضيحة تظهر في سترات لمن لا يقول ليموناة. فأنه يجمع سترة والسترة في كلامنا الفصيح: ما يستر به. وقد غلبت على ما ينصه المصلي قدامه من سوط أو عكازة أو غير ذلك سواء ستر جسمه بتمامه أم لا. وسترة السطح: ما يبنى حوله. والسترة في لغتنا العامية العصرية: ما يستر به الرجل أعلاه إلى عورته. فأي المعنى يريد من يقول السترات أفليس خير له أن يقول ليموناة لأن سترات مشتقة من (سترون) الإفرنجية وسترون معناه الليمون فتكون ستراة ليموناة لا غير؟
ومن هذا القبيل الألفاظ الإفرنجية العلمية المنتهية بياء ونون فيقولون بنين (لا كافئين أو قهوئين كما نطق بها بعض جهلة المعربين) وجبنين (وبعضهم قال كاسئين أو كازئين ولو قالوا كاسين أو كازين لكانا دون الأولين شناعة وقباحة) وحيوين
(وبعضهم يقول فيتامين) فان حرفي هذا الكسع (أي الياء والنون) يدلان على خلاصة تستخلص من المادة التي تكسع بها. فالبنين أو القهوين شبه قلوي ينزع أو يجرد من البن (الذي يسميه البعض قهوة وهو سائغ جائز) وهو مقو للقلب ومنبه له ويتخذ في الطب كثيرا. - والجبنين مادة تقوم اغلب ما في اللبن من الأحين أو جوهر الاح والحيوين جوهر لم يحل تحلية كيمية لكنه يدخل في الأعضاء على يد الأطعمة فيسهل تمثيلها في البدن.
ومثل هذه الكلم المنتهية بهذا التذييل كثيرة ولا يمكن الاهتداء إلى معناها ما لم تعد اللفظة إلى الأصل الراجعة إليه ويفرد في آخرها هذا الكسع المركب من حرفين الناطق بالضاد إذا عرف موطن هذا الكسع والغاية منه، ورآه في آخر كلمة عربية انجلى له معناه بخلاف ما إذا سمع كافئين وكاسئين أو فيتامين.
وهناك ألفاظ تنتهي بواو وزاي (والبعض ينطق بها بواو وعين والأول احسن لما نبينه) للدلالة على سكر يكون في المادة التي تكسع به مثل غلوكوز وسكروز ولكتوز فيقال في تعريبها دبسوز وصقروز ولبنوز. لأن غلوكوز مركبة من غلوكوس باليونانية ومعناه الحلو أو الدبس فإذا كسعت الكلمة. كسعت أصولها أي غلوك فإذا علمت أن غلوك هو الدبس قلت دبسوز ولا
يجوز أن تكسعها بالسين لان السين من علامات الأعراب عندهم فحينئذ يظن
القارئ أن دبسوس هي كلمة يونانية اصلية لم تذيل بشيء يغير جوهر معناها. اما سكروز فيجب أن يقال صقروز لأن العرب عرفت ضربا من السكر منذ العهد القديم وهو سكر التمر المعروف بالصقر. فسكروز وهو صقروز ويراد به سكر الابلوج (قصب السكر) المشابه له في أجزائه. كما أن الدبسوز سكر العنب والنشويات وأما اللبنوز فهو سكر اللبن. وهنا يظهر الخطأ في قولك لكتوس إذا استعملت الكلمة الإفرنجية وكسعتها بالسين لا بالزاي، أي إذا قلت لكتوس لا لكتوز فانك توهم أن الكلمة أصلية لا كسع فيها. ولهذا وجب التمييز بين كسع وكسع فضلا عن أن العود إلى الكلمة العربية وكسعها بالواو والزاي اصبح من اللازم اللازب عليك.
ومن هذا القبيل ما يكسع بحرفي (يت) فيقال في من: منيت فلا تقل مانيت لأن الكلمة الإفرنجية سامية الأصل من (من) والمراد بالمنيت سكر يكون في المن وفي بعض الفطر والكرفس إلى غيرها. - ويقال حلويت في ما يسمى بالإفرنجية دلسيت وهي مادة سكرية تكون في ذنيب الثعلب (هو اسم نبات يعرف عند الإفرنج باسم وعند العراقيين باسم ذنيب
الواوي (أي ابن آوى) وذنيب الثعلب. لأن سنبله يشبه ذنب أحد هذين الحيوانين) - ويقال غبيريت وهو من المواد السكرية ويكون في الغبيراء. - والعضليت (اينوزيت) وهو سكر يكون في العضلات أي في لحمها ولحم الرئة والكلية والكبد والطحال والمعثكلة (البنكرياس) والدماغ. - ومثلها الصنوبريت (البينيت والبلوطيت (اي كرسيت وسي الحلويت (أي اليسودولسيت وذلك أن الكلمة (يس) اليونانية مقلوبة السي العربية ومعناها المساوي والمثل والمشابه والمماثل في كلتا اللغتين ويجوز لك أن تقول: سيحلويت أو سحلويت من باب النحت وهو هنا بين وحسن، لأن معناه (مشابه الحلويت) أو (مساوي الحلويت) فركب من المضاف والمضاف إليه وهذا ما يرى مثاله في قول الأقدمين عبشمس في عبد شمس، ومرقسي في المنسوب إلى امرئ القيس والشفعنتي في المنسوب إلى الشافعي مع أبي حنيفة.
على أننا لا نوافق بعضهم في قولهم الحامض الكبريتيك والحامض الكبريتوس وذلك لأن الكواسع في الكبريتيك والكبريتوس موصوفية النزعة لا وصفيتها. ولهذا نخير عليها: الحامض الكبريتي في الأول والحويمض (مصغرة) الكبريتي في
الثاني وهاتان الصيغتان
أدل على المطلوب من الإفرنجيتين. ففي قولنا الحويمض إشارة إلى أن الحامض فيه قليل بخلاف الثاني أي الحامض فأنه غير مصغر فتدل صيغته على كثرته.
أما المنتهيات ب (ور) مثل كبريتور (سلفور) وفحمور (كربور) وسيانور فيبقى على حاله لخلو لغتنا من نظير يؤدي معناه.
أوضاع عصرية
في عهد الحضارة العباسية دفع الناطقون بالضاد حضارتهم إلى أعلى مستوى كان يعرف في ذلك العهد؛ ولما عربوا كتب الأجانب وضعوا ألفاظا لم تكن معروفة قبل زمنهم؛ وقد ألجأتهم الضرورة إلى وضعها ليعبروا عن حاجاتهم.
نعم أننا لا ننكر انهم قد ادخلوا ألفاظا جمة من السنة الأغراب ريثما يتسنى لهم وضع ما يقابلها في لغتهم أو يقبض الله لهم لغويين يرأبون الصدع. وأن أنكرت علي هذه الحقيقة أتيت إليك بكلام أحد شهود ذيالك العصر مثبتا لنا هذه الحقيقة:
قال في طبقات الأطباء (47: 2)
(ابن جلجل هو أبو داود سليمان بن حسان يعرف بابن جلجل كان طبيعيا فاضلا خبيرا بالمعالجات جيد التصرف في صناعة الطب وكان في أيام هشام المؤيد بالله وخدمه بالطب وله بصيرة واعتناء بقوى الأدوية المفردة وقد فسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربي وافصح عن مكنونها وأوضح
مستغلق مضمونها وهو يقول في أول كتابه هذا: أن كتاب ديسقوريدس ترجم بمدينة السلام في الدولة العباسية في أيام جعفر المتوكل وكان المترجم له اصطفن بن بسيل الترجمان من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي وتصفح ذلك حنين بن إسحاق المترجم فصحح الترجمة وأجازها فلما علم اصطفن من تلك الأسماء اليونانية في وقته له اسما في اللسان العربي فسره بالعربية وما لم يعلم له في اللسان العربي اسما تركه في الكتاب على اسمه اليوناني (اتكالا منه على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره باللسان العربي إذ التسمية لا تكون إلا بالتواطؤ من أهل كل بلد على أعيان الأدوية بما رأوا وأن يسموا ذلك أما باشتقاق وأما بغير ذلك بتواطئهم على التسمية) فاتكل اصطفن على شخوص يأتون بعده ممن يعرف أعيان الأدوية التي لم يعرف هو لها اسما في وقته ويسميها على قدر ما سمع في ذلك الوقت. فيخرج إلى المعرفة).
ثم قال ابن أبي اصيبعة في كتابه المذكور طبقات الأطباء (48: 2) قال ابن جلجل: وفي صدر دولته (أي دولة المستنصر الحكم) مات نقولا الراهب الذي بعثه الملك ارمانيوس ملك القسطنطينية في سنة 337هـ فصحح ببحث هؤلاء النفر الباحثين عن أسماء عقاقير كتاب
ديسقوريدس تصحيح الوقوف على
أشخاصها بمدينة قرطبة خاصة، بناحية الأندلس ما أزال الشك فيها عن القلوب وأوجه المعرفة بها بالوقوف على اشخاصها، وتصحيح النطق بأسمائها بلا تصحيف إلَاّ القليل منها. الذي لا بال به ولا خطر له؛ وذلك يكون في مثل عشرة أدوية).
فهذا كلام يدل على أن العرب توصلوا في الأخر إلى وضع ألفاظ عربية صرفة لما كان معروفا عند الإغريقيين. فلينتبه له.
ونحن نقتص اثر هؤلاء الأعلام ونقول: ما من كلمة أعجمية إلا ويمكن أن يوضع لها في العربية ما يؤدي معناها احسن تأدية، بل ربما كانت الكلمة العدنانية أو في بالمقصود من الأعجمية التي لم تبلغ مؤدى المطلوب إلا تواطؤا وصقل الألسنة لها والاجتماع على قبول ذلك اللفظ لما يعقده بناصية أولئك الواضعون له.
من الألفاظ التي نحتاج إلى أن نعرف مقابلها عندنا كلمة الإنكليزية أو الفرنسية. والمراد به مجموع عظام الإنسان على تركيبها الطبيعي فان السوريين قالوا في هذا المعنى: (هيكل عظام) والكلمة الإفرنجية يونانية الوضع معناها الضامر، الضعيف، اليابس، أو المنهضم الخاصرتين ثم توسعوا فيها فأطلقوها على مجموع عظام الإنسان بوضعها الطبيعي. والحال إننا إذا حذفنا من اليونانية علامة الإعراب أي يبقى عندنا أي سقل ويقل لفظة عربية معناها معنى اليونانية ومبناها مبنى اليونانية. فلا ندري أنقل اليونان عن العرب لفظتهم أم عرب الناطقون بالضاد كلمتهم عن الإغريقيين والذي أرجحه أنا هو الأول. قال في تاج العروس: السقل ككتف: الرجل أنهضهم السقلين أي الخاصرتين، وهو من الخيل القليل لحم المتنين خاصة. اه. فهذا كلام واضح أن الواديين من عين واحدة.
وفيها لغة أخرى الصقل بالصاد. قال في التاج أيضا: الصقل القليل اللحم من الخيل طال صقله أو قصر وقلما طالت صقلة فرس إلاّ قصر جنباه. وذلك عيب ويقال: فرس صقل بين الصقل: إذا كان طويل الصقلين وقال أبو عبيدة: فرس صقل: إذا طالت صقلته وقصر جنباه وأنشد: (ليس بأسفي ولا أقنى ولا صقل)
ورواه غيره ولا سغل. والأنثى صقلة والجمع صقال. اه
وعلى هذا لنا لغة ثالثة وهي سغل. قال في التاج أيضا: السغل ككتف الصغير الجثة الدقيق
القوائم الضعيف. عن الليث. . . أو السغل المضطرب الأعضاء. أو السيئ الخلق والغذاء من الصبيان كالوغل. يقال صبي سغل بين السغل، أو السغل المتخدد المهزول من الخيل. وسغل الفرس سغلا تخدد لحمه وهزل. قال سلامة ابن جندل يصف فرسا:
ليس باسغي ولا اقني ولا سغل
…
يسقي دواء ففي السكن مربوب
وقد سغل كفرح في الكل قال الصاغاني: وهي المعاني الثلاثة والسغل بالسكون الذي صدر به في هذه المعاني عن بعضهم. ومما يستدرك عليه. الاسغال الأغذية الرديئة كالاسغان ذكره الأزهري في تركيب سغن وهو يقول ابن الأعرابي. أهـ
وقال في مادة وغ ل: الوغل من الرجال: الضعيف النذل الساقط المقصر في الأشياء جمعه أوغال. . . والوغل السيئ الغذاء كالوغل ككتف وهذه عن سيبويه. وذكر في مادة سفن: الآسفان أهمله الجوهري. وهو هكذا بالفاء في النسخ والصواب الآسفان بالغين المعجمة. قال ابن العربي (كذا ولعله ابن الأعرابي اللغوي الشهير) هي الأغذية الرديئة ويقال باللام أيضاً كما في التهذيب. أهـ
ومما جاء في هذا المعنى والمبنى ما ذكره السيد مرتضى في مادة سقن قال: الاسقان: الخواصر الضامرة. أورده الأزهري في التهذيب خاصة عنه.
فهذه المواد كلها مع مشتقاتها راجعة إلى معنى واحد اصلي هو: الضعيف الضامر من الناس وغيرهم ثم توسعوا فيه وأطلقوه على مجموع العظام. فما علينا إلا أن نسلك في الطريق التي سلكوا فيها ونكتفي بالكلمة الواحدة عن عدة كلمات لا تقوم مقامها.
ومن جملة الأدلة التي تقنعنا باتخاذ الصقل ككتف بمعنى اللفظة الإفرنجية أن أبناء الغرب يقولون أن كلمتهم تفيد معنى الشخص المهزول كل الهزل الضامر الخواصر وهي كذلك في العربية فإذا قالوا فمعناه هذا صقل ولهذا لا نحتاج إلى أن ننطق بغير هذا التعبير المؤدي للمعنى كل التأدية. ويريد الإفرنج بكلمتهم المذكورة معنى الفكرة المجملة لما يريدون أن ينشئوه من الموضوع فيقولون أي مجمل فكرة المأساة. وأنت تتمكن من أن تقول في لغتك: صقل المأساة من باب المجاز كان للمأساة صقالا وصقالها مجموع فكرها غير حال بحلي الكلام على أنواعها وقد يطلق عندهم الصقل على مجموع خشب السفينة أو نحوها إذ يعتبرون عيدانها بمنزلة الخواصر للحيوان فإذا قالوا: هذا صقل السفينة فإنهم
يفهمون مجموع خشبانها. وكذا يصح هذا التعبير في العربية من باب المجاز.
فانظر إلى لغتنا هذه وغناها وكيف إنها تقوم بما تنتدب إليه بحيث إنها تناوئ أرقى لغة على وجه البسيطة بل تتحداها!
ومن ألفاظ وعند الإنكليز وهو نسيج خشن مهلهل يتخذ من قنب وقد يكون من غيره يستعمل لنوع من البسط ونسيج آخر يتخذ لأشرعة السفن. وأصحاب المعاجم الإفرنجية العربية قالوا: خيش وجنفاص وعندي أن الكلمة الإفرنجية (إنكليزية كانت أو افرنسية أو إيطالية وهي في هذه من أصل عربي وهو خنيف وهو أردا الكتان، لكن كتبة العرب العصريين جهلوا اللفظة العربية الأصلية فعربوا الإفرنجية بصورة جنفاص. وهكذا يتفق لنا أن نأخذ كلمتنا العربية عن أهل الغرب وهي عربية في نظر الإفرنج أنفسهم ككلمة الكحل فان الكلمة عربية فنقلها الإفرنج إلى صورة أو فقال فيها بعض ضعفاء الكتاب الكؤول والكحول والكول إلى غير هذه الروايات مع إنها عربية محضة ومعناها في الأصل الشيء الدقيق القوام، مهما كان ذلك الشيء سائلا أو جامدا.
جميل صدقي الزهاوي والآنسة مي
في نظر مجلة العالم الإسلامي الفرنسية
من مشاهير صحف الفرنسيين نشرة اسمها (مجلة العالم الإسلامي) وقد صدر الجزء ال 72 منها عن الثلاثة الأشهر الأخيرة من سنة 1925 فوجدنا في ص 209 منها ما هذا تعريبه:
ديوان الزهاوي
يعرف قراء مجلة العالم الإسلامي الابتكار الشاذ الفلسفي الذي عرف به الشاعر البغدادي، ذلك الشاعر الذي أقام له المصريون حفلات شائقة ناظرين إليه نظرهم إلى رجل مشهور من مشاهير هذه الساعة (راجع مجلة العالم الإسلامي في جزئها ال 13 ص 305، 465، 566 إلى 570 وغيرها)
في هذا الديوان فهرسان: أحدهما لعناوين القصائد والثاني للقوافي ويقسم هذا الديوان إلى 15 قسما. . . .
يستطيب المطالع قسم هواجس النفس وقسم المرأة ففيهما ما اشتهر به الزهاوي من الآراء الفلسفية وما يتعلق بالعمران والاجتماع. وإذا انتقلت منهما إلى باب (المشاهدات) وجدت فيه من الأناقة والظرف ما يعز وجود مثلهما في غير كتابه. وإذا وقفت على خاتمة أبوابه بلغت الرباعيات: وصاحبها يحاول إعادتها بين العرب بصورة دوبيت والفرس يعرفونها بالرباعية.
وقالت المجلة المذكورة عن (مجمل مما أرى) وهو للزهاوي أيضا.
هذه المجموعة هي عصارة نظريات غريبة جديدة بعبارة محكمة الأسر تتعلق بالجذب والدفع وما إليهما. وبعلم النفس والمجتمع والأنثوية أي (البحث عن تحسين حالة المرأة) والسلم.
وفي الصفحة التالية ذكرت المجلة تأليفا لمي (لمريم زيادة) اسمه الصحائف
فقالت عن هذا الكتاب ما هذا تعريبه: (مي هو اسم الآنسة ماري زيادة وهي - والحق يقال - إحدى الكواتب الممتازة بأحسن المواهب من العربيات الساعيات للحركة الجديدة.
وقد رأى أحد النقادين الإيطاليين أن يحتفل حديثا (بعبقريتها) وهذا الأمر لا يميز تمييزا حسنا حالة مي من جهة مبتكراتها لأن مي (وصافة) مبدعة يقظة موقظة كالكاتبة الإنكليزية الروائية (ويدا) فهي إذا (ويدا) العرب، تتلقف بسرعة ما تراه في الناس من التفاوت في العقول وأميال ذوي الإفهام في هذا العهد فتخرجه على احسن طراز من الدقة. - ولهذا لا تطلب منها مقدرة الزهاوي في بناء الأفكار، ولا مذهب الارتياب البالغ اوجه في سلامة موسى. فالأمالي أو الأوصاف الواحد والعشرين المدرجة فيها الصحائف تبحث عن مواضيع عصرية متدفقة سلاسة ودقة وشعورا لطيفا أنيقا. اه
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
في شهر حزيران 1926:
قانون غرف التجارة
صدرت الإرادة الملكية بقانون غرف التجارة العراقية. وقد نشر نص القانون في جريدة (الوقائع العراقية) الرسمية.
نهر الفرات
لم يزل نهر الفرات في هبوط وارتفاع وقد جرف الماء الخرم (ناحية الغماس وناحية السوارية وأماكن أخرى.
وفاة شكري الفضلي
توفي في 1 منه الكاتب الأديب شكري أفندي الفضلي (وقد نشرنا بعض ترجمته في هذا الجزء)
وفاة الشيخ جعفر آل راضي
توفي في النجف حجة الإسلام الشيخ جعفر آل الشيخ راضي ليلة الجمعة منتصف ذي القعدة سنة 1344 عن عمر يناهز 73 سنة.
أحوال اليزيديين
الأمن ضارب إطنابه في سنجار وقد نمت الزراعة فيه نموا كبيرا بخلاف أقصية الشيخان ودهوك وزاخو وناحية القوش فقد اتلف الجراد المزروعات حتى اضطر كثير من اليزيديين إلى الفرار إلى الجبل طلبا للرزق وانتجاعا للمرعى.
وقد روى إسماعيل بك اليزيدي أحد رؤسائهم الدينيين: أن اليزيديين في العراق ثلاثون ألفا لهم في جبل سنجار (60) قرية و (45) قرية في الشيخان ودهوك وزاخو، ونصف اليزيديين يسكنون جبل سنجار ومعظمهم من الأميين والأهالي يتكلمون الكردية وليس بينهم من يتقن العربية كتابة وقراءة وتكلما في الوقت الحاضر في العراق.
ورئيس اليزيديين في جهات الشيخان ودهوك وزاخو هو سعيد بك ويقال أن وارداته
السنوية تربو على (60) ألف ربية.
وعدد اليزيديين التابعين لحكومة إروان الأرمنية في جهات اروان وكمري (الكسندروبول)(5) آلاف بيت أي (25) ألف نسمة على وجه التقريب. وقد فتحت لهم الحكومة هناك 11 مكتبا ابتدائيا.
الطاعون في بغداد
في بغداد بعض إصابات بالطاعون في كل يوم في هذا الشهر منها ما يشفى ومنها من يموت بها.
بين الضفير وعنزة
روت (الأوقات العراقية) في البصرة أنه نظرا إلى وقوع الشقاق والخلاف بين قبيلتي عنزة والضفير ينتظر وقوع معارك دموية وغارات متبادلة بين الطرفين
وتفيد الأخبار الواردة في هذا الحين أنه شوهد نحو 400 هجان من عنزة شمالي أبي غار يتحينون الفرص للإغارة على الضفير.
موظفوا الإدارة في العراق
صدرت الإرادة الملكية بتعيين محمد ياسين أفندي قائم مقام لقضاء عانه
وعبد الرحمن بك لقضاء خانقين
وخليل عزمي أفندي لقضاء دلتاوة
المعاهدة العراقية التركية الإنكليزية
وقع في منتصف ليلة 6 حزيران 1926 على المعاهدة العراقية التركية البريطانية في أنقرة ووثقها (وأبرمها) المجلس الوطني التركي الكبير في أنقرة في اليوم 7 منه.
وصدقها مجلس الأمة العراقي في اليوم 14 منه. (المنشورة في هذا الجزء)
أمراض نخل هذه السنة
أصاب نخلنا هذه السنة عدة أمراض وأول داء حمل عليها كان في أول عهد تفتق طلعها، فانه ما كاد يضحك عن نضيده إلَاّ وأمطر السماء مدرارا، فذهب عن الفحال لقاحه، فلم
يؤثر فعله في طلع الأنثى، فشيص كثير منه. وهذا هو الداء الأول.
أما الداء الثاني فهو أنه لما كان إتاؤه صغيرا أي حينما كان سداء (خلالا ناعما) انتفض أكثره لرطوبة الهواء المفرطة يومئذ. وهذا الداء يعرف عند قدمائنا بالقشام.
وبينما كان سداء أيضاً تسلطت عليه آفة ثالثة وهي الحميراء (مصغرة) وهو الداء المعروف عند السلف بالمغر (وزان سبب) وهو مرض يحمره ويوبسه فيتناثر على الأرض متساقطا.
وكان قد سبق هذه العاهات آفة منعت النخل من الحمل هذه السنة لأسباب مجهولة الآن ولعل بين هذه الأسباب أن حمله كان كثيرا في السنة الماضية. وهذه الآفة عرفت عند السلف باسم الطق (وزان سبب).
إنكليزيان في اسر الشيخ محمود الكردي
الشيخ محمود الكردي شق عصا الطاعة على الحكومة في ما وراء السليمانية وقد نقلت جريدة (الأوقات البغدادية) البغداد تايمس في قسمها العربي أنه بينما كان سرب من الطيارات البريطانية الحربية قائما مؤدبا الشيخ محمود الكردي وهو حفيد كاكا احمد طرأ خلل على محرك طيارة من تلك الطيارات فاضطرت إلى النزول إلى الأرض وسرعان ما اقبل عليها رجال الشيخ محمود فاسروا الضابط دني (السائق) والضابط هيرست (الراكب)
انفضاض الدورة الأولى
لمجلس الأمة
انفض مجلس الأمة العراقي لدورته الأولى في 14 حزيران 1926 وكان قد مدد مرتين.
غرفة الآثار البابلية
احتفل جلالة الملك فيصل المعظم بافتتاح غرفة الآثار البابلية لدار الآثار العراقية المنتقلة إلى بنايتها الجديدة في مطبعة الحكومة في الدنكجية في بغداد في اليوم 14 من حزيران 1926 ومديرة الآثار الشرقية هي المس كرتروديل الكتوم الشرقية لدار الاعتماد البريطاني في بغداد.
وقد نقلت إلى هذه الدار بعد أن كانت في أبنية دار الحكومة (السراي) كما نقلت إدارتها من
وزارة الأشغال والمواصلات إلى وزارة المعارف.
وزير الداخلية الجديد
قام فخامة عبد المحسن بك السعدون رئيس وزراء حكومة العراق ووزير خارجيتها بوزارة الداخلية بالوكالة بعد أن ترك هذه الوزارة معالي حكمت بك سليمان (شقيق محمود شوكت باشا وزير الحربية في السلطنة العثمانية الذي اغتيل سنة 1913) على اثر انتخابه رئيسا لمجلس النواب العراقي.
وقد أسندت وزارة الداخلية إلى معالي عبد العزيز بك القصاب متصرف لواء الموصل في 20 حزيران 1926
تمثال ملك آشوري في المتحفة التركية
في آذنة
ما برحت المتحفة التركية في مدينة (آذنة) تتسع وتزداد قيمتها بما يضاف إليها من الآثار المهمة. وآخر ما دخل فيها تمثال مهم للملك الآشوري (اسرحدون) الذي عثر عليه الترك على ضفاف الفرات عند جرابلس. وقد دخل هذه المتحفة كذلك عجلة (عربية) صيد آشورية وتماثيل متعددة من آثار الحثيين.
قضاء رانية
حولت ناحية رانية التابعة للواء ارل إلى قضاء وعين مديرها عبد الكريم أفندي قائم مقامها بالوكالة
وفاة الشيخ محمد حسن أبو المحاسن
توفي في (جناجة) من قضاء طويريج في 24 حزيران 1926 العالم الأديب الشيخ محمد حسن أبو المحاسن الذي كان وزيرا لمعارف العراق مدة ودفن جثمانه في الصحن في النجف.
أمراض النخيل في العراق
أصيب نخيل العراق بمرض اسقط حمله وهو خلال. وريع النخل قدرت ضرائبه عن هذه
السنة باثنين وعشرين لكا. لكن هيهات أن يحصل منها على الثلث. لان أهل الخبرة قدروا إن معدل التمر لا يزيد على 35 أو 40 في المائة من الاتاء المألوف في سني الحمل الحسنة. وضرر نخل الديار الواقعة على دجلة والفرات هو اعظم مما هو في نخيل البصرة فمعدل ما في البصرة لا يتجاوز الأربعين أو الخمسة والأربعين من المائة أما في الفراتين فلا يربو على الثلاثين أو اكثر.
المجالس الاستشارية في الحجاز
قررت الحكومة الحجازية تأليف مجلس استشاري في كل من مكة والمدينة
وجدة وينبع والطائف ينتخب أعضاؤها مباشرة وتنظر في المسائل المحلية المهمة.
السيل في الحجاز
هطلت أمطار في مكة بشدة فكان منها سيل عظيم كما عمت السيول جهات المدينة ورابغ، وقيل أن الحالة كذلك في نجد.
السيارات في الحجاز
أحضرت شركة السيارات 25 سيارة كبيرة تسع كل منها 14 راكبا وجاء معها سواقها والمهندسين وشرع السير بها بين جدة ومكة بانتظام.
فتنة الجوف في اليمن
تنازع رجال قبيلة (ذوو محمد) في الجوف فتقاتلوا فسير سيادة الأمير قوة من 500 جندي بقيادة وزيره السيد عبد الله وسلحها بمدفعين فلما وصلت إلى منزل القبيلة كفت عن الخصام والنزاع واستقبلت الوزير بالترحاب
فدعا رؤساء القبيلة وبحث عن أسباب النزاع بينهم وأعاد المياه إلى مجاريها وعاد إلى صنعاء ومعه رؤساء القبيلة لمحاكمتهم.
مؤتمر مكة للخلافة ومستقبل البلاد الحجازية
احتفل في 8 حزيران 1926 بافتتاح ابن سعود سلطان نجد مؤتمر مكة فنظر في مسألة الخلافة ومستقبل البلاد الحجازية
ملكة الحجاز
قدمت عاصمة العراق بغداد مساء الجمعة في 11 حزيران صاحبة الجلالة ملكة الحجاز وزوج الملك علي ملك الحجاز سابقا المقيم الآن في بغداد وقد استقبلت استقبالا جديرا بمقامها.
بين الإمام يحيى والإمام ابن سعود
كان الأخوان قد فتكوا بألفي حاج يماني ولهذا أوغر صدر الإمام يحيى حميد الدين وتوقع الناس أن تنشب الحرب بين الطرفين ولا سيما أن مذهبهم يختلف عن مذهب خصومهم.
العدد 36
- بتاريخ: 01 - 08 - 1926
أأوضاع خالدة
؟
الناطقون بالضاد من أرباب العلم والقلم هم اليوم على ثلاثة أقسام: قسم يريد اتخاذ الألفاظ الأعجمية الجديدة وأساليب سبكها وإدخالها في لغتنا. وأصحاب هذا الرأي هم المهاجرون من العرب النازلون في أميركة وأوربة وترى منهم بين المصريين جماعة غير قليلة. وعذرهم أن الحياة هي في التغير والتبدل وان هذه الزيادة غنى وثروة للغة.
وقسم لا يريد شيئا من ثروة الأعاجم ولو كان زهيدا. وهم حملة الأقلام في سورية وفلسطين والعراق وبعض مصر. وحجتهم أن الغنى لا يتوقف على ما يعيق حركة جسم اللغة، بل ما يعينها ويمثل دمها وأعضائها فتكون لها قوة جديدة وعونا لها وثروة. وإلا فما كان مخالفا لأوضاع العرب ولغتهم فإنه لا يتحد بها بل يشينها ويمرضها، لا بل ربما أودى بحياتها، فجسم الإنسان إذا تجاوز سمنة القدر اللازم له عد مريضا لا صحيحا.
وقسم يقول بان خير الأمور أوساطها. فعلينا أن نأخذ من لغة الأجانب ما لا يمكن أن نحققه في لغتنا ولا نجد فيها ما يؤدي معناه؛ أو أن ما يقابله في
اللغة الضادية هو اليوم مجهول. فيتخذ المعرب من كلام الأغراب ريثما نعرف ما يعوض عنه في لغتنا وأرباب هذا الرأي منتشرون في جميع الديار العربية اللسان.
فأصحاب الرأي الأول يقلون إذ يرون أن الغنى على غير وجه مشروع سرقة والثروة غير مرغوب فيها أن أضرت صاحبها. أما رأي القسم الثالث فأنه رأي حسن وهو رأي أغلب المعتدلين في الوصول إلى تحقيق الأماني. أما رأي القسم الثاني فهو في نظرنا من أحسن المذاهب. أن وفق له رجال واقفون على لغة من اللغات الإفرنجية ومطلعون على أسرار اللغة المبينة العدنانية. ومن أصحاب هذا الرأي في بغداد العربي الصميم الأديب أبو قيس عز الدين علم الدين التنوخي وكاتب هذه السطور صديقه المعجب به.
أنتدب أبو قيس لنقل كتاب الطبيعيات لمؤلفه الفرنسي فرنان ماير إلى العربية فأفرغه في قالب يكاد يرضي جميع أبناء يعرب: إلا إنه غالي في وضع الألفاظ حتى أضطر إلى مخالفة أصول القواعد المعهودة التي أقرها جميع النحاة من أصحاب سيبويه ومن معارضيه.
ولهذا نستأذن صديقنا في إبداء رأينا في هذا الصدد:
وأول كل شيء نأخذه عليه انه عرب كلمة بقوله (فيزياء) حملا لها على كيمياء. لكن كيمياء هي كذلك في اليونانية بخلاف فيزياء. فكان يحسن أن يقال فيها فوسيقي وزن موسيقي. لأن الكلمة اليونانية فوس (بعد تجريد علامة الإعراب منها وهي س) ومعناها الطبيعة مكسوعة بأداة النسبة أو الصفة وهي عندهم (قي) إذن كان يجب أن يقال فيها (فوسيقي) كما قال السلف موسيقي وارثماطيقي وافودقطيقي وطوبيقي وسوسفطيقي وريطوريقي وبيوطيقي (راجع مفاتيح العلوم للخوارزمي ص141 وما يليها من طبعة بويل في ليدن).
هذا إذا أردنا التعريب على أساليب السلف. بيد إننا ندعي أن كلمة (فوس) اليونانية أو الإغريقية هي كلمة عربية الأصل. أخذها اليونانيون عن العرب حينما كان يجمعهم صعبد واحد مختلطين بعضهم ببعض. (وفوس) بالعربية (توس)
معنى ومبنى. فقلب الإغريقيون التاء فاء كما قلبوها في ألفاظ غيرها. وقد يحتمل أن بعض العرب كان يتلفظ بها بالفاء وهو غير بعيد، لأن اللغويين لم يذكروا لنا اختلاف جميع القبائل ولغاتهم للفظة الواحدة بل ذكروا منها بعضا ليذكروا بها القوم ويملوا ما كان من هذا الغرار على ذلك المنحى. أما ورود التاء والفاء متبادلة على لغة بعض القبائل فظاهر من هذه الألفاظ: المحتد المحفد. سحت وسحق بمعنى قشر. تش سقاءه وفشه. النكات والنكاف وهناك غيرها وهي كثيرة. وعليه لو قال صديقنا (التوسيات) بدلا من (الفيزياء) لما لامه أحد، بل لوافقه عليها كثيرون والعالم للتوسيات: توسي لكنه خالف الصراط السوي في الوضع الأول والثاني فلا أرى من يتبعه في وضعه هذا غير أفراد قلائل.
على إننا وأن كنا نرى أن التوسيات من المعرب الحسن أو من الوضع العربي الصميم. إلا أننا لا نستحسنه لأن السلف سبقونا إلى وضع لفظ لهذا العلم وسموه علم الطبيعة وهي الشائعة في كتب علمائنا الأقدمين. قال في كشف الظنون علم الطبيعة علم يبحث فيه عن أحوال الأجسام الطبيعية وموضوعة الجسم. أهـ ويقال فيه علم الطبيعي (أي علم الجسم الطبيعي) وعلم الطبائع والعالم به طبيعي أو طبائعي. قال في صبح الأعشى (248: 13) نقلا عن كتاب التعريف بالمصطلح الشريف: (الدروز. . . ينكرون المعاد من حيث هو،
ويقولون نحو قول الطبائعية: إن الطبائع هي المولدة والموت بفناء الحرارة الغريزية كانطفاء السراج بفناء الزيت إلا من اعتبط) أهـ. وقد ذكر دوزي المستشرق في معجم (الملحق بالمعاجم العربية في 23) أن الطبيعي وعلم الطبائع وردتا عند العرب بمعنى (أي التوسيات أو الفيزياء كما يقول صديقنا) والعالم بعلم الطبيعي: طبيعي وطبائعي: وقد اثبت ذلك بشواهد نقلها عن كتب العرب؛ غير الشواهد التي أتينا بها.
وقد يعترض علينا الصديق التنوخي قائلا (ص ج): إنا أن ترجمنا فيزيك بالطبيعة لم تتخصص الترجمة: أو قلنا الحكمة الطبيعية عبرنا عن كلمة بكلمتين وصعبت النسبة. وإذا نسبنا إلى الموصوف وقلنا طرشلي الحكمي ظنه القارئ حكيما فيلسوفا: أو إلى الصفة وقلنا الطبيعي ظنه باحثا عن المواليد
الثلاثة كأرسطو وبلينيوس القديم وبوفون. أهـ
قلنا: اتضح مما قدمناه قبيل هذا أن الفيزيك هي علم الطبيعة أو علم الطبيعي وعلم الطبائع وأن العالم به هو الطبيعي أو الطبائعي فهو من المترجم إلى العربية كلمة بكلمة منذ القدم. فإذا وصفنا طرشلي قلنا عنه: الطبائعي ولا حاجة إلى ذكر الحكمة فإن الحكمة الطبيعية غير معروفة عند العرب بل عند الأتراك. وقولك الطبائعي يميزه عن (المواليدي) وهو العالم بعلم المواليد وعلم المواليد هو وأما الناتور والست بغير هذا المعنى فهو الدهري (بضم الدال) عند العرب.
نتيجة هذا البحث إننا لا نرى حاجة إلى إدخال كلمة جديدة في لغتنا تغلق علينا باب المعرفة أو توصد في وجهنا إدراك كتب السلف في حين أننا في منوحة عنها وغنى: فضلا عن أن المعرب لا يقابله عند الإفرنج شيء فهو من المعرب الموهوم والخطأ.
وسمى أديبنا الفاضل كتابه (مبادئ الفيزياء) فنحن لا نوافقه على كلمة مبادئ هنا جريا على ما في معاجم لغة الأجانب فمعنى أو هو مجموع معارف أولية تسير بك إلى مطلوبك من علم أو فن أو صناعة (راجع معجم لاروس) من غير أن تطلعك على كامله الذي تسعى إليه. وسمت العرب هذا الطرف من العلم غير الكامل: (ذروا) قال ابن مكرم في مادة ذرو: (وفي حديث سليمان بن صرد قال لعلي كرم الله وجهه: بأني عن أمير المؤمنين ذرو من قول تشذرلي فيه بالوعيد فسرت إليه جوادا.) ذرو من قول أي طرف منه ولم يتكامل. قال ابن الأثير: الذرو من الحديث ما ارتفع إليك وترامى من حواشيه وأطرافه من قولهم ذرا
فلان أي ارتفع وقصد. . . والذرو لغة في الذرء. انتهى
ونحن إن قلنا: نفضل (ذرو من الطبيعيات أو من الطبائع) على قوله: (مبادئ الفيزياء) لا نريد أن نخطئ كلام العربي الغيور. بل نفضله عليه من باب إتقان نقل المعنى الموجود في الافرنسية إلى العربية فالذرو والذرء من واد واحد كما أن هو من هذا الوادي عينه.
هذا واعتراضنا على صاحبنا الودود غير متوقف على هاتين الكلمتين. بل على طريقته التي جرى عليها في وضع ألفاظ كثيرة ننكرها عليه وعلى كل من يتخذها لأنها مخالفة لأوضاع العرب البتة وهي هذه محرار (ثرمومتر) محلاب (لكتومتر) محماض (آسيديمتر مدفأة (بوال ثم قال في شرحها: (آلة الدفء وهي من أوضاع الشيخ عبد القادر المغربي.) أما نحن فنقول: لا يمكن أن تكون اللفظة مدفأة وزان مكنسة. بل مدفئة كمطفئة أي بضم الميم فسكون الدال فكسر الفاء يليها همزة مفتوحة وفي الأخر هاء من فعل أدفأ. لأن اسم الآلة لا يصاغ من اللازم كما سنذكره. مرضخة (كاس نوازيت - مرطاب (هغرومتر مروآح (آنيمومتر مرواز (بارومتر مزجة (سير مسعار (كالوريمتر مضرام (بيرومتر مضغاط (مانومتر معبرة (اكلوز مضغطة (ماشين دي كومبرسيون مغوصة (اسكافاندر مقدرة (مترونوم مقواة (دينامومتر مكثاف (دانسيمتر مكحال (الكوومتر ممطار (بلوفيومتر مملاح (بيزسيل - ملطاس (مارتوبيلون - منزحة (بومب دي مهبط (افال الميزاب (المحز العميق
فأغلب هذه الألفاظ مشتقة من الفعل اللازم وهو مما لم يرد في لفظ واحد من كلام العرب على كثرة أسماء الآلات. ولهذا لا يجوز أن يقال البتة: محرار ومحماض ومرطاب ومرواح ومضرام ومقواة ومكثاف وممطار ومملاح فكلها تقاوم المزية العربية اشد المقاومة وتأباها. وأن كان لا بد من وضع لفظ عربي لكل هذه الأدوات فيجب أن يشتق لها من المزيد وأن يكون المعنى: آلة يتحقق بها الأمر الفلاني مثلا آلة يتحقق بها درجة الحر. ولمثل هذا المعنى يتخذ له استفعل لأنه يأتي بمعنى وجد الشيء أو تحققه أو أصابه. قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: (وتأتي استفعلت بمعنى وجدته كذلك تقول: استحدثه أي
أصبته (بمعنى وجدته) جيدا وأستكرمته واستعظمته وأستسمنته واستخففته واستثقلته: إذا أصبته كذلك. أهـ
فإذا علمنا ذلك سهل علينا وضع ألفاظ كثيرة نصوغها صيغة اسم الفاعل فنتخذها أسماء للآلة لأنهم اعتبروا أسماء الأدوات من قبيل الفاعل، فلما قالوا مكنسة تصوروا فيها أنها هي الكانسة وكذلك القول في المبرد والمرقم والمزبر ونحوها. وعليه إذا أردنا أن نسمي آلة بأنها تصيب الحر أي تجده أو تتحقق من وجوده قلنا: مستحِر بكسر الحاء للثرمومتر. ومستحمض للاسيديمتر. ومسترطب للهغرومتر. ومستروح للانيمومتر ومستضرم للبيرومتر ومستقواة للدينامومتر ومستكثف للدنسيمتر ومستكحل للالكوومتر ومستمطر للبلوفيومتر ومستملح لمقياس الملح. وإذا أردت جمعها فلك الخيار بين وجهين فإما أن تقول مستحرات ومستحمضات إلى آخرها جريا على القياس في جمع المؤنث السالم للأسماء غير المعقولة. وأما أن تكسرها على محار (بتشديد الراء) ومحاميض ومراطيب ومراويح ومضاريم إلى آخرها. على غرار ما قال السلف في جمع مكسر مقعس مقاعيس (التاج واللسان في قعس) وفي مستنكر مناكير (عن سيبويه وراجع اللسان والتاج في نكر) وفي جمع منقطع مقاطيع (التاج في صفد) إلى غيرها وهي كثيرة عندهم.
ومما يستحب التنبيه عليه هنا هو أن لبعض الألفاظ التي اتخذها صديقنا المحبوب معنى سابقا غير المعنى الذي أشار إليه فالمرضخة عند السلف: حجر يرضخ به النوى كالمرضاخ - والمرواح: نوع من العنب كثير الماء كبير النوى - والمسعار كالمسعر هو ما تسعر به النار أي تضرم به - والمكحال: الملمول يكتحل به كالمكحل والملطاس: معول غليظ تكسر به الحجارة وحجر يدق به النوى - والمنزحة الدلو وشبهها مما تنزح به البئر. إلى غير ما ذكرناه. أفلا يخشى أن تختلط المعاني الحديثة بالمعاني القديمة. إذا ما التجأ العربي إلى التنقير عنها في دواوين اللغة؟ لكن قد ينقدنا الأخ هذا النقد عينه للكلم التي وضعناها - فجوابنا إن لمصطلحاتنا في الكتب معاني معقودة بنواصي المعقولات. لا باعنة مالا يعقل أي
بالآلات. والبون بين الاثنين بين لكل ذي عينين. أما مصطلحات الأخ الحبيب فإنها تختلط بالآلات القديمة كما ترى.
وفي بعض الحروف التي وضعها المعرب طائفة لا توافق المؤدي المطلوب وهي تلك الأسماء المشتقة من فعل متعد. فالمحلاب مثلا يصح أن تسمى به الآلة التي يحلب بها لا الآلة التي تكشف لنا ما في اللبن الحليب من صفاته التي يتميز بها. والمسعار الآلة التي
يضرم بها النار لا الآلة التي يقاس بها قدار الحرارة التي تخرج من الجسم بأي تأثير كان. وهكذا نقول عن المضغاط والمضغطة إلى أمثالها.
ونستحسن المرواز للبارومتر. فإنه اشتقاق صحيح وكذلك المكثفة لإناء التكثيف والمغوصة للآلة التي يتخذها الغائص في بلوغه إلى قعر البحر ليرى ما فيه ونخير المبدغة على المرضخة. لأن هذه لكسر النوى بخلاف المبدغة فإنها مشتقة من بدغ الجوز واللوز أي كسره وهذا ما يريده الإفرنج من قولهم - ونستحسن الملطاس بالمعنى الجديد الذي يريده ومن هذا القبيل أيضاً المنزحة بمعناها الحديث.
والمزجة تصح على الموضع الذي يكثر فيه الزجاج لا للمكن بتشديد النون وهو بيت من الزجاج تكن فيه النباتات من الأذى أما المضغاط فلا يؤدي المعنى المطلوب من المانومتر. لأن المانومتر آلة تتخذ ليعرف بها مبلغ توتر البخار والغاز أي آلة تدل على أن البخار أو الغاز بلغ أقصاه من الامتلاء وفي لساننا المبين لفظة بديعة تؤيد هذا المعنى وهو حظرب يقال حظرب الوتر والحبل: أجاد فتله وشد توتيره وضرع محظرب: ضيق الإخلاف فاسم هذه الآلة يكون المحظرية وهي من أبدع الكلم التي تصور لنا أن هذه الآلة تدلنا على أن البخار والغاز ملأ الموضع فحظر به.
وأما المعبرة أو حوض المرور فكلاهما لا يؤيد معنى الفرنسية لأن معنى هذه الكلمة عندهم خشب يوضع في مجرى الماء يسد ويفتح على هوى صاحبه ليتمكن من إجرائه وإمساكه. وهذا ما سماه العرب بالصناعة وزان جبارة فلا حاجة إلى إدخال كلمة في لغتنا نحن في غنى عنها. قال في القاموس: الصناعة
مشدودة وكسحاب (كذا والصواب وكسحابة): خشب يتخذ في الماء ليحبس به الماء ويمسكه حينا. أهـ
والعراقيون يقولون في معنى مهبط النهر المنحدر وهو احسن لأنه عربي فصيح ويقولون: فلان انحدر في سباحته إذا اندفع مع مجرى الماء وأما الميزاب فمعروف عند العرب أنه يقابل عند الإفرنج أي المرزاب أو المرزيب عند العراقيين. وأما المحز العميق فيوافق في العربية المسلك والمزلق والمزلج والمزل والطريقة وياما أكثرها ولنبق المئزاب لمؤداه الحقيقي.
فيتحصل مما تقدم بسطه حتى الان، ومما أوضحناه من الاطراد على القياس أن ما لم
يجيء على هذا المنحى لا يرضى به فصيح ولا يتخذه في كلامه. ويجدر بنا هنا أن نتذكر قول ابن جني في كتابه الخصائص (132: 1) ضعف الشيء في القياس. وقلته في الاستعمال. مرذول مطرح. أهـ وقال في 362: 1 ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. ألا ترى انك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره أهـ. وقال في ص367: ألا ترى أنه ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع فإذا حذا إنسان على مثلهم وآم مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعا ولا أن يرويه رواية. أهـ
فهذه الأقوال كلها جديرة بأن تكتب بماء الذهب. وهي كلها تعمد ما ذكرناه من الجري على أساليب اللغة المبينة وتضعف عمل من خالفه كما يتضح لأدنى تأمل.
هذا ونحن لم نتعرض هنا لكل لفظة وضعها العربي الصميم. بل وضعنا لك منه ومن غيره من أغراض كلامهم ما يستدل به ويستغنى ببعضه من كله بإذنه تعالى وطوله.
والآن نتقدم إلى ذكر بعض التعابير الإفرنجية النزعة التي اتخذها الكاتب البارع والتي لا نوافقه عليها ونفضل عليها تعابيرنا العربية الصحى والفصحى. قال حرسه الله في ص195: تنفتح الحنفيات انفتاحا تلقائيا (ثم شرح في الحاشية
هذا التعبير لتأكده من عجمته فقال: أي من تلقاء نفسه. وأظن أن الفصحاء يقولون في مثل هذا الموطن تنفتح الحنفيات عفواً.
وقال في تلك الصفحة بسطة البخار ثم شرحها في الحاشية بقوله أي انبساط البخار بعد انضغاطه. وأظن أن السلف يقول في مثل هذا المعنى: انفشاش البخار. وحينئذ لا حاجة إلى الشرح إذ العراقيون يعرفون هذا المعنى ويتلفظون به وهو من فصيح كلام البلغاء.
وقال في ص197 فيدير بدورانه محورا فلزيا أفقيا يسمى (شجرة) الآلة. وافضل عليها هذا التعبير: فيدير بدورانه محور فلز معترضا يسمى (سرنا) بفتح السين وسكون الراء يليها نون. أما قولنا محور فلز لا محورا فلزيا، فهو لأن الفصحاء اجتنبوا بقدر ما أمكنهم استعمال الألفاظ المنسوبة كلما تيسر لهم. نعم قول الصديق محورا فلزيا لا غبار عليه. لكنه اثقل من قولك محور فلز. وذوق كل كاتب دليله في مثل تفضيل سبك عبارة على سبك عبارة أخرى. وأما قولهم أفقيا بمعنى قائم في عرض الشيء. فإن المعربين وقروا أسماعنا
بها. وهو من المعرب الحرفي عن الأجناب. أما كتبة العرب الفصحاء فقد قالوا ويقولون محور فلز معترضا. وأما الشجرة فليست معروفة في لغتنا بالمعنى الذي يشير إليه والمعروف في كتب أهل الفن هو السرن. قال فينلون في كتاب الحيل الروحانية ص60 اتخذ سرنا فيه دوارة ذات أسنان يدير هذه البكرة. ويكون طرف السرن خارجا من الطشت عليه حلقة. . .) وذكر السرن مراراً عديدة وفسر بشجرة الآلة بالإفرنجية كما قال صديقنا، لكن الشجرة غير معروفة عند الأقدمين بالمعنى المذكور بل عند الأغراب لا غير.
وفي تلك الصفحة: النقطتان المبتتان وأظن أنه لو قال النقطتان الساكنتان لفهمهما العربي.
وفي ص199 وعمل هذه الآلة لا ترفقه بسطة البخار. وأظن أن المراد من قوله هذه هو: ولا ينفش البخار مع عمل هذه الآلة.
وذكر روح لقمان في ص201 بمعنى الأثير وهو غير معروف عند العرب بل عند الترك. بخلاف الأثير فقد عرفوه قال القزويني: انظر إلى حكمة
البارئ كيف جعل كرة الأثير دون فلك القمر كيما ما يحترق بحرارتها الأدخنة الغليظة الصاعدة وتلطف البخارات العفنة ليكون الجو أبدا شفافا. أهـ
وقال في تلك الصفحة: إذا التبخر مصحوب بامتصاص الحرارة؛ وأظنه يريد أن يقول: إذا مع التبخر امتصاص الحرارة.
وقال في آخر ص302 وما يليها (ونرى حينئذ فقاقيع صغيرة تنفصل من جدران الدورق) وقد اكثر المعربون العصريون من ذكر جدران الإناء والحوض والطريق وغيرها والعرب الفصحاء لم ينطقوا بمثل هذا الكلام بل قالوا أعضاد جمع عضد. قال ابن مكرم في تفسير الجرموز: حوض متخذ في قاع أو روضة مرتفع لأعضاد فيسيل منه الماء ثم يفرغ بعد ذلك. وقال الفيروزابادي في تفسير المجنب: شبح كالمشط بلا أسنان يرفع به التراب على الأعضاء والفلجان ومثله في لسان العرب وتاج العروس. أما الجدر وجمعه الجدران فخاض بالحائط باعتبار الارتفاع ومثله الجدار والجمع جدر. والحال ليس في الآنية والحوض والدورق وقحف الرأس والأعضاء كلها ما يصح تسميته بالجدران بل بالاعضاد كما رأيت من كلام مشاهير اللغويين.
ومن تساهله في التعريب قوله في ص208: وتكثيف هذا البخار يعطينا ماء نقيا. قلنا:
واحسن منه: يخلف لنا ماء نقيا. أو ينعقد ماء نقيا - ثم قال: ويجنى الماء المقطر في دورق. وهو معرب التعبير وأظن احسن منه قولنا ويتلقى الماء المقطر في. . . .
وفي ص260 تشغل المياه على سطح الكرة مساحة. . . وأظن الفصحاء يقولون للمياه على سطح الكرة مساحة. . . وفيها يتغشى ظاهرها بضبابة وأظن انه لو يقول ظاهرها صبابة. لكان اقرب إلى الفصحى.
ونحن لا نريد أن نتتبع المؤلف في جميع ما تساهل فيه من التعبير لكننا نقول أنه تسامح فيه كثيرا. ولعله فعل ذلك لشيوع مثل هذه الصيغ في كلام تلامذته. ومع ذلك كله إننا لا نحمل تلك التجوزات على الغلط، بل نقول إن السبك العربي أوزن في النفس من سبك الأعاجم (لأن واضع اللغة على ما قال ابن جني: لما أراد صوغها وترتيب أحوالها هجم بفكره على جميعها. ورأى بعين
تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بد من رفض ما شنع تآلفه منها فنفا عن نفسه ولم يمرره بشيء من لفظه وعلم أيضاً أن ما طال وأمل بكثرة حروفه لا يمكن فيه من التصرف ما أمكن في اعدل الأصول وأخفها.) أهـ
وقد وقع في الكتاب أغلاط طبع لم تنقح في الأخر من ذلك في صفحة أوعلى أن يجدوا فيها تطبيق الحادثات الطبيعية التي درسوها، فيعدلون بذلك عن الاعتقاد. . . والصواب فيعدلوا. وقد جاءت الهمزة الواقعة في الأخر والمكسور ما قبلها مكتوبة على الياء المنقوطة مثل طوارئ (في ص أ) والقارئ (في ص ج) ومثلهما كثير في الكتاب والصواب إهمال الياء. وفي ص د: التصرف بلغتنا بدلا من في لغتنا. وفي ص1 فإنا نحتاج لحني القضيب لبذل قوة اليدين واثني القضيب الثاني لاستعمال المطرقة والصواب: إلى بذل - إلى استعمال. وفي ص2. تؤثر عليه عوضا عن تؤثر فيه. وفي ص3 فحينما تكون قوتا القبيلين متماثلتين تحصل بينهما الموازنة، ولعلها: تقع بينهما الموازنة. وفي ص4 ميال لاسترداد شكله الأول. ولعلها إلى استرداد شكله الأول. وفي ص5 كل ما هو قابل للزيادة. لعلها كل ما يقبل الزيادة وفي ص5: فإذا جاءت قوة ثانية أحدثت وحدها الامتداد عينه في النابض، فنقول. . . ولعلها نقول فزاد عليها المنضد فاء. وأحسن منها: قلنا. وفي تلك الصفحة ولكنه إذا أحدثت القوة ق وحدها الامتداد عينه. . . فنقول. . . والمنضد قلب العبارة ولعلها: ولكنه إذا مددت القوة ذلك الامتداد عينه. . . قلنا. وفي ص 6 تسقط إلى
الأرض. ولعلها على الأرض. وفي تلك الصفحة والصواب وفي ص7 سقطت نحو الأرض، ولعلها على الأرض وفي تلك الصفحة إلَاّ إذا كان له اتجاه الشاقول، ولعلها إلَاّ إذا اتجه اتجاه الشاقول. وفي تلك الصفحة السطح الأفقي ولعله السطح المعترض. وكل مرة جاءت كلمة عمود جاء الجار بعدها (على) ولعلها بدل من اللام ففي ص7 كل سطح يقع عموديا على الشاقول وفي ص8 هو خط عمودي على، وفيها أن سطح الماء عمودي على اتجاه الخيط، ولا جرم أن الأصل هو عمودي ل. . . لأن العمود مشتق من عمد، وعمد يتعدى بنفسه وحيث لا يمكن الوصل يعدى بالحرف أي
باللام. وفي ص9 يبلغ 40000 كيلومترا، عوضا عن كيلو متر بالجر. وفي ص10 وكذلك إذا علقت اللوحة من أية نقطة أخرى، بدلا من القول بأية نقطة أخرى.
وهكذا يعثر القارئ في كل صفحة من صفحات الكتاب بغلط طبع لمصحح عن تقويمه في موطنه وفي جدول التصحيحات فأملنا في طبعته الثانية خلوها منها.
على أننا لا ننكر على صديقنا الكاتب المجيد تلك المحاسن التي جلا كتابه بها على قراء العربية. فكما أنه جاء ببعض ألفاظ مخالفة لمحكم كلام العرب. جاء أيضاً بألفاظ عربية صرفة لم يستعملها قبله أحد. أو هجم على عبارات وفق لها كل التوفيق وبز بها على أقرانه ووصفائه.
فمن الألفاظ التي استصوبناها سعرة بمعنى وكتيم ومرونز ومسقطة ومضغطة ومغوصة وموقتة (غير مهموزة الواو وقد وردت خطأ بالهمزة في الكتاب) ونقالة إلى غيرها.
ومن حسن تعريبه لكلام الأعاجم قوله في ص3 عن الموازنة: لنلاحظ ما يجري في لعبة (جر الحبل) هنالك حبل يتجاذبه قبيلان قوامهما عشرون طالبا كل قبيل عشرة فحينما تكون قوتا القبيلين متماثلتين تحصل بينهما الموازنة ويبقى الحبل في محله ولكنه حينما تزيد قوة أحدهما على الأخر تختل تلك الموازنة فينجر القبيل الضعيف المغلوب إلى القبيل القوي الغالب. أهـ
وقال في ص27 عن المسقطة: إذا هب الهواء على رجل بيده مظلة فمالت قليلا بيده حتى عارضت المهب بجوفها شعر حاملها بشيء يقاوم المظلة وقد تفلت من يده جارية مجرى
الهواء ولا يقوى على ضبطها إلَاّ إذا ضم خيمتها والطائر إذا أراد السقوط كسر جناحيه وضمهما لتضعف مقاومة الهواء فيسرع سقوطه وأما إذا نشرهما اتسع سطح المقاومة لأن الهواء وأن سكن يقاوم منشور الجناحين بالنظر إلى سقوطه كما يقاوم المظلة وهو في هبوبه ومن أجل ذلك يبطيء سقوطه كالمسقطة (براشوت) التي تقي الطائر شر السقوط فإنها تنشر
بسقوطه كالخيمة فيقاومها الهواء مقاومة تهبط بها إلى الأرض رويدا كما لو امسك المرء يد مظلة كبيرة قوية وهبط بها من مرتفع فإنها تقيه شر سقوطه بفضل مقاومة الهواء لسطحها الوسيع.) أهـ
والكتاب كله على هذا الطراز من السبك المحكم والعبارة السلسة السائغة ولهذا نوصي به جميع أبناء المدارس: لأن سائر المؤلفات في هذا الموضوع ساقطة العبارة، شائكة الكلم لا تكاد تقف على سطر منها إلَاّ وتطوي الكتاب الذي بيدك أو ترميه في إحدى زوايا خزانتك. أما هذا فهو درة نفيسة تغالي بها عند الحاجة وبهذا القدر مجزأة.
المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية
المنعقدة في أنقرة في 5 حزيران 1926 -
(2)
(3)
نصوص المواد 30 إلى 36 من معاهدة لوزان المواد 30 و31 و32 و33 و34 و35 و36
من معاهدة لوزان: التابعية
المادة 30 - إن تبعية الترك الساكنين في البلاد التي انفصلت عن تركية يكونون بمقتضى أحكام هذه المعاهدة من تبعة الدولة التي انتقلت إليها تلك البلاد وفق الشروط الموضوعة لذلك في القوانين المحلية.
المادة 31 - كل من تجاوز الثامنة عشرة من العمر من الذين فقدوا التابعية التركية واكتسبوا تابعية جديدة بمقتضى المادة الثلاثين فإنه يكون له الخيار في اختيار التابعية التركية لمدة سنتين اعتبارا من وضع هذه المعاهدة في موضع العمل.
المادة 32 - أن الأشخاص المتجاوزين الثامنة عشرة في العمر من الذين هم ساكنون في قسم من البلاد المنفصلة عن تركيا وفقا لهذه المعاهدة والذين هم يغايرون في الجنسية أكثرية الأهالي الكائنين في البلاد المذكورة لهم أن يختاروا تابعية دولة من الدول التي تكون أكثرية أهاليها من جنسيتهم بشرط موافقة الدولة المذكورة على ذلك ويكون هذا الخيار لهم مدة سنتين اعتبارا من وضع هذه المعاهدة موضع العمل.
المادة 33 - إن الأشخاص الذين استعملوا ما لهم من حق الخيار المنصوص عليه في المادتين الواحدة والثلاثين والثانية والثلاثين يتحتم عليهم بعد ذلك في مدة اثني عشر شهرا أن ينقلوا محل إقامتهم إلى بلاد الدولة التي اختاروا تابعيتها.
غير أن هؤلاء يكونون أحرارا في محافظة ما يملكون من أموالهم غير المنقولة الكائنة في بلاد الدولة التي كانوا مقيمين فيها قبل استعمالهم حق الخيار المذكور.
أن لهؤلاء الأشخاص أن ينقلوا معهم جميع مالهم من الأموال المنقولة ولا يؤخذ منهم عند نقلها شيء من الرسوم لا عند إخراجها ولا عند إدخالها.
المادة 34 - إن من كان قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره من تبعة الترك وهو في الأصل
من أهل بلد من البلاد التي انفصلت عن تركية وكان عند وضع هذه المعاهدة موضع الإجراء مقيما في إحدى الممالك الأجنبية يكون مخيرا في اكتساب التابعية المرعية في البلاد التي هو في الأصل من أهلها ولكنه في هذا الخيار يكون مقيدا بالقيد الاحترازي الذي يتكون مما يقع من الائتلافات التي تنعقد بين حكومات البلاد المنفصلة عن تركيا وبين حكومات البلاد التي يقيم فيها ولا يشترط في خياره هذا إلا أن تكون جنسيته موافقة لجنسية الأكثرية من أهالي البلاد التي يختارها وإلَاّ أن توافق على ذلك حكومة تلك البلاد أيضاً أن حق هذا الخيار يجب استعماله في خلال سنتين اعتبارا من تاريخ وضع هذه المعاهدة موضع العمل.
المادة 35 - إن الدول المتعاقدة تتعهد بأنها لا تمنع بوجه من الوجوه استعمال حق الخيار الذي يمنح أصحابه إحراز أية تابعية أخرى ممكنة لهم والذي جاء بيانه في هذه المعاهدة أو في
معاهدات الصلح المنعقدة مع ألمانيا وأوستريا والبلغار والمجر أو في المعاهدات المنعقدة بين الدول التعاقدة المذكورة من غير تركية أو بين إحداها وروسية.
المادة 36 - أن النساء ذوات الأزواج تابعات لأزواجهن والأولاد الذين هم دون الثامنة عشرة تابعون لآبائهم في جميع الأمور المتعلقة بتطبيق الأحكام الكائنة في هذا الفصل.
وصف خط بروكسل
من ملتقى دجلة والخابور متبعا وسط مجرى الخابور إلى ملتقاه مع الهيزل ثم يسير مع وسط مجرى الهيزل إلى نقطة واقعة على بعد ثلاثة كيلومترات فوق ملتقى ذلك النهر بالجدول الجانبي الذي يمر من (سيرنز) ومن هناك يسير على خط مستقيم نحو الشرق إلى القمة الشمالية لحوض الجدول الجانبي الذي يمر من (سيرنز) ثم يتبع قمة هذا الحوض الشمالية إلى جبل (بيلاكيش) ومن هناك يسير على خط مستقيم إلى منبع رافد (بيجو) في (رابوزاق) ومن هناك يتبع هذا الرافد إلى ملتقاه في جنوب (رابوزاق) مع نهر آت من نقطة 6834 في شرق جنوب شرقي (رابوزاق). ثم يتبع خطا مستقيما إلى التل الواقع إلى شمال شمال شرقي نقطة 6834 ثم من وسط مجرى نهر صغير آت من الجهة الشرقية لهذا التل إلى ملتقاه بالخابور ومن هناك يسير مع الخابور نازلا
مسافة نحو كيلو متر ونصف إلى ملتقاه بنهر قادم من منطقة (آروش) و (جراموس) وعلى طول هذا النهر
(تاركا إلى الشمال النهر القادم من قاشورا) إلى ملتقى الرافدين الكبيرين الآتيين الأول من (جراموس) والثاني من (آروش) ومن هذا الملتقى يسير على طول قعر الوادي المقابل من جهة الشرق لنقطة 6571 على خط تقسيم المياه الواقع بين الرافدين المذكورين. ثم يتبع خط تقسيم المياه الآنف الذكر إلى نقطة 9063 شرقي نقطة 6571 ومن هناك يسير على قمة حوض الرافدين الذي يمر من (جراموس) إلى نقطة ملتقاه بالقمة التي على الجانب الجنوبي من نهر (ليزان) ومن هذه القمة الأخيرة يسير على القمة الواقعة إلى شمال حوض رافد نهر الزاب الآتي من (اورا) ثم إلى نقطة في غربي شمال غربي (دوسكية) وعلى بعد كيلومترين ونصف من ذلك المكان ثم على خط مستقيم من تلك النقطة إلى منبع رافد الزاب في شمال شرقي (دوسكية) وبالقرب منها ومن هناك يتبع مجرى هذا الرافد إلى نهر الزاب. ثم يسير مع الزاب إلى اسفل إلى نقطة على بعد كيلومتر واحد في جنوب (بيشوكة) وعلى خط مستقيم نحو الشرق إلى شمال قمة واقعة جنوب حوض النهر الذي يمر من جنوب (بيهي) وشمال (شال) ومن هناك على طول القمة
الجنوبية لوادي رافد الزاب الذي يمر من (به ريجان) إلى اقرب نقطة من منبع (أفه ماره ك) في غرب جنوب غربي (شيلوك) ثم يتجه إلى هذا المنبع على خط مستقيم ومنه على طول الفرع الغربي ل (أفه ماره ك) ابتداء من هذا المنبع إلى ملتقاه بنهر صغير آت من التل الواقع بين (قازه ريك) و (نرويك) ثم على طول هذا النهر الصغير إلى منبعه. ويتبع خطا مستقيما من هذا المنبع إلى رافد الفرع الشرقي ل (أفه ماره ك) الذي يصب في شمال (نرويك) ثم على طول هذا الرافد إلى مصبه ومن هنا على خط مستقيم إلى خط تقسيم مياه (أفه ماره ك) و (ردبريشين) الذي يصب في ذلك النهر في شمال (شيخ مومار) تماما ثم على خط مستقيم إلى منبع ذلك النهر. (أن الرافد المتقدم ذكره هو ردبريشين الذي يسير نازلا إلى مصب النهر في جنوب ده قليلا) ثم على طول هذا النهر إلى منبعه. وعلى خط مستقيم من منبع ذلك النهر إلى خط تقسيم مياه (ردبريشين) ورافد (شمسدينان صو) الذي يمر من شرق (حركي) تماما ومن هناك على خط مستقيم إلى اقرب جدول جانبي من هذا الرافد وعلى طول الجدول الجانبي ثم على طول الرافد المذكورين إلى (شمسدينان صو) ومن ملتقى هذين الجدولين يسير على خط مستقيم إلى القمة الجنوبية لحوض (شمسدينان صو) ويسير
على طول هذه القمة إلى نقطة ملتقاها بخط تقسيم المياه الواقع بين حوضي نهر (حاجي بك) ورافده الذي يمر من شرقي (أوبا) تماما وبعد أن يتبع خط تقسيم المياه المذكور يسير رأسا إلى نهر (حاجي بك) ثم يسير مع نهر (حاجي بك) معاكسا الجريان إلى الحدود الإيرانية.
إخوان الأدب
شكري الفضلي
(2)
شخصيته الأدبية ومبادئه:
إن نشأة الفضلي الأدبية وشغفه بالقراءة والكتابة سهلا له الاطلاع على كثير من الكتب والرسائل التي ألفها المفكرون الأحرار من الترك والعرب وضمنوها صرخات أليمة من الظلم والاستبداد. كما أن اشتغاله بالصحافة وصله بالحركة الفكرية في الآستانة والقاهرة وبيروت. فتأثر بهذه البيئة واكتسب نزعة حرة حميدة جعلته من المنظورين إليهم بعيون مرتابة من صنائع السلطان عبد الحميد وأعوان الظلم، حتى اتهم قبل ما يزيد على
العشرين سنة بأنه يذيع المبادئ الحرة وينقد أعمال السلطات الملكية والعسكرية فسجنه الفريق رفيق باشا في كركوك ولدى محاكمته في ديوان خاص مدة شهرين برئت ساحته.
وسجن بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني واعتلاء محمد رشاد الخامس عرش السلطنة العثمانية يوما واحدا في دائرة الشرطة بتهمة تمهيده سبيل الفرار لأحد الأحرار من معارضي حزب الاتحاد والترقي. وأطلق سراحه بجهد عظيم. ثم اتهمه في عهد الدستور جمال بك والي بغداد المشهور بعسفه وطغيانه بجريمة سياسية مع لفيف من الرجال المعروفين في مدينة السلام المخالفين لحزبه الاتحادي وطلب إرسالهم جميعاً إلى فروق لمحاكمتهم في (الديوان العرفي) فتوسط في الأمر المرحوم محمد فاضل باشا الداغستاني ففك عقاله والمتهمين معه.
والباعث على أن تحوم حول فقيدنا شكري هذه التهم. سعيه في إنشاء فرع لحزب (الحرية والائتلاف) في بغداد وهو الحزب المعارض لحزب (الاتحاد والترقي) وتشنيعه بمآتي الاتحاديين وقد سيق مرات إلى المحاكم وحوكم لما يظهر في مقالاته المنشورة في الصحف العراقية من نقد السياسة الاتحادية الخرقاء حتى شاع في خلال الحرب العظمى أنه قد شنق مع من شنق من أحرار
العراقيين في باب (المعظم) وذكر ذلك فائز بك الغصين في كتابه (المظالم في سورية والعراق والحجاز) المطبوع سنة 1918 صحيفة (86).
أما بعد الحرب العالمية فلم تبد منه أية نقمة على السلطة بل بعكس ذلك له مقالات عديدة يشعر منها أنه كان من محبذي الوضع السياسي الراهن في البلاد.
وإذا نظرنا إلى شخصيته الأدبية وأسلوبه نجده بطبيعة نشأته وثقافته أميل إلى المذهب القديم منه إلى الجديد فقد كانت عنايته باللفظ دون العناية بالمعنى. وطالما قرأت له سطورا عديدة فيها فكرة واحدة يمكن إبرازها في جملة واحدة لا غير. إلا انه كان ممن يحبذون النقد وما اجتمعت به مرة إلا وتطرق إلى النقد الأدبي وذكر كستاف فلوبر و (تين) وغيرهما من أعلام النقاد الفرنسيين وقد عرفهم في ما ترجم لهم أو عنهم إلى اللغة التركية.
وقد عالج الأديب الفضلي النظم بالعربية والتركية والفارسية والكردية. وأقول عن نظمه العربي فقط أني لم المس فيه شاعرية إنما هي جمل موزونة ومقفاة قد يحسن حبكها في الأحايين. مع
أن له في النثر كتابة فصيحة تحوي مادة. ومادة غزيرة في بعض مقالاته وأبحاثه.
ومبدأه الاجتماعي أشبه بمبدأه الأدبي. وسط بين المحافظين والمتجددين فهو يمتدح السفور ويفضله على الحجاب ولكنه لو تزوج لما رضي أن تسفر زوجته.
وبتأثير ثقافته في كتب العرب العتيقة تلبس الدعوى بان العرب هم أصل المدنية البشرية وان آدابهم لا تعلوها آداب وانه ليس هناك علم ولا فن إلا لم يغادر فيه الأسلاف لمن أتى بعدهم من متردم. إلى غيرها مما أدرك النقدة الراسخون من العرب أنفسهم في هذا الزمان أنها من الدعاوي الباطلة التي تعد سبة في نظر أهل التحقيق العلمي.
وكان شكري الفضلي يتبرم من الغرب وسطوته المادية ويتحرق أن لا يكون للشرق قوة تتمكن من أن تصد هجمات الغرب عليه إلا أنه لم يكن يعتقد بان العواطف والتهور يغنيان الشرقيين أو العرب عن تطلب القوة من أبوابها والسلوك إلى المجد في طرقه كما أن لأحلام (الجامعة الإسلامية) و (العصبة الشرقية) و (الوحدة العربية) حيزا كبيرا في دماغه ولهذا رأينا خيالاتها
مرسومة في كثير من مقالاته اليومية في الجرائد.
أما أخلاق المترجم عنه فقد عرفت فيه هدوءا ولطف معشر رضيا وجلدا وضبط نفس، وكم تمنيت لو تجافى عن الأبعاد بين فكره ولسانه أحيانا، فكثيرا ما زرته في أيام اشتداد النضال القلمي بين رجال القديم وأنصار الجديد فلم يكن يبدي أي تأثر من المطاعن الموجهة إلى
صديقه. ولما كنت ألح عليه في إبداء الرأي كان يتنهد ويقول: لا يمكنني أن أصرح بالحقيقة التي أراها وإلَاّ انقلبت صداقتي للجماعة إلى خصومة.
وكان ربعة يميل إلى الطول، حنطي اللون عظيم الهامة، عرف بإطالة التفكير وقلة الكلام كما عرف بشدة تمسكه بمعتقداته وآرائه مع اعتداد بالنفس. وقد ولع رحمه الله بالدخان - وغير الدخان - مما يتمحل متعاطوهما عذر طرد الهم ولكنهما أضرا بصحته ونهكا قوى جسمه فعجلا في منيته في 1 حزيران 1926 فحرمت أمته خدماته المفيدة.
آثاره
لقد اشتغل فقيد الأدب العراقي شكري الفضلي بكتابة المقالات كثيرا ونظم القصائد نادرا ولم يتفرغ لتأليف كتاب برأسه إلَاّ
تاريخه الذي صرف له قسما كبيرا من جهده وأدركه الحمام قبل أن ينشر على الناس شيئا منه. لهذا اعد له (تاريخ العراق قديما وحديثا) مع (ذيل في جغرافية العراق التاريخية) أثرا خطيرا واطلب إلى ذريته أن يبحثوا عما خطه من هذا الكتاب لطبعه وأن لم يكمله لأنه قد اعتمد على جملة مؤلفات غالية في اللغات الفارسية والتركية والعربية ونقب في بعض المخطوطات وجعل جل همه أن يكتب تاريخ فترة غامضة من تاريخ هذه البلاد من سقوط بغداد بيد التتر إلى أواخر العهد العثماني وكانت غاية أمنيته أن ينجز هذا الأثر الثمين.
وله مؤلف علمي باسم (مكتبة الفضلي) ينكسر على بضعة أقسام في (طبقات الأرض) و (الحكمة الطبيعية) و (الكيمياء) و (الفلك) و (علم النفس) و (الهندسة) وقد استمد اكثر نظرياته فيه من الكتب التركية الحديثة المترجمة عن الآثار الأجنبية مع بعض الشيء عن كتب العرب القديمة.
ويمكن أن يتكون من منظومة ديوان شعري نسميه (ديوان الفضلي).
وإذا جمعنا مقالاته المتفرقة في السياسة والاجتماع في مجموعة تألف منها مجلدان كبيران وكان يحدثني يوما عن هذه المجموعة
وهو يتردد في تسميتها فاقترحت عليه أن يسميها (نظرات سياسية واجتماعية) فأجابني: (ليكن لها العنوان الذي تراه.
وقد أقام له (منتدى التهذيب) في بغداد عصر يوم 25 حزيران 1926 حفلة تأبين خطب فيها بعض الأدباء وألقى فيها كاتب هذه السطور ترجمة الفقيد هذه وختمها بقوله:
هذا هو الأديب الفضلي الذي اجتمعنا اليوم لنحيي ذكراه وأني لأقدر خدمة منتدى التهذيب للأدب في أحياء هذه الحفلة فهي مفخرة للمنتدى وإشادة بذكر الفقيد الذي لم يذق في حياته لذة يصدق عليها وصفها بالطيبة وذلك جزاء لجهوده، فلا أقل من أن يعرف له أبناء أمته فضله وعسى أن أجد فيكم من تأخذه الحمية على الأدب والأدباء فيتبرع بطبع كتاب يضم ما قيل فيه مع نخبة صالحة من آثاره.
في ذمة التاريخ أيها الصديق الراحل!
رفائيل بطي
معنى اسم بغداد
سألنا أحد الأدباء أن نفيده عن معنى اسم بغداد فنقول:
قد بحثنا عن هذا الموضوع في مجلتنا هذه لغة العرب من ذلك في 387: 1 - 392 وفي 549: 2 و574 وفي سنتها الثالثة أيضاً في 40 - 41 وفي هذه السطور الأخيرة رأي الدكتور هرتسفلد الشهير.
وقد طلبنا إلى صديقنا الأديب يوسف غنيمة أن يوقفنا على ما وصل تحقيقه في هذا الموضوع فكتب إلينا ما هذا نصه:
جاء في المعلمة البريطانية عن قدم بغداد ما انقله إلى العربية وان كان بعضه قد ورد في مقالات لغة العرب في سنواتها الثلاث التي مضت. قالت المعلمة:
(بين حدود المدينة نفسها وعلى عدوة دجلة الغربية بقايا متراس لاحظها السر هنري رولنصون لأول مرة سنة 1840 عند هبوط المياه وكانت مشيدة بالأجر وملاطها من القار وفيها كتابة من عهد نبوكدراصر ملك بابل.
كانت بغداد مدينة بابلية يرتقي تاريخها إلى ألفي سنة قبل الميلاد على ما يحتمل. وجاء اسمها في القوائم المكتشفة في خزانة آشور بنيبل وورد أيضاً ذكرها في صخرة ميشو التي وجدت على دجلة قرب موضع المدينة الحالية ويرجع تاريخها إلى عهد تفلت فلاشر الأول (1100ق م).
لهذا وضح متراس نبوكدراصر المذكور أمرا وهو أن مدينة (بغدادو) القديمة كان موضعها في موقع بغداد الغربية أو بغداد العتيقة.
أن مآخذ التلموذ اليهودي تبين أن المدينة كانت باقية في بدء التاريخ الميلادي وبعده أما إذا اعتمدنا على كلام مؤرخي العرب فالظاهر منه أنه لم يبق في ذلك الموضع إلَاّ دير قديم حينما أسس الخليفة المنصور المدينة الغربية. على أن الإنسان قد يشك في صحة هذه الرواية الحرفية إذ أن من الواضح أن اسم الموضع كان
لا يزال ثابتا فورثته المدينة الجديدة. (انتهى كلام المعلمة البريطانية في مادة بغداد).
وجاء في كتاب بدج المعنون بالنيل والفرات 1 - 187) ما هذا معناه بالعربية:
(أن اسم بغداد البسيط نال مدة أحد عشر قرنا ونصف قرن مجدا وسطوة وبهاء ورونقا في الشرق والغرب وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه كان في موضعها أو في ما يلحق بجوارها سوق تجارية غنية خطيرة دامت بضعة ألوف من السنين وأمر بناء البابليين لبكداد - أو ربما كان بناتها من الشمريين، وأمر بناء اليونان لسلوقية، والبرثيين لطيسفون، والساسانيين للمدائن، وكلها في نطاق بضعة أميال قليلة من مدينة بغداد العربية العظيمة، مما يثبت حاجة الآهلين من شمريين أو ساميين أو يونان أو فرس إلى وجود مدينة عظيمة مع سوق أم في موضع بغداد أو بقربه.
في نحو سنة 1780م حصل أحد الأطباء الأوربيين المقيم في بغداد على حجر بابلي لحسود عثر عليه أحدهم قرب أطلال طيسفون وكان في القسم الأعلى من هذا الحجر نقش صور آلهة. وفي القسم الأسفل منه كتابة تبحث عن دسكرة كانت بقرب مدينة بكداد - وكانت مدينة بكدادا المشار إليها هنا في موضع بغداد الحالية أو بالقرب منها. وإذ كانت هذه الكتابة قد نقشت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. فالمدينة إذا كانت موجودة قبل ولادة النبي الحنيف بألف وثمانمائة سنة، ووجد اسم بكدادو - في قائمة عثر عليها في نينوى وقد كتبت في القرن السابع قبل الميلاد. ومن المحتمل كل الاحتمال إنها نسخة من قائمة سبقتها بزمن بعيد. وفي صيهود سنة 1848 أي في زمن كانت مياه دجلة قد هبطت هبوطا عظيما وجد رولنصون بعض آجرات كتب عليها اسم نبوكدنصر الثاني مع ألقابه (605 - 558 ق م) في متراس وجد على الضفة الغربية. وقد استنتج البعض من هذا أن نبوكدنصر الثاني بنى أو رمم متراس مدينة عظيمة وجدت في الموضع الذي بنى العرب عليه قسم مدينتهم
القديم في النصف الثاني من القرن الثامن أو أن لم يك ذلك الموضع بعينه فلا جرم انه كان في جواره، أو أن المتراس جدد بعد عهد نبوكدنصر بكثير وقد أتى بالأجر إلى بغداد من خرائب مدينة سلوقية التي عمرت هي أيضاً بآجر جيء به من مدينة نبوكدنصر أي بابل على ما هو مشهور ومتعارف عند الجميع ومدينة سلوقية واقفة على هذه الضفة عينها على بعد بضعة أميال من منحدر النهر.
كان أصل اسم بغداد ومعناه موضوع جدل ومناقشة عظيمة وقد اعتقد البعض انه تصحيف عربي للكلمة المسمارية بك دادا - أو بكدادو - ولكن هذا غير محتمل لأن اسم
بغداد وأن كان يجانسه بعض المجانسة إلا أنه منحوت من كلمتين فارسيتين من (بغ) ومعناها (اله) وداد ومعناها (وضع أو أعطى) ومحصل معناهما موضع أسسه الإله أو المدينة التي أعطاها الإله وهذا كان الاسم الخاص بالمدينة التي هي على دجلة والتي فازت بالغنى والعظمة مدة قرون عديدة والتي سبقتها إلى ذلك الاختصاص مدينة باب الإله (باب ايلو) أو بابل العظيمة. ويظن تافرنيه أن اسم بغداد يعني (البستان المهدى) انتهى كلام بدج الإنكليزي.
مجمل القول من كل ما نقلته: أن محلا أو سوقا أو مدينة وجدت قبل الإسلام بهذا الاسم في موضع يكاد يكون موضع بغداد نفسه، أو في جواره وقد المع إلى ذلك كتبة العرب وقد نقلت كلامهم عنهم في كتابي تجارة العراق ص45 واليكه:(وكانت بغداد قبل أن مصرها المنصور قرية تقوم فيها سوق عظيمة في كل شهر مرة فيأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد.)
أن معنى بغداد على ما جاء في تأليف بدج يوافق بعض الموافقة ما جاء في لغة العرب عن هرتسفيلد (41: 3) من فارسية أصلها.
أما ما جاء في كتاب الظريفي تاريخ بغداد ص3 عن معنى اسم بغداد فغريب في بابه والأغرب في ذلك انه يقطع في الأمر ويخطئ من قال بفارسية الاسم ولا يحق له ذلك وأن كان قد أخذ ما قاله عن بعض المؤلفين لأن العلماء الأعلام كدلج وهرتسفيلد وبدج يقولون بفارسيته فكيف يحق له هذا القطع والأمر موضوع على بساط الجدل والمناقشة.
ولي رأي خاص في معنى اسم بغداد ولقد عن لي في تضاعيف بحثي منذ زمن ولم انشره حتى اليوم فأذكره بكل تحفظ وتوق. الذي عندي أن اسم بغداد أرمى مبنى ومعنى وهو مؤلف من كلمتين من (ب) المقتضبة من كلمة (بيت) عندهم وكثيرا ما تقع في أوائل أسماء المدن مثل بعقوبا وباقوفا وبطنايا وباعشيقا وباعلرا وباجرمي وغيرها. واللفظة الثانية (كدادا) بمعنى غنم وضان (راجع ص91 من معجم دليل الراغبين في لغة الآراميين العمود الثاني الكلمة الثانية المعنى الثاني) فيكون مفاد بكداد مدينة أو دار أو بيت الغنم أو الضأن وإذا كانت هناك سوق فمن المحتمل أنهم كانوا يبيعون فيها الغنم والضأن في أول الأمر. ومن المشهور أن الارميين كانوا فلاحين في هذه الديار ويربون المواشي وبقوا كذلك قرونا
عديدة بعد استيلاء العرب المسلمين على العراق. وأني افضل هذا الرأي على التأويل الفارسي ولا سيما قد ورد اسم بغداد في الآثار القديمة البابلية قبل احتلال الفرس لهذه الربوع.
فأرجو أن تبدوا رأيكم في هذا التأويل لأنه إذا وافق العلماء عليه يكون أول من قال به عراقي بغدادي.
يوسف غنيمة
(ل. ع) إننا وإن كنا نقدر علم أهل البحث من الغربيين كل التقدير إلا أننا لا نسلم لهم في أصل كلمة بغداد على ما يرتؤون.
وقبل كل شيء على المحقق أن يقضي عنه بعيدا قول من يذهب إلى أن الكلمة فارسية الأصل إذ كيف تكون كذلك والفرس لم يدخلوا العراق إلا في عهد كورش (في المائة الرابعة قبل الميلاد) وبغداد معروفة بهذا الاسم قبل الفرس بمئات من السنين.
لا جرم أن البلاد السامية السكان لا تسمى إلا باسم سامي أي باسم من الآشورية أو البابلية أو الارمية أو العربية. والحال أننا نعلم أن الارميين (وهم من أصل سامي كالعرب) قديمو الوجود في ديار العراق. فإذا كان الأمر على هذا الوجه فلابد من أن تكون اللفظة ارمية الوضع. ولهذا نخير رأي صديقنا البحاثة يوسف غنيمة على كل رأي سواه.
أما ما ذكره علي ظريف في كتابه تاريخ بغداد فلا حقيقة له فقوله اسمها (بل دودو) ومعناه مدينة الإله في لغة السريانيين الكلدان لا تؤيده مفردات لغة هؤلاء القوم. ولو كان يلم بشيء من هذه اللغة لما قال هذا القول الذي لا حقيقة له سوى التوهم.
اللغة العامية
لم يضع الأقدمون مؤلفا في اللغة العامية العربية، بل أشاروا إلى وجودها من طرف خفي. في تضاعيف كلامهم عن لغات العرب وقبائلهم، وحسنا فعلوا أنهم لم يدونوا شيئا عظيما في هذا الموضوع ولو كانوا فعلوا لما استطاعوا أن ينشروا لغة قريش ويجعلوها لغة واحدة لجميع القبائل وفي جميع الديار العربية.
وما فعله العرب قبيل الإسلام فعله الإفرنج على اختلاف قومياتهم في صدر حضارتهم. هؤلاء الفرنسيون والاسبانيون والإيطاليون والإنكليز والألمان إلى غيرهم. كان لهم لغيات ولهجات: إلا أنه نبغ فيهم رجل كتب كتابا جليلا بلهجته الخاصة به فاتبعه قومه. ثم حظروا اتخاذ لهجة أخرى فتوحدت اللغات وفي الوقت عينه توحدت القومية والأفكار والخواطر ونشطت العلوم والفنون والصنائع وكثرت المصنفات على تنوع مواضيعها.
ولما تمكنت تلك اللغة القومية من أعضاء الأمة، أجاز أولو الأمر بعد ذلك رجوع كل قبيل أو كل جيل من أجيال الأمة العظمى إلى لهجتها، وهكذا نرى اليوم في فرنسة من يكتب بلغة بروفنسة وبريطانية الصغرى، وكذا نرى في أسبانية من يعيد درس الباسكية وتقويتها. وهكذا قل عما يجري في إيطالية وألمانية وانكلترة. إذ كل جيل من أجيال تلك الأمم الكبرى يحاول إعادة درس لغة قومه أو لغة قبيلته أو لهجة صقعه.
وعليه اصبح اليوم من اللازم درس كل قوم لهجة وطنه، إذ لا خطر اليوم على اللغة الفصحى بعد أن تمكنت في جميع البلاد، واصبح درسها من أول
الواجبات، لأن اللغة إذا فقدت، فقدت القومية، وتناثر أوصالها، وتبددت أشلاؤها.
وللشاعر العصري معروف الرصافي كتاب في هذا الموضوع كسره على ثلاثة غرور: ضمن الغر الأول: أصول اللغة العراقية وقواعدها وأحكامها: وجعل الثاني مجموع مشاهير أقوالهم من مثل سائر وقول عائر، وبيت عامر. وأبقى مفردات الألفاظ مضمون الغر الثالث، ومن كل ذلك قد اكتفى باللباب، وترك التوسع في كل من هذه المضامين الثلاثة لمن يريد الإمعان فيها والاستزادة منها.
ودونك الآن مقدمة هذا التأليف:
(ل. ع)
دفع المراق في كلام أهل العراق
بسم الله الرحمن الرحيم
إن لله في خلقه عاملين دائبين يخضع لحكمهما كل حادث في جميع أحواله وأطواره، ونشوءه واندثاره. وهذان العاملان هما الزمان والمكان، فلا شيء إلا وهو ربيب في حجريهما. ورضيع من ثدييهما، يشب بما غذياه، ويشيب بما رمياه، ومن ذلك لغات البشر: فإنها من اكثر الأشياء خضوعا لحكم هذين العاملين في الرقي والانحطاط، وما اختلاف لغات الأمم إلا نتيجة من نتائج هذين المؤثرين.
ولقد تعاورت اللغة العربية أزمنة وأمكنة أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم من اللهجة المعلومة التي تلوكها أفواه العامة لوكا مختلفا باختلاف الأصقاع، كلهجة أهل العراق، وسورية، والحجاز، ومصر، والمغرب وغير ذلك من البلاد المأهولة بالمتكلمين بالعربية.
على أن تأثير الزمان والمكان لم ينحصر من اللغة العربية في تغيير لهجتها فقط، بل قد عم مفرداتها أيضا. فأن من مفرداتها ما قد اندثر ولم يبق له في
كلام العامة من اثر، ومنها ما قد تغير لفظه أو معناه أو كلاهما تغيرا مختلفا باختلاف الأماكن والأزمان؛ كما قد تكونت فيها من المفردات ما لم يكن من قبل موجودا في متنها؛ ولما كانت هذه المفردات متكونة بحكم الزمان والمكان كانت مختلفة أيضاً باختلافهما. ففي كلام العراقي منها ما ليس في كلام السوري، وفي كلام السوري ما ليس في كلام المصري؛ وهكذا.
غير أننا نجد لهذين المؤثرين في اللغة العربية أثرا واحدا قد عم جميع المتكلمين بها في جميع الأنحاء وهو سقوط الأعراب منها. فهذا الأثر وحده هو الذي نجده عاما في كلام العراقي والسوري والحجازي والمصري وغيرهم.
وأن قال قائل: هل يعد هذا التغيير الحاصل في اللغة العربية انحطاطا، أو يعد اصطفاء وارتقاء؟
قلنا: إن الجواب على هذا السؤال لا يكون إلا بعد طول نظر وأعمال فكر وليس من غرضنا في هذا الكتاب أن نخوض في مثل هذه المسألة العويصة سوى أننا نقول: لا يجوز الحكم بأن كل ما حصل في اللغة من التغير هو انحطاط وتقهقر إلى الوراء. كما لا يجوز الحكم بأن جميع ذلك هو اصطفاء وارتقاء لأننا أن قلنا بالأول كذبنا قانون بقاء الأنسب؛ وأن قلنا بالثاني كذبتنا البداهة ومن ذا الذي يستطيع أن يدعي بان سقوط الأعراب من اللغة
العربية مخالف لقانون بقاء الأنسب، وأنه ضروري لا بد منه للمتكلم بالعربية، مع أننا نرى العامة تتفاهم تمام التفاهم بكلامها الخالي من حركات الأعراب فالأولى إذا هو أن نترك الإفراط والتفريط فنقول بأن هذا التغير الحادث في اللغة منه ما يعد انحطاطا ومنه ما يعد ارتقاء.
ومما لا مرية فيه أن للغة العامية اليوم مزية لا تنكر. وذلك أنها على علاتها نراها جارية مع الزمان في مفرداتها فهي تنمو كل يوم بالأخذ من غيرها بخلاف العربية الفصحى فان جمودنا فيها واقتصارنا منها على ما نراه في معاجم اللغة قد رماها بالتوقف عن النمو حتى أصبحت متأخرة عن لغات الأمم الحاضرة على رغم ما اختصت به من المزايا التي خلت منها تلك اللغات.
ومهما كان فليس هذا البحث من موضوعنا هنا فلنضرب عنه صفحا، وإنما
غرضنا في هذا الكتاب هو أن نضبط لغة العامة بما يلزم من الضوابط الصرفية والنحوية لأسباب:
الأول أن يكون ذلك كمقدمة لمن أراد أن يبحث بحثا تاريخيا عن اللغة العربية وما طرأ عليها من الطوارئ التي أثرت فيها وتصنيف ما حدث فيها من التغييرات المختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة، والمقايسة بين حاضرها وغابرها ليعلم هل تلك التغيرات هي انحطاط في اللغة أو هي ارتقاء فيها.
الثاني: تسهيل التفاهم بين أهل البلاد المختلفة فيسهل على السوري مثلا فهم كلام العراقي، وعلى العراقي فهم كلام السوري والحجازي، لكني لم أتكلم هنا إلا عن لغة أهل العراق فقط. وعسى أن يكتب بعض السوريين ما يسهل به على العراقي فهم كلام السوري، على أن لغة أهل العراق لا تخالف لغة أهل نجد والحجاز إلا قليلا ومخالفتها للغة السوريين اظهر من مخالفتها للغة الحجازيين وقد اجتمعت مرة في حلب الشهباء برجال من أعيانها في مجلس حاشد فكان أحدهم إذا وجه إليَّ الكلام غير لهجته وكلمني بما يقرب من العربية الفصحى؛ فأفهم كلامه ولكنه عندما يكلم غيري من الحلبيين بلهجتهم الخاصة لم اكن افهم منه تمام الفهم: فكنت استعيد منه بعض الكلام لأفهمه. وذهبت مرة في حلب أيضاً إلى السوق ولما أردت العود إلى محلي تشابهت عليَّ الطرق؛ فسألت بعض المارين: من أين الطريق إلى محل كذا فقال لي (سوي) فلم افهم ما أراد وكرهت أن أقول له: أني لم افهم
معنى (سوي).
الثالث: تنبيه الأفكار إلى أدبيات العوام: فإن الأدبيات الخاصة بالعوام موجودة عند جميع الأمم، وتختص أدبيات العامة بأنها هي الواسطة الوحيدة لمعرفة ما للسواد الأعظم من الأفكار والعادات؛ فإذا أردت أن تعرف ما هي عواطف السواد الأعظم من كل أمة؛ وما هي عاداتهم التي جروا عليها وأفكارهم التي يفتكرون فيها وأميالهم التي يميلون إليها فأنظر في كلام طغامها وأدبيات عوامها.
على أن في أدبيات العامة ما لا يستخف به من الكلام ففي قول قائلهم:
لو سقيت الشوك عنبر
…
قط ما يحمل ورد
من المعنى مالا يقصر عن أمثال المتنبي وحكمياته؛ حتى أن ألفاظه أيضاً تعد من أول طبقة بالنسبة إلى اللغة العامية. وعندي أن أقول النائحة:
ياهلله هالشهر ماقشر لياليه
…
محمد بأوله وعمشا بتاليه
لا يقصر في باب الرثاء عن قول أبي تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر الخ
ولما كان هذا الكتاب خاصا بلغة العامة من أهل العراق؛ وسمته باسم من كلام العامة فسميته (دفع المراق؛ في كلام أهل العراق). والمراق كلمة عامية تقع في كلامهم بمعنى الافتكار في الشيء لأجل الخوف منه أو لأجل معرفته وحب الاطلاع عليه. وهي بالمعنى المذكور دخيلة في كلامهم؛ ولها أصل في العربية وهي جمع مرق (بتشديد القاف). يقال: مراق البطن (بتشديد القاف)؛ لما رق ولأن منه. ومنها اخذ الأطباء لفظ المراقية (بتشديد القاف) التي هي عندهم تطلق على نوع من الماليخوليا التي معناها الخلط الأسود منسوبة إلى مراق البطن؛ إلا أنهم يخففون ياءها فيقولون: مراقية (بتشديد القاف) ويطلقونها على طرف من الجنون كالهوس. وقد اخذ الأتراك هذه الكلمة فحزفوا معناها ومنهم أخذتها العامة فاستعملوها بالمعنى المذكور آنفا وإنما تعمدت استعمال هذه الكلمة في اسم الكتاب ليكون الاسم مطابقا لمسماه، ونسأله تعالى أن يجعله نافعا. آمين
في 12 جمادي الآخرة سنة 1337 الموافق ل 4 شباط 1919
معروف الرصافي
باب المشارفة والانتقاد
1 -
تاريخ الكويت
الجزء الأول من القسم الأول لمؤلفه عبد العزيز الرشيد طبع في المطبعة العصرية في بغداد سنة 1926
أول من كتب عن الكويت فصولا مشبعة، هو صاحب هذه المجلة وكان قد نشرها في إحدى مجلات بيروت سنة 1904 ثم نشرنا شيئا آخر في هذه المجلة في سنة 1913 ثم جاء أحد المنتسبين إلى العلم وسطا على كل ما أذعناه فأبرزه في المقطم والمقتطف سنة 1916 و1917 وانتحله ومسخه وشوهه بأغلاط فظيعة كشف شيئا منها الشيخ كاظم الدجيلي في المقتطف سنة 1917 في المجلد 50 ص 481 - 488: وكأن الكاتب لم يرعو بهذه العظة. فنشر مقالة في اليقين مجلته ونقحها على ما أشار إليه الشيخ الدجيلي. وعلى هذه الصورة عرفت الكويت وكان قد نشر محمد وجدي في دائرته ما كتبه المنتحل ولم يسنده إلينا كما هو عادة الأدباء المنتحلين.
واليوم جاءنا أحد أبناء الكويت وألف مصنفا في 230 صفحة سماه تاريخا وقد أودعه إفادات شتى هي اقرب إلى الأدب منها إلى التاريخ لأن غالب ما فيه الموضوع الأول دون الثاني.
ولهذا نستأذن الكاتب في إبداء رأينا في كتابه:
1 -
أول شيء كان يليق بالمؤلف أن يذكر موقع الكويت من هذه الكرة الأرضية فلقد تكلم عن هذه الإمارة ولم يقل لنا أين هي واقعة من الطول والعرض، وهذا أمر جوهري لكتاب مثل مصنفه.
2 -
كان يحسن به أن يذكر ما يقابل السنين الهجرية من السنين الميلادية
لكي لا يحتاج المطالع إلى البحث عن السنين التي اتخذها العالم كله مبدأ تاريخ للأحداث العالمية.
3 -
كان يجدر به أن ينقل كلام الإفرنج في ما قالوا عن الكويت فلقد كتبوا عن تلك الديار في جرائدهم ومجلاتهم وكتبهم اكثر مما كتبه أبناء عدنان أنفسهم. نعم أن صاحبنا لا يعرف لغات الأجانب لكن لو طلب إلى إخوانه من عارفي اللغتين مثل هذه الخدمة لما ضنوا بها عليه.
4 -
في كتب التاريخ لا يدرج شيء من الشعر ولا سيما قصائد التهاني والمعايدات والأنس والمتنزهات ونحوها: فهذه كلها خارجة عن الموضوع وإنما يفرد لها فصل في أدب الكويت لا في تاريخه.
5 -
ضبط أعلام المدن فإنها كلها مجهولة، ولم تضبط بالشكل ولا بالكلام. وكتاب التاريخ إذا خلا من مثل هذا الأمر قلت فائدته.
6 -
أغلاط الطبع كثيرة لا تخلو صفحة منها ففي الصفحة الأولى منها قوله: الماه ية صوابها المادية. من الرسميات صوابها من المنشورات الرسمية. بمكافأة مالية كبرى صوابها كبيرة. وخمسميا صوابها وخمسمائة. وبية صوابها ربية. وذكرت لفظة (اسم) مضبوطة بهمزة القطع وهي بهمزة الوصل وفي تلك الصفحة: ولم وقد شئت. وصوابها: ولا سيما قد شئت. وفيها: فجزاك لله وصوابها فجزاك الله.
فهذه تسعة أغلاط في الصفحة الأولى التي يعنى بها كل العناية فما قولك في الصفحات التالية.
7 -
الكتاب غير متقن الطبع وكنا نود أن يكون أول تاريخ يتكلم عن تلك الخطة أن يكون حسن الطبع والترتيب.
على أن في هذا المصنف أبحاثا طلية منها كلامه عن جزر الكويت وقراها ولا سيما عن خطورة غوص اللؤلؤ فيها. وكذلك كل ما يتعلق بأخلاق الكويتيين وألعابهم وأعيادهم وأطعمتهم فكل ذلك مفيد وعسى أن تكون الطبعة الثانية احسن من هذه.
2 -
الطريقة الاستقرائية في دروس قواعد العربية
الجزء الثالث لصاحبها: رفائيل بابو اسحق طبع في المطبعة العصرية بغداد سنة 1925
هو احسن مختصر وجدناه للقواعد العربية فيكاد الكتاب يكون كله حسنات: حسن الكاغد، مضبوط الألفاظ بالشكل الكامل لكي لا يزيغ الخريج عن جادة النطق الصحيح بالألفاظ منذ أول عهده بالتعلم، واضح التبويب، يتبع كل فصل تمرين يتدرب عليه المتعلم؛ إلا أن هذه المطبعة لا تتقن ما يعهد إليها فمن اسطر منحدرة إلى اسفل سافلين، إلى اسطر تذهب صعدا إلى أعلى عليين. وهناك حروف مكسورة غير بينة أو حروف غير منقوطة.
وفي أثناء مطالعتنا بعض صفحات الكتاب وجدنا المؤلف يقول:
(يكون المعرب بالحذف في موضعين: في الأفعال الخمسة وفي الأفعال المعتلة الأخر) ولو قال: علامات الحذف في الأفعال تكون في الأفعال الخمسة وفي الأفعال المعتلة الأخر. لكان أوضح.
3 -
المختصر في التاريخ
مقرر السنة الثانية الابتدائية طبقا لمنهج إدارة المعارف العامة بفلسطين
تأليف حسين روحي المفتش في إدارة معارف فلسطين
الجزء الأول: في سير عظماء الرجال
الطبعة الثانية في القدس سنة 1922
مختصر مفيد في نحو 95 صفحة، وهو حسن بوجه عام، لكن في الحواشي تكثر الأوهام. فقد قال المؤلف ما نصه:(اور معناها نار أو نور، من مدن كلدية، واختلف المحققون في موقعها وأشهر الآراء: (1) أنها مدينة (أورفا) على أمد 20 ميلا شمالي حاران. (2)(ورقا). (3)(المغاور) أو (أم قير) على ضفة (الفرات) الغربية قرب ملتقاه بدجلة وهي الأصح على الأرجح. أهـ
قلنا: القول إن اور هي ارفا أو ركآء هو من أقوال الأقدمين. أما اليوم فقد اجمع علماء الآثار على اختلاف الألسنة والقوميات أنها المقير (وزان مقدم أي بتشديد الياء المفتوحة)؛ وكتب المؤلف أورفا بواو بين الهمزة والراء. وهو من كتابة الترك لهذه البلدة والصواب ارفا - والعرب لم يقولوا حاران بل حران بتشديد الرآء - وأما ورقاء فلا وجود لها في العراق والصواب الوركاء بالكاف وزان البيضاء. وليس في العراق اسم المغاور، وإنما هي المقير لا أم قير. وقال وهي الأصح والصواب الصحي وزان الكبرى.
هذا ما وجدناه في الحاشية الأولى من الصفحة الأولى التي هي في هذا الكتاب الصفحة السابعة. ثم قلبنا هذا المختصر فوجدنا لمثل الوجه الأول مثلا عديدة فعسى أن يعنى كل العناية بالمختصرات التي تقع في أيدي الأحداث لكي لا ترسخ في أذهانهم الأغلاط والأوهام فيتعذر بعد ذلك محوها من أذهانهم!
4 -
تاريخ حيفا
تأليف جميل البحري صاحب المكتبة الوطنية ومجلة الزهرة في حيفا
هو كتاب في تاريخ هذه المدينة الحديثة عدد صفحاته 52 وهو حسن التبويب إذا تصفحه القارئ وقف حالا على محتوياته: إلا انه يحتاج إلى إصلاح عباراته في بعض صفحاته، فقوله في المقدمة:(ولما كان لا يوجد لها تاريخ) هو كلام طويل يصاغ صيغة أخرى أخصر منها. كقولنا: (لما لم يكن لها تاريخ) وأملنا أن المؤلف يصلح هفواته في طبعته الثانية.
5 -
مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث
أو بغداد في (4000) سنة (كذا) لمؤلفه علي ظريف الأعظمي طبع في مطبعة الفرات. بغداد
ما وقع نظرنا على هذا الكتاب إلا واستبشرنا به لاعتقادنا إننا في حاجة إلى مثل هذا المصنف؛ ثم قلنا في نفسنا: لا جرم أن صفحات هذا التاريخ
تكون مستندا بيد الإفرنج ليطلعوا على حاضرتنا منذ أوغل عهدها في القدم إلى هذا العهد الفيصلي. لكن ما كان شديد عجبنا لما وقفنا على هذه الحقيقة وهي: أن تاريخ بغداد قبل العصر العباسي وقع في صفحتين: وفي هاتين الصفحتين لا تجد إلا أصل كلمة بغداد في منسلخ الأجيال! وأما بعد هذين الوجهين فإنك تقف على أحداث بغداد منذ تأسيسها على يد الخليفة العباسي إلى يومنا هذا. ووقائع الحاضرة مسرودة فيه سردا بدون رابط يربطها فالكتاب عبارة عن جدول وقائع لا غير؛ وحيثما جاءت تفاصيل طويلة؛ تراها خالية من روح النقد. ولا يسع هذه المجلة ذكر ما هناك من غرائب تلك الأقوال: إلا إننا نجتزئ بذكر شاهد على ما نقول ليكون القارئ على بينة مما يطالع ولا يركن إلى كل ما يذكره المؤلف.
فقد قال مثلا في ص14: (وامتدت القصور والمعاهد العلمية على ضفتي دجلة وكثرت القصور (كذا بعد أن قال عنها أنها امتدت) الفخمة والمنتزهات (كذا) والحدائق والمصانع: وانقسمت بغداد يوم ذاك إلى أربع وعشرين محلة (كذا) لكل محلة شارع ومسجد وحمام، وكان فيها أربعة آلاف معمل للزجاج وأربعمائة طاحونة مركبة على الماء، وثلاثون ألف معمل للكوز (كذا) وخمسة جسور اثنان عند باب الشماسية. . . .) ثم قال في ص15: (فقد
كان أهلها نحو المليونين نسمة. . . .) (أي في عهد الرشيد)
قلنا: لم يكن في سابق العهد مدن كبار فيها مليونان. ولو فرضنا أنها وجدت فلا يمكننا أن نتصور انه كان فيها (24000) محلة وكان لكل محلة شارع ومسجد وحمام إذ يصيب كل محلة 84 نسمة. والعاقل لا يصدق ذلك. نعم: إن الأقدمين كانوا لا يتورعون من ذكر الأرقام فعند بعضهم كما عند بعض المعاصرين الخمسة والخمسون والخمسمائة وخمسة الآلاف وخمسة الملايين شيء واحد إذ المهم عندهم هو الخمسة لا ما وراءها من الأصفار.
وكان لكل سبعين نسمة معمل كيزان. وهذا أيضاً من الخرافات والأقوال الخالية من كل نقد. إننا لا ننكر أن بعض المؤرخين ذكروا تلك الأرقام الهائلة
أما الآن فإننا في عصر التمحيص والتمخيض لا نرضى بهذه الرطازات التي يأباها كل ذي عقل سليم.
أما أغلاط الطبع فقد لا تخلو الصفحة الواحدة عن اقل من ستة أو سبعة فقد جاء في ص9: (وبعد أن تم بناؤها مد إليها قناتين أحدهما. . . والأخر. . . فكانا يدخلان المدينة وينفدان في القصور والشوارع والأسواق والارباض (المروج والساحات المنظمة) ويجريان صيفا وشتاء. أهـ
ففي هذه العبارة وحدها سبعة أغلاط من الأغلاط التي سميناها خطأ الطبع والصواب: وبعد أن. . إحداهما. . والأخرة (أو الأخرى) فكانتا تدخلان وتنفذان في القصور. . . أما الآن الارباض هي على ما فسرها: المروج والساحات المنظمة: فلا نراه مصيبا. نعم للربض معان كثيرة مختلفة لكن إذا نطقوا بها في كلامهم عن المدن فمعناها ما حول المدينة (اللسان في ربض) وقيل هو الفضاء حول المدينة من بيوت ومساكن وحريم المسجد إلى غيرها من المعاني؛ بيد إننا لم نجدها بالمعنى الذي ذكره المؤلف. فإننا نخشى أن يعلمنا لغة أو معاني تمنعنا عن فهم كلام السلف. فعسى أن تكون الطبعة الثانية خيرا من هذه الأولى.
على إننا لا ننكر أن في الكتاب محاسن ومن الجملة ما دونه في الأعوام الأخيرة فان أغلب تلك الوقائع غير مدونة في كتاب معروف. ولهذا فإنه احسن في ذكرها وفي تنسيقها: وأن كنا نود أن يكون ذلك النظام على وجه يأخذ الحوادث بعضها برقاب بعض حتى لا يتبدد نظامها فتذهب ضياعا على ما فعل. والله الميسر.
تنبيه للمؤلفين الذين اهدونا كتبهم.
منذ أن احتجبت مجلتنا إلى هذا العهد: وصلنا اكثر من خمسمائة كتاب أو رسالة أو مقالة؛ والجميع يريدون أن ننقدها بخلاف أهل العراق؛ فانهم يريدون أن نقرظ ما صنفوه. وسوف نأتي على ذكر كل من هذه الهدايا ونعطي لكل ذي حق حقه. فنطلب إليهم التريث؛ إذ لا بد من مطالعتها قبل التكلم عنها وكل آت قريب.
باب الانتقاد
6 -
كتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الرومي وقد اعتنى بنسخه وتصحيحه د. س. مرجليوث
الجزء الأول. الطبعة الثانية مطبعة هندية بالموسكي بمصر سنة 1923
ما من أحد يجهل منزلة ياقوت الرومي من اللغة العربية، فلقد خدمها بعدة تآليف جليلة وأعظمها نفعا معجم البلدان ومعجم الأدباء. ولقد عني الإفرنج بطبع الأول منذ سنة 1866 في ستة أجزاء صخمة، ثم طبعه أحد المصريين فشوه محاسنه وأزال رونقه. لأنه اتخذه سلعة تجارة. لا أداة علم ونفع وخدمة للعرب.
واليوم أمامنا الجزء الأول من معجم الأدباء لياقوت المذكور وقد أعيد طبعه ثانية بعد نفاد طبعته الأولى وقد عني بتصحيحه صديقنا الكريم د. س. مرجليوث الذي يعرفه جميع العراقيين. وقد استحسنا هذه الطبعة لما بذل لها من العناية. إلا أننا نستأذن الخل الوفي في إبداء رأينا في بعض الألفاظ التي نظنها من خطأ الطبع ونحن نذكر بعضها:
ص6 س9 ودلنا عنايتهم ولعلها ودلتنا عنايتهم
ص22 س18 قال كنت عند ابن هبيرة الأكبر، قال فجرى. ولعل الصواب حذف قال التي قبل فجرى
ص28 س8 ولا ابد نفعا. ولعل الصواب ولا ابدي نفعا.
ص31 س14 تغلي علينا الأسعار أني وما، ولعل الصواب إهمال نقطتي أنى
ص35 س10 يجعله كتابا واحدا وهي ما اختلفوا فيه، ولعل الصواب وهو
ص48 س7 فكان ذلك سبب غنائي، والمعنى يتطلب غناي بلا همز
ص50 س14 ونسجه إبليس، ولعل الصواب ونخسه إبليس
ص89 س13 كان يتخبر لابن الفرات، ولعلها يتحيز.
ص92 س6 وقيل إن الناس سلموا عليه بالقبا، وفي الحاشية؛ عوضا عن القضاء. قلنا: لا غبار على المتن لأن أهل القضاء كانوا يلبسون القباء
ص96 س15 واختص بالدهخداه أبي سعيد وفي ص106 س14 أبي سعد
ص110 س1 قتلت المراد واحمدت المراد، ولعل الصواب في الثاني: المزاد بالزاي
ص116 س7 مالك في الحرى تقود الجملا، ولعل الصواب ما لك في الخزي
ص117 س5 إذا الأهل أهل والبلاد بلاد، ولعل الصواب إذ الأهل
ص127 س4 كتاب الرد على لفذة، والمشهور لغدة بالمهملة. راجع القاموس والتاج في مادة ل غ د بالمهملة
ص129 س6 وعلى عزيمة إلا اكتب إلا ما اشتيته. لعلها اشتهيه
ص133 س9 جلست في منزلي غضبانا مسكرا. لعلها غضبان مفكرا أو غضبا مفكرا.
ص148 س14 فلا انساب بينكم يومئذ. والذي احفظه أن الآية هي: فلا انساب بينهم يومئذ.
ص150 س17 ثم قال يا أبا بكر، والمطلوب هناك يا أبا زيد
ص151 س5 ثم قال: بقي شيء لم أصلحه، وأظن إعادة همزة الاستفهام هنا احسن أي أبقي
ص151 س7 س فقد جاء نوبة غيركم، ولعل الاصوب جاءت نوبة
ص158 س19 ونحبت قلوبهم ولعل الصواب ونخبت قلوبهم
ص168 س13 في الزلزلة كانت بحماة، ولعل الصواب في الزلزلة التي كانت بحماة
ص171 س11 سيرت ذكرا، ولعل الصواب ذكرك
ص172 س17 يلعب بالشطرنج والزند، ولعل الصواب والنرد
ص173 س19 ثم أعاد على اللفظة بعينه، ولعل الصواب ثم أعاد علي (بضمير المتكلم).
ص174 س6 لغيري زكوة من جمال وأن تكن، ولعل الصواب لغيري زكاة. . . فأن
ص176 س11 وعما اجبتيه فقالت، ولعل الصواب حذف الياء من اجبتيه
ص176 س14 فيا دارها بالحزن، ولعل الصواب بالخيف
ص196 س15 وبوجوده وجوده. وبقوة في الحيوان حساسة ما استولى على الانتفاع بالنبات ولعل حذف (ما) احسن هنا وأوفى للمعنى.
ص198 س5 مما عاياه ولعلها مما عاناه
ص203 س4 وطلبته حجة على الضعفاء، ولعل الصواب وطلبه حجة
ص204 س15 وأنه يحسبها ساكتة في بعض السوام، ولعل الصواب ساكنة
ص209 س16 غثا وثمينا، ولعل الصواب وسمينا بالسين
ص215 س12 وطاب إيراده، والمشهور وطاب ابراده وكذلك في ص216 س9
ص217 س2 ومجلس ليس لعمر به، ولعل الصواب لغمر به بالغين المعجمة
ص232 س3 بخير على أن النوى مطمئنة، بليلي وأن العين باد معينها، ولعل الصواب حذف النقطتين من الياء الثانية من بليلي
ص236 س2 ولم ادر من ألقى عليه رداءه، ولعل الصواب علي (للمتكلم)
ص244 س17 اعز له، ولعل الصواب أغر
ص244 س19 وكان السبب في الإخراج عما اخذ منه، ولعل الصواب الإفراج
ص251 س9 فمال (عليه) أصحابنا، وفي الحاشية لعله (عنه). ونحن لا نرى رأي حضرته
ص263 س10 أما والله لو آمنت ودك، ولعل الصواب حذف المد وجعل الفعل من الباب الأول
ص265 س18 ولما نات، ولعل الأحسن فلما نأت
ص276 س2 دساترهم، لعلها دساتيرهم جمع دستور
ص276 س14 برطازة وهي مضبوطة بضم الرآء والمشهور بفتحها
ص285 س11 ينحلانها نحلا فيخرجانها حرفا حرفا، ولعل الصواب ينخلانها نخلا بالخاء المعجمة من فوق
ص289 س2 للشمس ما سترت عنا معاجرها، ولعل المعنى يطلب أن يكون هنا للشم بدلا من الشمس.
ص289 س11 إذا ما رعاها نصت الجيد نحوه، ولعل الصواب نضت بالضاد المشددة
ص291 س18 فلا يبعدنك الله مينا بفقره، ولعل الصواب ميتا بقفره
ص302 س1 وتفرقت بعادتهما. لعلها بعادتها. وفيها س7 فهو ولهم وبهذا يستوجب كل لغة أن يسمى ابنه، ولعل الصواب: فهو وليهم (بالياء المشددة) وبهذا يستوجب في كل لغة
ص311 س3 كفى بالهوى بلوى وبالحب محنة؛ وبالهم تعذيبا وبالعزل مغرما ولعل الصواب؛ وبالعذل مغرما (أي بالذال المعجمة
ص311 س19 يروي النحاة أبيات ابن دريد في هجو نفطويه النحوي هكذا:
لو أوحي النحو إلى نفطويه
…
ما كان هذا النحو يعزى إليه
وشاعر يدعى بنصف اسمه
…
مستأهل للصفع في اخدعيه
احرقه الله بنصف اسمه
…
وجعل الباقي صراخا عليه أهـ
ص312 س11
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم
…
وليس لي أمر آخر منهم وطر. ولعل الصواب: وليس
لي في أمر آخر منهم وطر.
ص314 س1 مان علي الحقيقة ولعل الصواب مات على الحقيقة
ص314 س15 معاذ الله أن نلقي غضابا؛ سوى ذاك المطاع على المطيع. ولا معنى لذاك هنا. ولعل الصواب سوى دل المطاع
ص317 س1 وهذا كلام على طلاوة. لعله عليه طلاوة
ص318 س19 له معرفة حسنة بالنحو واللغة والأدب وحظ من الشعر جيد من مثله؛ وفي الحاشية: ولعله ندر مثله. ونحن نرى أن لا غبار على المتن فهو أوضح من الشمس في رائعة النهار
ص322 س8 وقد نثر على المنتصر؛ وفي الحاشية: لعله المحضر ونحن لا نرى رأيه لأن المنتصر هنا هو ابن المتوكل الخليفة العباسي. وقد كان ذلك النثار على المنتصر لا على المحضر
ص338 س12 أشلاء مني منهوكة وعظاما مبرية، ولعل الصواب وعظاما جمع عظم
ص341 س6 وأن اظهروا برد الودود وطله؛ ولعل الأصلح هنا بر الوداد وظله
ص342 س2 واظهر بعضهم التعالل (بفك الإدغام)؛ والصواب: التعال (بالإدغام)
ص343 س3 هنا كتاب حسن. ولعل الموطن يطلب أن يكون هذا كتاب
ص344 س19 اعطتيني ولعل الصواب أعطيتني
ص348 س4 سرت له البرقع من وجهها لعل الصواب: سلت باللام
ص349 س1 عليها الليالي لعل الصواب: عليه الليالي
ص364 س7 وممن حال بلدان العراق. والصواب جال بجيم
ص365 س14 فاستدعا والأحسن فاستدعى
ص368 س2 فقال ابن حمدون: الطلاق لي لازم أن كان قال هذا؛ ولعل الصواب: الطلاق له لازم
ص371 س16 بمن ابلغ الغيات، ولعل الصواب الغايات
ص376 س11 حسن التصنف لعلها التصنيف
ص387 س2 فقلت لا تعجبني مني ومن زمن؛ انخى عليَّ بتضييق وتقتير. ولعلها أنحى
ص388 س17 ومسمه لم يخنها الصواب؛ وزامرة أيما زامرة. ولعلها ومسمعة أي مغنية
ص389 س10 وقائل قال لي من أنت قلت له؛ مقال ذي حكمة وأنت له الحكم ولعل الصواب: أنت له الحكم بدون عطف ليستقيم الوزن
ص390 س10 فيلقي من يعاشر منه جهدا. ولعل الصواب حذف النقطتين من ياء يلقى الأخيرة
ص395 س12 فقال: أفت لبنات وردان ما يأكلون فقد رحمتهم من الجوع. ولعل الصواب ما تأكل فقد رحمتها
ص398 س7 فقدم الطعام فما كان في فضل أشمه. هو صحيح. والحاشية: لعله اشتهاء في غير محلها
ص399 س8 لكيما اربح عليك الكثير ولعل الصواب الكسر لأن الكلام على ما يكسر في كل دينار من الدراهم
ص401 س13 فلما رأى أبو جعفر ولعل الصواب فلما رآني أبو جعفر ليستقيم المعنى
ص408 س11 خصب قبل موته لسنة خضابا ولعل الصواب خضب (بالضاد المعجمة) قبل موته بسنة (بالباء) خضابا
ص413 س1 قرآ ولعل الصواب قرأا لأنه للمثنى
ص419 س1 فقلنا له: ما بطأ بك. ولعل الصواب ما أبطأ بك
ص419 س4 صبيحة الوجه، وضيعة المنظر، حسانة الخلق، ولعل الصواب وضيئة
المنظر
ص421 س5 هم في الحشا أن اعرفوا أو أشأموا، أو ايمنوا أو انجدوا أو اتهموا. ولعل الصواب أو اعرقوا بالقاف أي اتوا العراق
ص423 س2 ثم ذكرت ما كان بينه وبين والدي رحمه الله من المحبة المشتبكة اشتباك الرحم الجارية في عروقها، ولعل الصواب في عروقهما لأن الكلام عن عروق رجلين
ص444 عريب المغينة صوابها المغنية
هذا ما بدا لنا في مطالعة هذه الطبعة مطالعة عجلان. ويزينها فهرسان الأول للأعلام الواردة في الجزء الأول والثاني لأسماء الكتب الواردة فيه، وهذا ما يعلي كعب هذا السفر الجليل. ويا ليت يجاريه طابعو الكتب القديمة وناشروها فإن ما يطبع منها في الديار المصرية بعناية حكومتها أو علمائها كصبح الأعشى خال من الفهارس والملاحظات وفتح المغلق من الألفاظ الواردة فيه، ولاسيما جاء في صبح الأعشى ألفاظ غير موجودة في معاجمنا وهي جديرة بالحفظ وقد ورد ذكرها في تضاعيف مجلدات ذاك السفر الجليل، الذي شحنه ناشره أغلاطا تخجل الجهلة فضلا عن الأدباء.
ولهذا نقدر كل التقدير ما ينشره المستشرقون لأن ما يعنون به من كتب السلف أوفى بالمراد مما ينشره أبناء اللغة العربية وحملة ألويتها فللأستاذ مرجليوث أعظم الشكر على ما قلدنا من قلائد الفضل والإحسان وعسى أن تصلح الطبعة الثانية مما ظنناه خطأ وهو الموفق.
7 -
كتاب يفعول
تأليف الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني عني بنشره وتصحيحه والتعليق عليه خادم العلم حسن حسني عبد الوهاب - بمطبعة الآداب بتونس
للسيد حسن حسني عبد الوهاب، مدرس التاريخ الإسلامي بالخلدونية وبالمدرسة العليا للآداب والفقه العربية بتونس فضل على اللغة العربية لأنه يعنى ببث علم الأقدمين الصحيح بين ظهرانينا، ومن جملة ما اهتم بنشره هذا الكتاب الصغير فأن صاحبه الصاغاني اللغوي الشهير جمع ما ورد في العربية على يفعول من الألفاظ فكانت 42 فشرحها ثم علق عليها صديقنا حسن حسني تعاليق جليلة فزادت الفائدة ولم يكشف بذلك بل
أضاف إليها أربع عشرة كلمة أتى بها من وقوفه على اللغة وأسرارها وفرائدها فبلغت 56 ومع ذلك فقد فات الصاغاني وعبد الوهاب مفردات وردت في أسماء بلادهم ورجالهم ولغتهم منها:
1 -
ياروق؛ اسم رجل من أمراء التركمان وإليه تنسب المحلة الياروقية في حلب
2 -
اليارور، وهو اسم موضع في بلاد العرب ذكره ابن الأثير في كامله
3 -
ياغوز، اسم موضع في بلاد إيران جاء ذكره في التاريخ.
4 -
الياقوت؛ وهو حجر كريم مشهور ومن العجب أن يغفل عنه الصاغاني وصديقنا.
5 -
يامون؛ اسم موضع ذكره الهمداني في صفة جزيرة العرب
6 -
اليخضود؛ كل ما قطع من عود رطب أو تكسر من شجر.
7 -
اليرقود، الذي يرقد كثير.
8 -
اليعموم؛ الطويل من النبت. ويعموم اسم موضع في ديار العرب ذكره الهمداني.
9 -
يعمون اسم موضع في اليمن.
10 -
اليهكوك الأحمق وفيه بقية.
فبلغ المجموع ستا وستين لفظة وردت على هذا الوزن.
ومما يؤخذ على الناشر انه ذكر اليبرون وقال هو الكهرباء في اصطلاح الحجازيين. ولعله دخيل من اليونانية (راجع كتاب المصابيح السنية في طب البرية لشهاب الدين القليوبي - خط) قلنا: إن كان خطأ يصعب علينا مطالعته على أن أصل اللفظة يوناني وهو (انبرون) فحذفت الهمزة ولم تنقط الكلمة فقرئت يبرون. واليونانيون أخذوها عن العربية عنبر ثم زادوا في أخرها علامة الإعراب ولم يكن عندهم العين فصارت انبرون. فانظر كيف تعود إلينا ألفاظنا مشوهة.
وقال عن اليخمور (ص35): نوع من الذباب يعرض للخيل بلعسه (كذا أي بلسعه) عن كك اللغتين العربية والفرنسية تأليف كزيمرسكي طبع مصر 1875 ج4 ص980) ولا ادري مصدره.
قلنا: إن كتاب قزميرسكي هو ترجمة كتاب فريتغ المكتوب في اللاتينية واغلب ما جاء من غريب الألفاظ في فريتغ منقول عن غوليوس وهذا عن
كتاب مرآة اللغة وهو معجم عربي
تركي حوى ثلاثين ألف كلمة والذي ذكر فيه أن اليخمور ذباب الخيل ولم يزد على هذا القدر.
وقال في تلك الصفحة: يعبور اسم موضع لم يرد في المعاجم الجغرافية وذكره الجاحظ في قول مومان:
قد كنت صعدت عن يعبور مغتربا
…
حتى لقيت بها حلف الندى حكما
(راجع كتاب الحيوان ج7 ص53) أهـ
قلنا: الذي في حفظنا أن هذا البيت يروي: (قد كنت صعدت عن بغشور مغترما. . . لا يعبور. وكتاب الجاحظ المطبوع في مصر مشوه أشنع تشويه ولا يعتمد على تلك النسخة فقد لا تخلو صفحة من تصحيف أو تصحيفين وإذا سلمت صفحة من هذا العيب وجدت في التالية لها ما فاتك في الأولى.
وقال في ص36: يمرور نبات من نوع القنطوريون. . . عن كزيمرسكي ج4 ص994 ولم يذكر مستنده ولم نقف عليه في غيره. أهـ. وقد وجدناه في فريتغ الذي نقل عنه كتابه. وفريتغ وجدها في فورسكال في كتابه عن الزهر.
وفي تلك الصفحة ذكر الينتون ووصفه وذكر أيضاً النيتون ثم قال: ولعل هذا النبات (أي الينتون) هو الوارد في المعاجم اللغوية باسم النيتون ولا يخفى ما في اللفظين من المشابهة القوية أهـ. قلنا: وليس الأمر كذلك فان الينتون هو المسمى ثافسيا كما قال بخلاف النيتون فأنه خبيث الرائحة ويعرف عند النباتيين باسم:
وقد ورد في هذا الكتاب من خطأ الطبع شيء كثير من ذلك ما يأتي:
ص3 س9 يقرأ عيله صوابه عليه
ص4 س5 كتبا كثرة صوابه كثيرة
ص6 س14 الحديت صوابه الحديث
ص11 س2 العيسوب صوابه اليعسوب
ص11 س6 ليكون اوضاحا صوابه وضاحا
ص12 س4 أبو وجزة السعيدي صوابه السعدي
وفي ص13 س11 قال الدينوري: اليبروح أصل الفو وهو اللفاح البري أهـ قلنا: وفي
الكلمات تصحيف والصواب: اليبروح أصل الموريون وهو اللفاح البري. وأما الفو فهو المعروف بالفالريانة ولا صلة له بالسابق. وهناك غير هذه الأغلاط والأوهام إلا أننا اجتزأنا بما ذكرنا.
أسئلة وأجوبة
مذهب السلف لا مذهب سلفه
سألنا أحد البيروتيين ما هو المذهب السلفي الذي كتب عنه المسيو لويس ماسنيون المستشرق الفرنسي في بعض مصنفاته: إن معظم أهل الشام منتمون إليه. أفليس هو مذهب صدر الدين أبي طاهر احمد بن محمد سلفه الاصفهاني المتوفى في الإسكندرية في 5 ربيع الأخر سنة 576 وأصله من اصفهان؟
ج - ليس لهذا الرجل مذهب خاص به ينسب إليه. ومراد العلامة لويس ماسنيون بمذهب السلف أو المذهب السلفي مذهب أصحاب الحديث أو أصحاب الأثر الذي سماه المتأخرون مذهب السلفيين أو الأثريين. وهو مذهب كثير من أهل الشام ونجد وبعض أهل العراق النجديي الأصل. فقد قال عن هذا المذهب أبو حاتم الرازي في كتابه (الزينة) ما هذا حرفه:
(أصحاب الحديث: سموا بذلك لأنهم أنكروا الرأي والقياس. وقالوا: علينا أن نتبع ما روي لنا عن رسول الله (ص) وعن الصحابة والتابعين، وما جاء عنهم من الحديث في الفقه والحلال والحرام، ولا يجوز لنا أن نقيس بآرائنا فقيل لهم أصحاب الحديث وأصحاب الأثر. وهم مجتمعون على أن الإيمان قول وعمل؛ والقرآن غير مخلوق. وكفروا من قال بخلق القرآن. أهـ كلام الرازي.
وأما كلمتا: السلفيين والأثريين فهما قياسا على النسب إلى مذهب السلف أو أصحاب الأثر فمن هذا يرى أن قول المسيو لويس ماسنيون هو الصواب عينه ومن تجرأ فخطأه ركب متن الضلال.
أيقال المجمع العلمي بمعنى الاكادمية
وسألنا ج. م. من الحلة: أيقال المجمع العلمي بمعنى الأكادمية؟
قلنا: يجوز من باب التوسع في المعنى ولا يجوز من باب التحقيق؛ لأن النعت يصف الاسم (أو أن شئت فقل يصبغ الاسم صبغة) بخلاف الإضافة فإن المضاف إليه يتخصص بالمضاف. فإن قلت مثلا: كتاب الملك فإنك تريد كتابا خاصا بالملك لا يشركه فيه أحد: أما
إذا قلت (كتاب ملكي) فقد وصفته بشيء يتعلق بالملك. مثلا أن يكون من نسخة أو من تعليق له عليه، أو من تصحيفه الجليل أو بوصف من الأوصاف لا تكون إلَاّ في الملوك. فإذا علمت هذا عرفت أن قولهم مجمع علمي لا يؤدي معنى الاكادمية فهذه هي (مجمع علماء) لا غير وأن شئت لفظة واحدة فقل:(المشيخة) وهي جمع شيخ لأنه لا يكون في ذلك المجمع إلَاّ شيوخ العلم وأساتذته ومشاهيره وهذا المراد من قولهم: الاكادمية.
ولهذا قالوا مشيخة الإسلام لأنها عبارة عن جماعة امتازوا بعلمهم وفقههم والتضلع من الشرائع الإسلامية. فهي إذا حقيقة جماعة من شيوخ الدين الإسلامي.
حرف العطف في الأخر
وسألنا أ. هـ. من البصرة: هل ورد في شعر العرب معطوفات متوالية بلا حرف عطف. ثم وضع عطف واحد قبل المعطوف الأخير كما يقول الإفرنج مثلا:
ومعنى العبارة: يوسف، يحيى، بولس وبطرس قدموا. أو: قدم يوسف، يحيى، بولس وبطرس: لأننا رأينا كثيرين من المتفرنجين يصيغون عباراتهم على مثال الإفرنج.
لم يخترع أبناء الغرب هذا النمط من التعبير فإن أبناء العرب سبقوهم إليه حتى في شعرهم. قال الراجز (راجع كتاب البيان للجاحظ 62: 1)
إذا غدت سعد على شبيبها
…
على فتاها، وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها
…
عجبت من كثرتها وطيبها
فأنت تراه قال. على شبيبها؛ على فتاها، وعلى خطيبها، جاعلا أداة العطف في الأخر على حد ما يفعله الإفرنج في عهدنا هذا.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
1 -
الوفد المالي العراقي إلى لندن
سافر يوم 28 حزيران 1926 صبيح بك نشأت وزير المالية في حكومة العراق والمستر فرنن مستشار وزارة المالية قاصدين لندن للبحث عن شؤون مالية مع حكومتها التي منها تسوية الاتفاقية المالية المعقودة بين الدولتين وإيجاد نقود عراقية وفتح مصرف زراعي عراقي.
2 -
رحلة جلالة ملك العراق
سافر صاحب الجلالة ملك العراق فيصل الأول يوم 30 حزيران قاصدا حمامات فيشي للاستشفاء فيها ثم يقصد لندن للاستراحة ورافق جلالته رستم بك حيدر رئيس الديوان الملكي وكتوم جلالة الملك الخاص.
وصل في 3 تموز الركاب الملكي إلى عمان عاصمة شرقي الأردن (الشرق العربي) وقد أبحر من (بورت سعيد) يوم 5 تموز فبلغ فيشي في 11 منه.
3 -
رافد العراق أي نائب الملك فيه
أقيم صاحب الجلالة الملك علي صاحب الحجاز السابق وضيف
العراق اليوم رافدا أي نائبا عن جلالة الملك فيصل الأول صاحب العراق في أثناء تغيبه في أوربة مستشفيا، وقد أدى الرافد يمين الإخلاص في البلاط الملكي بحضور الوزراء ورئيسي الأعيان والنواب لعطلة مجلس الأمة في هذه المدة.
4 -
المعاهدة العراقية التركية البريطانية
صدق جلالة الملك جورج الخامس ملك بريطانية وانبراطور الهند المعاهدة العراقية التركية البريطانية.
5 -
بين عنزة والضفير
كتبت الأوقات العراقية (البصرية) انه قبيل عيد الأضحى أغارت قوة كبيرة من عنزة على الضفير القاطنين في الرميلة التي تبعد عن البصرة مسافة 40 ميلا وجرت بين القبيلين
معركة دموية قتل في خلالها كثير من الرجال وهلك معهم كثير من الخيل والجمال. وقد اتضح أخيرا أن الحرب كانت سجالا بين الفريقين.
وبلغنا أن الكبتن كلوب ضابط الاستخبارات (عون في الفثا) في لواء المنتفق المعروف الآن عند عشائر العراق ونجد كلها أخذ يسعى الآن لدى ولاة الأمور لإعادة النظر في الآمر المذكور ولضرورة منع الغارات والغزوات في الأراضي العراقية وبين عشائرها.
6 -
إسالة الماء إلى الزبير
عني عبد اللطيف باشا المنديل بجر الماء من شط العرب إلى بلدة الزبير.
7 -
العفو العام عن المجرمين السياسيين في العراق
صدرت إرادة ملكية بتاريخ 29 حزيران 1926 بالعفو العام عن المجرمين السياسيين وذلك حسب الاتفاق الوارد في المعاهدة الثلاثية الأخيرة.
8 -
فخامة السر عبد المحسن بك السعدون
أنعم صاحب الجلالة جورج الخامس ملك بريطانية وانبراطور الهند بوسام عال مع لقب (سر) على فخامة عبد المحسن بك السعدون رئيس وزراء حكومة العراق ووزير خارجيتها.
9 -
وفاة عبد الوهاب النائب
توفي يوم 8 تموز عبد الوهاب النائب من كبار علماء الدين المعروفين في العراق ودفن مساء ذلك اليوم بموكب حافل.
10 -
وفاة المس كرترودلثيان بل
توفيت في بغداد يوم 12 تموز العالمة المستشرقة والسياسية الشهيرة المس كرترودلثيان بل الكتوم الشرقية لدار الاعتماد البريطاني في بغداد ومديرة دار الآثار العراقية الفخرية. ودفنت بحفلة رائقة مساء ذلك اليوم في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي.
11 -
وفد الجزيرة
تألف في مصر وفد مختلط من سوريين ومصريين وقرر السفر إلى صنعاء اليمن لمقابلة
الإمام يحيى حميد الدين سلطان اليمن للاتفاق بينه وبين السلطان ابن السعود صاحب نجد والمستولي على الحجاز الآن. ومن أعضائه نبيه بك العظمة والأستاذ أحمد زكي باشا كتوم مجلس النظار سابقا.
12 -
المهاجرون الاثوريون في العراق
نشرت جريدة (البغداد تايمس) في قسمها الإنكليزي يوم 13 تموز ملخص التقرير الذي تلقاه في لندن الكتوم العام للجنة الاثوريين المهاجرين في العراق التي يرأسها رئيس أساقفة كنتربري من ممثلها في العراق ومما جاء فيه:
تحسنت صحة المهاجرين وسد رمقهم ويستطيع السواد الأعظم منهم الآن اكتساب رزقهم بعرق جبينهم.
وقد نال أحد عشر ألف مهاجر من النساطرة في العراق أراضي يأوون إليها فيكونون فيها عمالا ومزارعين في قرى يستملكونها لبضعة أعوام. ويقوم قسم منهم بالخدمات المنزلية. ومجموع ما لجأ منهم إلى الحدود العراقية في العام الماضي ثمانية آلاف نسمة وقد تسجل آلفان منهم للخدمة في جيش المرتزقة (الليفي) آخذين معهم أسرهم في المعسكرات والثكنات المخصصة بجنود المرتزقة
واحترف عدد منهم الصنائع من حياكة ونحوها.
ويسكن الآن من الآثوريين الكلدان ثلاثة آلاف في مخيمات المهاجرين الواقعة في زاخو وبرسيفي. وفي مدينة الموصل نفسها ألف منهم. ويقيم في العمادية نحو 6 آلاف وقسم كبير في قضاء (دشت حرير).
13 -
لجنة الحدود الدائمة في العراق
أنشئت لجنة تسمى لجنة الحدود الدائمة طبقا لنصوص المعاهدة الثلاثية، وقد عينت حكومة العراق العقيد (الكولونل) مصطفى بك كامل مندوبا عنها في اللجنة وعينت الحكومة البريطانية الكولونل (العقيد) نولدر مندوبا عنها فيها.
14 -
سفير الحجاز ونجد في باريس
عين نقولا بك سرسق الموجود في باريس سفيرا لمملكة الحجاز وسلطنة نجد لدى الحكومة الفرنسية وعين الدكتور أميل عرب كتوما لهذه السفارة.
15 -
الطيار بوكهام
وصل بغداد الطيار الإنكليزي الشهير المستر بوكهام الذي يقوم برحلة جوية في 4 تموز، وقد أصيب رفيقه الميكانيكي المستر ايليوت برصاصة في أثناء طيرانهما فوق (هور الحمار). ثم نقل إلى المستشفى في البصرة وتوفي فيها، وقد سافر هذا الطيار من
البصرة فوصل اباشهر في 13 تموز وقال في برقية؛ (أني أطير على الخليج الفارسي متوجها إلى بندر عباس التي هي أحر منطقة في العالم وفي هذا السفر أكبر خبرة للمحركات المجهزة بآلة مبردة للهواء).
16 -
عدد الحجاج في هذا العام
ذكرت جريدة (الأردن) أن عدد الحجاج الذين وصلوا الحجاز عن طريق جدة بلغ 676، 55 حتى مساء 6 تموز 1926 ويقدرون حجاج هذا العام بمائة وثلاثين ألفا.
17 -
حادثة دموية بين أسرتين موصليتين
جرت يوم 15 تموز في الموصل حادثة نزاع بين أسرتي توحلة وقاسم الحميدي قتل فيها رجلان وجرح آخر مع امرأة.
18 -
نائب القنصل الإيراني العام
قدم بغداد الميرزا حسن دلباك النائب الأول لقنصل إيران العام (الجنرال) في بغداد وتسلم مهام وظيفته.
19 -
خسائر الجراد
علم من مصدر رسمي أن خسائر الزراع في كارثة الجراد في مناطق الرمادي والكاظمية واليوسفية بلغت نحو خمسمائة ألف ربية أما انتشاره فكان كثيرا في الموصل وكركوك وكفري وغيرها.
20 -
الحر في بغداد
بلغت درجة الحرارة بين منتهى حزيران ومبتدأ تموز 102 فارنهيت أو 39 مئوية.
21 -
مدرسة البنات المركزية في بغداد ودار المعلمات
أقامت في بغداد إدارة المدرسة المركزية ودار المعلمات للحكومة حفلتها السنوية يوم 3 تموز وقد نبغ من دار المعلمات 17 معلمة.
22 -
قائد الطيران البريطاني في العراق
عين ردف مشير الطيران (الاير فيس مارشال) السر جون هيكنس القائد العام للقوة الجوية في العراق عضوا في مجلس التموين والمباحث في وزارة الطيران البريطانية في لندن، وعين خلفا له في العراق ردف مشير الطيران السرادوارد ايلنكدون.
23 -
لإعانة المصابين بالغرق
بلغت إعانة العراقيين وغيرهم للمنكوبين بالغرق 039، 26 ربية و15 آنة وذلك إلى 25 تموز والليرة الإنكليزية تساوي يومئذ 13 ربية و42 جزءا من المائة.
24 -
التجارة بين العراق وإيران
بلغ عدد السيارات التي سافرت من العراق إلى إيران في شهر حزيران 122 وجاء إلى العراق 117 والسيارات القادمة إلى العراق 147 والذاهبة إليها 138.
25 -
متمر مكة وأعماله
افتتح مؤتمر مكة بخطاب عظمة السلطان ابن السعود الذي فرض على أعضائه اجتناب المناقشة في الشؤون السياسية الدولية وتناقش أعضاؤه في ما يجب اتخاذه للحالة الصحية في الحجاز، وبحثوا في السكة الحديدية الحجازية. وقرروا مطالبة الحكومة الحجازية باسترداد معان والعقبة إلى الحجاز وكانتا قد ألحقتا بشرقي الأردن. وانتخبوا الأمير شكيب ارسلان الكاتب الشهير كتوما عاما للمؤتمر، وقرروا انتخاب 6 أعضاء من الفنيين في الأقطار الإسلامية ليكونوا أعضاء في اللجنة التنفيذية وانفض المؤتمر يوم 5 تموز.
26 -
هدية الحكومة البريطانية إلى الجيش العراقي
تسلمت وزارة الدفاع العراقية يوم 14 تموز خمسة مدافع من العيار الثقيل المعروف بالهاون (أوبوس) وخمسة مدافع من مدافع الصحراء و20 مدفعا جبليا وهي هدية من الحكومة البريطانية إلى الجيش العراقي.
27 -
ماء دجلة في حزيران
كانت النهايتان القصويان العظمى والصغرى من ارتفاع الماء في دجلة في غضون الشهر 32. 88 و 31. 37 يقابل ذلك في مثل هذا
الشهر من السنة الماضية 49، 30 و46، 29 مترا.
وكان معدل جريان الماء في اليوم 000، 62 قدم مكعبة في الثانية أي بنقصان 600 قدم مكعبة في الثانية عن مثلها في السنة المنصرمة.
28 -
ماء الفرات
كانت حالة الماء في الفرات هادئة في أثناء الشهر. والنهايتان القصويان العظمى والصغرى بالنظر إلى المقياس المقام في الرمادي 18، 49 و20، 48 مترا في اليومين الأول والأخير من الشهر حيث كانت النهايتان في هذا الشهر من السنة الفائتة تنقصان 64، 0 و10، 1 متر.
29 -
ماء ديالى
كانت النهايتان القصويان العظمى والصغرى من ارتفاع الماء في النهر في أول الشهر وآخره 90، 65 و68، 65 مترا أي بزيادة أربعين سنتيمترا عن مثلها في مثل هذا الشهر من السنة المنقضية.
وكان معدل جريان الماء في النهر في اليوم الأخير من الشهر 3. 72 قدما مكعبة في الثانية يقابلها 1337 قدما مكعبة في مثل هذا الشهر من السنة الفائتة.
30 -
ماء اليوسفية
كان الماء يجري في اليوسفية بمعدل 500 قدم مكعبة في الثانية
منذ 6 حزيران 1926. أما ماء الصقلاوية فكان جاريا فيها طول الشهر.
وكانت المزروعات تأخذ حصتها من ماء الترعة، ثم انقطع الأخذ منه لهجوم الجراد على تلك المزروعات الصيفية وأهلاكها لها في منطقة المجر.
31 -
ترع ديالى
في النصف الأول من حزيران كان يؤخذ الماء من نهري ديالى والخالص بقدر عظيم. ولما تناقص الماء في الأسبوعين الأخيرين من الشهر، انقص توزيع المياه فاتخذت التدابير الوقتية لأخذ المقدار الكافي من الماء وأقيمت سداد من أغصان الأشجار والعيدان في النهر وكانت الترع كلها تأخذ المقدار الكافي لها من الماء ما عدا الهارونية فان ماءها كان قليلا.
أما الترع الواقعة في منطقة العمارة فكانت على احسن حال ولم ينقطع العمل فيها في مطاوي الشهر كله لتوفر الماء في دجلة.
32 -
الحالة الصحية في البصرة
بلغ عدد الوصفات التي وصفها أطباء البصرة في شهري أيار وحزيران 500، 10 كان ثلثاها للمصابين بالبردآء (الملاريا).
وبلغ مقدار الكينة التي استعملت إلى 20 تموز ما وزنه ألف لبرة. دع عنك علب (الايزينوفيلس) التي بلغ مجموعها ألفين (عن الأوقات العراقية)
33 -
حالة اليمن اليوم
قال مكاتب (الأهرام) - الصحيفة المصرية الشهيرة - في عدن:
عدت من رحلة إلى صنعاء وقضيت في عاصمة اليمن نحو أسبوعين وقفت في خلالهما على التطور الجديد في ذلك القطر بعد ما انجلى الترك عنه ولم تعد إدارته مقيدة بشيء من طراز الإدارة التركية بل زالت جميع الروابط التي كانت تربطه بالترك وسياستهم فأخذ يتجه اتجاها جديدا ويتحول رويدا رويدا إلى اكتساب كيان خاص مستقل.
ولما كان عظمة الإمام يحيى حميد الدين هو الحاكم المستقل المطلق في اليمن فان الحركة الجديدة البادية في تطور الحالة في اليمن هي من صنعه.
وقد ظلت المفاوضات دائرة بين الإمام يحيى والسر كلبرت كلايتون طول مدة وجود هذا في اليمن حول عقد المعاهدة بينه وبين الإنكليز، فأتفقا على نقط لكن الاختلاف الشديد كان على النواحي التسع التي يطالب الإمام بإعادتها إلى اليمن وهي الآن بحماية الإنكليز وهو يطلب أن يعترف الإنكليز بسيادته على عدن. فلم يسلم السر كلبرت كلايتون بهذه المطالب وعاد إلى
لندن يحمل إلى حكومته القواعد التي تم الاتفاق عليها ومطالب الإمام يحيى في
المسائل المختلف فيها.
والإمام يهتم بتعزيز جيشه وتدريبه على فنون الحرب الحديثة فالمعروف عن اليمني انه جندي وفي صنعاء الآن مدرسة حربية لتعليم الفنون العسكرية المختلفة وتدريب الجنود المجندون في الجيش النظامي تدريبا عصريا، وقد أسس في هذه الآونة في صنعاء معمل لصنع الخراطيش وإصلاح كثير من أنواع الأسلحة وابتاع الإمام بعض الطيارات من إيطالية، وقد أوصى بسفن مسلحة لخفر السواحل.
واليوم يرتقي اليمن رقيا علميا مشهودا ففيه الآن مدارس عديدة ويزداد عددها عاما فعاما ومن جملة المدارس كلية داخلية لتعليم العلوم الدينية والآداب العربية ومدرسة ثانوية ويقبل أهالي اليمن إقبالا عظيما على التعليم وازدادت صحف مصر وكتبها رواجا بينهم.
واليمن قطر زراعي يعيش أهله من الزراعة ويساعدهم على ذلك استتباب الأمن في البلاد وعدم وجود ضرائب تزيد على العشر الشرعي.
أما التجارة فقد تحسنت تحسنا كبيرا في اليمن بعد ضم الحديدة إليه واتصاله بالعالم الخارجي من مينائه الطبيعي.
34 -
الطاعون في بغداد
وقع 52 حادث طاعون في بغداد في شهر حزيران؛ وكان عدد الإصابات في أيار 136؛ وفي نيسان 59؛ وفي آذار 32؛ وفي شباط 44؛ وفي كانون الثاني 16؛ وفي كانون الأول من سنة 1925 كان عددها 5، فيكون المجموع 344 حادثا.
ولقح في حزيران 22. 377 شخصا: وفي أيار 44. 122: وفي نيسان 15. 757؛ وفي آذار 22. 368؛ وفي شباط 29. 580 وفي كانون الثاني 5. 785؛ وفي كانون الأول من السنة الماضية 1. 225 فيكون المجموع 141. 214 ملقحا وهو أعظم عدد بلغه الملقحون بالطاعون منذ 7 سنوات ونصف: إذ بلغ مجموع عددهم في تلك الأعوام المذكورة 442. 545؛ ولهذا يؤمل المعتنون بصحة الأهالي أن هذا الوباء ينقطع بتاتا بعد قليل من الزمن.
35 -
نقود قديمة عباسية
عثر أحدهم على مجموعة من النقود الفضية في البلدة القديمة المجاورة لناحية تكريت.
والظاهر أن تلك النقود من مسكوكات (المعتصم) العباسي فأرسل بها إلى متصرف العاصمة.
العدد 37
- بتاريخ: 01 - 09 - 1926
بعد القطيعة
أتى طيف ليلى وهو منسدل الشعر
…
يواصلني بعد القطيعة والهجر
لقاء له عيني بكت من سرورها
…
وخف فؤادي منه يرقص في صدري
دنا وهو يعطو رأسه في دنوه
…
كليلى ويرنو مثلها باسم الثغر
حكاها فلو لم تختبره بلمسها
…
يدي قلت ليلى نفسها قد أتت تسري
فعانقته من شدة الوجد باكياً
…
وقبلته عشرا واكثر من عشر
وكنت أبث الطيف عتبي تارة
…
واعذره أخرى فيبسم للعذر
وقلت على غير انتظار أتيتني
…
فهل لك من نهي وهل لك من أمر
فقال مجيبا جئت من عدوة الرضى
…
أسليك عما حاق بالشعر من شر
ولم أر بين الناقدين كثلة
…
يخالون أن النقد يكبر بالهجر
وأن قوام الشعر لفظ منظم
…
وأن كان ذلك اللفظ خلوا من الفكر
لقد كذبوا فالشعر ليس بشاعر
…
إذا لم يكن معناه وحيا من الحجر
وهل يتساوى شاعران مكانة
…
وذا شاعر الماضي وذا شاعر العصر
أبى لا يريد الشعر من أحد حبى
…
ولا أنه يطرى ولا أنه يطري
وما كل شعر تنشر الصحف زيفه
…
يهيج دفين الشجو في النفس أو يغري
وما الشعر إلَاّ بالشعور الذي به
…
ومعنى له في طي ألفاظه بكر
فذلك يستهوي الآلي يسمعونه
…
بما فيه من حسن وما فيه من سحر
وهل كان ما يأتي من الكذب ناقد
…
غرورا سوى وزر واعظم من وزر
يريدون أن يقضوا على الشعر غيلة
…
وأن يدفنوه بعد ذلك في قبر
ولما رأيت الشعر قد عبثت به
…
يد الجهل من ناس بكيت على الشعر
فقلت له لا يرهب الشعر نقدهم
…
فلا تعبأن بالقدح منهم وبالهذر
وما الأمر لو تدري قريض ونقده
…
ولكن قلى الغربان للبلبل الحر
رأى الروض غضا قد تفتح زهره
…
فصفق من شوق يغرد للزهر
فخفت له الغربان من كل جانب
…
تريد به الإيقاع من حسد مر
يطير ربيط الجأش من فرع دوحة
…
إلى فرع أخرى وهي من خلفه تجري
ولما مضى جنح من الليل آخر
…
قطعنا حديث الشعر والنقد والنثر
وبتنا على وجد ضجيعين وحدنا
…
فوجه إلى وجه ونحر إلى نحر
وددت لو أن الطيف ظل بجانبي
…
مقيما وأن الليل كان بلا فجر
علي لليلي منة وكرامة
…
وأن أرسلت لي طيفها وهي لا تدري
وبارح طرفي الطيف في الصبح راجعا
…
فلم يبق منه اليوم عندي سوى الذكر
كأن الجديدين اللذين تتابعا
…
جوادان سباقان في حلبة الدهر
كأن الفضاء الرحب بحر وما به
…
من النجم مبثوثا فقاقيع في البحر
وما أنا غر يحسب الجو روضة
…
على طولها تجري المجرة كالنهر
وأن النجوم الزهر يلمعن حولها
…
ركاما أكاليل ضفرن من الزهر
جميل الزهاوي
عقوبات جاهلية العرب
وحدود المعاصي التي يرتكبها بعضهم
ليس بين علماء المسلمين في البلاد العربية اللسان. من كان مطلعا على أحوال جاهلية العرب كالأستاذ الكبير السيد محمود شكري الالوسي. وكنا طلبنا إليه في سنة 1914 أن يضع لنا مقالة في عقوبات جاهلية العرب، فكتب لمجلتنا المقالة التي تراها هنا. وهي من أحسن ما كتب في هذا الموضوع. ولما كانت مجلتنا قد اختفت مدة 12 سنة لم يكن من الممكن إدراجها في مجلة أخرى، ولا سيما لأن المؤلف آبى أن يراها في غير (لغة العرب) ولهذا نزين بها جيدها. ونفتخر بها كل الافتخار.
(لغة العرب)
قد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئا: قسم متفق عليه. وقسم مختلف فيه. فمن المتفق عليه الردة والحرابة ما لم يتب قبل القدرة، والزنى، والقذف به، وشرب الخمر سواء اسكر أم لا، والسرقة.
ومن المختلف فيه جحد العارية، وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، والقذف يعني بالزنى، والتعريض بالقذف، واللواط ولو بمن يحل نكاحها وإتيان البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة القرد وغيره من الدواب من وطئها، والسحر وترك الصلاة تكاسلا، والفطر في رمضان، وهذا كله خارج عما تشرع فيه المقاتلة كما لو ترك قوم الزكاة، ونصبوا لذلك الحرب.
واصل الحد ما يحجز بين الشيئين فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدا لكونها تمنعه المعاودة ولكونها مقدرة من الشارع. وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها. وعلى فعل فيه شيء مقدر: ومنه ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. وكأنها لما فصلت بين الحلال
والحرام سميت حدودا فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه.
والمقصود هنا بيان ما كان من العقوبات عند العرب أيام الجاهلية والمقصود من العرب
عرب الحجاز ونجد وإضرابهم لا عرب جميع أنحاء الجزيرة فقد كان عرب اليمن منهم يهود ومنهم نصارى ومنهم غير ذلك وكذلك عرب الشام والعراق كانوا على نحل شتى. وعرب الحجاز ونجد وإضرابهم كانت لديهم أحكام كثيرة لم ينسخها الإسلام. كما ذكر ذلك الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة ولأبن هشام الكلبي كتاب في ذلك سماه كتاب ما كانت الجاهلية تفعله ووافق حكم الإسلام. وهو كتاب لم اظفر به.
ومن العقوبات التي كانت عندهم قطع يد السارق فقد كان ذلك معلوما عند العرب قبل الإسلام ونزل القرآن بقطع السارق فأستمر الحال فيه.
وقد نقل العسقلاني في شرح البخاري أن أبن الكلبي عقد بابا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة في كتاب المثالب وذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب جد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وذكر من قطع في السرقة عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم. ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد أبن سهم وغيرهما وأن عوفا السابق لذلك. ومخزوم هذا أبن يقظة (بفتح التحتانية والقاف بعدها ظاء مشالة) بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه بنو عبد مناف.
أقول ذكر في شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالين في الكعبة فكان أول من علق المعاليق بالكعبة ثم أن الغزالين سرقا وابتيعا من قوم تجار قدموا مكة بخمر وغيرها فاشتروا بثمنها خمرا. وقد ذكر أن أبا لهب مع جماعته نفذت خمرهم في بعض الأيام وأقبلت قافلة من الشام معهم خمر فسرقوا الغزال واشتروا بها خمرا. وطلبها قريش وكان أشدهم طلبا لها عبد الله بن جدعان. فعلموا بهم فقطعوا بعضهم وهرب بعضهم وكان فيمن هرب أبو لهب هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا. ومن ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزال الكعبة. أهـ
وفي كتاب تاريخ مكة للأزرقي بعد أن ذكر حفر عبد المطلب بئر زمزم وما وجده مدفونا فيها من السيوف والغزالين وغير ذلك قال ضرب عبد المطلب الأسياف على باب الكعبة وضرب فوقه أحد الغزالين من الذهب فكان ذلك أول ذهب حليته الكعبة وجعل الغزال الآخر في بطن الكعبة في الجب الذي كان فيها يجعل فيه ما يهدى إلى الكعبة.
وكان هبل صنم قريش في بطن الكعبة على الجب فلم يزل الغزال في الكعبة حتى أخذه
النفر الذين كان من أمرهم ما كان. قال وهو مكتوب أخذه وقصته في غير هذا الموضع. أهـ
ومنه يعلم أن المسروق غزال واحد لا كما ذكر في شفاء الغرام وتفصيل هذه القصة في التاريخ وكتب السير.
ومن عقوباتهم وحدودهم قتل الزاني - والزنى كان عندهم من اعظم المنكرات وافظع المعاصي وأشنعها فلذلك جعلوا عقوبته إزهاق الروح والقتل الذي هو اعظم الحدود ومن شواهد ذلك ما كان من النعمان بن المنذر من قتل المتجردة والمنخل العبدي لما اطلع على ما كان من أمرهما وأراد قتل النابغة الذبياني لما تعرض في قصيدته الدالية المشهورة لوصف حرمه ثم اعتذر منه بعدة قصائد قعفا عنه، وقصة صخر الشاعر الشهير لما توسم في زوجته الميل إلى غيره وكان مريضا وهي مشهورة، وذوات الرايات لم يكن من العرب بل كن إماء وكان مذهبهم في الإماء غير مذهبهم في الحرائر. ولما أخذ الشارع البيعة عليهن شرط عليهن أن لا يزنين فقالت هند بنت أبي سفيان متعجبة وهل تزني الحرة؟ وكان النكاح في الجاهلية على عشرة أنحاء.
ولأبن الكلبي كتاب في مناكح أزواج العرب ولو كان الزنى عندهم مباحا لم يكن عقد النكاح عندهم مشروعا والشعر المشتمل على حد الزنى بالقتل كثير لو تتبعناه واستقريناه لم يسعه المقام.
ومن عقوباتهم القصاص - وهو من أحكام الجاهلية التي وافقت حكم الإسلام على تفصيل لم يكن في الجاهلية كالقتل العمد وشبه العمد والخطأ وشبه الخطأ ولكل حكم مذكور في كتب الفقه والحديث والتفسير. ومن شواهد
القصاص عندهم قولهم المشهور الذي هو ابلغ كلام عندهم وأوجزه وهو القتل أنفى للقتل، غير أن القصاص عندهم لم يكن كما ورد في الشريعة النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص بل ربما قتلوا بالواحد جمعا ومن شواهد ذلك قصة كليب المشهورة والهامة عندهم طائر يتولد من روح المقتول يكون على قبره ولم يزل يصيح اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثاره.
ومن عقوباتهم إعطاء دية القتيل - وهي مائة من الإبل وكانوا يأنفون من أخذها ويعيرون من يرضى بها وفي ذلك شعر كثير منه قول مرة بن عدآء الفقعسي:
رأيت موالي الآلي يخذلونني
…
على حدثان الدهر إذ يتقلب
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا
…
إذا الخصم انبرى مائل الراس انكب
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا
…
وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب
فلا تأخذوا عقلا من القوم أنني
…
أرى العار يبقى والمعاقل تذهب
المعاقل من عقلت المقتول إذا أعطيت ديته وحكى الأصمعي صار دمه معقلة على قومه أي صاروا يدونه وكان أخذ الدية عندهم من اشد العار كما سبق. قال قائلهم:
إذا صب ما في الوطب فأعلم بأنه
…
دم الشيخ فأشرب من دم الشيخ أودعا
يقول أن الذي تشربونه من لبن الإبل التي أخذتموها في دية شيخكم إنما هو دمه تشربونه.
وقال آخر لرجل أخذ الدية تمرا:
فظل يضون التمر والتمر منقع
…
بورد كلون الأرجوان سبائبه
كأنك لم تسبق من الدهر ليلة
…
إذا أنت أدركت الذي كنت تطلبه
يقول من أدرك ما طلبه من الثار فكأنه لم يصب ولم يوتر وهذا بعث على طلب الدم ومثله غير أنه بعث على طلب المال:
كان الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى
…
ولم يك في بؤس إذا ما تمولا
وقال آخر في التنفير عن أخذ الدية:
فلو أن حيا يقبل المال فدية
…
لسقنا لهم سيلا من المال مفعما
ولكن أبى قوم أصيب أخوهم
…
رضا العار فاختاروا على اللبن الدما
معنى البيت الأول لو كانت معاملتنا مع حي يرى قبول المال فداء لأرضيناه بالمال الكثير. ومعنى البيت الثاني امتنع قوم أصبنا صاحبهم من الرضا بالدنية وآثروا طلب الدم على قبول الدية. وجعل اللبن كناية عن الإبل التي تؤدي عقلا لأنه منها؛ أي أبوا أن يرضوا العار خطة لأنفسهم.
وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب:
أرسل عبد الله إذ حان يومه
…
إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم أفالا وأبكرا
…
واترك في بيت بصعدة مظلم
ودع عنك عمرا أن عمرا مسالم
…
وهل بطن عمرو غير بشر لمطعم
فان انتم لم تثأروا واتديتم
…
فمشوا بآذان النعام المصلم
ولا تردوا إلَاّ فضول نسائكم
…
إذا ارتملت أعقابهن من الدم
قولها أرسل عبد الله الخ - إنما تكلمت به على أنه أخبار عما فعله عبد الله وهو أخو عمرو وغرضها تحضيضهم على إدراك الثأر ويقال عقلت فلانا إذا أعطيت ديته وجعل هذا المعقول الدم لأن المراد مفهوم كأنه قال لا تأخذوا بدل دمي عقلا.
وقولها ودع عنك عمرا - أي خالف عمرا أن هو مال إلى الصلح ورغب في أخذ الدية.
وقولها ولا تأخذوا الخ. الافال جمع أفيل وهو الذي أتت عليه سبعة أشهر أو ثمانية من أولاد الإبل.
فإن قيل لم ذكرت الافال والابكر وما يؤدى في الديات لا يكون منهما قلت أرادت تحقير الديات كما يقول الرجل إذا أراد تحقير أمر خلعة فاز بها إنسان: إنما أعطي خرقا وفلوسا. وأن كانت الثياب المعطاة كسوة فاخرة والمال المحقر جائزة سنية.
وقولها وهل بطن عمرو غير بشر لمطعم - تزهيد في الدية كما ورد في الخبر: هل بطن أبن آدم إلَاّ شبر في شبر لما أريد تزهيده في الدنيا.
وقولها واترك في بيت بصعدة مظلم - صعدة مخلاف من مخاليف اليمن
ويسميها غيرهم المزالف وهم أهل الحجاز؛ ويسميها أهل نجد المذارع شبهوها بمذارع الأديم وهي كرعانه وواحدة المذارع مذرعة وواحدة المزالف مزلفة وإنما جعل قبره مظلما لأنهم كانوا يزعمون أن المقتول إذا ثأروا به أضاء قبره فان أهدر دمه أو قبلت ديته يبقى قبره مظلما.
وقولها واتديتم - معناه قبلتم الدية يقال وديته فاتدى كما يقال وهبته فاتهب أي قبل الهبة. وفي الحديث اسممت أن لا أتهب إلَاّ من قرشي أو أنصاري: ومثله قضيت الدين فاقتضاه أي قبله وتوفره.
وقولها فمشوا بآذان الخ. أي امشوا وضعف الفعل للتكثير ومن روى فمشوا بضم الميم فمعناه امسحوا ويقال للمنديل المشوش والمعنى أن لم تقتلوا قاتلي وقبلتم ديتي فامشوا أذلاء بآذان مجدعة كآذان النعام. ووصف النعام بالمصلم تصغيرا لها وأن كانت خلقة. يقول كأنكم مما تعيرون ليست لكم آذان تسمعون بها فامشوا بغير آذان أي صمنا عما يتكلم الناس به من عيبكم. واختلف في النعام فقيل أنها كلها صلم وقيل أنها صم لا تسمع شيئا وليس لها
آذان. وإنما تعرف ما تحتاج إليه بالشم.
وقولها ولا تردوا إلَاّ فضول نسائكم الخ. قال أبو رياش تقول إذا قبلتم الدية فلا تأنفوا بعدها من شيء كما تأنف العرب واغشوا نساءكم وهن حيض فقد كان من عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال ثم العضاريط والرعاء ثم النساء إذا صدرت كل فرقة عنه فكن يغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمنات مما يزعجهن فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية في الذل: وجعل النساء مرتملات بدم الحيض تفظيعا للشأن وأرتمل إذا تلطخ بالدم والفضول ههنا بقايا الحيض وسمي الغشيان وردا مجاز؛ وقال أبو محمد الإعرابي معناه لا تردوا المواسم بعد أخذ الدية إلَاّ وأعراضكم دنسة من العار كأنكم نساء حيض، وهذا كما قال جرير لا تذكروا حال الملوك فأنكم بعد الزبير كحائض لم تغسل.
وقال جميل العذري من أبيات:
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا
…
ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
وكيف ولا توفى دماؤهم دمي
…
ولا مالهم ذو ندهة فيدوني
الندهة كثرة المال. وقال قوم الندهة العشرون من الإبل والمائة من الضأن والألف من الصامت ويقال وداه يديه وديا ودية.
وقوله ولا توفى دماؤهم دمي - أي دماؤهم كلهم لا تفي بدمي يقال أوفى به ووفى وأوفاه يوفيه إيفاء إذا قضى دينه على الوفاء.
وقال زيادة الحارثي من أبيات:
يقول رجال ما أصيب لهم أب
…
ولا من أخ اقبل على المال تعقل
يقول يشيرون علي بأخذ الدية ولم يصبهم ما أصابني ولعلهم لو أصيبوا بما أصبت به لم تقنعهم الدية؛ ومحوه المثل السائر ويل للشجي من الخلي أي لا يساعده على شجاه ويلومه.
وقال الحكم بن زهرة:
قوم إذا ما جنى جانيهم آمنوا
…
من لؤم احسابهم أن يقبلوا قودا
يقول هم قوم إذا جر واحد منهم جريرة آمن جميعهم لدقة أصولهم ولؤم احسابهم أن يؤاخذ كلهم بها. فكيف الواحد منهم كأنهم لا يعدون بوآء بقتيل والقود أن يقتل القاتل بالقتيل فيقال اقدته به. وإذا أتى الرجل صاحبه بمكروهة فانتقم منه بمثلها قيل استقادها منه.
وفي كتاب أعلام الموقعين لأبن القيم أن الجناية على النفوس والأخطاء تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه مالا تدخله جناية المال ويدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحمية والتحرق لأخذ الثار مالا يجبره المال أبدا حتى أن أولادهم وأعقابهم ليعيرون بذلك، ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجني عليه وأوليائه ما ليس لمن حرق ثوبه أو عقرت فرسه؛ والمجني عليه موتور هو وأولياؤه فان لم يوتر الجاني وأولياؤه ويجرعون من الألم والغيظ ما يجرعه الأول لم يكن عدلا. قال وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثاره وشفاء غيظه كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية من الإبل:
وأن الذي أصبحتم تحلبونه
…
دم غير أن اللون ليس بأشقرا
وقال جرير يعير من أخذ الدية فأشترى بها نخلا:
أن ابلغ بني حجر بن وهب
…
بأن التمر حلو في الشتاء
ومثل قول جرير قول الفرزدق:
أكلت دما أن لم ادعك بضرة
…
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
يريد بالدم الدية.
وقال آخر:
خليلان مختلف شكلنا
…
أريد العلاء ويبغي السمن
أريد دماء بني مالك
…
وراي المعلى بياض اللبن
وهذا وأن كانت الشريعة قد أطلته وجاءت بما هو خير منه واصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثار ونيل التشفي وبين أخذ الدية فأن القصد به أن العرب لم تكن تعير من أخذ بدل ماله ولم تعده ضعفا ولا عجزا البتة بخلاف من أخذ بدل دم وليه فما سوى الله بين الأمرين في طبع ولا عقل ولا شرع. أهـ
الآنسة جرترود لثيان بل
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
…
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
(لبيد بن ربيعة)
يجدر بي أن اصدر ترجمة فقيدة العلم والسياسة بهذا البيت للبيد بن أبي ربيعة لأن صديقتنا الراحلة كانت مولعة به وقد حلت به جيد كتابها الإنكليزي المعنون (من مراد إلى مراد). اجل لقد ماتت الآنسة بل ويليت. ولكن أعمالها نجوم طوالع في سماء
العلم وآثار همتها جبال راسية تكافح عوادي الدهر ومصانعها في السياسة تحدث بها الأجيال المقبلة وهذا كله خالد لا يبلى يرويه الخلف عن السلف.
عرفتها عالمة ورحالة وسياسية. عرفت نفسيتها في مظاهر روح الإنسان المختلفة. أخذت ترجمتها عنها ونشرتها في مجلة المقتطف (نوفمبر 1922) فصداقتنا الوثيقة العرى ووقوفي على ما انطوت عليه تلك النابغة من الهبات. يؤهلاني لكتابة ترجمتها وتحليل نفسيتها.
ولدت الآنسة جرترود لثيان بل في 14 تموز سنة 1868 من أسرة عريقة في الحسب، كثيرة النشب، موطنها شمالي بلاد الإنكليز في تخوم اسكتلندة وقد كان جدها الأعلى أول من سعى في تأسيس المعامل الكبرى لتعدين الفحم والحديد. إذ ارتقت الصناعة ارتقاءها العظيم في الثلث الأول من القرن الماضي، ولا يزال والدها السر هيو بل حيا يرزق، وقد زار العراق سنة 1920 وهو شيخ قد اشتعل رأسه شيبا.
إن البيئة التي ولدت فيها جرترود بل بيئة سعادة ورفاهية؛ بيئة غنى وشرف باذخ. كانت تغنيها عن مكابدة الأتعاب والمشاق، وتجشم المخاطر والأهوال، ولكن نفسها العظيمة التواقة إلى
السمو والمعالي رفعتها عن مواطن الراحة التي تخلد إليها الغواني والسيدات الموسرات وأنزلتها حلبة الجهاد العلمي والاجتماعي والسياسي ساخرة بالطارف والتليد، مغرمة بالرفعة العقلية، متلذذة بطيب أثمار المساعي الذاتية.
توفرت الأسباب للراحلة الكريمة لترفعها إلى مصاف العظماء والعظيمات. ولكن قامت بوجهها عراقيل وعقبات كافية لتثبيط همم الرجال فضلا عن همم الآنسات: أما هي فقد
عرفت كيف تستفيد من الأولى، وكيف تذلل الثانية. فخرجت من المعترك حاملة لواء النصر على قمم الدهور وخلدت لها اسما عظيما في التاريخ.
جاهدت الجهاد الحسن في كل أدوار حياتها منذ كانت تلميذة في مدرسة (كوينس كوليج) ثم طالبة علم في كلية (ليدي مرغريت) في اوكسفورد حيث بزت رفقاءها ورفيقاتها ونالت الشهادة العليا وبقيت كذلك حتى دعاها داعي الحمام على ما يأتي.
مدارك سامية، علو همة، إرادة فولاذية، هي أركان ثلاثة قامت عليها شهرتها. نعم إن مداركها لسامية بكل معنى الكلمة؛ تشهد بذلك مؤلفاتها الكثيرة. وكتاباتها وخطاباتها وأحاديثها الطيبة المملوءة حكمة وفائدة؛ كلها دلائل واضحة على فكرة وقادة
ودماغ جوال، وحافظة حافلة بما حسن وطاب، وذاكرة سريعة، ومحاكمة صحيحة. سريعة الكتابة تسير بقلمها سير الفارس بجواده وقلما تعصيها كلمة، أو تتمرد عليها عبارة، أو تخونها ذاكرتها في أيراد اسم شخص أو محل. كأن دماغها ينبوع فياض يتدفق منه الماء عفوا.
إن هذه المزايا والهبات أهلتها لتعلم لغات عديدة وعلوم شتى فإنها كانت تعرف ما عدا لغتها الإنكليزية، الفرنسية والألمانية والعربية والفارسية. وقد امتازت بالتاريخ، وعلم الآثار، والأنساب.
أما همتها: (فحدث عن البحر ولا حرج) بنت دلال وترف. غادة دواوين لندن، خريجة اوكسفورد، نحيفة البنية؛ تمتطي الأهوال، تقطع الفيافي والبراري مع نفر قليل على ظهور الخيل والإبل، تجول البحار، وترتقي الجبال، وتركب متن الهواء غير هيابة ولا وجلة؛ تخوض غمارات الحرب، وتقطع أشواطا كبيرة في السياسة. أليس هذه الأعمال من مشاهد الهمة البعيدة؟ همة لا تعرف الكلل ولا يعتورها الملل. تصل الليل بالنهار في الكتابة والعمل والمقابلة، وتنتقل من موضوع إلى آخر وهي على نشاط من عزمها لا تتبرم ولا تمل. وهي على كثرة أعمالها كانت
شديدة الشغف بالمحافظة على الوقت؛ وعلى نظام المواعيد لا تتقدم دقيقة ولا تتأخر.
إرادتها - ما اعظم الإرادة التي كانت تتغلغل بين ثنايا ذلك الجسم النحيف والقد الأهيف؛ أن أرادت أمرا اندفعت إليه وأن اعتقدت بصلاحه أنجزته؛ فلا تنكل عن خطة ولا تثبطها عقلة. لاقت الأمرين من بعض المعارضين لفكرتها من رجالات البريطانيين في السياسة
التي وجب على بريطانية العظمى اتباعها في العراق؛ إلَاّ أنها قاومتهم مقاومة الأبطال بمعاونة الرجال الذين كانوا على فكرتها فكان النجاح في جانب حزبها فقام في العراق دولة عربية عزيزة الجانب يرأسها ملك عربي من البيت الهاشمي الرفيع المجد. وقصارى القول أن أعمالها اليومية كانت على هذا الغرار من قوة الإرادة ومضاء العزيمة. ولا غرو أن التي تتخذ رائدها الإرادة وشعارها الهمة القعساء. تكون صريحة في أقوالها صراحة يستصعبها بعضهم ويشجبها الآخرون، ولا سيما أولئك الذين لم يتعودوا الجرأة الأدبية ولم يأنسوا مظاهر التربية الاستقلالية التي تكاد تكون ميزة أبناء التيمز وبناته.
مع تلك المنزلة العالية. والإرادة الفولاذية، والصراحة الاستقلالية؛ لم تكن متصلبة في آرائها، مكابرة في أفكارها مغالية
في مناحيها، بل كانت ترجع عن رأي يفند ببرهان وتعدل عن فكر يظهر لها خطأه وتميل عن مناح تجد اصلح منها. كل هذا مما يشف عن عظمة في نفسها ونبوغ في دماغها.
أما عاطفتها - فقلبها أشبه شيء بالكنارة ذات الأوتار يحفظ نظامها عقلها السليم؛ فتسكت أنغام تلك الأوتار أن عالجت صعاب الأمور أو تعاطت أعمالا مع الساسة وأعاظم الرجال؛ وتسمعك أنغاما شجية وإيقاعا محزنا أن كان موضوعها مؤاساة لبشرية المتألمة، أو الأخذ بساعد بعض البؤساء ومسح دموع المنكوبين والمبتلين. وخلاصة القول تذرعت بإرادة الرجال، ولم تفقد عاطفة الإناث.
الرحالة والمؤلفة
نشأت المس بل شديدة الشغف بالرحلات والتأليف: نضرب هنا صفحا عن أسفارها العديدة في الأقطار الأوربية ونخص بحثنا برحلاتها في الشرق ذلك الشرق الذي أحبته حبا جما حتى قضت نحبها فيه وضم جثمانها.
رحلت إلى الشرق لأول مرة سنة 1899 مع زوج خالها المستر سفرنك لسلس سفير بريطانية العظمى في طهران آنئذ؛ وولعت هناك بدراسة اللغة الفارسية حتى اقتبست جانبا منها وترجمت قسما
من قصائد حافظ الشاعر الفارسي الشهير إلى الإنكليزية. وفي السنة التالية 1900 زارت سورية وطافت في جبل الدروز وأطراف البادية؛ وكان غرضها من هذا السفر تعلم لغة الضاد فظفرت بغيتها؛ إلا أن حبها للعرب ولسانهم دفعها مرة ثانية سنة
1903 إلى زيارة سورية وثابرت هناك على الدرس والمطالعة فاتسع لها المجال للوقوف على أسرار العربية وضبط شواردها؛ ومنذ ذلك الحين أخذت ترحل كل سنتين رحلة إلى بلاد الشرق، وكانت تدوم كل رحلة ستة أشهر. فسافرت سنة 1905 إلى الأناضول وفي سنة 1907 نقبت في أطلال قرب قونية.
وأول مرة نزلت العراق كانت سنة 1909، وفي سنة 1911 سافرت مع أخيها إلى الهند واليابان ثم جاءت وحدها إلى العراق وفي سنة 1913 سافرت من الشام إلى حائل ونزلت ضيفا على أبن الرشيد؛ وفي ربيع سنة 1914 أي قبل الحرب العامة جاءت إلى بغداد ومنها ذهبت إلى الأستانة. فواجهت فيها غير واحد من وزراء المملكة العثمانية كجمال باشا وغيره.
ولما نشبت الحرب العامة انتظمت في جمعية الصليب الأحمر وقضت سنة في لندن؛ ثم سافرت إلى فرنسة. وفي شتاء 1915 هبطت مصر وانضوت إلى إدارة السياسة. وبقيت هناك حتى
أواخر شباط 1916 فانتقلت إلى البصرة؛ وفي سنة 1917 انتقلت إلى بغداد بصحبة السربرسي كوكس.
إن حبها للعلوم ورحلاتها العديدة وتقلبها في المناصب السياسية بعثت فيها رغبة التأليف والكتابة فزاولتها ونجحت فيها نجاحا اكسبها شهرة بعيدة بين علماء الشرق والغرب؛ وقد ساعدتها معرفتها اللغات على الإجادة فيما كتبته؛ وقد خلفت من الكتب ما يأتي: (1) الغامر والعامر (2) من مراد إلى مراد هذا الكتاب وصفت رحلتها من حلب إلى بغداد إلى قونية سنة 1909 وصدرتها بمقدمة إلى اللورد كرومر؛ مع مصور للبلدان؛ فيه خطوط تدل على الطرق التي قطعتها. (3) ألف بيعة وبيعة كتبت هذا الكتاب باشتراك المستر رمزي (4) الأخيضر وهو بحث مطول عن تاريخ قصر ترى أطلاله في العراق (5) تركية آسية كتبته في إبان الحرب في البصرة (6) بيان عن الإدارة الملكية في العراق
إن آثارها المذكورة تظهر نفسية الكاتبة فإنها تدقق النظر في رواية الأخبار وتنقلها بأمانة وإخلاص إلَاّ إذا التاث عليها الأمر
في بعض المواضيع شأن كل الرحالين الإفرنج؛ يصدق هذا الكلام على بعض مرويات في كتابها من (مراد إلى مراد) أما من حيث مجموعها فأنها
آثار خالدة ولا سيما كتابتها عن قصر الاخيضر وعن آثار سامرآء وأطلالها؛ وكل ما كتبته بعد الحرب العامة. وتمتاز كتابتها بدقة الوصف فان قلمها هناك بمثابة ريشة المصور أو النقاش تمثل لك الأشياء والوقائع تمثيلا رائقا كأنك أمام صورة أو أمام المشاهد أو الحوادث عينها. ولا تتعمد في تأليفاتها الخيال إلَاّ ما ندر. بل أنها تغوص على الحقيقة وبعد أن تظفر بها تخرجها وتعرضها على قرائها كما يعرض الغواص الدرة اليتيمة إذا عثر عليها.
السياسة
مهما بلغت من الشأو البعيد في الرحلات والتأليف فإنها لم تنل شهرة طبقت الخافقين عند الخاصة والعامة، إلَاّ بعد أن انخرطت في سلك السياسة. ولم تكد تأتي مصر سنة 1915 على ما مر بنا حتى أخذت شهرتها تسبقها إلى البلاد الشرقية؛ ثم زادت شهرة عند نزولها البصرة سنة 1916 واشتغالها بإدارة الحاكم الملكي؛ وعظمت منزلتها في بغداد بعد أن احتلتها جيوش البريطانيين؛ وبقيت تلك المنزلة في قمة المجد حتى يوم موتها. وقد كان لها
الكلمة الراجحة والرأي النافذ في جميع تطورات السياسة في العراق وكانت في دار الاعتماد (الكتوم الشرقية)؛ ثم تولت مديرية المتحفة العراقية فخرا. وتولت أيضاً مديرية خزانة السلام؛ وقامت بتشييد مستشفى للسيدات الموسرات جمعت قسما من نفقاته من العراقيين.
أما الخطة التي انتهجتها في سياستها في العراق فهي أنها سعت السعي المتواصل للتوفيق بين السيادة القومية العراقية واستقلال البلاد وبين مصالح بريطانية العظمى في هذا القطر. فهي بريطانية مخلصة لبلادها وصديق حميم للعرب والعراقيين. وكانت عليمة بتطورات القضية العربية منذ يوم نشأتها؛ إذ كانت تراقب سيرها قبل الحرب عن كثب وتجتمع بزعمائها عند مرورها بسورية وتحادثهم بقضيتهم التي كان يدور محورها يومئذ على الحكومة اللامركزية. وقد قالت لي يوما: (إن لم يدر في خلدها آنئذ أن الأتراك ينكرون على العرب طلبهم حتى يتسع الخرق على الراقع وتخرج البلاد من حكمهم).
ولقد اعترضتها عراقيل كثيرة في نهجها السياسي من غلاة ساسة البريطانيين الذين اختلفوا في الرأي عنها في أوضاع إدارة العراق وسياسته إلا أنها انتصرت عليهم. ولما تقرر مصير العراق
بتبوؤ جلالة الملك فيصل الأول عرشه وعقدت المعاهدة العراقية البريطانية
في عهد الوزارة النقيبية واصدر جلالة الملك فيصل ذلك البلاغ التاريخي في 13 أوكتوبر 1922 فاستبشرت به كل الاستبشار وأعربت عن سرورها في إحدى رسائلها الخالدة: فقالت ما تعريبه: (إن هذا اليوم خير! أليس كذلك؟ فأني اذهب إلى أن بلاغ جلالته هو من أبدع ما ينادي به ملك شعبه وأعظمه تأثيرا فيهما)
وكانت شديدة الإعجاب بجلالة الملك فيصل إذ ترى فيه البطل المغوار الذي أعده الدهر وزينه بأصالة الرأي ليتولى عرش العراق وكانت ترى في شبان العراقيين عنصرا عليه قوام هذه المملكة الحديثة وهم رواد مستقبلها الباهر.
إن منزلتها العلمية والسياسية ووظيفتها في ديوان الحاكم الملكي العام؛ ثم في ديوان المعتمد السامي ونفوذها الأدبي والسياسي اكسبها شهرة بعيدة وأصدقاء كثيرين من جميع الطبقات. ولذا تسمع الأعراب والبدو يدعونها (كوكسة) ظنا منهم أن كوكس اسم وظيفة وكوكسة مؤنثها و (الحاكمة) أما لقب (الخاتون) فكاد يحل محل اسمها؛ وكان يقصدها العراقيون من كل الطبقات لقضاء حاجات لهم أو الأخذ برأيها في صعاب الأمور وحل المشكلات.
وقد بذلت أقصى الجهد في تأسيس المتحفة العراقية وتنظيمها وكانت حتى آخر يوم من حياتها قد صرفت معظم وقتها في ترتيب العاديات والآثار القديمة في دارها الجديدة.
وفي أبان همتها داهمتها المنية غيلة فأصبحت يوم الاثنين 12 تموز 1926 جثة هامدة؛ ونعتها مديرية المطبوعات بإذاعة رسمية جاء فيها: (إن هذه المديرية تذيع هذا النبأ المحزن بمنتهى الأسف نظرا لما للمس المرحومة من الأعمال الباهرة والمساعدات الثمينة في سبيل خدمة العراق؛ ولقد فقد هذا القطر بموتها يدا كبيرة عاملة وصديقة له) وبمثل ذلك نعتها كتومية (سكرتيرية) رئاسة الوزراء
وكان موكب دفنها فخما اشترك فيه ممثلو الملوك والأمراء والوزراء ونواب الأمة وأعيانها؛ حتى ردد بعضهم ببيت المتنبي القائل:
مشى الأمراء حوليها حفاة
…
كأن المرو من زف الرئال
ولا عجب أن جاء في كتاب المعتمد السامي إلى رئيس وزراء الحكومة العراقية ما يأتي: (أني متأكد أن المس بل لو تمكنت من رؤية ما كان البارحة من مظاهر الحزن والحنو عليها لشعرت بذاتها أنها كوفئت مكافأة تامة على ما قامت به طيلة السنوات العشر التي
قضتها في العراق في الجهاد والتجرد للعمل ونكران
اللكنة العامية
إذا تحول لسان المتكلم من حرف إلى حرف آخر، وكان ذلك لعارض خلقي فيه سمي (لثغ) وقيل به (لثغة) كالذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء. ومن الراء إلى الغين أو غير ذلك؛ وإذا لم يكن ذلك فيه لعارض خلقي بل كان لكونه أعجميا أو لكونه كثر اختلاطه بالعجم سمي (الكن) وقيل به (لكنة).
وتنسب لكنة الالكن إلى القوم الذين هو منهم، أو إلى القوم الذين حصلت
الذات. . . وأن نسعى ما أمكن إلى الغاية التي كانت دائما نصب عينيها إلا وهي أيجاد أمة قوية منورة مفلحة في العراق.)
وكان جواب رئيس الوزراء على هذا الكتاب اصدق صورة لما يعتقده فيها العراقيون الخلص الذين اطلعوا على سرائر سياستها في العراق وما كانت تبتغيه له من الرقي والنجاح وما بذلته من الجهود لاستتباب وضعه السياسي.
وأكبر شاهد على منزلتها ما جاء في كتاب التعزية الذي بعث به جلالة ملك بريطانية وملكتها إلى والدة الفقيدة إذ جاء فيه: (أن الأمة البريطانية ستلبس الحداد وتحزن على فقدها سيدة قامت بفضل قواها العقلية ومواهب إدراكها وقوة أخلاقها العالية وشجاعتها الأدبية بخدمات مهمة نافعة لبلادها نفعا يأمل أن يبقى أثره خالدا في بلادها والبلاد التي اشتغلت فيها بمنتهى الإخلاص والتضحية) أهـ
ي. غنيمة
فيه اللكنة بمخالطتهم، فيقال هو يرتضخ لكنة فارسية. أو يرتضخ لكنة رومية أو غير ذلك، والعامة في العراق اليوم يرتضخون لكنة فارسية، لكثرة اختلاطهم بالفرس؛ بسبب القرب والمجاورة. ولكنتهم تقع في حرفي: القاف والكاف، أما القاف فيتحول فيه لسانهم إلى ثلاثة حروف: الكاف الفارسية والكاف والجيم وأما الكاف فيتحول فيه لسانهم إلى الجيم الفارسية فقط. ولنذكر لك من المظان التي تتحول فيها ألسنتهم من القاف إلى الحروف الثلاثة المذكورة
(استطراد) قد اصطلحت هنا أن اكتب القاف المتحولة إلى الكاف الفارسية ق
هكذا (كك) والمتحولة إلى الكاف هكذا (ك) والمتحولة إلى الجيم هكذا (ج) بأن أضع فوق الحرف المتحولة إليه قافا صغيرة، لتدل على أن أصل الحرف هو القاف؛ وكذلك افعل في الكاف التي يتحول فيها لسانهم إلى الجيم الفارسية فأكتبها هكذا (ج) بأن أضع فوقها شكل همزة لتدل على أن اصلها هو الكاف
اعلم أن تحولهم من القاف إلى الحروف المذكورة غير مطرد ولا مقيس في كلامهم؛ وليس لنا من قاعدة نرجع إليها في تحول القاف إلى أحد الحروف المذكورة بل العمدة في ذلك على السماع منهم، فإننا نسمعهم ينطقون بالقاف كافا فارسية في نحو قام، ويقوم، وقائم، وفي قعد، ويقعد، وقعود، وقاعد، وفي قدر، ويقدر؛ دون المصدر واسم الفاعل، فلا يقولون فيهما كدرة بل قدرة؛ ولا يقولون كادر بل قادر، وفي قلب، ويقلب، وقلب، وقالب (بالكسر) وأما القالب بفتح اللام فلا يقولون فيه كالب بل يقولونه بالقاف الصريحة ويقولون في جمعه قوالب ولم يقولوا كوالب. وفي قشر ويقشر وتقشر ومقشر وفي قصع القملة، يقصعها
قصعا، فهو قاصع والقملة مقصوعة؛ وفي قرب يقرب، قربا، وقرابة، فهو قريب؛ وفي قلى (المشددة) اللحم يقليه تقلية فهو مقلي واللحم مقلى، وفي قمر، يقمر، قمرا، فهو قامر، وفي قطع، يقطع، قطعا؛ فهو قاطع؛ وذاك مقطوع؛ وكذلك انقطع، ينقطع؛ فهو منقطع، وفي قمطت الأم الصبي، تقمطه؛ فهو مقمط في القماط. وفي قمط الديك الدجاجة، يقمطها، قمطا؛ فهو قامط وهي مقموطة، وفي قضى، يقضي، فهو قاضي؛ وانقضى، ينقضي، فهو منقضي، وفي قبض، يقبض، قبض؛ فهو قابض وذلك مقبوض. وفي قضب (مقلوب قبض وهو مستعمل في كلامهم) يقضب، قضبا، وقضبة؛ فهو قاضب وذاك مقبوض. وفي قبل، يقبل؛ فهو قابل، ومقبول؛ وكذلك اقبل، يقبل؛ فهو مقبل، وفي قبن (بالتشديد) الشيء بالقبان يقبنه؛ فهو مقبن (بالكسر) وذاك مقبن (بالشد المفتوح). وفي قحم؛ يقحم؛ فهو قاحم. وفي قرض، يقرض، قرضا؛ فهو قارض وذاك مقروض، وقال، يقول، قولا؛ فهو قائل. وقصد، يقصد، قصدا فهو قاصد وذاك مقصود. وفي قرطف الشعر (أي أخذ منه بالمقص) يقرطفه فهو مقرطف
(بالكسر) والشعر مقرطف (بالفتح). إلى غير ذلك من الأفعال، والأسماء التي تتحول فيها ألسنتهم من القاف إلى الكاف الفارسية
وهناك أفعال وأسماء لا حولون قافها كافا فارسية نحو قشبه يقشبه قشبا (أي أصابه بالمكروه من القول) وقل الشيء يقل فهو قليل إلا انهم إذا صغروا كلمة قليل حولوا قافها إلى الكاف الفارسية فقالوا كليل وأما مصدر هذا
الفعل اعني القلة فيحولون قافها جيما كما سيأتي، وقنع يقنع قناعة فهو قانع، وقنعه (بالتشديد) يقنعه تقنيعا فهو مقنع وقهره يقهره قهرا فهو قاهر وذاك مقهور. وقرقر بطنه يقرقر قرقرة. فهذه الأفعال مما نسمعهم يبقون فيها القاف على حالها ولا يبدلونها كافا فارسية.
ومن الأسماء التي ينطقون فيها بالقاف من غير تبديل؛ القندرة والقنديل والقبقاب والقلم والقديم والقرآن والقرش (وربما حولوا قاف هذا إلى الجيم) والقش والقسيس والقسم (بمعنى اليمين) والقند (بمعنى السكر) والقانون (لآلة الطرب) والقولنج والقطايف والقلم والقزاز.
وأما تحويلهم القاف إلى الكاف العربية فذلك في فعلين واسم واحد ولم أجد لها رابعا. أما الفعلان فهما قتل وقفخ بمعنى صفع. فيقولون: في قتل: كتل وفي يقتل؛ يكتل. وفي قاتل: كاتل. وفي مقتول: مكتول. وكذلك في قفخ: كفخ يكفخ فهو كافخ وذاك مكفوخ. وأما الاسم
فهو الوقت. فيقولون: الوكت وفي جمعه أوكات
وأما تحويلهم القاف إلى الجيم فذلك في مادة فيقولون جسم وفي يقسم؛ يجسم. القسمة؛ الجسمة. وفي قاسم وقسام، جاسم وجسام. وفي المقسوم: مجسوم. ومنه قول شاعرهم في شعرهم المسمى عندهم بالزهيري:
(يا جارة الدهر ما أنصف تعالي
…
نخلط همومنا ونجسم سوية)
وكذلك في قدم (المشددة) يقولون؛ جدم. وفي يقوم؛ يجوم. وفي تقديم: تجديم. وفي مقدم؛ مجدم. وكذلك في قنى المال يقنيه؛
جناه يجنيه. وفي القنبة؛ الجنبة. هذا من الأفعال، وأما من الأسماء فيقولون في المقباس
المجباس وربما قالوا مكباس أيضا. وفي قدح جدح. وفي قدر وقدور جدر وجدور. وفي قدام جدام. وفي قدم جدم وهذه خاصة بأهل البادية. وفي قرية جرية. وفي قريب جريب. وربما قالوا كريب أيضا. وفي القارح جارح. وفي القسب (بمعنى التمر اليابس) الجسب وفي قاسم جاسم. وفي صديق صديج وربما قالوا صديك أيضاً وفي قليل جليل بكسر الجيم ومنه قولهم: (لا جليل) يريدون لا قليل. وفي قلة جلة ومنه قولهم (من جلة التتن وقول شاعرهم:
(من جلة الخيل شدو
…
على الجلاب سروج)
وفي قنب جنب، وفي قناع جناع. وفي مقنعة مجنعة. وفي عاقل عاجل.
ومنه قول شاعرتهم:
(واش زهفج يا عاجلة
…
شيطان لو سحر كوي)
وأما حرف الكاف فتتحول فيه ألسنتهم إلى الجيم الفارسية المثلثة كقولهم في كان جان دون المضارع فلا يقولون يجون بل يكون. وفي كب الماء جب وفي يكب يجب وفي كاب جاب وفي مكبوب مجبوب وفي كتفه يكتفه تكتيفا فهو مكتف وذاك مكتف. وفي كثر يكثر تكثيرا (دون الثلاثي المجرد منه) وفي كذب يكذب كذبا فهو كاذب وكذاب وكذلك كذب يكذب تكذيبا فهو مكذب. وفي كرع في الماء يكرع تكريعا (دون الثلاثي المجرد منه) وفي كسب يكسب فهو كاسب وكذلك كسب (المشدد) فهو مكسب وفي كشف (المشدد) يكشف فهو مكشف. وفي انكلب فهو منكلب (يستعملون هذا الفعل بمعنى كلب) ومنه قولهم: (ما عضني
جلب إلَاّ انجلب) وفي كل يكل فهو كال. وفي
كال يكيل كيلا فهو كايل. ففي هذا كله يتحول لسانهم من الكاف إلى الجيم الفارسية المثلثة النقط
وتحويلهم الكاف إلى الجيم المذكورة اكثر وقوعا في الأسماء ولا حاجة إلى التطويل بذكر جملة من تلك الأسماء هنا بل نذكر لك جملة مما لا تجري فيه لكنتهم ولا يحولون كافه إلى الجيم الفارسية ومن الأسماء: فمن ذلك كتاب وكتب وكذلك الكبة لضرب من الطعام يعملونه. والكبابة للغزل الملفوف والكبر (وزان صرد) لهذا الشجر المعروف. والكرب والكربة لأصول سعف النخل. والكروش جمع كرش. والكحل والمكحلة. والكراث لهذه البقلة المعروفة. والكرد والأكراد والكردي. والكرسي والكراسي. والبكار لأنبوب التارجيلة والكروة والكر والكرة لهذا الجحش الصغير. والكارة للحزمة من الحطب وغيره التي تحمل على الظهر أو على الرأس. والكشمش لضرب من الزبيب. والكافر والكفار. والكلة لهذا الستر الرقيق، والكلام وأن قالوا في الكلمة جلمة بالجيم الفارسية. والكنز والكنوز، والمكنسة، والكون، بمعنى الحرب والفتنة. والكيف بمعنى المسرة وإذا استعملوا اسم استفهام قالوا جيف (بالجيم الفارسية).
واعلم أن جميع ما ذكرناه في هذا الباب من الأفعال والأسماء إنما أوردناها على طريق المثال وما أكثرنا من ذكرها وتعدادها إلَاّ لمزيد الإيضاح لأن لكنة العامة في حرفي القاف والكاف لا تقع تحت ضابط يضبطها وإنما العمدة في معرفة مواقعها على السماع.
معروف الرصافي
تاريخ الطباعة العراقية
مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926)
1 -
تمهيد اختراع الطباعة
من العجائب في الحضارة الخالية أن يتسع نطاق العلم، وتنتشر المعارف في القرون الواغلة في القدم يوم لم يكن لدى البشر قرطاس يسطرون عليه خواطرهم، ولا ملكت إيمانهم رقوقا يدونون على صفحاتها معارفهم.
إن تخطينا القرون الأولى إلى القرون الوسطى، حينما اشرق للحضارة شمس منيرة، ولا سيما في هذه الربوع المباركة، حيث ارتفع
منار التمدن العربي؛ وجدنا تلك الحضارة العباسية على ضخامتها وبما فيها من معاهد العلم الزاهرة ودور الفنون والصناعات وخزائن الكتب والأسفار، تستعين بأقلام الخطاطين في رقم التآليف والدواوين. ومع أن صناعة الخط قد ارتقت ارتقاء عظيما. فلم يكن في طاقة الخطاطين أن يسدوا حاجة الدارسين من الكتب والرسائل؛ لذلك كانت العلوم والآداب مقصورة على طبقات من رجال الدين والحكام ومن بأيديهم زمام الرئاسة وما يتبع الرئاسة من الثراء. ولكن أبت همة المرء - وهو يتوقل مراقي الحضارة - أن تظل معرفته محصورة في نطاق ضيق ومقصورة على جماعة من أبنائه دون جماعة، ويحتكرها قوم دون آخرين: ففتقت الحاجة قريحة عبقري نادر. توصل بثاقب فكره إلى اختراع آلة الطبع وأعانه رفيق فاستنبط صنع الحروف. وهكذا ولدت الطباعة بالحروف في أواسط العقد الثالث من القرن الخامس عشر.
طيب الله ثرى يوحنا غوتنبرغ الألماني (المولود سنة 1400م) الذي اخترع آلة الطبع عام 1436م ورضي الرحمن عن بطرس فوشر مخترع الحروف من الخشب فالرصاص؛ وفي سنة 1450 انشأ غوتنبرغ أول مطبعة في المعمورة، وأول كتاب طبع فيها التوراة باللغة اللاتينية.
هذا تاريخ الطباعة بالحروف، أما المطابع الحجرية فقد ابتدعها في صدر القرن الثامن عشر رجل بفاري اسمه لويس سنفلدر الذي أجازته الحكومة عام 1799م بالاستئثار
باختراعه في الطبع والكسب.
2 -
الطباعة في الشرق
عمت الطباعة في الشرق بالحروف أنحاء أوربة. ولم يفت الشرق نصيب من فيض هذا الاختراع، فما اشتهر الطبع بالحروف المنتقلة حتى اصطنع منها قوالب للغات الشرقية.
فسعى قداسة البابا يوليوس الثاني لإنشاء مطبعة في عاصمة الكثلكة طبع فيها أول كتاب كان للصلوات سنة 1514 وفي جنوة بإيطالية طبع الزبور سنة 1516م بالعربية والعبرانية والكلدانية واليونانية، وما عتمت أن انتشرت المطابع للغات الشرقية في أطراف العالم الغربي في البندقية وسويسرة وفرنسة وألمانية.
وبعد حين انتقلت الطباعة إلى المشرق. فأسس عالم إسرائيلي سنة 1490م مطبعة في القسطنطينية للغة العبرية أولا، وفيها طبعت التوراة باللغة العربية سنة 1551 معربة بقلم سعيد الفيومي.
ومن فروق دخلت الطباعة إلى البلاد العربية وكان للشام فضل السبق في الأخذ بهذه الأداة النافعة فأنشأ الرهبان اللبنانيون في أوائل القرن السابع عشر مطبعة في دير قزحيا بلبنان وأول كتاب عربي
طبعته هو الزبور وذلك في عام 1585 وكانت حروفها سريانية ومنطوقها عربيا وهو ما يعرف عندهم بالكرشوني ثم استعملت الحروف العربية.
وفي حلب ظهرت المطبوعات بالحرف العربي بادئ ذي بدء؛ مما اصطنعه أحد أساقفة الروم الملكيين في أوائل القرن الثامن عشر.
ودخلت الطباعة القدس في فلسطين على يد الأباء الفرنسيسيين بإنشائهم سنة 1846م (مطبعة الأرض المقدسة).
أما مصر فأول مطبعة قامت أركانها فيها سنة 1798م كانت على يد نابوليون بونابرت في حملته الشهيرة على أرض الفراعنة.
3 -
الطباعة في العراق
ولم يحرم العراق الاستفادة من اختراع الطبع الثمين وأن جاءت استفادته متأخرة. إلا أن ما يلفت الأنظار هو أن الطباعة دخلت العراق على يد الأجانب أيضا؛ نظير معظم البلاد
الشرقية مما يؤصل في الأذهان إننا مدينون للغربيين في حياتنا الجديدة. فأول مطبعة فتحت في العراق كان بفضل مبعث الأباء المنتمين إلى القديس عبد الأحد المعروفين (بالدومنكيين) في الموصل سنة 1856م: وفي هذه السنة عينها جلب إلى كربلاء أحد أكابر الفرس مطبعة حجرية لا يذكر الناس من نتاجها إلَاّ سفرا بقي بكرا وحيدا.
وهانحن أولاء نثبت ما عنينا بتدوينه من تاريخ موجز للطباعة العراقية نأتي فيه على ملخص تاريخ المطابع المؤسسة في ديار العراق ونذكر ما وصل إلى علمنا من ثمرات تلك المطابع من الكتب والرسائل على اختلافها؛ ولا ندعي العصمة في ما نكتب؛ إلا أن غايتنا الخالصة هي إظهار صفحة من حضارة العراق الحديثة تشفع لنا في الأوهام التي تبدو منا سهوا: ويسرنا أن يحظى عملنا بالقبول من لدن الأدباء المحققين؛ فينتقدوا لنا مقالاتنا هذه ويرشدونا إلى مواضع الخطأ فيها ويكملوا النواقص التي يفوتنا ذكرها فنشكر لهم فضلهم بعد أن يكونوا قد أدوا لأمانة العلم حقها المحتوم.
4 -
مطابع الموصل
1 -
(مطبعة الأباء الدومنكيين)
إلى الأباء المحترمين المنتمين إلى رهبانية القديس عبد الأحد (سن دومنك) يعزى الفضل الأعظم في إدخال الطباعة إلى العراق فقد حل هؤلاء الأجناد - أجناد العلم والدين - الموصل الحدباء عام 1856م وكانت المطبعة أول مشروع وجهوا إليه أنظارهم؛ فباشروا الطبع على الحجر أولا فطبعوا بضعة كراريس ولم يفلحوا فشمروا عن ساعد الجد وأسسوا سنة 1859 مطبعة كبيرة بجميع لوازمها مرصدين لها المبالغ الطائلة.
وفي سنة 1860 طلب السيد هنري امانتون القاصد الرسولي
لما بين النهرين في أثناء وجوده في باريس إلى جمعية مدارس الشرق أن ترصد لمشروع المطبعة الموصلية الأولى مبلغا وافرا فاستجابت طلبه ونفحته ب 6000 فرنك أنفقها في جلب مطبعة وحروف عربية وسريانية وفرنسية من دار الطباعة العامة في عاصمة فرنسة وجلب لها حروفا كلدانية من مطبعة المرسلين الانكليكيين في اورمية من أعمال فارس. ونقلت كل الآلات والأدوات والحروف إلى الموصل.
وتولى الأب كيرلس دوفال إدارة المطبعة الجديدة يعاونه الراهب يوسف الديار بكري المنتمي إلى الرهبانية الفرنسيسية. وقد تعلم فن الطباعة في القدس فأتى به إلى الموصل واشرف على تأسيس المطبعة وقام بتعليم أحداث الموصل وشبانها فن تنضيد الحروف.
والمطبعة الموصلية هذه جهزها الأباء الدومنكيون بفرع هو مسبك الحروف لم يوجد له نظير في العراق إلى هذا اليوم (1926) وقد اشتغل الراهب الفرنسيسي المذكور بتعليم صناعة سبك الحروف أيضاً وطبعها بدقة وجلاء.
(لها تلو)
رفائيل بطي
فوائد لغوية
الأوضاع العصرية
كنا في مجلس حافل، وكان اغلب الحاضرين من المنتسبين إلى الأدب وطائفة من هؤلاء الأدباء يشدون شيئا من اللغات الإفرنجية؛ وجرى الحديث على الألفاظ الكثيرة الموجودة في هذه الألسنة التي لا يطمع أبناء عدنان في وضع ما يقابلها في لغتهم المبينة. وكنت ساكتا حتى سئلت. فقلت: أنه من الممكن رأب هذا الصدع، لأن لغتنا من أوسع اللغات، وفيها باب الاشتقاق الذي لا وجود مثيل له في أي لغة من لغات الأرض. نعم، هم عندهم النحت، لكنه لا يضارع الاشتقاق الذي يوقعك على معنى اللفظ، وأن أنت لم تسمع به، أو لم يبينه لك أحد قبل ظفرك به.
فاعترضني واحد - وكان من أبناء العرب - فقال: وهل في لغتك (كأنها ليست لغته أيضا) لفظة تقابل الفرنسية الإنكليزية.
قلت: نعم. وهو كتاب دبير أو دبير وحده لا حاجة إلى ذكر الكتاب.
قال: أني فتشت عن معنى الإفرنجية في جميع المعاجم ولم أر من صرح بوجودها في أي لغة شرقية.
إن أصحاب المعاجم قد يصيبون وقد يخطئون. وقد يقعون على اللفظ العربي، كما قد لا يقعون عليه. وذلك كل على حسب مقدرته من امتلاك ناصيتي اللغتين. ثم قال آخر: أما أنا فلا افهم العربية، فكيف ما يقابلها عند الإفرنج؟
قلت: كلمة بوستوم معناها: كل من يولد بعد وفاة أبيه، ثم يتوسعون فيه فيطلقونه على كل ما ينشر من المطبوعات بعد وفاة صاحبها وبهذا المعنى جاء في اللغة: دبر الحديث عن فلان (وزان نصر ينصر) دبورا: حدثه عنه بعد موته ولما كان الكتاب حديث الرجل لنفسه أو لغيره كان الدبير ما ينشر بعد وفاة الرجل ويجوز لك أن تسميه أيضاً بمصدره أي يجوز لك أن تقول كتاب دبر ودبر وزان صبر. وأما الولد فيسمى (وليد يتيم).
قال اغلبهم: سلمنا لك بهذا الوضع. فما تقول الآن في ما يقابل كلمة الإفرنجية.
فقام واحد من الحاضرين وقال: يحسن بمن يذكر كلمة إفرنجية أن يشرحها ليسهل علينا فهمها. أو ليسهل علينا إيجاد ما يرادفها عندنا إذ ربما كان بيننا من يعرفها؛ فلا حاجة إلى
أن نوجه الكلام عبثا إلى غيرنا.
قال المعترض: كلمة الفرنسية يقابلها في أو وتعني ما لم يطبع من الكتب أو لم يشهر ولم ينشر منها. يقال:
أي قصيدة لم تنشر أو لم تعرف بعد (راجعوا معجم لاروس في المادة المذكورة تجدوا هذه الإفادة وبهذا الشاهد).
قلت: فإذا كان الأمر كذلك يسر علينا وجود لفظة عربية فصيحة. لأن صحف العرب يومئذ كانت دواوين أشعارهم: وصحفيوها كانوا الشعراء والحال انهم قالوا في هذا المعنى غميس. ومنها قولهم قصيدة غميس أي لم تعرف بعد. فالكتاب الغميس إذن هو ذلك الذي لم يظهر بعد للناس؛ أو لم يعرف بعد. فهل بينكم من ينكر مطابقة هذه العربية لتلك الأعجمية. قال جميعهم: نوفقك كلنا على هذا الوضع فإنه واف بالمقصود ويؤدي المعنى أحسن تأدية.
ثم قام واحد منهم وقال: إنك نصراني وتحب الثالوث؛ أفلا تثلث لنا الجواب فنسألك سؤالا ثالثا؟ قلت: قل ما بدا لك. قال: عند الإنكليز والفرنسيين كلمة يسمون بها القوة التي يكتسبها المرء من مداومته على الشيء أو من كثرة مزاولته إياه فيفعل أموره عفوا لا عن فكرة أو درس وهذه الكلمة هي فهل عرف العرب لها مرادفا؟
قلت: وكيف لا؟ وهذه الكلمة هي الضراوة. قال في كتاب البيان للجاحظ (107: 1 من طبعة محب الدين الخطيب): ومن حصل كلامه وميزه؛ وحاسب نفسه وخاف الإثم والذم؛ أشفق من الضراوة وسوء العادة وخاف ثمرة العجب وهجنة القبح وما في حب السمعة من الفتنة وما في الرياء من مجانبة الإخلاص) أهـ فما أشرت إليه من معنى (روتين) الفرنجية هي (الضراوة) بعينها كما سمعتها عن الجاحظ.
قال الجميع: كفى اليوم بهذا القدر والله محب المحسنين. فتناثر عقد النادي.
أسئلة وأجوبة
صادق وصدق عليه
سألنا أحد أدباء البلدة أيجوز أن يقال: صادق فلان على المعاهدة؟ وأن كان لا يقال فما هو الأفصح؟
قلنا: لم يرد صادق فلان على المعاهدة في كلام فصيح بمعنى اقرها وأثبتها ووافق عليها؛ بل صادقها فقد جاء في الإتقان للسيوطي (122: 1) إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله؛ فتفسرها لنا؛ وتأتينا بمصادقة من كلام العرب. أهـ
وبعضهم حاول إبدال صادقها بصدق عليها طلبا للأفصح من الكلام. وهذا أيضا لم يرد. والمنقول عنهم: صدقها بحذف الجار في هذا الفعل الثاني كما في الأول. قال في نهج البلاغة (طبع بيروت 92: 2): (ومن أعطى الاستغفار لم يحرم المغفرة ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة؛ وتصديق ذلك كتاب الله. قال الله في الدعاء: أدعوني استجب لكم) أهـ. ولم يقل والتصديق على ذلك كتاب الله.
وفي معجم البلدان لياقوت الحموي (من طبع الإفرنج 22: 1) وحكي عن بعض اليونان أن الأرض كانت في الابتداء تكفأ لصغرها وعلى طول الزمان تكاثفت وثبتت. وهذا القول يصدقه القرآن؛ لو أنه زاد فيها أنها ثبتت بالجبال. أهـ
ومن ثم لم يصح كلام الكاتب المجيد أسعد خليل داغر في كتابه تذكرة الكاتب في ص35 في قوله: (ويقولون: صادقت الوزارة على تعيين فلان) و (صدق الملك على الحكم) واصلح بعضهم هذا الخطأ بخطأ آخر وهو (صدقه)(أي من باب التفعيل) وكلها غلط. أهـ
فنحن نقول له: يا طبيب داو نفسك لأن صدقه (من باب التفعيل) صحيح لا غبار عليه على ما أثبتناه من النصوص وكذلك صادقه والذي لم تنطق به العرب هو صادق عليه وصدق عليه أي عقد الفعل بالجار وإلزامه به. على أنه قد يجوز هذا أيضاً من باب التضمين فمعنى صادقه وافقه عليه؛ ولكون هذا يتصل إلى مفعوله بأداة الجر لجاز عندهم وصل صادقه بالحرف المذكور. وكذلك القول في صدقه فانه يتضمن المعنى المشار إليه. على أن الأفصح يبقى صادقه وصدقه (من باب التفعيل). وأما قول اليازجي وداغر ومن لف لفهما
أن الصواب هو: أجاز المعاهدة أو أمضاها أو اقرها أو وافق عليها فكلها من المرادفات؛ لكن هيهات أنها تؤدي مؤداها. ولكل من هذه الأفعال معنى يقابله في اللغات الإفرنجية وهي كلها من المرادفات لكنها ليست بالمطلوبة هنا.
رمز
وسألنا المذكور: كثيرا ما اقرأ في مجلات مصر وسورية وفلسطين ومؤلفات أهاليها: هو رمز كذا. أفهذا صحيح؟
قلنا: الصحيح شيء والفصيح شيء آخر أما أنه صحيح فله وجه في العربية إذ ليس من غلط في لغتنا على ما ندعي. وأما أنه فصيح فليس بصحيح. فان فعل رمز يعدى إلى مفعوله بالى قالوا: رمز إليه. ولهذا لا يجوز أن يقال هذا رمز الشيء الفلاني بل: رمز إلى الشيء الفلاني. وعليه ترى جميع الفصحاء ينطقون بمثل هذا الكلام أما ضعفاء الكتاب فيخالفونه لما هناك من باب التأويل والتضمين الواسع المدخل. والمعول عليه هو رمز إلى وهو الفصيح.
كرس
وسألنا أيضاً عن فعل كرس (مضعف العين) وعن معناه. قال قرأت في المقتطف (645: 68): وقد كرس (والفعل بصيغة ما لم يسم فاعله وبكسر الراء المشددة. والكلام عن تمثال لتيتي شيري) لاوزيرس اله ابيدوس. فما معنى كرس وهل جاءت في كلام الفصحاء؟
قلنا: كلمة كرس هنا معناها خصص وارصد (بالمجهول) وهي كلمة نصرانية لا معنى لاستعمالها في العربية لأن لغتنا مستغنية عنها وهي قديمة الدخول في لساننا نقلها عرب الأندلس المسيحيون في المائة الثالثة عشرة للميلاد أو في المائة السابعة للهجرة عن اليونانية على رأي دوزي المستشرق الهولندي. وعندنا أنها من اليونانية بمعناها. وأما الأولى فمعناها زيت التقديس يمسح به ما يراد ارصاده بالله أو بالقدسيات.
على أن فصحاء العرب كرهوا اتخاذ هذه الكلمة لما في معناها من الحقارة ففي لسان العرب؛ التكريس ضم الشيء بعضه إلى بعض ويجوز أن يكون من كرس المنة (بكسر الكاف) حيث تقف الدواب. . . وابوال الإبل والغنم وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في
الدار. أهـ ولهذا نرانا في مندوحة عن استعمالها معتاضين عنها بألفاظ عربية صرفة. مثل: خصص وارصد وسبل (بتضعيف الباء) وقدس (بالتضعيف) إلى أمثالها وهي كثيرة.
على إننا قد بحثنا عن وجودها في مؤلفات العرب غير النصارى فلم نجد لها أثرا. فنبذها إذا خير من الاحتفاظ بها على غير طائل.
باب المشارفة والانتقاد
8 -
الربيعيات
رفائيل بطي
الربيعيات (؟!) والصواب ربعيات اسم طيب على الاذان، لا تكاد تسمع به أنت إلَاّ وتتصور بين يديك أزهار الربيع بأنواعها وألوانها واختلاف روائحها على انك قد تجد في أكمة تلك الازاهير الربعية خنافس دقيقة أو هوام متنوعة أو زنابير لاسعة. وعلى هذا المثال وجدنا ربعيات رفائيل، ففيها كل ما أشرنا إليه من محاسن ومساوئ.
أما محاسن تلك الازاهير، فهي تلك العبارات الأنيقة، المحكمة الوضع،
البديعة الرصف، المختارة الألفاظ، الرشيقة المعاني، وفي اغلبها من الرقة والسلاسة ما لا تجدها في أكبر كتبة هذا العصر. ولا بدع في ذلك فان الكاتب وهب حظا وافرا من الصنعة الساحرة. ومن ينكرها عليه فقد أنكر على الشمس ضياءها في رائعة النهار.
على أن في تلك الازاهير خنافس سوداء. تدأب في سلبها روائحها وأطايبها وأول هذه الخنافس أنه يكتب شيئا ويريد شيئا آخر. قال في أول كلمة نقشتها أنامله في صدر كتيبه (الواقع في 100 صفحة من قطع 16): (يا أماه، هذه كلمات تعبر عن خوالج نفس آثارها الحس والشعور. فكان حسها داعي لذاتها، وشعورها علة المها. لهذا اهديها إليك.
فحاولنا أن نفهم ما قال. فذهب عناؤنا في الأول عبثا. ثم فكرنا بعد ذلك مليا، فاتضح لنا أنه يريد بالخوالج؛ الخواطر والهواجس أو المختلجات؛ أما الخوالج فجمع خالجة وهذه من خلجه أي جذبه وسلبه ونزعه وحركه. ثم أن العرب تخص وقوع المختلجات بالصدر لا بالنفس - وقوله أثارها الحس لا معنى له: ولعله يريد الإحساس مصدر أحس بالشيء أي ظنه ووجده وأبصره وعلمه. وإما الحس فهو الحركة وأن يمر بك قريبا فتسمعه ولا تراه، والصوت، ووجع يأخذ النفساء بعد الولادة. وبرد يحرق الكلأ، وقد حسه: احرقه فهل أراد شيئا من هذا أو هذا كله؟. - وقوله: كان حسها (أي حس الخوالج) داعي لذتها. كلام مغلق يحتاج إلى أن يطلب القارئ مفتاحه إلى من تولى إغلاقه، ولعل مراده: فكان الإحساس بها داعيا إلى التلذذ بها، وحينئذ تبدو لك في سماء المعنى سحابة ماطرة. وقوله:(وشعورها) لا
ينطق بها عربي. بل يقول: والشعور بها. وأما قوله وشعورها علة المها. فهو قد لا يكون كذلك إذ قد يشعر المرء بشيء فيتألم منه. وقد يشعر به فيستلذ به.
هذه الخنافس وجدناها في أول برعومة انفتحت لنا. فما قوله بخنافس سائر البراعيم.
وأما الصفحة الثانية التي وسمها (بصريح القول) فإننا نرى أنه لم يعنونها كما يجب. فلو جلاها بقوله: (بمغلق القول) لكان أوفق للموضوع. فلقد
أعملنا الفكرة في تفهم تلك الأسطر الستة فلم نوفق له، فعسى أن يهتدي غيرنا إلى ما يريده الكاتب.
والخلاصة فهمنا من هاتين الصفحتين أن الناطق بتلك المفردات الفريدة لا يريد أن يجمع من تنسيقها معنى حقائق وصورا بينة، بل يريد فيها دندنة وطنطنة وطقطقة وشقشقة وبقبقة. ولهذا لا نريد أن نتبعه في جميع ما جاء به على هذا الحذو المبارك!
تعال الآن ننظر ما فيه من صغار الزنابير اللاسعة. فالظاهر أن الرجل عصبي في غاية العصبية، فهو يمجد بعض المتهوسين ويلقب بعض الرجال الهادمين لأركان الراحة والسلام بألقاب ضخمة لا تصلح لهم إلَاّ من قبيل الهزء والسخرية. فقد قال مثلا في ص10:(سمعت نداء المصلحين والمبشرين من عهد (بوذا)(وكنفوشيوس) إلى يوم (كارل ماركس) و (تولستوي)، فعلمت أن هذه التعاليم، مع كل ما حوته من الحكمة (؟) والسداد (؟) ليست بكافية لتغيير سبيل الحياة الذي سار عليه البشر) لا اعلم ما يريد بالمصلحين والمبشرين؛ كما لا اعلم كيف جعل بوذا وكنفوشيوس وكارل ماركس وتولستوي من طبقة واحدة؟ وهل في تعاليم هؤلاء الأربعة حكمة وسداد؟ فإن كانتا فيها، فلم بقي الآخذون بها على غير سبيل الحياة الذي سار عليه البشر؟ - وفي الفصل الذي عنوانه (النابغة)(ص66 إلى ص71) ما لا ينطوي فحواه على غر الريحاني معبوده بل عليه نفسه. وكله كلام لو قاله غيره لوصمه بالمعتوه والمجنون. لكن الظاهر من كلام رفائيل أنه يجوز له أن يمدح نفسه بل يؤلهها، ولا يجيز لغيره أن يتنفس هواء الجو الذي يستنشقه وذلك لأنه قال (في ص71)(وسوف يعرفني رفاقي (لعلها رفقائي) متى رفعوا الغشاوة عن أعينهم (لعلها عن عيونهم. وذلك لأن على عيون جميع لدات الكاتب غشاوة إلَاّ هو فإنه يبصر. أفيجوز له أن يمدح نفسه على هذا الطراز البديع؟) فيعلمون أنني وإياهم في الجوهر (أي جوهر؟) متفقون وأن اختلفنا في الأعراض (أي أعراض تريد؟ افصح لنا لنؤاخيك ونتخذك أستاذنا وأمامنا.)
لسعات رفائيل مسمومة! لا نريد أن نستزيد منها، فلابد من أنها تحدث ورما. فلننتقل إلى الهوام التي في تلك الزهرات الربقية.
ونريد بالهوام الأغلاط الصرفية والنحوية واللغوية. وأول هذه الكلمات، أول لفظة في هذا الكتيب، فقد عنونه بالربيعيات، وليس للكلمة وجود في العربية ولعله يريد (الربعيات) بكسر الراء نسبة إلى الربيع. والفصحاء لم ينطقوا بغير الربعي والجمع ربعيات - وقال في ص5: فإذا رأى فيها بعض القراء. . . والصواب فان رأى:
في ص9 س8 من ثور تلك الإعصار الهائلة والصواب ذلك الإعصار الهائل لأن الإعصار (بكسر الهمزة) مفرد. والجمع أعاصير وليس بجمع البتة كما توهمه.
ص4 فيثور على الوجوه والمقدمين الانويين. لا اعلم ما يريد بالانويين، فلعله يريد بهم ما سماهم الآخرون بالأنانيين ويريدون بهم المستأثرين. فعسى أن يصح حدسي.
ص16 عيناها الزرقاوان يشعان نورا وينفذان بسحرهما. . . لعله يريد تشعان نورا وتنفذان بسحرهما.
في تلك الصفحة: ثغرها الوردي. . . وهذه أول مرة نرى الثغر يوصف بالوردي: والمعروف عند العرب أن الثغر هو الأسنان أو مقدمها أو ما دامت في منابتها وتوصف بالبياض الناصع.
وفي ص19: (تغسل أمواج الأمل قدميك العاجيتين في نهر الحياة. كلما عبثنا برمال الشاطئ. باحثة عن (خاتم البخت) مستفهمة من أكوامها واحافيرها نبأ مستقبلك) - قلنا: إلى من يعود تأنيث باحثة ومستفهمة وأي معنى هناك ولعله يريد: باحثين (نحن الذين نعبث برمال الشاطئ) عن خاتم البخت مستفهمين. . .
في ص22: في تلك المغارة؛ التي لا يسمع فيها: إلَاّ حفيف الأغصان الجرداء. . . لا يا حبيبي رفائيل ليس في المغاور أغصان خضراء ولا جرداء فكيف يسمع فيها حفيفها.
في ص23 مولود عجيب يدعى (يسوع) في حضانة والدة. . . لا افهم الحضانة هنا. فماذا تريد بها؟
وفيها: وتراكضت الأمهات لتهنئ الوالدة الجديدة بميلادها الغريب. . . يا له من تعبير يخالف ما في التفكير. الأمهات يهنئن الوالدة بولادتها الولد العجيب لا بميلادها أي وقت
ولادتها. والولادة هنا عجيبة لا غريبة. فكيف يجمع بين أشياء مخالفة للحقيقة؟
وفي ص25 - القياصرة العاتين. أيجمع عات على عاتين أم يكسر على عتاة وعتي؟
وفيها - قليلون هم الذين فهموا سر الحياة لهذا الطفل العظيم؛ تعبير ركيك واحسن منه: سر الحياة حياة هذا الطفل العظيم.
وفي ص26: عيشة الحكماء والمشرعين. . . والصواب والشارعين أو المشترعين.
وفي ص27: ولم يخاطب جيله الحاضر؛ واحسن منه: المعاصر
وفيها: الأجيال القابلة بمعنى المقبلة وهي غريبة جدا
ولا نريد أن نتتبع الكاتب في جميع هناته؛ وقد اكتفينا بما ذكرنا.
ونود أن لا يتعرض للمباحث التي هي خارجة عن نطاق علمه من دينية وفلسفية وما يماثلها. وذلك اضمن لراحته واسلم له من العثار.
9 -
محاضرات في تاريخ مدن العراق
(في 136 صفحة بقطع 12)
ألقاها يوسف رزق الله غنيمة في مدرسة دار المعلمين العليا ببغداد سنة 1922 - 1924، طبع بنفقة المكتبة العصرية في بغداد لصاحبها محمود حلمي
عدد الرجال الذين يقبلون أن ننتقد كتبهم لا يكاد يكون له وجود؛ فإنهم قليلون في بلادنا هذه الشرقية. ولا سيما في العراق؛ أما في سورية والديار المصرية فقد فهم الناس أن لا بد للنقد لإصلاح ما في مؤلفاتنا من الأوهام والأغلاط وسوء المذهب في المباحث العلمية: إذ يغلب فيها الجهل العلم.
أما صاحب هذا الكتاب فعجيب في جميع ما يكتب ويتكلم ويرتئي. إذ
قلما نرى من يصارعه في هذه الأمور الثلاثة؛ لأنه أن كتب ابتدع وأن تكلم أفحم وأن ارتأى رأيا بز فيه من تقدمه - نقول هذا لأن صاحبه كتب إلينا حين أهدانا تصنيفه: (اطلب إليكم أن تنتقدوه ولا تقرضوه أو تشارفوه فقط لأن في النقد فائدة للقراء ولي ولكل من يروم الوقوف على الحقيقة)
فإجابة لطلبه نقول: أن الكتاب على ما هو درة من الدرر، لأننا لم نر إلى الآن من تعرض للمباحث التي طرقها الكاتب المحقق، فإنه جعل موضوع ما كتب الكلام عن مدن العراق
المندثرة. وإنما لم تذكر هذه الكلمة لإنما أراد وضع تأليفه على قسمين: قسم يخصه بالمدن المندثرة، وقسم بالمدن الحاضرة، ولكن أشغاله منعته دون تحقيق أمنيته كلها، فخص هذا القسم بالمدن المندثرة؛
والباحث الأجنبي إذا أراد الوقوف على ما كان في ديار العراق من المدن العتيقة وجد في لغته الإنكليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الألمانية أو الأسبانية مؤلفات كثيرة تفي بالمطلوب؛ أما العرب سكان هذه الديار المباركة فإنهم لا يعثرون على شيء من هذا القبيل فيضطر إلى أن يسأل هذا وذاك للوقوف على ما كانت دياره في سابق العهد. ولذا سد هذا الكتاب ثغرة؛ بل فجوة واسعة في تاريخنا.
جميع ما تطالعه في هذه الصفحات منقول عن عدة لغات وعن أصحاب القدم الراسخة في مايصنفون، ولذا يحق للقارئ أن يعتمد كل الاعتماد على ما تخطه يراعة صاحب (الغنائم).
على إننا لا ننكر أن هناك بعض الأوهام تحتاج إلى تصحيح في الطبعة الثانية وتقسم هذه الأوهام إلى ثلاثة: أوهام الطبع، وأوهام أعلام؛ وأوهام نحو أو لغة.
فمن أوهام الطبع التي تصلح في باب التصويب ما هذا بعضه:
ص س ك
4 13 6 إلا آمال صوابها الآمال
5 11 10 ولم يكونا هذان النهران؛ ولم يكن هذان
6 3 5 أخذ طمآ دجلة والفرات والعظيم؛ وعظيم بدون ال وهو الذي كان
يعرف في عهد العباسيين باسم نهر باعيناثا
8 3 4 نبذ النوات؛ نبذ النواة
10 15 10 تقولون بأني نسيت؛ تقولون أني نسيت
ولا نريد أن نزيد على هذا القدر، لأنه كثير.
وأما أوهام الأعلام فان حضرته جرى على تسمية بعض الأعلام القديمة بمد حروف العلة وهي في الأصل مقصورة، ولا جرم أنه جرى مجرى بعض العصريين الذين يأخذون تلك الأعلام عن أبناء الغرب، ولا يحققون بأنفسهم الأصل الذي أخذ عنه. فقد قال مثلا في ص5: نار ماراتو والصواب نر مراتو واحسن منها: نر مرات. بضم التاء المبسوطة، لأنها
كذلك في اللغة الآشورية وليست بحرف فكأنك تقول النهر المسمى مرات، وهو الفرات - وقال في ص9 هيرودوت وأخيل وارستوفان وارسطاطاليس، والصواب أن هذه الأسماء هي يونانية ولما كانت كذلك فيحسن بنا أن نبقي عليها ثوبها اليوناني حتى ينتبه القارئ إلى تلك المزية، ولهذا قال الأقدمون من السلف؛ هيرودوتس وأخيلس وارستوفانس وارسططاليس ونقول أسكندر المكدوني لا المقدوني كما قال في تلك الصفحة - وقال في ص12 رولنصون ورولونصون ونحن نخير عليهما اللفظ الإنكليزي الحقيقي وهو رولنصن - وكتب سبار وشماش (ص18) ونحن نخير الكتابة الأصلية السامية سبر (بتشديد الباء المثلثة الفارسية) أو سفر (لأن الباء المثلثة تنقل إلى فاء) وشمش - وكتب ص19 نبور ونرجال وشربورلا ولاكاش واوروك واشتار. ونحن نفضل عليها الرواية السامية: نبر (أو نفر) ونرجل وشربولا ولجش وارك واشتر. إلى ما ضاهى هذه الأعلام.
وأما أوهام النحو واللغة فكقوله في صفحة العنوان: في مدرسة دار المعلمين فبدار غنى عن ذكر المدرسة - وفي ص2 لما دعتني وزارة المعارف الجليلة لألقي والصواب إلى أن القي - وكقوله: عظم سروري إذ كان السامعون طائفة؛ والمعنى يتطلب أن يكون؛ وعظم سروري حينما رأيت السامعين - وذكر في ص3: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع للسيوطي، ونحن لا نعلم
مؤلفا للسيوطي بهذا الوسم. أما مراصد الاطلاع المشهور فهو لتقي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (راجع مخطوطات خزانة الكتب الأهلية في باريس ص392) ويروى: عبد المؤمن صفي الدين أبن عبد الحق والرواية الصحيحة هي الواردة في كتاب الرد الوافر في ترجمة صفي الدين أبي الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله بن علي بن سعود البغدادي الحنبلي المولود في جمادي الآخرة سنة 658هـ 1260م) إذ يقول المؤلف: وله كتاب مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع وهو مختصر معجم البلدان. توفي صفي الدين في صفر سنة 738 هـ (1338م). - وقد طبع هذا الكتاب في ليدن طبعا متقنا في سنة 1850م ثم طبع مرتين في بلاد إيران، وهو أحسن طبعة تتخذ لطرد الشياطين فإن الأغلاط الواردة فيها تعد بالمئات وكلها من قبيل (الضبغطري) تفزع بها الأرواح النجسة وتقصيهم إلى حيث لا يسمعون تلك الكلم المشوهة.
أما مراصد الاطلاع للسيوطي فإنه لم يتمه ولم يطبع.
ومن أغلاط المخالفة للأصول العربية قوله في ص5: يجدر بنا - قبل أن نبحث عن مدن العراق القديمة واحدة فواحدة - ننظر نظرا عاما. والصواب أن ننظر - وقال في ص6 هضاب الرمال. وفي آخر الصفحة تلولا من الرمال والصواب أن العرب لا تقول في مثل هذا المعنى إلَاّ حبال الرمال (بالحاء المهملة) في كلا التعبيرين - وفي ص7 وفلوات رملية جدباء، ولو اكتفى بالكلمة الأولى لكان احسن. لأن الفلوات لا تكون إلَاّ كما وصفها - وفي ص13 بينها صفائح الآجر المشوي، والطين المجفف في الشمس. ولو قال: بينها صفائح الآجر واللبن؛ لاستغنى عن بقية الألفاظ لأن الآجر لا يكون إلا مشويا واللبن لا يكون إلا مجففا في الشمس - وقال الاسطوانات. والعراقيون يسمون هذا الشكل من العاديات بالشمامات وهو اسم على مسمى. أحسن من قول الإفرنج: الاسطوانات، لأنها تشبه الشمام كل الشبه.
وهناك غير هذه الهنات وهي كلها تحسن منظر الكتاب لأنها كالشامة في وجه الحسناء كما يصفها بعضهم. إذ لا يخلو كتاب من مثلها بل اكثر منها.
10 -
كتاب مرشد الطلاب إلى قواعد لغة الأعراب
لرزوق عيسى - الجزء الأول في الصرف طبع في المطبعة السريانية الكاثوليكية في بغداد سنة 1922، في 112 صفحة بقطع الثمن الصغير
كتب الصرف والنحو اكثر من أن تحصى. ابتلانا بها الأقدمون ولا يزال المحدثون يزيدوننا بلاء بتصانيفهم الجديدة. هذا ما يقال بوجه عام عن هذا الصنف من العلم؛ ولو اجتهد الناس بدرس العلوم المفيدة من طبيعيات ومواليد وكيمويات ورياضيات إلى نظائرها لأفادونا اكثر واستفادوا هم أيضا على حد ما يفعل أبناء الغرب.
على أن كتاب مرشد الطلاب مفيد من عدة وجوه: أولا لأنه سهل العبارة واضحها قد لا يحتاج المتعلم إلى تلقي معناها عن معلم - ثانيا لأنه حسن التبويب؛ تتسق فصوله اتساقا يأخذ بعضها برقاب بعض - ثالثا لأن في تمارينه وشواهده أقوالا حكيمة ونصائح مفيدة. فالطالب يرضع ألبان الأخلاق الطيبة مع مبادئ القواعد العربية - رابعا: لأن في آخر كل درس خلاصة تحوي لباب ما تعلمه التلميذ في سطور عديدة.
هذا من جهة الحسنات التي قلما تشاهد في كتاب صغير من مثله. ولما كان كل تصنيف لا
يخلو من عيب ولو كان طفيفا. ففي هذا المرشد شيء من هذا القبيل. فقد يجيء ببعض عبارات غير كافية لتأدية المعنى المطلوب. - قال مثلا في ص4؛ الكلمة لفظ يدل على معنى مفرد؛ ولو قال على معنى قائم بنفسه لكان أوفى بالمقصود - وفي ص9 وحيث لا حركة فهناك السكون؛ والصواب وحيث لا حركة فسكون وقد تكررت هذه الغلطة في ص14
وفي بعض النصائح ما لا تحمد عاقبته كقوله في ص13: اهجر النوم ولو قال: اهجر كثرة النوم لكان هو المطلوب - وفي ص25 (إذا اجتمعت بمن هو ارفع منك فكن أديبا) فكأنه يقول: وإذا اجتمعت بمن هو أدنى منك فلا تكن أديبا. وهو قبيح كما ترى؛ ولعله يريد أن يقول فكن خافض الحواس مثلا؛ بدلا من (أديبا) - وقال في ص28 جر العربية (بياء مثناة قبل الهاء).
ولعله يريد العربة أي العجلة. (والعربة تركية أي أربة وأما العجلة فعربية) ثم ماذا يريد بقوله: جر العربة؛ أفهذه من النصائح التي يحسن بالمرء أن يتبعها. - وفي ص29: (رأيت رجلا طلع الصباح في رأسه وخيم الظلام في قلبه) ولعله يريد طلع الضياء في رأسه. - وفي ص31 من شاب عذاره لم تقبل أعذاره. وهو كلام أحدهم وفساده ظاهر؛ لأن الأعذار تقبل ولا سيما إذا كان المعتذر رجلا كبير السن - وفي ص41: اكرم من علمك ولو حرفا واحدا فهذا معناه اكرم ولو حرفا واحدا من علمك، وكان الأحسن أن يقال لا من البس؛ اكرم من علمك ولو علمك حرفا واحدا - وفي ص52:
اعتزل ذكر الغواني والغزل
…
وقل الفصل وجانب من هزل
ولو قال: وقل (الحق) لكان أبين لما في النفس - وقال في ص82
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر
…
أنا جامع أنا ضائع أنا عاري
ولو قال: أنا جائع لكانت الكلمة المطلوبة في هذا البيت؛ وأما جامع فلا معنى لها هنا.
وقد وقع في الكتاب أغلاط طبع كما وقعت في سائر الكتب وكان يجب أن يعتني كل الاعتناء بكتب الطلبة ليبعد عنها كل غلط مطبعة من ذلك:
صس
6 7 البنات تخيطن والصواب يخيطن
15 4 وهو حامل كيس ملح والصواب وعليه كيس ملح
15 7 وتذكرة وصوابه تذكرة
20 13 الق خبزك على الماء فنجده بعد أيام والصواب فتجده. وهذه العبارة لا معنى لها.
22 8 باالعمل - بالعمل
26 8 إلى 12 ذكر أبواب الفعل الثلاثي ولم يحرك عين الفعل في الماضي ولا في المضارع وهو عيب لا يغتفر في هذا المقام. وكان عليه أن يذكرها بالترتيب اللازم وبالتعبير الصريح. كما كان يجب أن يقدم باب ضرب على بقية الأبواب الخمسة بعد باب نصر ثم يذكر باب فتح. فباب فضل إلى آخر ما هناك من النظام المعقول الذي أثبته العلماء.
27 15 أفعال على وزن حس؛ تبع، نعم. ولو ذكر فعلا ثالثا لجاز له أن يقول (أفعال) أما وقد ذكر فعلين فقط فكان الأجدر به أن يقول؛ فعلان.
29 6 لا نسأل المرء عما في ضمائره. والصواب في دخائله
21 1 العصا لمن عصا، والصواب لمن عصى
32 11 انعم به، خطأ ظاهر؛ والصواب؛ نعم كبئس
35 10 فالضمير البارز هو الذي يظهر في اللفظ كأنا والتاء في نحو فهمت وشعرت. وهو كلام واضح الغلط والصواب: كنا والتاء في نحو فهمنا وشعرت.
وهناك غير هذه الهفوات. ولله وحده الكمال.
باب التقريظ
تنبيه
نضع في كل باب ما يطلبه المهدي إلينا كتابه، فالذي يحب أن ننتقد كتابه ننتقده بكل أنصاف ولا نراعي فيه إلَاّ ما تطلبه الحقيقة وقولنا هذا لا يدل على أننا نصيب ما نقول، إذ ربما كان خطأنا اكثر من صوابنا في نظر الغير إلا أننا نكتب ما نخاله الصواب.
والذي يود أن نشارف كتابه أي ننظر ما فيه من المساوئ والمحاسن فإننا نفعل بما يشيره علينا المهدي، إذا كتب على كتابه (للمشارفة والانتقاد)
وأما الذين يرغبون في أن نقرظ لهم مؤلفاتهم فنضعها في باب التقريظ من غير أن نتعرض لنقدها البتة. فهذا الباب هو على الحقيقة باب إعلان ليس إلَاّ.
وكل من لا يكتب شيئا على هديته، فهذا معناه أننا مخيرون في وضعه في الباب الذي نراه لائقا بالمصنف. على أننا نقول أن الكتاب الواحد قد يختلف في نظرنا باختلاف الأبواب التي ندخله فيها. فربما قرظنا كتابا وهو في نظرنا ساقط، فالسيد عبد الرزاق الحسني صاحب جريدة الفضيلة، أراد أن نقرظ كتابه.
11 -
رحلة في العراق أو خاطرات الحسني
الطبعة الثانية وهي بقطع الثمن في 156 صفحة طبع في المطبعة العصرية في بغداد سنة 1925
يرى الواقف على هذا الكتاب كل ما طاب ولذ (من تاريخ العراق بصورة مختصرة) فإن صاحبه تتبع أحوال العشائر المألوفة. مع ضروب معاشهم وأنواع أخلاقهم وفيه فصل عن الآثار العتيقة التي ترى في الصحارى والقفار كما تطالع فيه ما يتعلق بأحوال العراق السياسية والاقتصادية والزراعية والعلمية، فجاء الكتاب كما قال صاحبه:(جامعا مهام المسائل الاقتصادية) فنتمنى له كل التوفيق.
باب المكاتبة والمذاكرة
نحن والمجلة الشهرية في مصر
كان حضرة محرر (المجلة الشهرية) التي تصدر في مصر طلب إلينا رأينا في مجلته فكتبنا إليه رسالة خاصة نشرها في الجزء السادس من السنة الثانية في ص563 إلى ص566. ثم علق عليها ما رآه مناسبا، وطلب إلينا ثانية أن نجاوبه فنقول:
قال حضرته: (اعتمد في قولي أن (تدخل في) مماته على أنها لم ترد في
كلام فصيح. أما كون دخل (المشددة العين) حية على السنة العراقيين فأنت اعلم به. ولا دخل له في موضوعنا. ولا كلام العراقيين بالحجة التي يسكت عليها) أهـ
قلنا: إنكار الزميل حياة الكلمة ومماتها لا يغير شيئا منها. وهل يتصوران الفصيح يستعمل جميع الألفاظ الفصيحة الموجودة في اللسان الواحد، فإننا لا نوافقه - وأما أنها لم ترد في كلام فصيح؛ فهذا مما ننكره عليه. فهل يتصور حضرته أنه واقف على كلام جميع فصحاء العرب، أو هل يظن أن كلام جميع الفصحاء دون تدوينا، فإننا لا نرى رأيه - ثم من قال له أنه لم يرد في كلام فصيح، فصاحب لسان العرب يعد من فصحاء اللغويين، وعلى كل حال نعده نحن ويعده هو. افصح من حضرته. وقد قال في مادة د خ ل: فلان دخيل في بني فلان؛ إذا كان من غيرهم فتدخل فيهم - وقال في آخر تلك الصفحة (أي ص257)(الدخل والدخلل والدخلل؛ طائر متدخل أصغر من العصفور. . .) وهو نص كلام أبن سيدة على ما ذكره صاحب التاج. وقال السيد مرتضى: في العياب: (وأظن صاحبه من الفصحاء اللهم إلَاّ أن لا يوافق على هذا الرأي حضرة النجيب) تدخل الشيء؛ دخل قليلا قليلا، ومن ادخل كافتعل قوله تعالى: أو مدخلا اصله متدخل. أهـ وفي القاموس: دخل دخولا ومدخلا؛ وتدخل وأندخل وادخل كأفتعل نقيض خرج أهـ. فان كان كلام هؤلاء اللغويين لا يرضيه فعليه السلام ورحمة الله وبركاته. طالبين إليه أن يضع لنا معجما يذكر فيه حي المفردات من مماتها لنكون على بصيرة مما ننطق به أو نكتبه.
ثم أن تدخل مطاوع دخل، ودخل موجودة في جميع الكتب والمعاجم فضلا عن وجودها في لغة العراقيين ولا سيما البغداديين منهم. ولغتهم وأن لم تكن بالحجة في حد نفسها. إلا أنها
إذا وافقها كلام الفصحاء أصبحت حجة منيعة؛ وأن كان حضرته يحتقرها، فاحتقاره لها لا يغير من أمرها شيئا. وهو بعلمه هذا يخالف ما كان يفعله الأقدمون من إجلالهم للبغداديين والاعتداد بأقوالهم وآرائهم. فقد قال أبن جني في كتاب الخصائص (205: 1):
(سمعت الشجري: أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقي في نحو: (يعدو وهو محموم) ولم اسمعها من غيره من عقيل؛ فقد كان يرد علينا منهم من
يونس به ولا يبعد عن الآخذ بلغته. وما أظن الشجري إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين. . .) ثم ذكر بيت شعر لكثير وآخر لأبي النجم. ثم قال: وهذا ما قد قاسه الكوفيون وأن كنا نحن لا نراه قياسا.
وقال في ص452 من ذلك الجزء: وتابع أبو بكر البغداديين في أن الحاء الثانية في حثحث بدل من ثاء. وأن اصله حثثت. وكذلك قال في نحو ثرة وثرثارة. أن الأصل فيها ثرارة فأبدل الراء الثانية ثاء فقال ثرثارة، وكذلك طرد هذا الطرد.) إلى آخر ما ذكره هناك. وكثير ما ترى اللغويين والنحاة من السلف يستشهدون بكلام البغداديين، فمنهم من يقره ومنهم من ينفيه متبعين في أقوالهم كلام من تقدمهم من فصحاء أهل اللسان، ولهذا لا نستحسن كلام النجيب واستخفافه بكلام العراقيين مع ما لهم من رسوخ القدم في اللغة المبينة.
نتقدم الآن إلى قوله: (عادة لم تجمع من عوائد في كلام فصيح يحتج به)
قلنا: جاء في كتاب العين (وصاحبه من أهل المائة الثامنة للهجرة): العادة الدربة في الشيء، وهو أن يتمادى في الأمر حتى يصير له سجية، والجمع عاد وعادات وعوائد، أهـ وفي المصباح: العادة. معروفة. والجمع عاد وعادات وعوائد؛ سميت بذلك لأن صاحبها يعاودها أي يرجع إليها من بعد أخرى.) وفي تاج العروس: ومن مجموع العادة عوائد؛ ذكره في المصباح وغيره. وهو نظير حوائج في جمع حاجة؛ نقله شيخنا، قلت الذي صرح به الزمخشري وغيره أن العوائد جمع عائدة لا عادة. أهـ وهذا مبني على أن فعلة المثلثة الفاء لا تجمع على فعائل أو فواعل. إلا أننا نرى ذلك من الأوهام التي يجب التغضي منها وعنها ودونك ما كتبناه يوما في هذا المعنى:
ورود جمع فعلة على فعائل أو فواعل
صرح الصرفيون والنحويون واللغويون أن فعلة المثلثة الأول الساكنة العين صفة كانت أو موصوفا لا تجمع على فعائل ولا على فواعل، بل على فعال أو فعلات أو فعول أو غير ذلك.
على أننا إذا نظرنا إلى هذا الوزن نراه في اغلب الأحيان محولا عن فاعلة أو فعيلة. ولما كانت الأولى تجمع على فواعل والثانية تجمع على فعائل وجدت ألفاظ مجموعة على أحد هذين الوزنين. ونحن نبين ذلك وأن كنا نخالف أصحاب تلك القواعد أو الضوابط الموهومة.
من ذلك ما جاء من هذا الوزن وهو من المضعف فانه يكسر على فعائل اطرادا قال الأزهري في التهذيب في مادة ك ن ن: (كل فعلة أو فعلة أو فعلة (أي بالفتح والكسر والضم) من باب التضعيف فأنها تجمع على فعائل؛ لأن الفعلة (المثلثة الأول الساكنة الوسط) إذا كانت نعتا صارت بين الفاعلة والتفعيل المؤنث من هذا النعت إلى ذلك الأصل. وانشد:
يقلن كنا مرة شبائبا
قصر (شابة) فجعلها (شبة) ثم جمعها على الشبائب. أهـ
ومثل شبة وشبائب؛ حقة وحقائق؛ غرة وغرائر؛ ضرة وضرائر؛ حرة وحرائر؛ كنة وكنائن؛ شجرة مرة ومرائر؛ شدة وشدائد؛ همة وهمائم (بمعنى الشيخ الفاني والعجوز الفانية)؛ شقة وشقائق؛ لصة ولصائص. وبخصوص هذه الكلمة قال في المخصص (78: 3) هذا نادر لأن فعلة لا تكسر على فعائل أهـ ولقد رأيت من الأمثال التي أوردناها لك، وكلها منقولة عن لسان العرب وتاج العروس والمصباح والتهذيب والصحاح أن جمع فعلة على فعائل في المضاعف ليس نادرا كما توهموه بل كثيرا لأن العدد جاوز العشرة. وما كان بهذا القدر لا يعد نادرا. فاحفظ في صدرك خطأ أبن سيده فهو لا يخرج عن تقليد الأقدمين من غير أعمال الفكرة والروية في كلامهم.
والآن نورد لك جمع فعلة على فعائل أو فواعل من غير المضاعف من ذلك قولهم ليلة طلقة وليال طوالق. قال أبن دريد: ربما سميت الليلة القمراء (طلقة) وقيل: ليلة طلقة وطالقة أي ساكنة مضيئة. وليال طوالق؛ طيبة لا حر فيها ولا برد. قال كثير:
يرشح نبتا ناضرا ويزينه
…
ندى وليال بعد ذاك طوالق
قال أبو حنيفة: إن واحدة الطوالق طلقة. إلا أن السيد مرتضى رد عليه قائلا
قد غلط لأن فعلة لا تكسر على فواعل؛ إلَاّ أن يشذ شيء أهـ.
قلنا: لا شاذ في هذا الكلام بل هو من الجاري على قاعدة جمع فعلة على فواعل إذا كانت فعلة محولة عن فاعلة: أما إذا كانت محولة عن فعيلة فتجمع على فعائل كما رأيت. هذا فضلا عن أن أبن حنيفة الدينوري اثبت قدما في اللغة من صاحب تاج العروس واقدم منه عهد.
واجمعوا إليه على الأيام وليلة على ليال (واصلها ليائل) وأهلا (بتقدير أهله) على أهال (واصلها أهائل) ورضا (بتقدير أرضه) على أراض (واصلها أرائض). والوة (مثلثة لأول بمعنى اليمين) على الأيام (واصلها آلائي عن اللسان) وكيكة (أي بيضة) على كياك (واصلها كيائك) وحافة على حوائف (التاج). وحاجة على حوائج وعادة على عوائد (عن المصباح والتاج) ورخصة على رخائص وكلاة (مضمومة الأول) على كوالي (واصلها كلائي) ورجبة (مضمومة الأول) على رواجب ودوحة على دوائح.
فهذه أربع عشرة لفظة مخافة لقولهم فعلة تجمع على فعائل أو فواعل وورودها على خلاف ما ادعوه دليل واضح فساد ما وضعوه من الأحكام والضوابط. وأن كنا لا ندعي أننا أتينا على جميع ما وجد في لسانهم أو في معاجمهم؛ إنما ذكرنا ما عثرنا عليه في بعض المطالعات وكلها ألفاظ قديمة سبقت عهد الإسلام وليست بمولدة أبدا كما ادعى بعضهم.
أما أن بعضهم أولها بأنها جمع فاعلة لا فعلة فهو لا يقدح بصحة ما نقول: إذ أن الأولين أنكروا جمعها على فواعل؛ فهي على كل حال مخالفة لأحكامهم. ونحن قد قلنا أن فعلة قد تجمع على فعائل أو فواعل بموجب التقدير الذي يقدر لها في الأصل؛ على ما تقدمت الإشارة إليه في صدر هذا الكلام.
فهل يرجع صاحب المجلة الشهرية عن كلامه الأول، أو كما يقول هل (يسحب) كلامه. فالأمر أمره رجع عنه أم لم يرجع، فأن الحقيقة لا تزيد بفعله، ولا تنقص، بل تبقى على ما هي:
أما سؤال الرصيف: فهل يجمع الأستاذ ساحة وراحة وغادة وبارة وناقة وغابة على سوائح
وروائح وعوائد نوائر ونوائب وغوائب!!؟
قلنا: لا، لأن الجمع المكسر من السماعي لا من القياسي، وإذا عدم السماع لجأ المتكلم إلى القياس. فكيف يسألنا هذا السؤال وهو عالم بذلك وقد قرره العلماء في كتبهم؟
وقال: (قد أكون أصبت في قولي أن (تمدن) أشهر من تمدين ولكن لا لأنها (وردت في مقدمة أبن خلدون مرارا) كما قال الأستاذ إذا لماذا لم يقل لنا سبب هذه الشهرة. إلا يعلم حفظه الله أن الناس يتلقون الألفاظ عن شيوخهم وإذا نقل واحد من المولدين لفظة. فلانه سمعها عن شيوخه. إذن كيف تشتهر اللفظة وتمدين لم ترد في كتاب رجل من الأقدمين أو المولدين. اللهم إلَاّ في القاموس وتاج العروس بمعنى تنعم لا بمعنى تمدن. أما تمدن فقد ذكرها المقري في نفح الطيب فضلا عن أبن خلدون، إذن وجود تمدن في كلام المولدين خير من عدم وجود تمدين بهذا المعنى في أي كاتب كان. أفليس هذا من الأمور المعقولة؟
وقال عنا: (قلتم أن كون القبرية من أنواع الأفعى مصحفة عن الكوبرا غير صحيح وأن الصحيح الفترية وأنها غلطة قديمة. وهذا ما لا علم لي به)
قلنا: فإن كان لا علم لك به، فلماذا نطقت به؟
وأما قوله: (انتقدتم لي قولي: أن جواريهم لها أذناب وهن تلتف بشعورهن وتغني. . . الخ والصواب: لهن أذناب وهن يلتففن بشعورهن ويغنين. . الخ فدفاعه عن غلطه هذا الصريح بقوله: والكلام عن مخلوقات وهميات نصفهن إنسيات (كذا، ولعل هناك غلط طبع والصواب نصفهن انسي أو أنصافهن إنسيات) والنصف جنيات (كذا) وقد رأيت أن الذوق يقضي بان تعطي هذه المخلوقات ضمير العاقلات طورا وغير العاقلات تارة للدلالة على أصلهن.) هو جواب ملجم (بالبناء للمجهول من الجم) لا جواب مفحم (بالبناء للفاعل من أفحم).
وأما إصراره على إنكار ورود الحوصلة لغير الحيوان فليس مما يغير شيئا من معاني الألفاظ المدونة في الكتب ولا يمنع الغير من اتخاذها في ما ينطقون به فما هي منزلة حضرته من مقام أولئك الذين اثبتوا المفردات بكل حرص وسعي؟ أفليس الأجدر به أن يتصاغر ويقر بغلطه أو بوهمه أو بسهوه إذا ما رآه
الغير بينا لكل ذي عينين. أن الاعتراف بالخطأ مما ينقصنا نحن الشرقيين ويعز علينا اتباع الغربيين فيه. ولو تأهل
العاقل في مناحي الحقيقة لتأكد أن عدم ادعائه للحق لا يبطل الحق. بل يزيده إثباتا ويهوي بمن يخالفه إلى أدنى الدركات.
وأما إنكاره ورود المسؤولية والأهمية والأفضلية والفاعلية والمفعولية والأقلية والأكثرية - وبعبارة أخرى: النسبة إلى اسم الفاعل واسم المفعول وافعل التفضيل - ليست من العربية في شيء ولذلك لا تجدها في المعاجم إلَاّ عرضا ولا تجدها في كلام العرب. . . إلى آخر ما قال: فنحن نجله عن النطق بمثل هذا القطع البات والحكم بأنه ليس من كلام العرب، فجوابنا عليه أن يطالع ما كتبناه في مجلة المجمع العلمي العربي في سنتها الرابعة في ص176 إلى ص178 فإن كان حضرته يستطيع أن يجاوب عنها فليفعل، ونحن نرجع عن كلامنا ولا نقول مثله (نسحب كلامنا) ونحن لا بد من نشر تلك المقالة في لغتنا هذه في جزء قادم ليطلع عليها من ليس له تلك المجلة.
وفي جوابه إلينا أوهام غير ما ذكرناه، نعود إلى ردها في جزء آخر كما أننا سوف نجيبه على قوله لنا:(أيتيني بشاهد واحد من كلام فصيح على جمع اسم المفعول المستعمل استعمال الاسم مثل هذا الجمع وأنا (اسحب) كلامي)
قلنا له راجع ما جاء في هذا البحث في الجزء الأول من مجلتنا هذه في جزءها الأول من هذه السنة ريثما نأتيك ببراهين أخرى تزيدك يقينا وثباتا.
أما قوله: (أما ما ورد في كلامهم مثل مضامين وملاقيح فهما جمعا مضمونة وملقوحة قلنا: قد أصبت في ملقوحة أنها تجمع على ملاقيح وكان يجب أن تجمع على رأي الصرفيين جمعا سالما أي ملقوحات لا ملاقيح فتكسيرها على مفاعيل مخالف لقاعدتهم التي وضعوها. أما مضامين فهي جمع مضمون. قال في التاج في مادة ض م ن: وأما المضامين فان أبا عبيد قال: هي ما في أصلاب الفحول جمع مضمون. وانشد غيره:
إن المضامين التي في الصلب
…
ماء الفحول في الظهور الحدب. أهـ
ونكتفي اليوم بهذا القدر وما بقي من جوابنا إليه نرجئه إلى سجزء قادم.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
1 -
بين عنزة والضفير
اسم الضفير مشتق من معنى التضافر وليس من الظفر بمعنى الغلبة. واسم القبائل المتخذة أسماؤها من معنى التجمهر والتساعد والتضافر كثيرة في عربة (أو جزيرة العرب).
ومن هذا القبيل الضفير. أما أصل ديارهم فنجد، قال ثابت أفندي في كتيبه المطبوع في الأستانة وأمين بن حسن حلواني مختصر تاريخ الشيخ عثمان بن سند البصري ما هذا بعضه:(آل الضفير قبيلة جليلة من قبائل نجد غادرت ديارها متوجهة إلى العراق، لكي لا تدفع ضريبة إلى الوهابيين ولا تضافرهم في غزواتهم فرحب بنو المنتفق بهم قائلين لأرباب الحل والعقد من موظفي الحكومة العثمانية أن وجود الضفير في ديار العراق مما يقوي عضد آل عثمان ويدفع عن أملاكها الوهابيين ومن لف لفهم. أما الحقيقة فكانت الاعتداد بعددهم والاعتزاز بقوتهم حتى إذا ناوأوا الترك وجدوا في هؤلاء الأعراب عونا ونجدة. وكان بنو المنتفق يفتخرون بهم ويثنون عليهم عند الحكومة وغايتهم الحقيقية تقوية العرب على الترك، ولهذا رأى هؤلاء من أولئك الأعراب الجدد ما فت في عضدهم مرارا لا تحصى. وكان دخولهم في العراق في سنة 1224 هـ (1809م).
ومن أول ما أتوه انهم احتلوا جوار أرفا (الرها) ولما تمكنت أقدامهم فيها اخذوا يشنون الغارات على من جاورهم متفقين مع اليزيدية على هذه الغاية. فلما سمع باشا بغداد سليمان القنيل بمساوئ الضفير واليزيدية حمل على هؤلاء العصاة بجيش عرمرم ولم ينل الغاية من زحفته إليهم فان اليزيدية امتنعوا في إحدى ثنايا سنجار، وأما الضفير فقاوموه اشد المقاومة ولم يستطيع أن يؤذيهم وكان يومئذ مع الضفير فخذ من عنزة كبيرها الدريعي (بالتصغير والنسبة)
لكن الوئام لم يطل بين عنزة والضفير، فكثيرا ما أنفتقت الفتن بين القبيلتين على ما هو مثبت في كتب الأخبار، والآن عاد الخلاف بينهما والحكومة العراقية تحاول إيقاف رحى البلايا حقنا للدماء.
ويستخلص مما ذكرته جريدة (الأوقات العراقية) التي تصدر في البصرة أن مجرى الحوادث الأخيرة اثبت أن جماعة من غزاة الضفير توجهوا إلى الجنوب أي إلى (كويبدآء) الواقعة بجوار (سفدان) في منتصف الطريق بين البصرة والكويت.
ويرجع الخلاف المستحكم بين القبيلتين إلى عهد بعيد في كثير من الحوادث الغريبة يروى أن عشيرة الضفير لما قامت بغزو قبيلة عنزة منذ اقل من شهر لم تقتصر على حركة غزوها مستعيدة ما سرق منها من إبل وأباعر بل أخذت شخصين من رجال عنزة بمثابة (رهينتين) وكان أحدهما نجل شقيق الشيخ فهد بك الهذال ويقال أن الضفير قتلوا الرهينتين شر قتلة، وهو أمر قلما يقع بين القبائل العريقة في عروبتها. ولذا لم تبق المسألة مسألة غزو أو نهب بل أضحت مشكلة (ثار) وقل مسألة (دم).
ثم قالت الجريدة المذكورة ما نذكره بحرفه المغلوط؛
(إن قبيلة الضفير المشتبكة اليوم بنزاع مع عنزة هي من القبائل المهمة التي تقطن الأراضي الممتدة من جنوب شط العرب فالفرات بالقرب من الزبير إلى السماوة ومن هناك تمتد إلى الحفر في الباطن. وكانت رحى الحرب دائرة دائما بينها وبين شمر ومطير (جيرانها من جهة الشرق) وقد اعتاد رجال الضفير أن يهاجموا رجال شمر في كل سنة عند نزوح هؤلاء إلى أراضي المرعى في فصول الربيع. أما رئيس مشايخ الضفير فهو الشيخ حمود الصويط المشهور وكانت العلاقات بينه وبين أبن الرشيد ودية للغاية ولكنه مع ذلك أبى أن ينظم إليه وأبى أن يقدم بمساعدة عجمي السعدون الذي ألقى بنفسه في أحضان الأتراك منذ أيام الحرب الكونية.
والظاهر أن رجال الضفير أعلنوا حربا أبديا على عنزة وقد اشتهر عنهم انهم كانوا يبتدرون عنزة العداء في جميع حروبهم معهم. ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن الشيخ حمود كان ذا قوة وبأس عندما أبى الانضمام عام 1915 إلى عجمي باشا السعدون فكلفه حياده هذا انفصال بضعة فرق من عشيرته لا يعتد بها وتنقسم قبيلة الضفير إلى فرقتين رئيسيتين هما البتون والصامد وأكبرهما الأولى. وجميع رجالها عرب رحل لا يتعاطون التجارة. وعلاوة على ما عندهم من الإبل الكثيرة فانهم يملكون عددا عظيما من الأغنام وفي ديارهم عدد كاف من الآبار. وهم مسلحون بالبنادق الجيدة الحديثة الطراز. ويسابل رجال الضفير الكويت عادة. وعدد مضاربهم أربعة آلاف مضرب. ويقال أن عائلة الصويط (والصواب في كتابتها السويط تصغير سوط ل. ع) تنتمي إلى إشراف الحجاز.
أما قبيلة عنزة فتعد من وجهة قواها المادية اعظم قبيلة بين القبائل البدوية العربية. والبلاد
التي تقطنها وتسمى باسمها فواسعة جدا وتمتد من حلب إلى دير الزور فالخابور. أما سبب تسمية هذه القبيلة (بعنزة) فحسب ما يقال أنه نسبة إلى عنز أبن أسد الذي ينتمي إلى ربيعة، بطن من بطون نزار. ويدعى أن الجد الأول لهذه القبيلة كان وائل ربيعة الذي ينتمي إلى الفرع الأصغر من أسد. ويقولون أن عنزا هو مؤسس عشيرته. ولا يبرح من البال أن قبيلة عنزة لا تجتمع تحت لوآء زعيم واحد لأنها منقسمة إلى بطون وأفخاذ ومن تقاليدها مراعاة الواحد جانب الآخر.
ومع ذلك فيحدث في بعض الأحيان أن يشتبك شيوخ هاتيك الأفخاذ بعراك فيما بينهم على أن ألد أعداء عنزة هم قبيلة شمر الشهيرة. وهذا تاريخ القبائل العربية مملوء بوصف وقائعها الحربية وضغائنها وثاراتها المتأصلة بينهما.
ويحق لعنزة أن تتباهى بما تملك من جياد الخيول وأصائلها وكثرة ابلها وقد أبت هذه القبيلة أن تتسرب إليها روح المدنية فبقت على حالتها الطبيعية الغريزية التي كانت عليها منذ ما بزغ فجر التاريخ ولم تتشبث هذه القبيلة لامتلاك الأراضي الواسعة فاكتفت ببضعة بساتين نخيل قليلة وبنت لها منازل صغيرة بالقرب من دمشق الشام وامتلكت مزارع قليلة واقعة على نهر الخابور
وكانت هذه القبيلة قبل ذلك التاريخ شوكة في جنب الإدارة التركية،
ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد نفوس هذه القبيلة ولكن الثقات يقدرون مضاربها بعشرين ألف مضرب. ومن أهم شيوخ هذه القبيلة فهد بك الهذال رئيس عشيرة العمارات الذي أساء الترك معاملته وسجنوه. وقد انتخب سنة 1924 مندوبا عن قبيلته في المجلس التأسيسي. وهناك قول بان أبن السعود ينتمي إلى قبيلة عنزة. انتهى كلام الأوقات العراقية
2 -
المعاهدة العراقية التركية البريطانية
تبودلت نسخ المعاهدة العراقية التركية البريطانية في أنقرة في 18 تموز 1926.
3 -
في البحرين
حصل الميجر هولمز على امتياز لاستخراج النفط في البحرين.
وقد حصل على امتياز بحفر آبار متفجرة (ارتوازية) فحفر عشر آبار منها هناك.
4 -
جمعية الدفاع عن الحجاز
نشرت جمعية الدفاع عن الحجاز نداء إلى المسلمين حملا على الوهابيين وحكمهم الحجاز الآن.
5 -
البعثة العلمية العراقية
أوفدت وزارة المعارف في العراق هذه السنة عشرين طالبا للتخصص في العلوم والفنون في جامعة بيروت الأميركية وجامعات لندن وكولونبية في أميركة.
6 -
الآثار العراقية في ألمانية
وردت برقية من برلين تفيد أن الحكومة الألمانية تلقت نبأ رسميا من لشبونة تنبئ بأن حكومة البرتغال مستعدة لتعيد في الحال الآثار الاثورية التي حجزتها وكانت في باخرة ألمانية في أثناء الحرب العظمى.
7 -
جلالة ملكة العراق
قصدت صاحبة الجلالة ملكة العراق مدينة الموصل للاصطياف فيها.
8 -
الولادات والوفيات في بغداد
بلغ عدد الولادات في بغداد في شهر حزيران 1926 (238)، منهم (129) ذكرا بينما كانت الولادات (427) في شهر أيار الذي قبله وكان عدد مواليد حزيران من السنة الماضية (439).
وبلغ عدد الوفيات (693) منهم 349 ذكرا بينما كانت الوفيات 680 في شهر أيار الذي قبله وكان عدد وفيات حزيران من السنة الماضية 606
9 -
مؤامرة لاغتيال أبن السعود
وافت الأخبار باكتشاف مؤامرة لاغتيال السلطان عبد العزيز آل سعود صاحب نجد والمستولي على الحجاز الآن وقد دبرت من اقرب المقربين إليه.
10 -
أحداث قضاء وتأسيس ناحية
صدرت إرادة ملكية بتاريخ 7 آب 1926 بأحداث قضاء في الفلوجة وتأسيس ناحية في
القرمة (التي يكتبها الكتاب خطأ: الكرمة)
11 -
جلالة ملك العراق
وردت الأنباء بمغادرة جلالة الملك فيصل الأول ملك العراق فيشي من أعمال فرنسة قاصدا لندن.
12 -
جرح رئيس الوزراء في صرح الإمارة (السراي)
بينما كان صاحب الفخامة السر عبد المحسن بك السعدون رئيس الوزراء صاعدا درج ديوان مجلس الوزراء في الساعة 10 زوالية من يوم الثلاثاء (10 آب 1926) فاجأه شخص يدعى عبد الله حلمي فجرحه بموسى حلاقة في صدغه فركله فخامة الرئيس فوقع المعتدي على الأرض إلا أنه نهض قائما وجرح الرئيس ثانية في مقدم عضده اليمنى.
أما المعتدي فهو من دير الزور وقد كان موظفا في الممكس (الكمرك) ثم نحي (رفت) منه.
13 -
حالة العراق ودخوله عصبة الأمم
صدر في 11 آب التقرير الذي قدمته الحكومة البريطانية إلى عصبة الأمم عن إدارة العراق وقد جاء فيه ما يلي:
قد مر 18 شهرا على تجربة الحكومة الدستورية التي نص على تأسيسها القانون الأساسي. وقد برهن مجلس الأمة الأول على اقتداره في معالجة المسائل
المعروضة عليه بكل حكمة وإدراك ولن يمر زمن طويل على العراق حتى يصبح في حالة يبرهن بها لعصبة الأمم على أهليته ليكون عضوا فيها.
وذكر التقرير أن صادرات العراق ووارداته أخذت تتزايد باطراد والصادرات هي اكثر، على أن قيمة الواردات لا تزال تزيد على قيمة الصادرات فقد بلغت هذه الزيادة 492 لكا من الربيات سنة 1925.
14 -
أوصلت الحكومة الماء إلى النجف في 7 آب 1926
فابتهج الناس بذلك أيما ابتهاج.
15 -
الاعتداء على المعتمد البريطاني في البحرين
ثار جندي بلوجي من جنود شيخ البحرين فجرح جنديين هنديين وأصاب الميجر ديلي المعتمد السياسي في البحرين بجروح طفيفة.
16 -
في متصرفية الموصل في نهاية حزيران
شرعت الحكومة إنشاء صرح إمارة (سراي) في زاخو، وأوشك بناء دائرة البرق والبريد أن ينتهي في أربل (وتكتب خطأ أربيل)
تتخذ المعدات لبناء غرفة للعيادة، وحمام، ومحلات للممرضات في المستشفى الملكي في مدينة الموصل.
كملت الإصطبلات الجديدة لخيالة الشرطة في كركوك.
وثرت الطريق الجديدة بين زاخو والشيخان مسافة 5 أميال واتخذت مجار على جانبي طريق الموصل وزاخو وبغداد مع تحسينات عامة.
شرع بناء جسر جديد على جدول قرة تبه.
17 -
في لوآء السليمانية في نهاية حزيران
بدئ بتسليم المعدات لإنشاء صرح (سراي) في قره داغ وقارب اتخاذ معقل كلازاروة النهاية.
بوشر إنشاء اصطبلات جديدة للشرطة في لوآء السليمانية وحلبجة.
تداوم الحكومة على إصلاح طريق جمجمال إلى السليمانية.
18 -
في متصرفية بغداد في نهاية حزيران
تم ما بدئ به من مخفر الرطبة. ورمم ما كان محتاجا إلى الإصلاح في ما يأتي أساميه من المحلات:
في العاصمة: المحكمة الشرعية - المستشفى الملكي - دار الآثار العراقية - دائرة البرق الأم (المركزية) - دوائر الأشغال العمومية والبرق والبريد في الصرح (السراي)،
وشرعت الأعمال الآتية للجيش العراقي:
غرفة الحرس في ثكنة الباب الشمالي - ترميمات للاصطبلات والدوائر العسكرية ومظلات السيارات في القاعة - أعمال شتى في مضرب الوشاش - مد جسر جديد من فولاذ على
جدول الخالص - تتقدم أعمال حفظ الطرق العامة وإصلاحاتها في ألوية بغداد وديالى والدليم.
19 -
في متصرفية البصرة في نهاية حزيران
كمل مغسل مستشفى مود التذكاري في البصرة، وشرع تركيب أنابيب المياه فيه.
أنجزت إصلاحات مختلفة في عدة طرق ومبان في اللوآء
تم تسقيف 12 غرفة في الصرح الجديد في الكبائش (الجبايش) والعمل سائر سيرا حسنا.
والأعمال تجري بنشاط لتسوية طريق الشطرة.
20 -
لوآء الحلة والديوانية في نهاية حزيران
كملت أسس الغرف لإنشاء صرح عفك.
تمت أسس مستشفى الحلة.
تم تخطيط الطريق بين الرميثة والإمام حمزة.
شرع إصلاح الجسور المصابة بالأضرار وترميم الجسور الأخرى التي ترى في طريق الديوانية إلى الشامية ومن الشامية إلى أبي صخير.
21 -
تلقيح الجدري في بغداد
لقح الجدري في جميع المناطق والمراكز الصحية وبلغ مجموع الملقحين
680 وجرى فحص 504 منهم فتبين أن 374 تلقيحا منها نجح و130 لم تنجح.
22 -
تقارير المستشفيات
دخل مستشفى أمراض العدوى في غضون الشهر 63 مريضا. وتوفي فيه 19 سبعة منهم بالطاعون و8 بالسل.
ودخل مستشفى مير الياس 113 مريضا وتوفي فيه 4 فقط وعولج من هؤلاء 211 مجانا.
ودخل مستشفى ريمة خضوري لأمراض العين 19 مريضا بينهم 15 مصابا بالحبب (وزان سبب وهو التراخومة) وعولج فيه من المرضى الخارجين 601 بينهم 302 عولجوا مجانا.
وعولج في مستوصف مبعث الكرمليين 208 مرضى، بينهم 153 بالأجرة
23 -
صحة الميناء
فحصت 12 باخرة خارجة من بغداد كان فيها 1335 مسافرا فوجد بينهم إصابة واحدة بالحصبة لا غير.
وفحصت 9 بواخر قادمة إلى الزوراء كان فيها 1623 مسافرا فلم يكن بينهم مريض.
24 -
التطهيرات
طهرت 197 غرفة و1711 قطعة أشياء مختلفة و74 عجلة قداد (ترام)
25 -
الجنائز
نقلت 52 جنازة إلى النجف.
26 -
صيد الجرذان
وضع في العاصمة 30100 طعم لإبادة الجرذان فنجح منها 11973 وكان عدد المنازل التي وضع فيها المصايد 3999 ونصبت 8210 مصايد واصطيد 98 جرذا وورد من الخارج 42 وفحص 140 جرذا وأرسل ب 35 للفحص وتبين إصابة تسعة منها بالطاعون.
27 -
فحص الإجازات
فحصت 691 إجازة منها 241 ووجد منها 430 صحيحة و20 مزورة فغرم أصحابها.
العدد 38
- بتاريخ: 01 - 10 - 1926
القارعة
أهب بالشيب واذكر الشبابا
…
فهذا لا يطيب وذاك طابا
وما كان الشباب هناك إلَاّ
…
كنجم قد تألق ثم غابا
إذا قلبي تذكره بصدري
…
تنزى خافقا فيه ولابا
مضى صحبي وأخرني زماني
…
كأن له على شخصي حسابا
أرى الأيام مذ ولى شبابي
…
علي تمر حانقة غضابا
وأني للشبيبة في أدكاري
…
كأني ناظر منها شهابا
كتبت الوكة أدعو المنايا
…
وأني اليوم انتظر الجوابا
وكنت هبطت مصر قبل حين
…
فلم اه دأ وفضلت الإيابا
ذكرت مواطني وذكرت أهلي
…
وليلى والصبابة والشبابا
وقلت لقد نأت بغداد عني
…
فليت الدهر يمنحني اقترابا
ولو أني رجعت إلى بلادي
…
لقبلت المنازل والترابا
شربت من النوى لشقاء نفسي
…
شرابا ثم لم اسغ الشرابا
ومن يشرب على ظمأ حميما
…
فليس بناقع منه اللهابا
فراق لا أعاتب فيه ليلى
…
فليلى ليس تحتمل العتابا
وقلت سأحمل الأعباء وحدي
…
ولا أشكو شقائي والعذابا
ولكني شكوت هموم نفسي
…
ليلى حين أكبرت المصابا
وكانت لا تزال هناك ليلى
…
فتاة مثلما كانت كعابا
وأنت مصدقي لو أن ليلى
…
أماطت عن محياها النقابا
وأني كلما ليلى أرادت
…
بعادا زدت من ليلى اقترابا
لقد سألتا فآلمها جوابي
…
وأن لكل سائلة جوابا
أطالب بالحقوق وكل حر
…
قمين أن يطيل بها الطلابا
وهل تخشى يد كتبت بصدق
…
دفاعا عن كرامتها تبابا
ويممت المواطن نائيات
…
حثحث من مسارعتي الركابا
ولم يك مركبي إلَاّ قطارا
…
جرى للأرض ينتهب القبابا
رأيت النار وهي لها ازيز
…
بمرجله تشق به اليبابا
سرى والليل معتكر بهيم
…
يجر وراءه غرفا رحابا
وأسرع لامسا صدر الفيافي
…
يجوب السهل منها والهضابا
يمر على البقاع وهن عفر
…
وليس يثير في المر الترابا
يشق بصدره البيداء شقا
…
كما صدعت بك الفلك العبابا
على خطين مدا من حديد
…
متين لا ترى لهما انقضابا
وكم من شقة بعدت طواها
…
وكم من بقعة قصواء جابا
فأوصلني القطار إلى دمشق
…
بيوم واحد للنفس طابا
وسرنا نبتغي بغداد منها
…
على سيارة مرقت ذهابا
فجئناها كذلك بعد يوم
…
سوي لم نلاق به الصعابا
فكنت كطائر ألفى بعش
…
بناه حية فمضى وثابا
بهاجرة لديها كان يجري،
…
لعاب الشمس أن لها لعابا
فودت أنها قبل انفلات
…
له لو أمسكت منه الذنابي
واخلق بالحياة وكل شيء
…
إليها عائد أن لا يشابا
ولما عدت بعد نوى شطون
…
إلى بلدي وجدت الشهد صابا
رأيت معاهد الآداب فيه
…
كما تقلى معطلة خرابا
ذهبت إلى الرياض فساءني أن
…
أرى عوض الهزار بها الغرابا
وأني في منابتها اعتياضا
…
عن التغريد استمع النعابا
رأيت السعد يخفي منه وجها
…
رأيت النحس يبدي منه نابا
وألفيت الذناب يذم رأسا
…
وذاك الرأس يمتدح الذنابا
وأعجب مشهد لاقيت فيه
…
خراف بعدي انقلبت ذئابا
وكنت مؤملا في غير هذا
…
من الأحوال أن القي انقلابا
وكم لي في المواطن من عدو
…
رمى سهما إليَّ فما أصابا
أقول لهم خذوا في السهل سيرا
…
وخلوا لي الوعورة والهضابا
فما لكم لدى الادلاج حول
…
على أن تسلكوا الطرق الصعابا
أتوني يطلبون الشعر مني
…
فلما لم أنل ذهبوا غضابا
وراحوا ينشرون الكذب عني
…
ومن سفه يكيلون السبابا
ولم يأبه بما قالوه إلَاّ
…
غبي أو سفيه قد تغابى
رأى الأعداء شيخا أقعدته
…
سنوه أن يحاسبهم حسابا
رأوه عن الركوب اليوم يعيا
…
وقد ركب المسومة العرابا
فقالوا أنه شيخ كسيح
…
فلا نخشى له ظفرا وتابا
فشنوا منهم الغارات تترى
…
علي فلم ألن لهم جنابا
يريدون الوقيعة بي عداء
…
وأن يقضوا على أدبي اغتصابا
ولكن لا يزال الشيخ هذا
…
يقاوي بالنهي الصم الصلابا
لقد هابتك يا قلمي الأعادي
…
وأنت فثق جدير أن تهابا
وما نظر العدى إلَاّ بعين
…
أبت أن تبصر الحق الصوابا
كذاك الحقد يسدل بين ناس
…
وبين الحق مؤتلفا حجابا
وحرب قد أثاروها عوانا
…
على حزب التجدد إذ أهابا
فخاضوها وما اتخذوا سلاحا
…
لهم إلَاّ الشتيمة والسبابا
وإلَاّ القول يعوزه دليل
…
وإلَاّ الزور منهم والكذابا
رموا بسهامهم أدبي وشعري
…
إلى أن افرغوا منها الجعابا
أشادوا بالقريض وهم أناس
…
له جهلوا وكان الجهل عابا
وابدوا في الجديد لهم ظنونا
…
ولكن اخطئوا منه الصوابا
لقد ظنوا سراب القاع ماء
…
وظنوا الماء بعدئذ سرابا
ولم احفل بهم حتى تمادوا
…
على سفه يسيئون الخطابا
فعندئذ رفعت الكف مني
…
أذود بها عن الأدب الذبابا
واربأ أن اجرد من يراعي
…
حساما ثم اجعله عقابا
وفي كفي اليراعة ذات حد
…
تبذ به القواضب والحرابا
ولي شعر كحد السيف ماض
…
أغالب فيه من يبغي الغلابا
رفعت مقامه بالجد مني
…
وكان الجد في الإنسان دابا
فقمت به وكنت له زعيما
…
أعيد إليه في شيبي الشبابا
إلى أن ذاع في الأقطار صيتي
…
فكان لحاسدي أدبي مصابا
وليس قريضهم في الذوق إلَاّ
…
عجوز غيروا منها الثيابا
وليس يغيظني أحد كغر
…
يرى في نفسه أدبا لبابا
تحفز يبتغي نقدا لشعري
…
ومنه الحقد قد ملأ الاهابا
إذا ركض اليراع يريد نقدي
…
رأيت هنالك العجب العجابا
رأيت جهالة ورأيت سخفا
…
ورأيا لم يكن يوما صوابا
تبجح وهو لم يبلغ نصابا
…
فكيف يكون لو بلغ النصابا
طفا في عيلمي بعد انتفاخ
…
له فحسبته فيه حبابا
وبعد هنيهة مرت عليه
…
تضاءل في الغطمطم ثم ذابا
عراه يوم لاقاني ارتجاف
…
فكان كرخمة لاقت عقابا
تجرع يا حسود الماء صردا
…
فأنت اليوم تلتهب التهابا
ولم تسكت أخيرا عن رشاد
…
ولكن قد أصابك ما أصابا
تقول لذا وذاك أنا بنقدي
…
وأن أخطأت في كلمي الصواب
أحاول شهرة في الأرض لاسمي
…
وأرجو بعد ذلك لي ثوابا
ولا تدري بأن الجهل داء
…
فلا يؤتي الفتى إلَاّ عذابا
وأن أهلك فلا تفرح لهلكي
…
سيملأ فاك أنصاري ترابا
ورب منافق في الوجه أطري
…
فلما غاب اقرفني وعابا
وليس صديقك المطري وجاها
…
ولكن من يصون لك الغيابا
وقد أقصيته عني فوافى
…
يعفر خده وبكى وتابا
ولكن الذئاب الطلس مهما
…
أرتك وداعة تبقى ذئابا
قرضت الشعر بالشعر افتتانا
…
ولم اطلب به المنن الرغابا
ولو شاهدت في مصر اصطدامي
…
بمن قد جاء يصدمني غلابا
جرى وجريت في بحر خضم
…
وكان البحر يضطرب اضطرابا
لراعك منه يومئذ عباب
…
أتى متدفقا يلقي عبابا
وفي بيروت قبلا إذ أقاموا
…
لي الحفلات تنصب انصبابا
جلا من أهله الإعزاز همي
…
فلذ العيش لي فيه وطابا
جميل صدقي الزهاوي
حقائق عن تاريخ العراق
يوشي بعض الكتبة، برود مقالات نفيسة عن تاريخ أرض شنعار. أو بلاد آثور؛ ويترجم فريق نبذا جليلة عن الغربيين. في مثل هذه الأبحاث إلى اللغة العربية؛ ثم تضيع مزايا تلك المقالات أو ينقص شيء من روعة تلك النبذ لقلة تدقيق النظر في الحوادث. أو لما يأتيه الكتبة والمترجمون من التصحيف في أسماء الأمكنة والبقاع والأشخاص، فيتيه القارئ في مفاوز تلك الخطيئات ولا يعرف المقصود من ذلك البحث.
ومما قرأته من هذا القبيل؛ مقال ظهر في مجلة المقتطف الغراء في جزء يوليو 1926؛ بعنوان: (في جنوب بلاد العرب مهد العمران) ص41 - 46
جاء في مطلع تلك المقالة: (اشترك المتحف البريطاني ومتحف جامعة فيلادلفيا في إرسال بعثة أثرية إلى العراق برآسة المستر ولي فحصرت هذه البعثة أعمالها أولا في تل الأبيض، اور الكلدانيين، الواقعة على ضفة الفرات الجنوبية تبعد نحو 100 ميل عن البصرة.) أهـ
فإذا بحث الإنسان عن تل الأبيض (؟) في اور، أو جوار
اور، لا يعثر عليه ولا يقف على اثر له؛ وان أفنى العمر في سبيل السؤال عنه من الأعراب النازلين في تلك الديار. وبعد أن يرجع خائبا يتضح له أن في نقل الاسم خطأ لا يعرفه إلَاّ من له اطلاع واسع على تاريخ العراق وعلى أسماء تلوله. فالتل الذي أراده صاحب المقال هو (تل العبيد)(وزان زبير) لا (تل الأبيض) وحدث هذا الخطأ من نقل الحروف اللاتينية؛ إلى العربية.
وتل العبيد هذا ليس أور الكلدانيين. كما يفهم من مقال المقتطف، بل هو تل صغير منفرد على خط ترعة قديمة على بعد نحو أربعة أميال من غربي المقير. بميلة إلى الشمال الغربي؛ والمقير هي (اور الكلدانيين).
أن البعثة لم تحصر عملها أولا في (تل العبيد) كما جاء في المقتطف؛ بل أنها حفرت أولا في المقير، اور الكلدانيين؛ وذلك في سنة 1922 ولم تحفر في تل العبيد إلَاّ في السنة التالية 1923. وقد نشر المستر ولي في المجلة المسماة في جزءها الصادر في أكتوبر 1923 نتائج نبش البعثة في اور؛ وفي الجزء الصادر في أكتوبر 1924 خلاصة أعمالها في (تل العبيد).
وأول من كشف تل العبيد الدكتور هول سنة 1919 إذ كان ينبش لحساب أمناء المتحفة
البريطانية؛ ونشر نتائج أعماله في المجلات الآتية:
سنة 1919 ص22 المجلد التاسع الجزء الثالث سنة 1922 وفي في المجلد الثامن الجزء الثالث والرابع سنة 1922.
أما قوله: (الواقعة على ضفة الفرات الجنوبية) فلا معنى فيه؛ إذ يجري الفرات من الشمال إلى الجنوب فتكون إحدى ضفتيه شرقية والأخرى غربية وليس هناك ضفة شمالية وضفة جنوبية. وأني أحدس أن كاتب المقال قال في الإنكليزية: أو ما يضارع هذه العبارة ومفادها في القسم الجنوبي من الفرات أو كما يقول العرب: في سقي الفرات الجنوبي. فأن سقي الفرات الشمالي ومثله دجلة في أرض شنعار يطلق عليه (أكد)(وزان شمر) وفيه من المدن القديمة (أجادوا) و (كيش)(وهي الاحيمر). و (بورسيبا)(اي برس نمرود). و (سبر) و (بابل) و (كوثي)(أي تل إبراهيم). ويطلق على سقيهما الجنوبي بلاد شمر (وزان
زفر) وفيه من المدن أدب (أي بسمايا) وأما (بضم الأولى وتشديد الثاني المفتوح)(وهي أطلال جوخي) واريدو (وهي أطلال أبو شهرين) وكيسورة (وهي أطلال أبو حطب) و (اور الكلدانيين) وتعرف إطلالها (بالمقير).
وجاء في مقالة المقتطف ما يأتي (نعثرت (أي البعثة) في شتاء سنة 1925 على اقدم آثار العمران في العراق؛ ومنها كتابة معاصرة لملك كان يحسب خرافيا وقطعة من النقش النفيس لم ينتظر العثور عليها هناك. أما الكتابة فتدور على الملك (أني بادا) بن (مس أني بادا) وهي اقدم وثيقة تاريخية مؤرخة الخ. . .
قلنا إن المستر ولي عثر على هذه النفائس الأثرية التاريخية في أواخر سنة 1923 وأكبر دليل على ذلك ما جاء في كتابنا محاضرات في مدن العراق، تلك المحاضرات التي ألقيناها على طلبة دار المعلمين العليا، في السنة المدرسية 1923 - 1924 والمطبوعة في بغداد سنة 1924؛ حيث ورد في ص115 ما إليك بعضه؛ وقد حفرت في تل اسمه (العبيد) في شمالي (اور) يشتمل على دكان هيكل الآهة الحياة والخصب وظفر الحفارون بثلاثة رقم ومائدتين وجعلان من ذهب؛ يستدل منها إلى إنها من عمل (أي أني بادا) بن (مس أني بادا) أول ملك من سلالة اور
عاش 4600 ق م. إلَاّ أن البروفسر لنكدن يقول انه عاش 4200 ق م ولم يكن يعرف اسم ابنه حتى الآن ونظرا إلى هذا التاريخ أن (أي أني بادا)
كان قبل سلالة مصر الأولى. . . إلى آخر ما هناك من وصف الآثار التي وجدت في تل العبيد)
قد اثبت المقتطف كلمة (سمر) بالسين المهملة ونحن لا نوافقه على ذلك والأصح شمر بالشين المعجمة وكذلك شمريون وآثار شمرية. ولا يقال سمريون وآثار سمرية. لأن الأصل هو بالشين المعجمة ولا داعي لنا إلى إبدال الأعلام بل يجب أن تروى بحروفها أن أمكن.
ومما قرأناه من الأبحاث النفيسة عن بلاد آثور. مقال ممتع نشره العلامة، صاحب الغبطة السيد اغناطيوس أفرام الثاني بطريرك السريان الانطاكي في مجلته (الآثار الشرقية). بعنوان (مملكة آثور) إلا أننا وجدنا فيها من التصحيفات مثل ما وجدناه في المقالة التي وردت في المقتطف ونحن نشير إليها طلبا للحقيقة التي هي ضالة النفوس الكبيرة.
جاء في ص82 من المجلة: (عولوا أن يشيدوا صرحا من اللبن في بابل (تك 11: 4 و9) في محل يسمى (الحله) كذا وصحيحه الحلة بهاء منقوطة.
أن برج بابل ليس في المحل المسمى اليوم الحلة، فلو قال غبطته:(بالقرب من الحلة) لأصاب بعض المرمى، ولا سيما بعد أن درس علماء الاثار، مسئلة البرج درسا علميا، فهل يريد غبطته ببرج بابل، برج بورسيبا (أي برس نمرود) وهو برج الإله نبو، أم برج أتيمن انكي - وكان في هيكل (بل) المسمى اساكيلا في مدينة بابل. وقد جمع بين هذين الإلهين اشعيا النبي (1: 46) إذ قال، قدجثا (بل) انحنى (نبو) وقد اجمع العلماء الأثريون اليوم على أن برج بابل هو الأخير؛ ويعلم القراء أن البعد بين برس نمرود واخربة بابل نحو ثمانية أميال وكلاهما ليس في الحلة بل بجوارها.
وقال في ص84 وتسقي أراضى آثور؛ ما عدا نهري الدجلة والفرات؛ عدة انهار أخصها نهر البليخ والخابور ويسمى القرنيب والادهم. . .
قلنا الأفصح أن يثبت اسم (دجلة) بدون ال التعريف على ما جاء في كتب العرب الأقدمين والمحدثين؛ والصحيح في القرنيب أن يقول الكرنيب؛ أما نهر الأدهم فهو وهم واضح إذ ليس هناك نهر بهذا الاسم يسقي أراضى آثور؛ وصحيحه نهر العظيم (بضم العين وفتح الظاء كزبير) وقد حدث هذا
الوهم من نقل الحروف اللاتينية أو إلى العربية. وكان
يعرف هذا النهر عند الأقدمين بنهر رادانو وعند السريان الشرقيين، وهم الكلدان الحاليون رادان وكان على ضفته اليسرى مدينة باسمه. وقال المستوفي
انه القسم الأسفل من نهر دقوا الذي ينحدر من جبال كردستان.
وفي هذا الموقف أود أن المع إلى ما جاء في مجلة لغة العرب في هذه السنة في جزءها الثالث ص162 - 163 عند نقد كتابي: (محاضرات في مدن العراق) إذ قال كاتب النقد؛ وعظيم بدون ال؛ وهو الذي كان يعرف في عهد العباسيين باسم نهر باعيناثا)
فأجيب على هذا القول: إن العظيم وارد بال التعريف كما ينطق به أعراب تلك الديار ويؤيد ذلك صديقي عبد المجيد الشاوي الذي أسرته من رؤساء عشيرة العبيد النازلة في تلك الأصقاع. ثم أن نهر باعيناثا ليس بالعظيم: وأظن أن حضرة المنتقد ذهب إلى هذا الاستنتاج من فقرة وردت في معجم البلدان؛ وفي مراصد الاطلاع في مادة دجلة إذ جاء هناك؛ ثم ينصب إليها (أي إلى دجلة) نهر عظيم يعرف بنهر باعيناثا. فظن أن (عظيم) اسم علم لنهر مع أنه وصف كما يفهم من العبارة التي قبلها القائلة: (فينصب إليها نهر عظيم يعرف بيرني يخرج من دون أرمينية.
ثم أن نهر باعيناثا واقع في الشمال وليس في موقع نهر العظيم، الذي يصب في دجلة، قرب مدينة سامراء كما يستفاد من مادة باعيناثا في معجم البلدان، إذ قال:(قرية كبيرة كالمدينة فوق جزيرة ابن عمر لها نهر كبير يصب في دجلة.) أهـ
وقد سماه ابن سرابيون باسنفا كما قال لسترنج
لنعد الآن إلى مجلة الآثار الشرقية، فلقد جاء في ص86؛ يسمى خورصباد (دور شروقين) فلا نعرف من أين أتت القاف في شروقين ولا سيما قد قال غبطته في حاشية ص128 أن معنى دور شروقين دار سرجون. فالصحيح أن تكتب دور شروكين أو شروجين لان اسم الملك يكتب سرجون أو شركون. ويكتب الغربيون اسم هذه المدينة - وقد قال ماسبرو أن لفظة شروكين هي القراءة الصحيحة لاسم سرجون.
وجاء في ص88 و89 اسم انطون رسام ونسب إليه كشف الأبواب النحاسية المعروفة بأبواب بلوات. وكلنا نعرف أن اسمه هرمزد رسام والرجل معروف بحفرياته الأثرية ومؤلفاته فلا يحتمل وقوع غلط في اسمه.
وقال ص91 وقد اتخذ الاثوريون (أشور) الاها وص 132 يستنجد حزقيا على الاثوريين.
وقد كتب العرب الآثوريين بالمد والآشوريين بالهمزة. هذا ما أردت أن انبه عليه والسلام.
ي. غنيمة
تاريخ الطباعة العراقية
مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926)
2 -
تابع مطابع الموصل
وأسس الآباء الدومنكيون فرعا في مطبعتهم الموصلية جعلوها معملا لتجليد الكتب وتذهيبها على الطراز الإفرنجي الحديث وقد كان الموصليون قبل وجودها يجلدون كتبهم على الطريقة العتيقة.
وأول كتاب طبع فيها (رياضة درب الصليب) سنة 1860.
ومن الذين تولوا فيها الخدمة الكبرى بالتأليف والترجمة والطبع والتصحيح مدة طويلة المثلث الرحمة السيد اقليميس يوسف داود السرياني الموصلي مطران دمشق اشتغل فيها نحو عشرين عاما ولو بقي في الموصل يتعهدها بعلمه
واجتهاده لأدت خدمات عظيمة أكبر مما أدته ولضارعت ثمرات المطبعة الكاثوليكية في بيروت التي يديرها الأباء اليسوعيون.
واشتغل فيها مدة طويلة المرحوم المعلم نعوم فتح الله سحار وأعقبه المعلم سليم حسون الأستاذ في مدرسة الأباء الدومنكيين في ذلك العهد (ومدير جريدة العالم العربي ورئيس تحريرها في بغداد اليوم).
ولما أعلنت الحرب الكبرى في صيف سنة 1914 كان قد شرع في فتح جادة في الموصل واحتيج إلى هدم بناء المدرسة للأباء الدومنكيين والمطبعة الملاصقة لها في إنشاء هذه الجادة فهدمت بنايتها وصودرت أدواتها وأجهزتها بتهمة أنها تابعة لإدارة أجانب من الفرنسيين ونقلت بعض أدواتها وحروفها إلى مطبعة الحكومة في الموصل حيث استعملت في طبع الجريدة الرسمية (الموصل) وظلت مستعملة إلى هذا اليوم مع تغير الزمان والحكام وزوال الحكم العثماني وحلول الحكم الوطني. وكان والي الموصل العثماني في زمن إعلان الحرب الكبرى سليمان نظيف بك الكاتب التركي الشهير.
ومع أن المبعث الدومنكي قد عاد إلى بعض نظامه في الموصل وأعيد تأسيس مدرسة الأباء وتشييد بنايتها بالمبالغ التي أعطتها حكومة الاحتلال الإنكليزية كتعويضات إلى المبعث تعويضا عما أخذ من بناية المدرسة وعمارة المطبعة للجادة فالمطبعة ما زالت مبعثرة وقد
استردوا الموجود من أدواتها وآلاتها غير ما نهب وشتت. ولما يعد تنظيمها وفتحها للشغل فخسرت بخرابها البلاد أداة نافعة في النهضة والعمران.
مطبوعاتها:
أولا - (الكتب المقدسة والدينية والتقوية وسير القديسين ونحوها)
1 -
(الكتاب المقدس) في أربعة أجزاء تعريب السيد اقليمس يوسف
داود السرياني مطران دمشق بقطع الربع (سنة 1871 - 1877 صفحاته 2507)
2 -
(الكتاب المقدس) طبعة أخرى في مجلدات (1874 - 1877 ص3806)
3 -
(العهد الجديد) طبعة متقنة مع تصاوير (ص744)
4 -
(مزامير داود)(1892 ص313)
5 -
(الأناجيل المقدسة الأربعة) بقطع صغير (1892 ص518)
6 -
(قصص الرسل)(1893 ص166)
7 -
رسائل مار بولس الرسول) (1899 ص567)
8 -
(الدرة النفيسة في بيان حقيقة الكنيسة) للبطريرك اغناطيوس بهنام الثاني السرياني (1867 ص322)
9 -
(رسالة المقدمة والنتيجة في حقيقة عقد الخطبة والزيجة) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1874 ص76)
10 -
(مختصر صغير في التعليم المسيحي) طبع طبعات متعددة بقطع صغير ص48)
11 -
(مختصر التعليم المسيحي)(طبع 6 مرات ص191)
12 -
(خلاصة التعليم المسيحي) - التعليم المنسوب إلى السيد امانتون - عربه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1863 ص23 و254)
13 -
(التراجم السنية للأعياد المارانية) لايليا الثالث البطريرك النسطوري المعروف بابي الحليم الحديثي عني بطبعه وشرحه المطران ميخائيل نعمو الكلداني (بقطع الثمن 1873 ص313) وقد طبع بعد ذلك طبعة جديدة.
14 -
(الخطب الباهرة والمواعظ الزاجرة) للأب بولس سنيري اليسوعي تعريب قديم للمطران السيد اقلميس يوسف داود السرياني (1870 ص907 وطبع ثانية 1881
ص913)
15 -
(المواعظ السديدة الأدبية في تثقيف المسيحي في طريقته الدينية)
للأب سنيري اليسوعي (جزءان 1893 ص475 و456)
16 -
(نبذة من القوانين منقولة من المجامع المقدسة) لفائدة الاكليروس السرياني الموصلي (1872 ص49 وطبع مجددا ص32)
17 -
(كلندار السنة الأبرشية الموصل السريانية) تأليف البطريرك اغناطيوس بهنام الثاني السرياني (1877 ص254)
18 -
(كلندار حسب طقس الكنيسة السريانية الانطاكية (1887 ص144)
19 -
(سيرة القديسين) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1873 و1890 جزءان ص1650).
20 -
(سيرة أشهر شهداء المشرق)(1900 ص452)
21 -
(سيرة مار فرنسيس لاسيسي السرافي عربه عن الإيطالية أحد الأباء الكبوشيين (1864 ص400)
22 -
(سيرة مار عبد الأحد منشئ رهبانية الواعظين) للأب لافي الدومنكي (1866 ص282)
23 -
(الزهرات المقدسة المقطوفة من جنة مار عبد الأحد)(1867 ص452)
24 -
(سيرة القديسة تريزة)(1867 ص620)
25 -
(سيرة مار افرام) جمعها أحد الأباء السريان الكاثوليك (1883 ص118)
26 -
(اسطاخيوس القائد الروماني)(1900 ص234)
27 -
(تحفة الزهور الذكية للنفوس العابدة المسيحية (عن طبعة رومية 1861 ص522)
28 -
(زوادة النفس التقية في طريق الحياة المسيحية)(طبع رابعة 1887 ص362)
29 -
(الحرب الروحية) تعريب الأب بطرس فروماج اليسوعي (1868 ص1408)
30 -
(تأملات يومية للقديس الفولس ليكوري) ترجمة جديدة للمطران
السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1860 ص240)
31 -
(الواسطة العظيمة للخلاص) للقديس ليكوري (عدا الطبعة الرومانية 1870
ص352)
32 -
(المنتخبات الكنبيسية في السيرة القدسية) تعريب الخوري عبد الأحد جرجي (1898 - 1900 في 3 أجزاء ص1160 وطبع المجلدان ال 4 و5 في 1902 - 1903 ص 269 و339)
33 -
(مجموع تساعيات لأفضل أعياد السنة) لأحد الآباء الكبوشيين (1869 ص380)
34 -
(الكينارة الصهيونية لتسبيح العزة الالاهية) جمعه ونقحه المطران يوسف داود (1864 ص425 ثم 1891 ص372)
35 -
(شرح مختصر في الرهبنة الثالثة الدومنكية)(ص16)
36 -
(ملخص أخبار الرهبنة الثالثة)(1900 ص260)
37 -
(رياضة درب الصليب)(1811 ص48)
38 -
(مختصر رياضة درب الصليب)(ص32)
39 -
تروض في آلام يسوع المسيح لكل جمعة من الصوم الكبير (1863 - ص19)
40 -
(زيارة القربان الأقدس وزيارة مريم العذراء) للقديس ليغوري تعريب جديد للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1869 - 1876 ص320)
41 -
(شهر قلب يسوع الأقدس)(طبعة ثانية 1883 ص462)
42 -
(فرض مريم العذراء الصغير بحسب الطقس الدومنكي (1864 ص168 ثم 1889 ص207)
43 -
(فرض السيدة الصغير بحسب الطقس الروماني (ص165)
44 -
(المتعبد لمريم) للأب بولس سنيري اليسوعي عربه الأب بطرس فروماج ونقحه المطران يوسف داود (1870 ص261 ثم 1896)
45 -
(الشهر المريمي)(1892 ص251)
46 -
(النزهة في الورود) يمثل ظهور السيدة في لورد عربه عن الفرنسية القس يوسف جرجس السرياني (1893 ص260) وهو اليوم مطران حارستا
47 -
(مصحف الوردية المقدسة)(1867 ص352)
48 -
(شرح مختصر في أخوية الوردية)(طبعة ثانية 1883 ص48)
49 -
(عبادة الوردية المؤبدة)(1880 ص84)
50 -
(طريقة سهلة للتأمل في أسرار الوردية المقدسة)(طبعة ثانية 1885 ص64)
51 -
(دستور الوردية المقدسة)(1900 ص61)
52 -
(ثوب سيدتنا ذات الكرمل)(1881 ص 30 ثم كرر طبعه)
53 -
(ثلاثة ينابيع نعم للأنفس المسيحية)(1880 ص96)
54 -
(إكليل البتول الطاهرة مريم) للمطران السيد أدي شير ابرهينا الكلداني (1904 ص57)
55 -
(كتاب المتعبدين لقلب يسوع الأقدس)(1906 ص396)
56 -
(كلندار الأعياد والتذكارات والصيامات حسب الطقس الكلداني)(ص16)
57 -
(مجموع صلوات اعتيادية)(ص175)
58 -
(فرض الموتى حسب الطقس اللاتيني)(ص52)
59 -
(تأملات لكل أيام الشهر) للأب موزاريلي اليسوعي (ص250)
60 -
(مجموع تسعيات) ترجمة لأحد الأباء الكبوشيين من ماردين (ص377)
61 -
(أخوية اسم الله واسم يسوع)(ص22)
62 -
(أخوية الوردية المقدسة)(ص48)
63 -
(طريقة جيدة للتأمل في أسرار الوردية المقدسة (ص 40)
64 -
(أخوية زنار مار توما الاكويني)(ص16)
65 -
(خمسة مزامير القديس بوناونتورا إكراما لمريم العذراء)(ص16)
66 -
(ملخص أخبار الرهبنة الثالثة التوبئية)(ص260)
67 -
(الدليل الأمين للمشتركين بأخوية سيدتنا لقلب يسوع الأقدس
(ص80)
68 -
(قوانين أخوية الحبل بلا دنس)(ص 160)
69 -
(قرارات ورسائل وأناجيل حسب الطقس الكلداني (3 أجزاء ص116 و108 و120)
70 -
(ثلاث وأربعون ترنيمة تقوية مأخوذة من الكينارة الصهيونية)(ص74)
71 -
(سيرة بعض الطوباويين والأتقياء الدومنكيين (ص123)
72 -
(استشهاد مار ترسيسيوس)(ص119)
رفائيل بطي
استدراك
طلب كاتب المقالة في تمهيده لبحثه أن ينتقد الأدباء المحققون مقالاته ويرشدوه إلى مواضع الخطأ فيها ويكملوا النواقص التي يفوته ذكرها، وها قد بعث رزوق عيسى بعد اطلاعه على القسم الأول من المقالة المنشورة في الجزء الماضي بهذا الاستدراك:
سيدي صاحب مجلة لغة العرب المحترم
طالعت ما كتبه الأديب رفائيل أفندي بطي في الجزء الثالث من مجلة لغة العرب بعنوان (تاريخ الطباعة العراقية) والذي لفت نظري قول الكاتب:
(وفي هذه السنة عينها (1856) جلب إلى كربلاء أحد أكابر الفرس مطبعة حجرية لا يذكر الناس من نتاجها إلَاّ سفرا بقي بكرا وحيدا) وقد فاته ذكر أول مطبعة حجرية تأسست في الكاظمية وطبع فيها (دوحة الوزراء في تاريخ وقائع الزورآء) تأليف الشيخ رسول أفندي الكركوكي وقد تولى طبع هذا الكتاب مرزا محمد باقر التفليسي بخطه عام 1237هـ 1821م فمن هنا يظهر أن أول مطبعة حجرية نصبت في الكاظمية كانت قبل اكثر من مئة سنة.
رزوق عيسى
مشاهير العراق
في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر
كان القرن الثالث عشر ثم هذا القرن الذي نحن فيه من احفل القرون التي مرت على العراق بعد سقوط الدولة العباسية بنوابغ الأدباء، وأكابر العلماء، وأمثال النبلاء؛ وقد مضى ردح من الزمن ولم أر من عني بتأليف كتاب يتكفل بشرح سيرهم ويوفيهم حقهم على اختلاف صنوفهم ومشاربهم - فحملني الكلف باجتلاء عرائس المأثور من المنظوم والمنثور. وسير العظماء والمشاهير على تأليف كتاب جامع مانع يضم بين دفتيه تراجم من نبغ في هذين القرنين في العراق من مشاهير العلماء، ومجيدي الشعراء، وأخبار الأعيان والأمراء، وعظماء التجار والأغنياء، ومبرزي القراء والمغنين الظرفاء. . . الخ وظللت زمنا أتسقط أخبارهم من مختلف المصادر، واسأل عنهم من لقيت من الشيوخ الثقات حتى توفر لدي منها (رقائق تحسد رقتها أنفاس النسيم، وقلائد تروع حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم).
وقد احب حضرة الأستاذ الكرملي أن انشر في كل جزء من (لغة العرب) نموذجا من ذلك يكون تحفة لقرائها، ومرجعا للباحثين عن تاريخ العراق. وهاأنا ذا محقق بغيته:
نموذج من تراجم الظرفاء
الملا طعمة بن عبد الوهاب
1 -
كان في بغداد من نوادر الإعصار يذكرك إذا سمعت أخباره أبا نواس في نوادره وغرائبه.
وهو ربيب الشيخ محمد سعيد الطبقجلي مفتي بغداد وجده صبيا يبكي عند
باب جامع الحيدرية ضالا فسأله عن اسمه فقال: (طعمة) وعن أبيه فقال: (عبد الوهاب) فأخذه إلى داره وعني بتربيته وتهذيبه ووكل به من علمه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا، وتعلم الخط فجوده، ودرس اللغة العربية وشدا الأدب، وأتقن صناعة التجليد، وحذق ضروب الغناء والضرب على الكمنجة حتى اصبح في فنونه أعجوبة الدهر.
وكان مفرط الذكاء مجيدا في تقليد الحركات والحكايات والأصوات منقطع النظير في السباحة؛ يتصرف فيها تصرفا عجيبا ويأتي فيها ضروبا لا يكاد يقدر عليها إنسان فكان تارة يعوم على سطح الماء منتصبا حتى لكأنه جالس على كرسي أو فراش وثير ويضع على فخذه نارجيلة يدخن بها ذاهبا آئبا يمينا وشمالا. وتارة يقطع دجلة منكسا رأسه لا يبين منه سوى عجزه خارجا إلى غير ذلك مما يفتن الألباب من عجائب الألعاب.
ومن نوادره قصة مشهورة يذكرها الشيوخ فيما يذكرون في مجالسهم من النوادر والغرائب، وذلك أنه قبل أن يبقل عذاره ويطر شاربه صنع من الصوف لحية وشاربا ووضعهما في موضعهما من وجهه ولبس عمامة هندية كأنها العش، وهيأ له من حمل أمامه الفانوس (المصباح) وقت العشاء في الصيف فأستأذن على مربيه المفتي وكان مجلسه غاصا بأصحابه الفضلاء والأعيان قائلا: أنه من حكماء الهند وأطبائها فأذن له فلما دخل نهض المفتي واستقبله وجذبه إلى الصدر ورحب به وقد خفي عليه أمره فأخذ طعمة يتكلم بلهجة هندي تعلم العربية واظهر أن له اليد الطولى في الطب والحكمة، وكان في المفتي وفي كثير من جلسائه أمراض لا تخفى عليه لكثرة خدمته لهم ووقوفه على خافيهم وباديهم، فصار كل واحد منهم يتقدم إليه فيجس نبضه ويفحصه فحص الطبيب الحاذق فيخبره بما فيه ويصف له ما يناسبه من العقاقير حتى بهرهم وأخذتهم الدهشة من حذقه ومعرفته. فلما أستأذن للوداع شيعه المفتي وجماعته معجبين به راغبين إليه في الاجتماع به كثيرا حتى
إذا بلغ السلم انحدر مسرعا كالبرق فضحك الخدام ضحكا عاليا سمعه المفتي وأصحابه في السطح فسألوا عن السبب فأخبروهم بالأمر فاستغرقوا في الضحك واعجبوا بنكتته.
وقد بدل اسمه أخيرا باسم (ناجح) فقال فيه الأديب محمد فهمي العمري على سبيل الممازحة:
هنئت يا (ناجح) في هذا اللقب
…
اسما سما جميع أسماء العرب
يا لك من اسم إذا سمعته
…
يهزني من حسن لفظه الطرب
لازلت يا (ناجح) تسمو في الورى
…
باسمك هذا رتبا فوق رتب
تفاؤلا بالخير في نجاحكم
…
به دعاك الناس يا أبا العجب
لم تر عيني كاتبا بين الورى
…
كناجح أن خط يوما أو كتب
وأن تغنى اسكت ابن معبد
…
وأخجل الحبر أبن هاني أن خطب
أجارك الله من اسم قد غدا
…
في قبحه كأنه داء الجرب
لا بارك الله بطعمة بلى
…
بارك عز شأنه في ذا اللقب
وجن طعمة في آخر عمره وتوفي سنة 1315هـ في بيت آل جابر أفندي في الحلة، وقد بلغني أن لديهم مجموعة من شعره ولم يصلني منه إلَاّ شيء قليل أوردته هنا؛
قال وقد سرقوا حذاءه وتركوا له عوضا عنه حذاء طويلا يفضل عن قدمه:
قطع الله يمينا
…
سرقت مني حذائي
عوضتني بحذاء
…
نصفه يمشي ورائي
ويروى (عوضتني فلك جسر. . . الخ). وقال يهجو بيتا من بيوتات بغداد:
بسوء الفعل يا أبناء دلّة
…
تركتم كل قلب فيه علة
فما فيكم فتى يرعى ذماما
…
ولا حر يرى حق الاخلة
ترديتم ثياب اللؤم طبعا
…
وصرتم في البرايا شر ملة
فما شهد الزمان لكم بفضل
…
ولا ذكرت لكم في الخير خصلة
إذا طرق الضيوف لكم فناء
…
طلبتم من نساء الحي بوله
لتطفوا نار موقدكم سريعا
…
مخافة أن يحوم الضيف حوله
متى ترحم قلوبكم فقيرا
…
متى تسمح كفكم ببصلة
متى جدتم على عاف بشيء
…
يساوي قدره في الناس نملة
فمن يرجو شرابا من سراب
…
كمن يرجو ندى من آل دلّة
فقبح حيكم من حي قوم
…
متى ما حرك النباح ذيله
لكم في السؤ أخبار تجلت
…
كعين الشمس لم تحتج أدله
جراحات السنان لكم طباع
…
لها لسع أباد الجسم كله
فصور شخصهم قبرا بأرض
…
بها الأموات أضحت مضمحلة
ولا تأسف على قوم لئام
…
تبين لؤمهم عند الاجله
ولا تغتظ من الاردا ودعه
…
ودع في. . . . ستين جزله
وقال يمدح السيد عارف حكمة ابن العلامة السيد عبد الله الالوسي يوم كان (مدير المال) في السماوة، وقد وجدته بخط شيخنا العالم الجليل السيد علي علاء الدين الالوسي عليه رحمة الله:
زان السماوة عارف بوجوده
…
فحكت به روضا زها بورده
أو ما ترى أرجاءها بأريجه
…
طابت وأزهر روضها بوجوده
بوفوده أنحاؤها قد أشرقت
…
قد أشرقت أنحاؤها بوفوده
شهم سما الأقران فضلا ياله
…
فضل يحار العقل في تقليده
ما خاب من وافاه يطلب نيله
…
كم معدم أحياه وابل جوده
ورث المكارم كابرا عن كابر
…
والفضل عن آبائه وجدوده
لما مضى أسلافه خلق الندى
…
فسعى وايم الله في تجديده
وكذا الوفا لما وهت أركانه
…
أضحى شديد العزم في تشييده
اكرم به من أريحي دأبه
…
بذل الندى لعدوه وودوده
لازال في فلك السعادة كوكب
…
يبدي السنا لقريبه وبعيده
محمد بهجة الأثري
دفع المراق في كلام أهل العراق
لهجتهم في الأسماء الثلاثية:
كل ما كان من الأسماء الثلاثية ساكن الوسط، ولم يكن مضافا إلى ضمير المفرد متكلما كان أو مخاطبا أو غائبا، جعلوا وسطه متحركا في كلامهم، غير أن هذه الحركة تختلف باختلاف حركة الحرف الأول من الأسماء فأن كان الحرف الأول مضموما جعلوا الحرف الثاني مضموما أيضا، كقولهم في قفل قفل، وفي شغل شغل، وفي خبز خبز، وفي حكم حكم وفي جرم جرم، وفي شكر شكر وفي كفر كفر، وفي مهر مهر. هذا هو الغالب في كلامهم. وأما قولهم في حسن بكسرتين وكذلك في جبن جبن وفي دهن دهن فشاذ أو هو على توهمهم أن أصله فعل بكسر فسكون.
وأن كان الحرف الأول من الاسم مكسورا، جعلوا ثانيه مكسورا أيضا، كقولهم في حمل حمل، وفي حبر حبر، وفي حلم حلم، وفي فكر فكر، وفي ذكر ذكر، وفي كذب جذب، وفي شبر شبر، وفي تبن تبن.
وإن كان الحرف الأول من الاسم مفتوحا، جروا في حركة ثانية على ثلاثة وجوه: الاول أن يجعلوه مفتوحا أيضاً كقولهم في بحر بحر، وفي دهر دهر، وفي مهر مهر الثاني أن يجعلوه مضموما؛ كقولهم: في تمر تمر، وفي خمر خمر، وفي جمر جمر، وفي قلب كلب، وفي قبر كبر، وفي حرف حرف، وفي صبر صبر، الثالث أن يجعلوه مكسورا كقولهم في نجم نجم،
وفي كلب جلب، وفي أرض أرض، وفي كرد جرد، وفي فرد فرد، وفي برد برد، وفي شمع شمع، وفي دمع دمع.
ويتحصل من هذا: أن الاسم الثلاثي الساكن الوسط، إن كان مضموم الأول ضموا ثانيه، وإن كان مكسور الأول كسروا ثانيه، وكانت هذه الحركة من قبيل حركة الاتباع؛ وإن كان مفتوح الأول جروا في حركة ثانيه على ثلاثة وجوه؛ الضم والفتح والكسر؛ وإن هذا أعنى تحريكهم الحرف الثاني إذا كان الاسم غير مضاف إلى ضمير المفرد، سواء كان متكلما أو غائبا أو مخاطبا. وأما إذا كان مضافا إلى أحد هذه الضمائر فإنهم يبقون ثانيه ساكنا ولا يحركونه بخلاف ما إذا كان مضافا إلى ضمير الجمع من المتكلم والمخاطب والغائب فانهم
حينئذ يحركونه أيضاً على الوجه الذي ذكرناه.
وأما إذا كان الاسم الثلاثي متحرك الوسط وكان مفتوح الاول والثاني فانهم يجرون فيه على ثلاثة اوجه: الأول أن يبقوه على حاله بلا تحريف ولا تغيير كالخبر والطرب والكرب والذهب والحطب والعجب والشعر وغير ذلك؛ الثاني: أن يحرفوه بجعل فتحته الأولى ضمة كقولهم في القمر كمر، وفي الكبر كبر (لهذا الشجر المعروف). وفي الطبر طبر، وفي صفر صفر، وفي ثفر ثفر وفي هذا الأخير تحريفان: إبدالهم الثاء المثلثة تاء مثناة وجعلهم فتحته الأولى ضمة، الثالث أن يحرفوه بجعل فتحته الأولى كسرة كقولهم في الجمل جمل، وفي الخشب خشب، وفي الكفن جفن، وفي الشجر شجر، وفي القدح جدح
لهجتهم في فعيل وفعيلة
كل ما كان على فعيل وفعيلة من الأسماء والصفات جرت ألسنتهم في الأعم
الأغلب بكسر أوله كقولهم طويل وطويلة وجريم وجريمة وشعير وشعيرة وسمين وسمينة وكصيف وكصيفة وربيع وربيعة وجريب وجريبة. وكقولهم عبد المجيد؛ وعبد الرحيم؛ والشيخ سعيد؛ وهذا المال صار نهيبة؛ وبيت أم كصيبة؛ وعندها من الغزل وشيعة؛ وجاب الماي من الشريعة؛ وفلان نسيب فلان (أي صهره)؛ وعساهم بالكطيعة؛ ونام على السرير؛ وفلان ركب البعير؛ وفلان يخاف من الصفير؛ وهذا جبير وهي جبيرة؛ وصغير وصغيرة؛ ونخلت الطحين؛ إلى غير ذلك. وهذا هو الشائع في كلامهم. وهناك من الكلمات التي هي على وزن فعيل مالا تجري ألسنتهم بكسر أوله بل بالفتح كعريض وغريق وحبيب وغير ذلك. والعمدة في هذا الباب على السماع.
لهجتهم في فعال
كل ما كان من الأسماء والصفات على فعال بالضم؛ أو على فعال بالفتح؛ أو على فعال بالكسر؛ جرت ألسنتهم في الحرف الاول منه بكسرة غير محسوسة بحيث يظن السامع أن أول الكلمة ساكن غير متحرك. وقد سمينا هذه الحركة ب (الحركة الضئيلة) ولولا أن الابتداء بالساكن متعذر في اللهجة العربية لحكمت على أول هذه الكلمات بالسكون؛ إلا أنه في الحقيقة غير ساكن بالمرة كما يظهر للمتأمل عندما يسمع كلامهم؛ فإنه يلوح له عند
نطقهم بمثل هذه الكلمات جزء ضئيل من حركة الكسر يصح أن يعد عشر الكسرة وذلك
في مثل؛ غراب وكتاب وعذار وحساب وغبار وتراب وجراب وعليه قولهم وهو من أمثالهم: (غراب يكول الغراب وجهك اسود).
وهذا إذا لم تقع هذه الأسماء في أثناء الكلام ولم تدخل عليها الألف واللام؛ أما إذا دخلت عليها الألف واللام فان الحرف الأول منها يكون حينئذ ساكنا سكونا ظاهرا بنقل الكسرة منه إلى ما قبله اعني اللام من أداة التعريف كقولهم وهو من أمثالهم أيضا: (ضرط وزانها وضاع الحساب) بكسر لام التعريف وسكون الحاء من حساب؛ وكذلك إذا وقعت الكلمات المذكورة في أثناء الكلام فإنها حينئذ يظهر سكون أوائلها بنقل الكسرة الضئيلة منها إلى ما قبلها كقولهم للفرسين يجريان في السباق وقد تقدم أحدهما شيئا قليلاً؛ (جن إذن وعذار) بكسر واو العطف وسكون العين من عذار. وكقولهم وهو من أمثالهم أيضا: (جوز معدود بجراب مشدود).
وهذه الكسرة الضئيلة تقع في أوائل الجموع التي هي على فعال أو فعول كرجال وجبال ونعاج وحمول وخيول وهموم وغير ذلك. وإذا وقعت هذه الجموع في أثناء الكلام ظهر السكون في أولها بنقل الكسرة منه إلى ما قبله وعليه قول شاعرهم صاحب العتابة: (أبات الليل وهمومي علي) بكسر واو العطف وسكون الهاء من همومي، وكقول الآخر في عتابته أيضا؛ (خدودك شمس وعيوني حربها)؛ أما الخاء من خدود فمكسورة كسرة ضئيلة تشبه السكون لأن كلمة خدود واقعة في ابتداء الكلام لا في أثنائه؛ وأما العين من عيوني فساكنة سكونا ظاهرا؛ لكونها واقعة في أثناء الكلام فنقلت كسرتها الضئيلة إلى الواو التي قبلها.
وكذلك إذا دخلت الألف واللام على هذه الجموع ظهر السكون في أولها بنقل الكسرة منه إلى اللام. كقولهم وهو من اغانيهم؛ (خليتني يا شوك كركي بالجبال) بكسر لام التعريف وسكون الجيم من جبال.
معروف الرصافي
استفتاء
ما رأي صاحب لغة العرب في الألفاظ العربية التالية وفي ما يقابلها في الفرنسية:
1 -
السلى (وزان فتى)
2 -
الفاقياء (وزان قاصعاء)
3 -
السابيآء.
4 -
الحولاء (كنفساء وعنبآء)
5 -
الصاءة أو الصاة (كالساحة أو السحاة)
6 -
السخد (كقفل)
7 -
المشيمة (ككريمة)
عثرت في أثناء مطالعتي في بعض المجلات والكتب الطبية العربية الحديثة على الفقرات التالية حول النفاس: (ربما كانت الحامل مصابة بارتكاز المشيمة (؟) المعيب. . . فقبل إتمام مدة الحبل (؟). . . وفي آخر دورته الثالثة (؟). . . فتح الفقاء. . . وسال المائع الامنيوسي (؟). . . وبعد وفاتها والكشف على الميت (؟) شوهد في الوريد الفخذي آثار صمامة (؟). . . وما دون ذلك. . .)
فان اعترف الرأي العام من باب البديهيات أن اللغة العربية المدونة في المعاجم ليست واحدة بل هي مجموع لغات باد معظمها وربما لم يبق من المتكلمين بها اليوم إلَاّ النزر القليل؛ فرأيي الشخصي هو أن لابد للرأي العام نفسه أن يقرر تقريرا خاليا من كل تردد وتلكؤ فيخصص بكل معنى لفظا واحدا؛ ولا يتخذ الألفاظ المترادفة في المصطلحات العلمية إلَاّ من بعد أن تتوفر لديه الكلم اللازمة لكل معنى ولو كان دقيقا. تلك قاعدة مطلقة لابد من الجري عليها في كل لغة لحسن التفاهم؛ مهما تعاقبت العصور واختلفت الأمم وتفرعت القبائل.
أن جهل هذه الفروق في عهدنا هذا؛ أو قل؛ إهمال الوقوف على هذه
الفروق في اغلب كتب اللغة وعدم اهتمام بعض الكتبة بها؛ كان من أهم الدواعي إلى وضع الألفاظ العربية الفنية؛ ولاسيما الطبية منها. وهذا ما حدا بالأطباء إلى أن يستعملوا مثلا السخد (وزان
قفل). والمشيمة، والسلى، والحولاء بمعنى واحد. أو يكاد. وعندهم الفاقئاه والسابياه شيء واحد. والصاءة والحولاء بمعنى واحد.
ولو أعملنا الفكرة في كل من هذه الكلم ودققنا النظر في الأحوال التي وردت أو في تلك الأحوال التي شوهد فيها الجنين والرحم وملحقاته عند الولادة؛ ونقبنا عن أولئك الذين دونوا هذه الحالات الخلقية (الفسيولوجية) من حيث مقدرتهم وسلطتهم في العلم واللغة حين وقوفهم عليها أو تحريهم إياها واتصالها بهم. ودرس كيفية ذلك الاتصال؛ لرأينا بدون شك انهم كانوا على غير ما نقلت عنهم المعاجم؛ أو قل؛ لما رأينا في تلك الدواوين الغوامض والألغاز والشبهات على ما نشاهدها اليوم. ذلك أمر دفع أطباء هذا العهد إلى التردد في قبول ما نقله الأقدمون، وبذل الجهد لسد الثلمة التي كانوا في غنى عنها لوضع مصطلحاتهم لو كان في تلك المصنفات أحكام الوضع، وإتقان النقل، وإيضاح المبهمات. إذن عملهم اليوم هو نتيجة انحراف المدونين عن صراط التلقي والتصحيح والتقليد والاجتهاد.
لا جرم. أن كلا من كتبة العصر لم يضع لفظا إلَاّ واستند إلى أحد كتب اللغة أو إلى أحد الأطباء الأقدمين أو الباحثين في العلوم الطبية؛ توصلا إلى سد تلك الفجوة؛ فجوة الحاجة. - وعليه أني لا أتصدى للغويين في موقفي هذا إلا بالتي هي احسن لأني أراني ممن لم يؤتوا السلطة للإقدام على هذا العمل ولكن ذلك لا يمنعني من القول أنى لا أجد في معاجمهم ما احتاج إليه من الثقة والضمان لأعول عليه في ما يعود إلى الفروع الفنية؛ ولا سيما إلى ما يعود إلى الفروع الطبية منها؛ لأنني لم اعهد فيهم ذوي إلمام باللغة والفن معا للركون إلى آرائهم وأحكامهم.
هذا من جهة؛ وأما من الجهة الأخرى فإني كثيرا ما وجدت وشاهدت
تناقضا غريبا في تفسيرهم لبعض المصطلحات والاوضاع؛ وهم كلهم لم يزالوا في نظر القوم من الثقات وذوي الكلمة المسموعة في اللغة.
يقول أحد أقطاب اللغة مثلا؛ أن الصاة أو الصاءة هي الماء يكون في المشيمة وقال آخر عن السخد هو ماء يخرج مع الولد أي أن الصاءة والسخد بمعنى واحد لكن الاول يقول عن المشيمة أنها غشاء ولد الإنسان؛ والثاني يعتبر السابياء مشيمة مع شيء من التردد؛ ولذا يزيد على قوله الأول؛ ولعلها جليدة رقيقة على انف الطفل أن لم تكشف عند الولادة مات.
أما اللغويون المحدثون فلم يزيدوا كلام الأقدمين جلاء ولذا كان كلام هؤلاء وأولئك على وجه واحد من الإبهام والاعجام.
ثم أرى المحدثين لم يتفقوا على وضع الألفاظ اتفاقا مجمعا عليه. أرى بعضهم يسمي ال بال (إبعاد أو الجر عن المركز) وقرأت لآخر إنها (الإدارة) ثم جاءنا الكرملي وقال: هي (الانتباذ) ولعله اصاب؛ لكن أي ن هو الاتفاق. أما رأيي الخاص فهو أني لا أرى مانعا من أن اسميها: (الطحر)(بطاء مفتوحة يليها حاء وفي الأخر راء) لا بل ارجح هذا المصطلح على سواه لما بينه وبين مدلول الكلمة الفرنجية من العلاقات الشديدة معنى ومبنى وسيأتي عنها في مقال غير هذا.
إذن ما هذا التبلبل؛ بل ما هذا التذبذب؛ لا بل قل؛ كل هذا جهل للشيء المقصود جهلا لا ينكر؛ أو لا اقل من انه اختلاف وتشاق في وضع الألفاظ لما يعرفونه حق المعرفة أو يدعون معرفته على هذه الصورة فكيف بهم لو أرادوا وضع ألفاظ لما لا يعرفون جد المعرفة حقيقته الأصلية من الأشياء التي ليست في بلادهم ولم يروها؟
أما الأطباء الأقدمون ومنهم الشيخ الرئيس ابن سينا الزعيم الأكبر لأبناء اسكولاب والإمام الرازي والجراح الشهير ابن القف النصراني والزهراوي وبختيشوع ويبريل إلى غيرهم. فمع إعجابي بهم؛ فإنهم تفردوا كما تفرد أطباؤنا
اليوم بوضع المصطلحات الطبية؛ أو قل باتخاذها من غير أن يتواطؤوا على وضعها ويوحدوها. ولم يبرهن أحدهم على رجحان أوضاعه على أوضاع
صاحبه؛ فقال أحدهم مثلا: أسقطت المرأة؛ وقال الثاني: أجهضت؛ فجاء الثالث فقال: لا بل طرحت؛ ثم زاد الرابع مرادفا آخر وقال: دحقت. وهم كلهم أبناء عصر واحد أو يكادون من حيث الطب العربي. فأين وجه التعليل يا قوم؟ وإلى أين المفر يا أبناء عدنان وقحطان؟ افنلهو بجمع الألفاظ ونحن نتعلم الطب؟ أم نقضي الأعمار في تعلم مفردات اللغة؟ ثم هل نعترف بمعنى واحد لهذه الألفاظ التي افرغوا سيلها علينا؛ أم نقول أنها حروف وردت في لغة قوم دون قوم؛ أو في لغة قبيلة دون أخرى ولكل قوم وقبيل ألفاظ خاصة بها. أو نتخذها ألفاظا مختلفة لها معان خاصة بها ولكن غابت دقائق معانيها وفروق تراكيبها عن أصحاب المعاجم. ثم لما جهلوا ما فيها من دقائق تلك الفروق أفرغوها في قالب معنى واحد فقالوا ما
قالوا؟ - تلك أسئلة قد يعسر الجواب عنها جوابا شافيا. وأن كان بعضهم تمحلوا لها حلا سلوا به أنفسهم.
وهناك من الشطط الذي لا يغتفر، وهو ما ورد بعكس الحالة المذكورة أي تعبيرهم بكلمة واحدة عن أشياء مختلفة لا علاقة لها بعضها ببعض، حينما تعد اللغة العربية من أغنى اللغات السامية. مثال ذلك أن الكعب عند معظمهم العظم الناشز فوق القدم؛ وهو عند آخر: العظمان الناشزان من جانبيها. وهناك ثالث يخالف الأولين ويقول: كل مفصل للعظام هو كعب. . . إلى غر ما جاء في دواوينهم. ولا تظن أن للكعب هذه المزية من وروده بجميع المعاني أو بمعان عديدة بل هناك غيره. دونك الكعبرة مثلا فإنها تعني الكوع. وتعني الورك الضخم، وتعني اصل الرأس (انظر كيف انتقلنا من الورك إلى الرأس مع أن الواحد واقع في شمالي الجسم والأخر في جنوبيه) فما اعظم هذه الفروق وما ابعد الواحد عن الآخر في معناه ومبناه وسكناه!
ومما زاد اللغة العربية عجمة مخلوطة بغرابة ظاهرة تصرف الأتراك فيها فكانت نهضتهم العلمية والقومية بلية علينا فوق بلايانا فلقد شيدوا على دعائم آدابنا ولغتنا، معاجمهم ومؤلفاتهم ومدوناتهم، واستنبطوا من لساننا مفردات علمية وضعوها على غير وجوهها غير ملتفتين إلى قاعدة معقولة إذ (تركوها)
أي صبغوها بصبغ تركي متبعين أهواءهم ومقاصدهم، ومتأثرين الإفرنج لا العرب في ما فعلوه في هذا المعنى. فجاءت كلمهم مستهجنة لا تمت إلى لغة بنسب فهي أن قلت: إنها عربية أو افرنسية أو إنكليزية أو لاتينية أو يونانية فأنت غير واهم، ففيها شيء من هذه اللغات كلها. فجاز لك أن تسميها بما تشاء.
وأنت تعلم أن أبناء الغرب نحتوا ألفاظهم من اللاتينية أو اليونانية فهم يجرون على صراط سوي في نظرهم. والترك يدعون هذا المدعى عينه في نظرهم. إذن هم والإفرنج في رقي في مصطلحاتهم لأنها وإن كانت غريبة عن لسانهم ومشوهة الوضع. إلَاّ انهم ادمجوها بلغتهم كل الإدماج وادخلوها في آدابهم وفنونهم؛ وأصبحت اليوم تركية، كما أصبحت مصطلحات الفرنسيين فرنسية وأوضاع الإيطاليين إيطالية إلى غيرهم. ولهذا ترى كتب هؤلاء الأقوام مشحونة مفردات جديدة لم تكن في لسانهم قبل تبحرهم في العمران.
ولكن هل إمعان الترك في حضارتهم وتصرفهم في لغات العرب وضوابطهم وآدابهم يزكي
عمل المحدثين من كتاب العرب في أخذهم تلك المصطلحات عنهم وإدخالهم في كلامهم وهي على ما هي عليه من التشويه الشنيع والتضليل الفظيع بحجة شيوعها وتداولها بين الناس؟ - ذلك عذر اقبح من ذنب ولا اقبله لنفوسهم.
آتي الآن إلى الموضوع الذي ارصدت له هذا المقال:
1 -
السلى
من الألفاظ التي اختلف الكتبة في وضعها تعبيرهم بلفظ واحد عن اغشية البيضة المسماة عند الافرنسيين
أن هذه الأغشية هي عبارة عن ثلاث طبقات وهي: داخلية ومتوسطة وخارجية وهي متصلة بعضها ببعض بأنسجة ليفية وحشوية فالخارجية منها لاصقة بعضد الرحم الداخلي (أي بجدارها كما يقول بعضهم) حتى ساعة الولادة، فحينئذ تنفصل عنها وتغادرها بعد خروج الوليد منها ومعها مجموع الأغشية وسيأتي ذكرها عند البحث عن الطبقة الداخلية بعيد هذا.
والراجح عندي أن يطلق اسم (السلى) على هذه الأغشية الثلاثة. كل مرة أريد بها غشاء من أغشيتها من غير أن يفرق بين دور ودور من أدوار الحبل الثلاثة أعني الإبط والضبن والحضن. ولاسيما طالما تكون تلك الأغشية في الرحم.
يؤيد هذه التسمية ما ورد عنها في بعض كتب اللغة إن السلى إذا انقطع في البطن هلكت الأم وهلك الولد. والمبادئ الطبية الحديثة تؤيد هذه الفكرة (النظرية) إذ قد ثبت أن السلى حينما ينخزع قبل أوانه أو في أوانه ويسيل المائع الامنيوسي منه، تأخذ العضلة الرحمية في التقلص والانقباض فيستحيل على الجنين البقاء في داخل الرحم لأنه يكون بعد ذلك أشبه شيء بجسم غريب في الموضع المذكور؛ فلابد للرحم حينئذ من أن تنبذه عاجلا أو آجلا.
وفي مادة (سلى) اللغوية صلة معنوية بفعل (سلا) ومنه قولهم سلا الجذع أي نزع سلاءه وهو شوكه. وأنت تعلم أن وظيفة السلى للجنين ليست سوى المحافظة عليه من الخطر الذي يأتيه من خارج بما أعطي من الوسائط الآتية: (مرونة الأنسجة) أو الحيوية (إفراز المائع الامنيوسي) فكأني به ينزع سلاء العضلة الرحمية (بالانقباض والتقلص) أو يدفع
الشدائد والصدمات الخارجية من رضوض وغيرها. تلك التي يحتمل وقوعها على البطن فتلقي الجنين منها.
وهناك رابطة معنوية أخرى لا يستهان بها تربط المعنى العلمي بالمعنى اللغوي: أن السلى في اللغة مصدر سلي عنه أي طابت نفسه به. فمن ينكر كم تطيب غريزة الجنين حينما يكون في داخل سلاه مصونا من كل أذى في الداخل وفي الخارج. وكذلك قل عن الأم فلابد من أنها تسلو حينما تشعر بأن جنينها في مأمن حصين من كل أذى مرض أو تعرض وما ذاك المأمن سوى هذا السكن.
2 -
الفاقئآء
أما الكلمة الثانية فهي الفاقئآء: فقد جاء عنها في أحد المعاجم اللغوية أنها السابياء التي تنفقئ عن رأس الجنين عند الولادة. وقد قيل عنها أيضاً أنها جليدة رقيقة على أنفه أن لم تكشف عنه مات.
قلنا: أننا في حاجة كبيرة إلى مثل هذا اللفظ الثمين؛ لكن ليس بالمعنى المزدوج الذي ورد في المعجم، إذ في ذلك من الإبهام ما يخرجنا عن تتبع الحقائق بوجوهها العلمية. أننا الآن في الطب في مندوحة عن المرادفات بل حاجتنا إلى معنى مستقل بنفسه غير موجود في لفظ آخر؛ والحال انك تعلم أن السلى في الدور الأخير من الحبل ينبسط انبساطا صريحا عند مستوى عنق الرحم متأثرا من عامل الضغط الشديد الآتي من قبل رأس الجنين أو ينبسط عند قسمها القائم على العنق فيظهر قسم السلى بوضعه هذا بشكل جراب مستطيل في العنق ويتخلل أحيانا المهبل إذ هو النذير بحلول موعد الوضع؛ فينفقئ من شدة الضغط الحاصل في الداخل؛ وأحيانا يضطر الطبيب إلى بزله أو قل إلى فقئه حينما لا يتغلب الضغط من الداخل على صلابة السلى.
ولهذا أرى من الأرجح أن تطلق لفظة (فاقئاه) على القسم الأسفل من السلى وذلك القسم الذي لا يرى إلا في الأيام أو الساعات الأخيرة من دور الحبل أو أن شئت فقل في قسم السلى المعد للفقء الخلقي (بكسر الخاء أي الفسيولوجي) أو الجراحي. يقابله في اصطلاح أطباء الفرنسيين ما معناه جراب المياه:
3 -
السابيآء
جئنا الآن إلى ما يسميه الإفرنج امنيوس وهو إحدى طبقات السلى وهي طبقته الثالثة من الداخل التي فيها الجنين. وعندي أنها لو تسمى في لساننا بالسابيآء لوفت بالمطلوب.
ذهب بعضهم إلى أن السابيآء هي المشيمة التي تخرج مع الولد، فلا محل لهذه الفكرة (النظرية)؛ لأن هذا التعريف مبهم إبهام المشيمة الذي تقدم تفسيره؛ إذ لا السابيآء ولا المشيمة ولا أي عضو آخر من الأعضاء الوقتية من أعضاء الرحم يبقى فيها بعد الوضع؛ بل يغادرها جميعها حين مغادرة الجنين للرحم أو بعد مغادرته لها حالا.
وقال آخرون: (السابيآء جليدة رقيقة تكون على أنف الجنين فإن لم تكشف عند الولادة مات) لعل أصحاب هذا القول قد أصابوا ظاهر الحقيقة حينما كانوا
يرمون إلى كبدها. أما نحن فلا نوافقهم عليه لأننا قلنا عن السلى لأنه مجموع الأغشية الثلاثة، أغشية البيضة؛ فحينما ينخزع السلى لسبب ما طبيعيا كان أم عرضيا؛ يتم ذلك بهيئة شق أو شقوق متعددة ولكن من غير أن تنفصل أجزاؤه بعضها عن بعض. وهذا ما يقع غالبا؛ كما أنه قد ينخرع وتنفصل جذمة (قطعة) من الجذل لا غير، فيخرج الوليد وعلى وجهه تلك الجذمة التي ينبغي رفعها حالا عن وجهه لئلا تكون له مانعا تمنع عنه الهواء الذي يحتاج إليه للتنفس حالما يسر أو قبل أن يسر. ولما كانت الجليدات الرقيقة التي ترى أحيانا على وجه الوليد وهي في موضوعنا هذا جذمة السلى غير معروفة المصدر إذ قد تكون جذمة من المشيمة أو جذمة من الطبقة الوسطى أو جذمة من الطبقة الداخلية أو جذمة من الطبقات الثلاث معا أي الجذمة السلوية فقط؛ نرى أنه من الأرجح أن لا تطلق كلمة (سابياء) إلَاّ على الغشاء الداخلي بأسره لا على جذمة من الجذم. وحينئذ تقابل كلمة الفرنسية. أما إذا ثبت أن الجذمة كانت قطعة من قطع أحد الأغشية الثلاثة فقط فتنعت حينئذ (بالجذمة السابياوية) أو (المشيمية) أو (الوسطى) إلى أن يتاح لنا وضع لفظ خاص بهذا الغشاء الأخير أو بكل غشاء من هذه الأغشية الثلاثة.
ومما يحملنا على اتخاذ هذه الكلمة للمعنى الذي نريده هو اصل المادة اللغوية نفسها. فالسابياء مشتقة من مادة (سبى يسبي سباء) وهلا يكون الجنين في أثناء حياته في الرحم إلَاّ كالسبي في السابياء لأنها اقرب الطبقات الثلاث السلوية إليه ولا يقيه في سبيه إلَاّ هي وذلك بواسطة المائع السابياوي أو الامنيوسي الذي تفرزه ذلك السائل الذي سماه بعضهم
السخد مع أن السخد هو غير هذا السائل كما سترى.
على أن بعض المحدثين قلد جماعة من الأتراك في التسمية فنعتوه بالمائع (الرهلي) أو (الرهل)(بالتحريك) مع أن هذا مردود وان كان في الحرف ما يدل على الاسترخاء وعدم الصلابة لأن الجسم المائع لا يعني الرخو أو عديم الصلابة والفرق بين المائع والرخو ظاهر لكل ذي عينين.
ومنهم من قال إن الرهل هنا موافق لهذا السائل لأن الرهل في اللغة السحاب
الرقيق الذي يشبه الندى.
قلنا: ولعل هؤلاء كانوا اقرب إلى الصواب من غيرهم إليها لولا أن كلمة (الحولاء) موجودة في لساننا وهي عندنا اصلح من غيرها للدلالة على ما نريد به، لأسباب لغوية وخلقية وتشريحية وموضعية، ودونك موجزها:
4 -
الحولاء
1 -
قال اللغويون: حال حولا: تم. وبغير هذا المائع لا يتيسر للجنين أن يتم نموه وتطوره في الرحم بدرجة صحيحة)
2 -
وقالوا: حال المشي حولا: تغير من الاستواء إلى العوج. وفي هذا المائع (أي الحولاء) يتغير سير الجنين من حالة الاستواء التي كان عليها في الأشهر الخمسة الأولى إلى حالة العوج وهي وضع الجنين في الرحم في الأشهر الأربعة الأخيرة.
3 -
وقالوا: حال حولا إلى مكان آخر: انقلب. وبغير هذا المائع لا يتيسر للجنين أن ينقلب في داخل الرحم، ولاسيما في الشهر الأخير، إذ يستقر الرأس عند عنق الرحم بعد أن كان قبيل ذلك العهد بجوار قعر الرحم أو في أحد جانبيه.
4 -
وقالوا: تحول: تحرك. قلنا ولا تتاح الحركة للجنين بدون المائع والجنين لا يجس أو يشعر به بدونه.
5 -
وقالوا: حال حولا: حجز حجزا ومنه الحول وهو الحاجز. قلنا: وهذا السائل هو الحاجز أو الوسيط المنيع بين الجنين والسلى لتخفيف الصدمة من الخارج، أو لحجزها عنه كل الحجز مهما كان مصدرها.
6 -
وقالوا: الحائل: المتغير اللون. قلنا: ولون هذا المائع يتغير بتغير المواد الممزوجة به
من بول وغيره. تلك المواد التي يبرزها الجنين وهو في بطن أمه.
هذا ما نراه وإذا صح إطلاق هذا اللفظ على المائع الامنيوسي فلابد من التأمل في مصير كلمة:
5 -
الصآة أو الصاءة
فالصآة أو الصاءة على ما ورد في كتب اللغة هي الماء الذي في المشيمة والمرجح أن المراد بالصاءة مقدار المائع الامنيوسي الموجود في الفاقئآء وحدها وعلى هذا الوجه نكون قد عينا بصورة واضحة ووافية معنى السلى وما فيه من مائع وهو السابياء وعرفنا ما هي الفاقئاء وما تحويه من الصاءة وهو قسم من السابياء لا غير.
6 -
السخد
وعلى سبيل القياس ترجم الأتراك - وفي مقدمتهم الدكتور يوسف رامي اللبناني أستاذ فن التشريح في الآستانة وواضع اغلب مصطلحات الطب عندهم - كلمة (بالمشيمة) وذهب مذهبه اغلب الأطباء المحدثين من طلاب الجامعة التركية أو من المغرمين بآثار الأستاذ المشار إليه؛ غير أنني لا أوافقهم على هذا اللفظ عند البحث عنها في لغة الضاد.
الذي أراه أن المشيمة (وهي عندي اسم وقد تحتمل أن تكون مؤنث مشيم المشتقة مادتها من اصل كلمة شامة فيكون معنى المشيمة التي عليها شامات) أحرى بان تقابل كلمة الإفرنجية، أي الطبقة الثالثة الخارجية التي يتركب منها السلى. والدليل على ذلك إننا لو تأملنا تأمل مشرح في وجه هذه الطبقة الخارجي لرأينا عليها حليمات دقيقة ناتئة، وربما كانت ذات زغب، ولما لم يكن في وسع السلف الأقدمين أن يميزوه آنئذ برؤية العين بين الشامات وبين النتوءات نعتوها بالمشيمة. وهذا ليس بالأمر الغريب، فان بعض العرب المولدين بل العرب الأقدمين أيضاً لم يزالوا يستعملون حتى هذا العهد كلمة (شامة) في مكان (الخال) - ويا ليتهم أطلقوا كلمة (خالية) على المشيمة، أي على هذه الطبقة الثالثة الخارجية، لكانوا اقرب إلى الصواب، لان (الخالة) هي شامة ناتئة على سطح الجلد؛ وأما الشامة فلا تتعدى مستواه السطحي.
7 -
المشيمة
بقي علينا قول الغويين أن المشيمة هي (غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة) فهو قول لا يخلو من بعض الحقيقة، فانهم اكتفوا بالتعبير عن مجموع الأغشية (بالمشيمة) وهي إحدى طبقات أغشية البيضة لا غير. وذلك لأنها الطبقة السطحية التي تقع تحت البصر دون غيرها عند خروجها مع الطفل وقد يحتمل أن العرب لم يكونوا واقفين في ذلك العهد على أقسام أغشية البيضة كلها، كما عرفنا إياها اليوم علماء التشريح.
وعليه يجدر بنا أن نضع للبلاسنتة اسما غير المشيمة ولعل اسم (السخد) هو الموافق لها كل الموافقة، أنني لا اجهل أن بعض رصفائي سموا (سخدا) السائل الذي في أغشية البيضة استنادا إلى ما ورد في بعض المعاجم القائلة:(السخد ماء أصفر غليظ يخرج مع الولد). بيد أننا نقول: لا يخرج الماء كله مع الولد على ما هو مقرر عند أصحاب الفن. إنما يخرج بعض منه قبله وهو (الفاقئاء) وقد مر بك ذكره، وبعض منه يخرج معه والبعض الآخر بعده وهو الصاءة، وقد يبطيء الولد أحيانا ساعات عديدة في داخل الرحم بعد خزع الأغشية وخروج الماء بكليته ونفاده.
وقال آخرون: بل السخد هنة كالكبد والطحال مجتمعة تكون في السلى، وربما لعب بها الصبيان.
قلنا: هذا القول هو اقرب إلى الصحة من غيره إليها، لان السخد أي البلاسنتة تشبه في خارجها كتلة ثخينة رخوة وتكاد تكون مستديرة وهي معلقة من وسطها بحبل أجوف (وهو الحبل السري) ويجوز بل يصح، بعد أن يسر الوليد وتلقى مع الحبل، أن تكون ألعوبة لصبيان ذلك العهد المبارك!
وجاء في كتب متن اللغة قولهم: المسخد (وزان مقدم) وهو المسفر والثقيل والمورم. والحال أن من ينظر إلى هذا العضو بعد أن ينفصل من الرحم ويفقد جانبا عظيما من الدم المتشبع منه، يره أشبه شيء بقطعة رخوة مورمة وثقيلة ومصفرة إذن لا يستغرب إطلاق كلمة (سخد) عليها حتى قبل فقدها
ذلك الدم المعد لارواء الطفل وتغذيته حين قيامها بمهمتها المعلومة في بطن الرحم.
ويرى بعضهم أن كلمة (السخد) لا تخلو من بعض العلاقة (بالسختة) التي معناها الشديد والصلب، بل لعل السخد تصحيف السخت. والحق يقال أن السخد هو اصلب أنسجة
أعضاء الرحم الوقتية التي تتطور في أثناء الحبل وتزول بزواله.
فالآن ما رأي صاحب لغة العرب في هذه الألفاظ وله الشكر منا سلفا.
المخلص الدكتور حنا الخياط
جواب الاستفتاء
1 -
السلى: لم نجد في الدواوين اللغوية العربية كلمة تقابل غشاء البيضة أي تقابل ما يسميه الإفرنج أما السلى فليس به على ما تتبعناه. والذي ذكرناه في معجمنا العربي الإفرنجي والفرنجي العربي الخطيين أن السلى هو ما يسميه الفرنسيون أو - وبالإنكليزية وباللاتينية وباليونانية أو وهو اسم لما يبقى في الرحم من مشيمة وسخد وسابياء وغشاء ساقط بعد خروج الولد، ثم يطرح بعده - والمادة مشتقة من اصل ممات في لغة الضاد وحي في اللغة الأخت الارمية، من سلى يسلي أي نبذ ونفى، فيكون معناه: الرذالة والنفاية وهو ما يوافق المعنى المطلوب.
أما ما ذهب إليه الدكتور الصديق من الاشتقاق فخياليا اكثر منه حقيقيا أو لغويا. على أنه قد يصح أن يطلق السلى على ما يسمى بغشاء البيضة لأن صاحب لسان العرب يقول في مادة ح ول: الحولاء. . . وقيل: جلدة تأتي بعد الولد في السلى الاول أهـ. فهذا كلام يشير إلى أن هناك غير سلى واحد. فإذا
كان ثان وثالث اتضح أن الكلام عن طبقات السلى، وحينئذ لا يكون هذا إلَاّ غشاء البيضة على ما قاله الطبيب البحاثة.
2 -
الفاقياء (ولا تقل الفاقئاء كما في بعض كتب اللغة الحديثة، لأن الفاقئاء هي الأصل والفاقياء هي ما صارت إليه بعد القلب)، ويقال لها الفقء يوافق لما سماه الإفرنج والإنكليز واللاتين قالوا: هي قطعة من غشاء الجنين يدفعها الوليد أمامه وتكون على وجهه حين خروجه، وذلك إذا كانت شديدة القواء.
ومن مرادفاتها عند العرب القضاة (وهي كجمع قاض إلا أنها مفردة من مادة قضى) والمسكة والماسكة والفقأة. قال ابن الأعرابي: الفقأة جلدة رقيقة تكون على الأنف، فإن لم تكشفها مات الولد أهـ. وأما ما يوافق جراب الماء عند العرب فهو في رأينا الحولاء كما سترى.
3 -
السابياء. هي التي وصلنا إليها نحن أيضاً في تحقيقنا عن هذه اللفظة قبل عدة سنوات، واتبعناه في معجمينا المذكورين. أما ما في كتب اللغة الفرنسية العربية وبالعكس؛ أو ما في الكتب الإنكليزية وبالعكس؛ أو ما في كتب الطب المترجمة إلى العربية فهو غلط ظاهر. - والكلمة مشتقة من اصل حي في الارمية ممات في العربية، معناه الوسخة والقذرة والودكة والدسمة (وكلها بكسر العين). أما ما ذهب إليه الصديق الطبيب النطاسي
من الاشتقاق فلا نوافقه عليه البتة، فهو من الخياليات الشعرية، لا من الحقائق المثبتة.
4 -
الحولاء: ذهب الخدن البحاثة إلى أن الحولاء هو السائل الامنيوسي ونحن لا نرى رأيه؛ لأن اللغويين ذكروا بصريح العبارة إنها جلدة (أي جراب) فيها ماء بل قال في اللسان: (الحولاء غلاف أخضر (أي غض أو رخو: لا أخضر اللون كما يتوهمه بعضهم) كأنه دلو عظيمة مملوءة ماء وتنفقئ حين تقع إلى الأرض، ثم يخرج السلى فيه القرنتان ثم يخرج بعد ذلك بيوم أو يومين الصاة. . . ونزلوا في مثل حولاء الناقة. وفي
مثل: حولاء السلى. يريدون بذلك الخصب والماء، لأن الحولاء ملأى ماء ريا) أهـ
فهذا كلام كثر ما يوافقه (جراب المياه) المعروف عند الإفرنج هذا فضلا عن أن الحولاء تقارب الارمية (حولا) ومعناها الكهف والغار، وما الجراب إلَاّ كهفا وغارا إذا ما وجد في داخل ظرف كبير كالبطن مثلا.
أما الاشتقاق الذي ذكره البحاثة فنعتبره خياليا وشعريا لا نصيب له من الحقيقة إلَاّ المشابهة في الحروف. وأما ما يوافق السائل الامنيوسي فهو النخط (كقفل) قال في اللسان: يقال للسخد وهو الماء الذي في المشيمة النخط فإذا أصفر فهو الصفق والصفر (وكلاهما كسبب) والصفار. أهـ
5 -
الصاءة أو الصآة: هي حقيقة ما يقابلها عند أطباء الفرنسيين ما معناه:
6 -
أكثر ورود السخد في كتب العرب بمعنى الماء الذي يكون على رأس الولد. هذا هو معناه المشهور كلما ذكروه. على أن بعضهم أورد له معنى لم يذكر لأي لفظة وهو قولهم: السخد هنة كالكبد أو الطحال مجتمعة تكون في السلى وربما لعب بها الصبيان (اللسان بحرفه) فهذا الكلام لا يوافق إلَاّ لما يسميه الإفرنج وقد سماها الإفرنج بهذا الاسم ومعناه (الحلوى) لان للبلاسنتة هيئة مستديرة كهيئة الحلوى التي يصنعونها في بلادهم وهي إسفنجية القوام. وليس للعرب لفظة أخرى لها هذا المعنى أو مثله. وأما أن الاكثرين قالوا إنها المشيمة، فالغلط ظاهر لا يحتاج إلى أن يشار إليه؛ إذ لم يذكر لها العرب معنى كالذي ذكروا للسخد. ولهذا يحسن بنا أن نخصص لفظة السخد للبلاسنتة كما احسن انتقاءها الدكتور البحاثة. ونبقي غيرها لغيرها.
ومن العجب أن المعربين الأقدمين الفصحاء عربوا كلمة بالمشيمة أو المشيمية ومعناها (شبه المشيمة) تكون في العين وهي الطبقة الموجودة بين الصلبة والشبكة. والحال أن اللفظة الإفرنجية مركبة من اليونانية التي من الواجب علينا أن نسميها (مشيمة) ومعناها الأصلي الغشاء. ومن
ومعناها شبه أو مماثل. إذن كيف قالوا في الكلمة الواحدة مشيمة وذلك للعين، وكيف خالفوها مرة ثانية فسموا البلاسنتة مشيمة وهي غير الأولى؟ فالخطأ واضح صريح. والجري على اصطلاح الأقدمين هو الصحيح ومخالفة المحدثين لهم مذموم على كل حال.
أما اشتقاق المشيمة فهو من شام الشيء في الشيء أي ادخله وخبأه فيه ومنه الشيام للكناش. وقد ذكرنا مثل هذا للحولاء وأنها سميت كذلك لأنها تدل على الكهف والغار فهي إذن من هذا القبيل. وعليه يكون معنى الألفاظ المطلوبة هكذا:
1 -
السلى -
2 -
الفاقياء
3 -
السابياء
4 -
الحولاء
5 -
الصاءة أو الصاة
6 -
السخد (كقفل)
7 -
المشيمة
8 -
النخط (كقفل)
9 -
غشاء البيضة
فوائد لغوية
عره وحزه!
عند الإنكليز كلمتان يتلفظون بهما في أفراحهم وعرض جنودهم، حربيين كانوا أو بحريين، وإذا سألتهم عنهما لا يعرفون من حقيقتهما شيئا. ودونك تاريخهما:
العرب كانت إذا اجتمعت في معاركهم والتفت الساق بالساق تسمع فيهم من يقول: عره، حزه! (ويلفظون عره بضم العين وتشديد الراء المفتوحة وضم الهاء الأخيرة إلا أنهم يسكنونها غالبا في الوقف كان يأمر الواحد أخاه بالعر وهو إصابة العدو بالضرر) ثم يقول للحال: حزه (وتضبط ضبط الأولى، ومعناها بقطع الرأس لأن حزه قطعه) ومحصل الكلمتين؛ عر عدوك (أي أصبه بشر، لا بل اقطع رأسه وهو الأهون لنا.
هذا ما كان يجري في معاركهم الدامية، بل ما يجري في عهدنا هذا في
بعض أنحاء العراق، وكنا قد حضرنا بعضها.
ثم انتقلت هذه الألفاظ من العرب إلى الترك. ولما كان السلطان يحضر عرض جنوده ولاسيما المماليك منهم (أي الينكشرية) كانوا يصرخون في آخر العرض: عره. حزه! كأنهم يتصورون انهم يؤمرون بعد قليل بذبح العدو فيشجع وأحدهم صاحبه على أي قاع الضرر بالعدو أو على قطع رأسه. ولما كان الترك مجاورين للروس تعلم هؤلاء منهم هذا الصراخ في الحرب ثم تلقاه عن الروس مجاوروهم الألمان سنة 1813 وعنهم الفرنسيون فالإنكليز؛ واليوم اكثر الناس استعمالا للكلمتين؛ عره! حزه! أبناء بريطانية الكبرى.
ومن الغريب أن الملوك ورجال السياسة يهتفون بأحد هذين اللفظين أو بكليهما عند شرب النخب وهم يريدون بذلك أن (يحيى) الذي يهتفون له، غير عالمين أنهم يدعون عليه بالضرر والقتل.
وقت استعمال هذين اللفظين
يتلفظ بهما أو بأحدهما بكل ما أوتي الجندي من الشدة في الصوت عند الهجوم على العدو بألواح السلاح أي بالسلاح غير الناري.
ويصرخ به أيضاً البحريون في بعض الحفلات عند زيارة رئيس الدولة لهم فيكون ذلك الهتاف بمنزلة شهادة على حبهم له. أو عند زيارة رئيس أسطول غريب صديق لدولتهم. واليوم تستعمل هذه اللفظة أو هاتان اللفظتان في جميع الأفراح والأعراس بل عند اجتماع الأصدقاء للشرب. فتكون من قبيل الدعاء بالشر عند العرب والمراد به الدعاء بالخير ومثله قول العامة؛ يخرب بيتك! وهم يطلبون من الله أن يعمر بيته!
أما أن مثل هذا التعبير وارد في كلام الأقدمين فهو أشهر من أن يذكر فقد قال ابن الأعرابي؛ إذا قيل: قتله الله! لا يكون إلَاّ شتما، وإذا قيل: قاتله الله يكون تعجبا، ومثله ما لا عد له لكثرته، كقولهم: تربت يداه! وثكلته أمه! وهوت أمه! كل ذلك يستعمل على طريق التعجب واستعظام القول فيه) أهـ ولهذا قال بعض الشعراء:
اسب إذا أجدت القول ظلما
…
كذاك يقال للرجل المجيد
قلنا: فقولهم: عره! وحزه! هو من هذا الباب. ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فعليه بمراجعة مادة ت وب في التاج ففيه مجزأة.
أسئلة وأجوبة
الضراوة
سألنا أحد الأدباء من بغداد قال: ذكرت لغة العرب في جزءها الأخير (154: 4) أن الضراوة هي العادة المكتسبة من المداومة على الشيء أو من كثرة مزاولته إياه ونحن لا نوافقها عليه إذ هي ليست بمعنى الفرنسية بل هي بمعنى (العدوة ولزوم الشر) على حد ما جاء في (كتاب كليلة ودمنة المطبوع طبعة جديدة مدرسية مبنية على قدم نسخة مخطوطة مؤرخة وقد أبرزتها بحلتها البديعة مطبعة الأباء اليسوعيين في بيروت في الباب الثالث وهو باب البوم والغربان إذ جاء في ص174 منه: (واشد من ذلك كله في نفسي ضراوتهن ثم علمهن بمكانكن وجرأتهن عليكم مثل الذي ذقتم منهن. . .)
فقد جاء في آخر الكتاب أي في معجم الألفاظ في ص303 ما نصه: (ضراه: أغراه وهيجه. - الضراوة العداوة ولزوم الشر.) أهـ وهذا كله يفسد رأي ما ذهب إليه صاحب لغة العرب. فكيف الجمع بين هذين القولين؟
قلنا: شارح اللفظة واهم ووهمه بين لكل ذي عينين، إذ ليس في كتب اللغة ما يؤيد رأيه، بل ولا في كتب الأدب كلها جمعاء. قال في لسان العرب في مادة ضري؛ ضري به ضرا وضراوة؛ نهج به. وقد ضريت بهذا الأمر
ضراوة. . . وقد ضراه (بالتفعيل) بذلك الأمر. . . وأصله من الضراوة وهي الدربة والعادة. . . يقال ضري الشي بالشيء: إذا اعتاده فلا يكاد يصبر عنه. أهـ ولم نجد لها في أي كتاب كان معنى العداوة أو الشر أو لزومه وفي الحديث: أن للإسلام ضراوة أي عادة ولهجا به لا يصبر عنه، على ما جاء في النهاية لابن الأثير ونقله عنه صاحب اللسان والتاج وغيرهما.
فالضراوة الواردة في كليلة ودمنة معناها: الدربة والعادة كما فسرناها في أول كلامنا. ومن له نص يخالف هذه النصوص فليأتنا به ونحن أول من يذعن للحق إذا ما ظهر.
المتقن
وسألنا آخر قال: للإفرنج لفظة يريدون بها جماعة الأساتذة التي تعلم في المدرسة الجامعة
دروسا تعود إلى موضوع واحد عام ويسمونها فاكلتة فيقولون: فاكلتة الطب وفاكلتة الحقوق وفاكلتة الآداب وفاكلتة العلوم. أو إن شئت فقل: ما يسمى فرع الجامعة الذي يعنى بتدريس شعبة خاصة من شعبها. فلقد رأينا كل بلد عربي اللسان يدخل هذا الفرع من التدريس يسميها باسم جديد فما رأيكم فيها؟
قلنا: سمت الجامعة الأميركية هذه الشعبة بالفرع فقالت: فرع الطب وفرع الفلسفة واللاهوت إلى غيرها. وسمت الكلية اليسوعية هذه الشعبة بالمكتب فقالت: مكتب الطب ومكتب الحقوق ومكتب التجارة. أما أهل دمشق فسموها بالمعهد. فقالوا: معهد الطب ومعهد الحقوق. والبغداديون سموها بالكلية فقالوا: كلية الحقوق وكلية الزراعة وكلية الطب. وسماها الأمير شكيب ارسلان بالدار فقال دار الآداب إلى غيرها. وفي كل هذا من الخبط والخلط ما يوقع سوء الفهم للألفاظ. فالكلية لفظة حديثة يقابلها بالفرنسية والجامعة يقابلها كجامعة مصر والجامعة الأميركية وجامعة كنبرج وجامعة اكسفرد. والمكتب والكتاب: موضع تعليم الكتاب وبالإفرنجية فلا يصحان لكلمة والمدرسة العالية هي بالإنكليزية وبالفرنسية
والمعهد وضع لما يسميه الفرنسيون وإن كان يأتي بمعان أخرى.
فلم يبق لنا إلَاّ أن نضع اسما جديدا لكلمة فاكلتة واحسن ما يؤدي هذا المعنى (متقن) كمصحف (أي بضم الميم وإسكان التاء وفتح القاف وفي الآخر نون) ويجمع على متاقن كمصاحف ومخادع جمع مصحف ومخدع. ومتقن اسم مكان من أتقن الشيء إذا احكمه. والمتعلم لا يدخل تلك المدارس إلَاّ ليحكم درس العلم الذي يتفرغ له. وجماعة معلمي المتقن هم (التقنون) جمع تقن (بكسر الاول أو بفتح فكسر) وكل منهم تقن. قال في اللسان: رجل تقن وتقن: متقن للأشياء حاذق. ورجل تقن (بكسر الأول) هو الحاضر المنطق والجواب. أهـ. ومعلمو المتاقن هم كذلك.
الكهربا والكهربية لا الكهرباء والكهربائية
جاء في جريدة الفضيلة في صحيفتها 55 في الصفحة 2 ما هذا نصه:
ما قول. . . الأب أنستاس ماري الكرملي في كلمة الكهرباء، هل هي مذكرة أم مؤنثة. وهل يجوز أن يقال (الكهربائية) للدلالة على القوة الكهربائية الخفية التي نستعملها في دفع الترام وسائر المحركات. وإذا كانت هذه الكلمة مذكرة فما هو الفرق بينها وبين كلمة
الكهرباء المستعملة للدلالة على الحجر الأصفر الثمين وهل كلمة الكهرباء عربية الأصل؟
الكهرباء والصواب كهربا (بدون مد) ولا عبرة بعلامة التأنيث هنا؛ (فهي كزكريآء وعاديآء وارميآء وكلها أسماء رجال). وكذلك خليفة وراوية (لمن يروي الشعر) وعلامة فهي كلم مذكرة أيضا. لأنها وضعت للذكور. وأما الكهربائية والصواب الكهربية فهي غير الكهرباء، فالكهربية: خاصية تكون في بعض الأجسام تجذب إليها في بعض الأحوال الأجسام الخفيفة التي تقرب منها وينقدح من الاحتكاك بها شرارة وإذا قويت أحدثت هزة عصب في الحيوانات. فقولك الكهربية معناها الخاصية الكهربائية فاستغنوا عن الموصوف بالصفة ثم اعتبروها اسما على ما هو معروف في مثل هذه المعاني كالوطنية والقومية والشعوبية بمعنى محبة الوطن وروح القوم ومحبة الشعوب (مع كراهية للعرب) على ما هو مشهور في معاني هذه الألفاظ.
والكلمة كهربية مشتقة من الكهربا وهو صمغ متحجر (لا حجر) صلب
متكسر شبيه بالشفاف أو يكاد يكون شفافا يختلف لونه بين الأصفر الفاقع والأحمر الياقوتي. والمشهور في العراق الأصفر الفاقع. وفي هذا الصمغ المتحجر خاصية جذب الأجسام اللطيفة ولهذا سميت تلك الخاصية الكهربية نسبة إليه كما أن الكلمة الإفرنجية (الكتريسيتية) مشتقة من (إلكترون) ومعناها الكهربا، فالاشتقاق واحد في اللغتين.
والكهربا يكتب بدون مد ويقال في النسبة إليه كهربية بحذف الألف على ما هو معروف ومقرر في كتب النحاة لان ما آخره بألف مقصورة ينسب إليه بحذف الألف فيقال في النسبة إلى مصطفى (بالقصر) مصطفي بتشديد الياء. أما أن. أن الكهربا مقصور لا ممدود فظاهر من كلام صاحب التاج. قال في مستدرك مادة كهكب: (ومما يستدرك عليه: الكهرب، ويقال الكهربا مقصورا لهذا الأصفر المعروف. ذكره ابن الكتبي والحكيم داود. وله منافع وخواص وهي فارسية واصلها (كاه ربا) أي جاذب التبن. قال شيخنا: وتركه المصنف تقصيرا، مع ذكره لما ليس من كلام العرب) أهـ
أما كيف سرى هذا الغلط (أي كهربائية لا كهربية إلى لغتنا). فهو لأن الذين ترجموا كتب الأجانب إلى لغتنا في مستهل القرن التاسع عشر كانوا أغرابا أو أعرابا لم يحكموا درس القواعد العربية. ولهذا يحسن بنا أن نعود إلى الفصيح ونقول كهربية لا كهربائية. فإن
الأولى أخف وارشق واصح قياسا.
وعليه لا يجوز ان يستعمل الكاتب الكهربية في موضع الكهرب أو الكهربا والذين استعملوها هم من أحداث كتبة العراق الذين لا يميزون بين الحمل والجمل وكيف يكون الكهربا أو الكهرب (وهو الصمغ المتحجر) كهربية وهي خاصية تكون في ذلك الصمغ؛ والخاصية غير الجوهر كما لا يخفى.
وفي الكهرب والكهربا أو الكهربان لغات منها: ما ذكرها صاحب التاج في مستدرك مادة كهم، قال: ومما يستدرك عليه، الكهرم كجعفر. والكهرمان هو الكهرب والكهربان لهذا الأصفر المعروف. أهـ ومنها ما ذكرها غيره؛ من ذلك: الكهروا (أي بفتح الكاف وإسكان الهاء وضم الراء وفتح الواو يليها ألف مقصورة) وقد ذكرها صاحب معجم أوصاف بلدان العرب العلامة دي خوي الهولندي الشهير نقلا عن السلف.
باب المشارفة والانتقاد
12 -
الإصابة
مجلة أدبية علمية انتقادية تصدر في كل أسبوع مرة، يرأس تحريرها صاحبها جميل صدقي الزهاوي، بدل الاشتراك خمس ربيات وللخارج ثماني ربيات صدر جزءها الاول في 8 صفحات بحجم هذه المجلة يوم الجمعة في 10 أيلول 1926.
وقد قال صديقنا في سبب إصدارها: (إنا قد ألفينا العربية في العراق لا تستغني في حالها الحاضر عمن يقوم أودها بالتنبيه على ما يقع من الخطأ في كثير من القصيد والمقالات مما ينشر في صحفه. ولا ينحصر هذا الخطأ في اللفظ بل يتجاوزه إلى المعنى الذي هو كل المراد من اللفظ). على أننا نتمنى ان تخلو تلك الصفحات من أغلاط الطبع ونتمنى لها العمر الطويل الهنيء ليستفيد منها القريب والبعيد وينتصر الأدب الحديث على الطراز القديم البالي. وهو لا يكون إلَاّ مكبوة!
13 -
الخليقة ونظامها
بقلم أمين الغريب صاحب مجلة الحارس البيروتية في 119 صفحة
قلم الغريب سلس منقاد، لا يطالع القارئ ما يخطه إلَاّ ويرجع عنه حافل الوطاب. وقد وقفنا على ها المصنف فوجدناه من احسن ما لذ وطاب؛ على أننا نأخذ عليه تساهله في مجاراة العوام في بعض الألفاظ كقوله الفرنسوي (ص6) وأشهرها (فيها)؛ وتل بالحري (فيها) واكتشف السيارات الأربع (ص7) والصحيح؛ الفرنسي، وشهرها (بلا ألف)، بل قل، وكشف السيارات الأربعة، لأن مفردها السيار بلا هاء بمعنى الجرم السماوي. - وأوهامه في المصطلحات العلمية اكثر؛ فالرخمة ليست بالشوحة. والشوحة هي الحدأة (ص
81) واللقلق هو اسمه المعروف اليوم في العراق وكان يسمى سابقا أبا حديج وأصله أبو حويج؛ لأنهم يتصورون أنه يذهب للحج. وأبو صوي غير اللقلق (ص82) على خلاف ما ذكره. والشبوط من السمك هو غير الطنز والمورينة ليست بالمشبح الذي هو المورو والجري هو السلور وليس بالحنكليس الذي هو الجريث وعند العراقيين المرمريج أو المارماهيج أي
السمك الحية، إلى غير ذلك من المصطلحات. والكهربا مقصور لا ممدود والنسبة إليه الكهربية لا الكهربائية على ما هو شائع على الأقلام. وعسى أن تصلح في الطبعة الثانية.
14 -
في سبيل الشرف
مأساة أدبية تاريخية ذات خمسة فصول في 76 صفحة بقلم جميل البحري طبعت بمطبعة الزهرة في حيفا
لصديقنا الشاب الهمام جميل البحري فضل على تحسين الروايات، روايات التمثيل فلقد نشر منها: سجين القصر، وقاتل أخيه، وأبو مسلم الخراساني، والخائن، وزهيرة، ووفاء العرب، وهذه روايته السابعة (في سبيل الشرف) كأخواتها حسنة المبنى والمعنى. ترمي إلى أسمى الأخلاق. ويمكن ان يمثلها أبناء المدارس على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم، فأنها تعلمهم تعود المكارم والابتعاد عن الدنايا؛ ولهذا نوصي بها كل من يريد ان يهذب أخلاق الناشئة.
15 -
تاريخ الكويت
الجزء الثاني من القسم الأول لمؤلفه عبد العزيز الرشيد (في 263 صفحة)
بهذا الجزء الثاني تم تاريخ الكويت. وفي هذا المجلد تراجم كثيرين من حكامه ما لا يرى مدونا في كتاب. وفيه أيضاً تفصيل عدة أحداث ووقائع. وقد ألفينا هذا الجزء أحسن من صنوه الأول. وللمؤلف فضل عظيم على أبناء يعرب لأننا لم نجد من دون شيئا في القرون الأخيرة عن تلك الديار، فهي وإن كانت قريبة منا إلا أننا لا نعرف ما يجري فيها. لأن ليس فيها من يفيدنا عنها أدنى فائدة. ولو كان أهل كل كورة منها يفعل ما فعل الشيخ عبد العزيز الرشيد لأفادونا وأفادوا أنفسهم.
على أننا نؤمل من حضرة مؤلف تاريخ الكويت أن يتابع مباحثه في سائر ما يجاوره من جزيرة العرب ليكون له الفخر العظيم بأنه فتح طريقا للمؤرخين الآتين ومهد للشبان عقبة كانت كؤود إلى هذا العهد.
بيد إننا نلح على حضرة الصديق الكاتب أن يختار لنفسه مطبعة حسنة حتى لا يمسخ الكتاب ذاك المسخ الشنيع. إذ لا تخلو صفحة من صفحاته من عدة أغلاط لا تقل عن عشرة
في اقل تقدير. وهذا ما يضيع الفائدة من مطالعته ويحرم قراءه عوائد جمة.
16 -
المدرسة والكشاف العراقي
(مجلتان بغداديتان في جزء واحد)
مجلة نافعة لأبناء المدارس وهي بالحقيقة مجلتان مدمجتان معا وهما مقسومتان قسمين: الاول للمدرسة والثاني للكشاف العراقي - مدير شؤونها محمود نديم وقد وصلنا الجزء الثاني من السنة الأولى من المدرسة ومن السنة الثانية من الكشاف العراقي وهي حسنة التنسيق والتبويب؛ إلا أن الظاهر من كتابها ليسوا من أرباب الفن؛ مع أن المعهود في مثل هذه المجلات أن ينشئ مقالاتها الاحفياء؛ فإن مقالة العناكب والعقارب لا تخلو من غريب الرأي. فقد قال صاحبها: (أعلم أن العناكب ليست حشرات. . . وهي تقوم بعمل مهم في عالم الحشرات). فيظهر من هذا الكلام بعض التناقض. فلو قال مثلا: في عالم الدويبات لكان أحسن. أو لقال في عالم الهوام كما يسميها أجدادنا وكما سترى من كلام الدميري لكان اصدق.
وقال: والناس على الغالب لا يحبون جدا العناكب وما اكثر الأشخاص الكبار والصغار الذين يسمونها (المخلوقات المخوفة) فالظاهر من هذا الكلام أن صاحبه عربه عن الإفرنج لأن هذا من تعبيرهم. ويقابله عندنا: والناس على الغالب لا يأنسون بالعناكب وما اكثر الذين يسمونها (المخلوقات المخوفة) وقال: (ولكنها لا تلحق (أي العناكب) أدنى ضرر بالإنسان) ولو قال: ولكنها لا تقتل الإنسان لكان اصح؛ أما لا تضر به أبدا فغير صحيح. فأبو صوفة
يلسع كالعقرب. قال الدميري: (أبو صوفة نوع من الرتيلاء يكون غالبا في الأرياف ويضرب لونه إلى الحمرة وله زغب، ومنه اسمه عند أهل مصر؛ وله في رأسه أربع ابر ينهش بها ونهشته تقرب من لسع العقرب وهو لا ينسج بل يحفر بيته في الأرض ويخرج بالليل كسائر الهوام) أهـ. والرتيلاء أيضاً مخطرة النهش وأن لم تقتل.
وفي المجلة أغلاط كثيرة لا نعرف إلى من ننسبها: أللمطبعة أم للكاتب. فتحنا الصورة الأولى في ص31 فوجدنا المحامات. وفي ص32 كتخريج الضباط وفي ص33 وبين 27 طالب. وفي 34 ثلاثة دور. وفيها استلمت الحكومة وفيها قسما ثالثا ذو صف. وفيها سيتخرج وسيتخرجون. و: فمنهجه أوطأ وفي ص35 ومكتبة. وفيها في بداية تكونها.
وتكرر قوله المرشحين إلى التحصيل في ص36 مرتين. وفي ص37 ليكونوا مدراء. وفي ص38 سبعة أغلاط وفي ص39 ثلاثة أغلاط وفي ص40 ومغطات. وفي ص41 وفي أقدام العنكبوت. . . وفيها على هندامهما. . . وفيها وتستعمل هذه المخالب كذلك. . . وفيها رفيعة الرأس ومدببته. . . وفيها وتستعمل العنكبوت مشعراها. وفيها ثم تتحول إلى شرنقة. . . إلى غير هذه الأوهام والصفحة لا تخلو منها. والأحسن في ما عددناه من التساهل ان يقال: المحاماة. وكإخراج أو تهذيب الضباط. وبين 27 طالبا. وثلاث دور. وتسلمت الحكومة. وقسما ثالثا ذا صف. سيخرج وسيخرجون. فمنهجه أوطأ. وخزانة كتب. وفي بداءة. والمرشحين للتحصيل. ليكونوا مديرين. ومغطاة. وفي أرجل العنكبوت. وعلى هندامها. وتستعمل هذه المخالب أيضا. أي دقيقة الرأس وحادته. أما مدببة فكلمة شامية عامية لا يفهمها العراقيون وليست في المعاجم الفصيحة. وتستعمل مشعريها. وأما قول الكاتب (فبدلا من أن تكون أولا (اسروعا) أو (سرفة)(دودة) ثم تتحول إلى شرنقة. . . فغير راجع إلى جميع الحشرات بل إلى دود الابريسم فقط أو دود القز. ولعله بكلامه هذا يشير إلى ذلك الدود؟
على أن مزية المجلة تبقى مما يتباهى به لأنها كثيرة الصور، والطلبة
يحبون مشاهدة الصور في كتبهم وجرائدهم ومجلاتهم. ولهذا نتمنى لهذه المجلة المزدوجة نجاحا مزدوجا، سرعة الانتشار بين الطلبة والإقبال على الاشتراك بها من كل حدب وصوب.
17 -
مرقاة المترجم للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية
والعربية
تأليف الأب يوسف علوان اللعازري، الجزء الاول بقطع 16 كتاب التلميذ وثمنه أربعة غروش ذهب
هذا من الكتب التي يحسن إدخالها في المدارس التي تعلم فيها اللغتان العربية والفرنسية لأن المؤلفات في هذا الصنف قلما تكون وافية بالمقصود فأما أن يكون صاحبها يحسن التعليم ويجهل أصول التأليف وأما أن يكون بالعكس. فالذين يحسنون النظر والعمل قليلون والأب يوسف علوان هو من هذه الطبقة.
على إننا كنا نود أن يتقن العبارة العربية كما أتقن العبارة الفرنسية فقد جاء في ص12 من يتكل على الله لا يخيب. والأفصح لا يخب بحذف الياء. وفيها كشر على أنيابك كل الناس تستهابك. والمشهور هو كشر عن أنيابك كل الناس تهابك. وفي ص17 ليس ألذ للنفس من الصديق الوخي. والمعروف المؤاخي أما الوخي فلا معنى لها هنا. وفي ص23 وها أنا واصف لكم. وهو وهم يركب متنه كل كاتب: وارجح منه وها أنا ذا واصف لكم. وفي ص27 كتاب نعي في موت والده. والمشهور كتاب نعي والد؛ لأن النعي لا يكون إلَاّ في الموت. وفي ص32 (والله اسأل في الختام شفاءك بوقت قريب ودوامك مديدا) وكلمة دوام عامية بمعنى طول العمر لا يعرفها الفصحاء لأن الإنسان لا يدوم على الأرض. وفيها المرجو التكرم بالجواب صحبة ناقله. وهو من تعبير العوام المرذول وأحسن منه مع ناقله.
على أن هذه الهفوات لا تحرم الناس منفعة الكتاب لأن الغاية منه تعلم الفرنسية لا إتقان العربية؛ إذ يظن الكاتب أن المتعلمين قد احكموا قواعدها قبل تعلم لغة الأجانب. فأصاب.
18 -
حول سرير الإمبراطور
ألفه الدكتور كابانيس. نقله بتصرف الدكتور نقولا فياض
عنيت بنشره إدارة الهلال وحقوق الطبع محفوظة لها 1926 بقطع 12
هذا من احسن هدايا الهلال في هذه السنة لأن الكتاب يبحث عن أكبر ذهنية أنتجه آخر سني القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وهو نابوليون بونابرت. إلا أن هذا التصنيف يدرس الرجل الفذ من جهة حالة مرضه التي أثرت فيه وأنشأت في خلقه بعض المعايب وراثة عن أبويه.
وقد وجدنا فيه ولعا بعبارات لهج بها العصريون ولم يكن الأقدمون يستعملونها أو كانوا يتخذونها في الندرة. فقد جاء في الصفحة الأولى منه وهي الثامنة من المطبوع؛ أن هذا البحث خلو من الفائدة العلمية. أن يغفل تاريخه الصحي. تتجاوز فائدته الطبية. الوراثة المرضية. هذا المزاج الذي يسمونه الارتريتيكي. إلى حد أنه وهو على سرير الموت كان شغله الشاغل. وهذا التعبير وأن كان جائزا إلا أنه دون ما يأتي في نظر الفصحاء. فالبلغاء يقولون خلو من فائدة العلم. تاريخ صحته. من فائدة الطب. من وراثة المرض. المزاج الحرض (بفتح وكسر والاسم الحرض وزان سبب). إلى حد أنه كان شغله الشاغل وهو
على سرير الموت. ومثل هذا التعبير والركة كثير في هذا الكتاب.
19 -
المعارف
صحيفة أسبوعية علمية أدبية تصدر في الكاظمية بقرب بغداد
صدر العدد الاول من هذه الجريدة في 3 أيلول من هذه السنة لصاحبها سلمان الصفواني ووصلنا منها العدد الثالث فوجدنا فيه مقالة في حديث الأسبوع. وأخرى عنوانها (الزهاوي في الميزان) ونبذا في مواضيع مختلفة. فنتمنى لها طول العمر والرواج بين الناس.
عذر من القراء
لدينا مقالات عديدة كنا نود أن ندرجها في هذا العدد إلا أن تراكم المواد حال دون تحقيق أمنيتنا وكذلك أهدانا بعض المؤلفين كتبهم. فموعدنا في الجزء القادم.
باب المكاتبة والمذاكرة
اسم بغداد
طالعت ما جاء في لغة العرب (80: 4) عن معنى (بغداد) لاسم مدينة السلام فأني لا اشك في أن الكلمة مأخوذة من الفارسية وأنها مركبة من لفظين (بغ) بمعنى اله و (داذ) بالذال المعجمة كما كان يكتب قديما بمعنى معطى (اسم مفعول من أعطى) ومن المشهور أن في اللغات الآرية الشرقية ولاسيما في الصقلبية بغ وبك أو بالكاف الفارسية اسم اله؛ ولم أر أن الغين تبدل من الكاف العربية في شيء من الألفاظ العربية.
ف. كرنكو
(لغة العرب) أن كانت بغداد من اصل فارسي فلا نرى وجه وجودها قبل احتلال الفرس لهذه الديار إذ ترى في الرقم الآشورية منذ العهد القديم على ما أثبته الكاتب في موطنه.
أما أن الغين لا تبدل من الكاف العربية فنحن لا نوافق عليه حضرة صديقنا العزيز ففي لغتنا نجد بمعنى واحد اغبن من تربك واكبن: كربلت الحنطة وغربلتها التكوير والتغوير؛ كفر وغفر (بمعنى غطى)؛ دكن يومنا ودغن ودجن؛ غنطة وكنظة (أي شق عليه)؛ لاعه ولاكه؛ إلى غيرها وهي كثيرة.
الألفاظ الداخلة في اللغة العربية
أما الألفاظ الداخلة في اللغة العربية؛ فقد وجدت في تهذيب كتاب المناظر لابن الهيثم أنه ترجم بالذهن السعيد الألفاظ الخاصة بالعلم من اليونانية وفي كثير منها أثبت المعنى أصوب مما جاء في اليوناني؛ فأنه قال مثلا الجليدية لما يسميه الإفرنج والعنكبوتية لشبكة العصيات التي في داخل العين والتي فيها القوة الباصرة. وكذلك القول في اكثر من مائة كلمة ولو كان لي في الوقت متسع لأطلت الكلام في هذا الشأن.
ف. كرنكو
(لغة العرب) نشكر العلامة صديقنا على هذه الافادة؛ وياليت أطال البحث واكثر من الشواهد في هذا الموضوع.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
1 -
سدة الحفار
تم إنشاء سدة الحفار في لواء الناصرية إنشاء حسنا.
2 -
المدارس الجديدة في العراق
أنشئت في مفتتح سنة الدراسة الجديدة المبتدئة في 15 أيلول 1926 ثلاث مدارس جديدة في لواء اربل: في باتاس وفي مخمور وفي بروست. وأسست مدرسة أولية في تل أعفر.
وأنشئت مدرسة بنات أولية في قضاء دهوك في أول سنة الدراسة.
3 -
ولي عهد السلطان ابن السعود
زار مصر الأمير سعود ولي عهد السلطان عبد العزيز ابن السعود سلطان نجد وملك الحجاز. وقد تبرع تبرعات كبيرة ولهجت الصحف بمدحه.
4 -
مفاوضات بين فرنسة وابن السعود
وصل مندوب فرنسي إلى الحجاز لمواصلة مفاوضة السلطان ابن السعود الملك في الحجاز.
5 -
باخرة بريطانية ترفع فوقها العلم العراقي
رفعت البارجة الحربية البريطانية (لورنس) لأول مرة العلم العراقي يوم عيد جلوس جلالة الملك فيصل الاول في 23 آب 1926 وقد اشتركت في الأفراح بإطلاقها 21 طلقة من مدفعها.
6 -
سفينة حربية بريطانية تزور العقبة
زارت السفينة الحربية البريطانية (كورنفلاور) ميناء العقبة وهي زيارة بدأ بها ويكهام قائد السفينة المذكورة منذ عدة سنوات.
7 -
عودة الوفد المالي
عاد من لندن إلى بغداد معالي صبيح بك نشأت وزير المالية أوفد إليها مع مستشار وزارة المالية المستر فرنن في وفد مالي لمهمات اقتصادية ومالية مهمة.
8 -
جلالة ملكة العراق
عادت جلالة ملكة العراق من رحلتها إلى الموصل وحمام علي (العليل) وبعض الجهات هناك وقد أثنت على طقس الموصل وموقعها.
9 -
إنهاء خلاف بين عشيرتين
وقعت مشادة بين عشيرتي (عشيرة) و (قمر) أدت إلى تعدد الغارات بينهما فجمعت الحكومة بين زعيمي القبيلتين فهد بك الهذال وعقيل بك الياور وألزمتهما بالإقلاع عن الخصومة والغزوات.
10 -
هدية ابن السعود إلى مصطفى كمال
أهدى السلطان عبد العزيز ابن السعود إلى مصطفى كمال باشا رئيس الجمهورية التركية سيفا مرصعا يرجع تاريخه إلى عهد بعيد.
11 -
المدرسة الحربية الملكية
في عاصمة العراق مدرسة حربية اسمها (المدرسة الحربية الملكية) يتخرج فيها ضباط للجيش العراقي أساتذتها عراقيون وبريطانيون نابغون في الفنون العسكرية. قبل في هذه المدرسة هذه السنة 50 طالبا عشرة منهم من أبناء شيوخ العشائر العراقية.
12 -
طابع تذكار مؤتمر مكة
طبعت وكالة المالية في حكومة الحجاز قدرا معينا من طوابع البريد باسم (تذكار مؤتمر العالم الإسلامي) في مكة وقد نفد اكثر هذه الطوابع المطبوع عليها الختم المذكور.
13 -
حريق في البصرة
شبت النار ليلا من موقد إحدى القهوات في محلة الخندق فالتهمت النيران القهوة ثم اندلعت ألسنتها إلى الحوانيت المجاورة لها فأحرقت ثلاثة منها وفي الآخر تمكن رجال الإطفاء من
إخماد أنفاسها.
14 -
أسعار التمور
عقد أصحاب الغيطان والتجار مجلسا في دار هلس أخوان فقرروا فيه أسعار التمر كما يأتي:
كارة الحلاوي الكبيرة بسبعمائة وعشرين ربية (والكارة الكبيرة أربعون منا) أما بقية أنواع التمور فلم يبت في أسعارها. وقد شاع أن أصحاب
البساتين طلبوا أن يكون سعر الخضراوي خمسمائة ربية والسائر أربعمائة ربية عن الكارة الواحدة الكبيرة.
15 -
العنزة والضفير
هدأت الحالة بين العشيرتين عنزة والضفير بسعي الحكومة، وقد خرجت الضفير من ضواحي الزبير إلى صفوان وكابدة وكويبداء وشاع أن حمود السويط (مصغر السوط وهو ما يضرب به من جلد مضفور أو نحوه. ويخطئ من يكتب هذا الاسم بصورة الصويط وحمود السويط أحد زعماء الضفير) عقد النية على المجيء إلى بغداد لشؤون له مع الحكومة.
16 -
مهارشة على تخوم العراق
وقعت مهارشة بين الشرطة العراقية وبين ذعار الخسرج المنتمين إلى دولة إيران وكانوا قد طرأوا على أراضينا الجزرية لغزو بعض إعرابها وإيقاع الضرر بها فدرت بهم الشرطة ففاجأتهم ودحرتهم فرجعوا القهقري وقد أصيب شرطيان بجروح طفيفة.
17 -
لجنة التخوم العتيدة
كان قد قرر في المعاهدة العراقية البريطانية التركية أن تكون في البلاد لجنة تخوم عتيدة تعقد مرة في كل ستة أشهر ويكون أعضاؤها من الدولتين المتجاورتين العراقية والتركية في موطن معين للنظر في ما حدث أو
يحدث من تعديات الناس والرجال بعضهم على بعض في جانبي خط التخوم. وقد عقدت اللجنة نيتها على الاجتماع لأول مرة في زاخو لهذه المدة الأولى ويحتشد الأعضاء في هذا الشهر.
والأعضاء هم متصرف الموصل ومفتش الإدارة عن العراق؛ ووكيل قائد التخوم ووالي
الهكارية عن تركية. وبعد انفضاض عقد الاجتماع يقرر الأعضاء محل اجتماعهم المقبل بعد الستة الأشهر التي تنقضي.
18 -
مركز لاسلكي في الرطبة
فتحت حكومتنا في 11 أيلول مركز برق لاسلكي وديوان بريد في الرطبة (الواقعة على بعد 300 ميل من غربي بغداد) تسهيلا لمصالح المسافرين بين سورية والعراق.
العدد 39
الدرع الداودية
القصيدة التي نظمها داود باشا حينما تخلى عنه أعوانه ومريدوه ونبذوه نبذ النواة فاستاء من سلوكهم هذا الذي لم يكن يتوقعه منهم بعد أن احسن إليهم ورفعهم إلى أعلى المناصب.
أما أن للأحباب أن ينصفوا معنا
…
فزاغوا وما زغنا وحالوا وما حلنا
نعم هجروا واستبدلوا الوصل بالجفا
…
وخانوا عهودا ماضيات وما خنا
رعينا حقوقا لا علينا نعم لنا
…
عليهم حقوق سالفات ولا منا
وفينا ولم نغدر فكان جزاؤنا
…
جزا أم عمرو فافهم اللفظ والمعنى
وأنا لقوم نحفظ الود غيرة
…
ونرعى ذماما أن حضرنا وأن غبنا
وأن جيشوا جيشا من الصد والجفا
…
بنينا من الصبر الجميل لهم حصنا
هم زعموا أن كل برق يخيفنا
…
فخابوا بما قالوا وقلنا وما خبنا
إذا ضيعوا حقي فهم يعرفونني
…
إذا هبت النكباء كنت لهم ركنا
وأني أبي أن ألم بريبة
…
واستعطف الحب اللئيم أو الأدنى
وما كان عيبي عندهم غير أنني
…
إذا بيعت الأرواح لا ادعي الغبنا
وأن قام سوق الحرب أني أشدهم
…
لأعدائهم بأسا وأكثرهم طعنا
وأثبتهم جأشا وأطولهم يدا
…
وأوفاهم عهدا وأكبرهم سنا
واحكمهم عقدا وامنعهم حمى
…
واصدقهم قولا وأوسعهم مغنى
أجامل أقواما ولاء لا مهابة
…
فيزعم قوم أننا منهم خفنا
واسكت إيفاء لود علمته
…
وعندي مقال يحطم الظهر والبطنا
ولو وقفوا يوم الرهان مواقفي
…
لأهديتهم روحي ومالي وما يقنى
فيا أسفي ضيعت عصر شبيبتي
…
بكل خفيف القدر لا يعرف الوزنا
فإن وصلوا حبلي وصلت حبالهم
…
وأن قرعوا سني جدعت لهم أذنا
إذا هم في إسعادنا لملمة
…
ألمت بنا قد أسعفونا فلا عشنا
وظنوا بان الآل يشفي من الصدى
…
فخاضوا به للورد جهلا وما خضنا
وقد بدلوا الغالي الذي تعرفونه
…
بصفقة غبن لا نقيس بها غبنا
ولو علموا ما يعقب الغبن في غد
…
وقيل لهم تبت يداكم وما أغنى
صحائف عندي غيرة قد طويتها
…
ولو نشرت يوما لقصوا لها ذقنا
أجول بطرفي في العراق فلا أرى
…
من الناس إلَاّ مظهر البغض والشحنا
فخيرهم للأجنبي وقبحهم
…
على بعضهم بعض يعدونه حسنا
وشبانهم شابوا المودة بالجفا
…
وشبنا وما للصفو في كدر شبنا
حضرنا متى غابوا بموقف حربهم
…
وأن حضروا في موقف للخنا غبنا
سمرنا مع السمر العوالي لياليا
…
وهم سمروا في ذكر سعدى وفي لبنى
جفوا فوصلنا حبلهم بعد قطعه
…
فدع منهم يبدو الجفاء ولا منا
إلا نخوة منهم فيصغون للذي
…
أيادي سبا قد لاعبت ذلك المغنى
إلا حازم للرشد شد حزامه
…
لداهية ينسى بها الطائر الوكنا
إلا مرشد منهم عن الغي قومه
…
فيوقفهم منه على السنن الاسنى
إلا دافع عن قومه بغي ظالم
…
إذا فقدوا في الحرب من ينطح القرنا
وكان إذا أبدى التشاجر نابه
…
يفرون مثل الجمر عنه وما كنا
ومن كل ناموس وبأس تخلصوا
…
كما نحن من غل وغش تخلصنا
لقد حملوا ما يثقل الظهر من خنى
…
كأنهم من ماله حملوا سفنا
متى تعتذر أيامنا من ذنوبها
…
وهيهات من عذر لمومسة لخنا
فكم طحنت قوما بجؤجوء صدرها
…
وما أصلحت يوما دقيقا ولا طحنا
وعصبة لؤم قد تناجوا لحربنا
…
فيا ويحهم ماذا يلاقونه منا
تراموا وحاشا المجد أن يتقدموا
…
علينا وهاموا بالأماني وما همنا
وطاشوا ببرق خلب لا أبا لهم
…
وسلوا علينا المرهفات وما خفنا
فقل لي بماذا يفخرون على الورى
…
إذا عدت الأباء أو ذكر الأبنا
فهبهم على المجد الأثيل تسنموا
…
ألا يعلمون المجد بالقول لا يبنى
إلا غيرة تدعو الصريخ إذا دعا
…
ليوم عبوس شره يوقظ الوسنى
طوينا عن الزوراء لا در درها
…
بساطا متى ينشر نعد به طعنا
وأني وأن كنت أبنها ورضيعها
…
فقد أنكرتني لا سقاها الحيا مزنا
إلى الله أشكو من زمان تخاذلت
…
خيار الورى فيه وساؤوا بنا ظنا
وباع بفلس كل خل خليله
…
وصار الكريم الحر يسترفد القنا
إلا مبلغ عني سراة بني الوغى
…
وإقبال عرب كيف صبرهم عنا
أهم بأمر الحزم في حومة الوغى
…
ومن ناهز السبعين أنى له أنى
إذا كفي اليسرى أشارت لناقص
…
قطعت لها زندا وألحقتها اليمنى
وأنا إذا صاح الصريخ لحادث
…
اجبنا ولبينا لمن فيه أنبأنا
على الكرخ في الزوراء مني تحية
…
وألف سلام ما بها ساجع غنى
صحبتهم طفلا على السخط والرضى
…
وشبت فلا سيفي أفاد ولا أغنى
رواها رزوق عيسى عن الكونت فيليب دي طرازي
النفوس الخاملة
تعود ذم الدهر قوم خطاهم
…
قصار عن الحسنى طوال إلى النكر
ولو انصفوا ما ذم منهم امرؤ
…
وذموا نفوسا قد قعدن عن الخير
محمد بهجة الأثري
المحامل العربية
1 -
توتير
لله درك، أيتها اللغة العربية! كلما شاخت اللغات، وهرمت، وولت، تألق نور شبابك، وغض اهابك، وتجلى وئامك لرقي معارف أبناء العصر! وكلما قدمت تلك الألسنة، وعتقت، وبليت، زدت جدة، ورخوصة، وبضوضة!
كنا نظن انك تقصرين في تأدية النطق ببعض الألفاظ التي لم يتصور إنك تجدين لها مقابلا في كنزك اللغوي، لأن تلك الأمور أو تلك المعاني أو تلك الأوضاع لم تكن تخطر على بال المنتمين إليك، وإذا بك تؤدين تلك المصطلحات احسن تأدية، وتوفينها حقها من الضبط والأحكام والإتقان، حتى لنظن أن لمصطلحك خير من مصطلحهم.
عند الإفرنج كلمة (انكنابل ويراد بها كتاب برز إلى عالم الوجود في أول عهد الناس بالطباعة. والكلمة الإفرنجية مشتقة من اللاتينية ومعناها المهد، كأن الكتاب وجد في زمن كانت الطباعة في مهدها.
وكنا نظن أننا لا نلقي لها ما يقابلها في لغتنا الضادية. والحال أننا وجدنا في المخصص لأبن سيده، قوله في باب الكتاب وآلاته (4: 13)؛ المحمل (أي وزان مجلس): الكتاب الأول. وهو وصف يوافق لما نريده كل الموافقة.
فالكتب المطبوعة يوم كانت صناعتها في مهدها، هي الكتب الأولى، بالنسبة إلى ما جاء من بعدها، ولهذا صح أن نقابل بها ما يسميها الإفرنج (انكنابل)، ولا سيما لأن في أصل مادة ح م ل ما يساعد على اتخاذ هذا اللفظ؛ فكأن النسخ الجديدة المطبوعة بعد هذه النسخ القديمة الآمات تعتمد عليها في وقوفها أو في انتظامها اعتماد الجديد الضعيف على القديم القويم الراسخ القدم، إذ من معاني المحمل المعتمد. والمحمل أيضا موضع تحميل الحوائج وهو
كذلك. إذ عليه تقر وتقوم جميع المطبوعات كما يقوم أعلى البناء على الأساس الذي هو موضع قوام البناء.
ومن معاني المحمل أيضا: الهودج (وهو في هذا المعنى يأتي على وزن منبر ومجلس) وهو يوافق أيضا للمعنى الذي ننشده هنا. ولا سيما لأنه يكاد يلائم الحرف الإفرنجي في
الوضع، فكما أن الإفرنج سموا مسماهم باسم متخذ من المهد، كذلك يجوز لنا أن نسميه بما سموه هم، أي بلفظ يكاد يعني المهد لأن الطفل يحمل فيه. والهودج يتخذ له أو لكل ضعيف مثله لا يقوى على السير البعيد الشاق.
وعليه سمي الكتاب الأول بالمحمل (أي بالهودج) لأنه كان يومئذ كأنه يوضع في هودج لحداثة وجوده أو لطفولته أو لضعفه. وكل ذلك من باب المجاز الواسع المدخل.
فأنت ترى أن هذه الكلمة كيفما قلبتها، انقلبت بين يديك على احسن وجه لما تريده، كأنها تقول لك في كل وجهة وجهتها: أنا المعنية بقولك: انكنابل.
2 -
المحامل الإفرنجية
يعتبر (محملا) عند الإفرنج، كل كتاب طبع قبل سنة 1500م
والمحامل عندهم على قسمين؛ محامل خشب، أو نقر، ومحامل حروف.
فمحامل النقر، أو محامل الخشب، ما طبع منها في ذلك العهد، وكانت حروفها منقورة أو محفورة على ألواح من خشب.
ومحامل الحروف هي ما صفت حروف كلمها، متخذة من مواد متحركة كانت من خشب في أول الأمر، ثم من مواد معدن كالرصاص وغيره بعد ذلك.
فمن محامل الخشب ما عرفوه باسم: (توراة الفقراء) و (الدوناتس)(وهو كتاب في نحو اللغة اللاتينية) لمؤلفه اليوس دوناتس من نحاة المائة الرابعة للميلاد، وكان تصنيفه معروفا في جميع المدارس كالاجرومية في الديار العربية اللسان. (ومرآة الخلاص) وهو باللاتينية أيضا، وهذه التآليف سابقة لسنة 1440.
ومحامل الحروف كثيرة، إلا أننا نجتزئ بذكر أقدمها وهي توراة
مازارين وقد طبعت بين سنة 1450 و1455، وتوراة شيشرن وهي من سنة 1461 على اقل ما يقال عنها، واغلب الباحثين يظنون أنها لغوتنبرغ نفسه - ومرصوصة (أو براءة بابوية) الغفران لنقولا الخامس (سنة 1454) وزبور سنة 1457 وزينة الفروض الإلهية لدوران (سنة 1459).
واغلب هذه المحامل النادرة لا توجد اليوم إلَاّ في خزائن الكتب العامة منذ عهد بعيد.
المحامل العربية
المحامل العربية هي التي طبعت في سنة 1514 في رومة إلى سنة 1551 في فروق وما جاء بعد هذه السنة لا يعد محملا. وأن كان مما يحتفظ به (راجع لغة العرب 149: 4)
وقد رأينا عند صديقنا البغدادي الدكتور ناجي بك الأصيل كتابا مطبوعا في اللغتين العربية واللاتينية غير معروف عند الوراقين أو صرعى الكتب القديمة ودونك وصفه:
في الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب وهي الصفحة الأولى على طريقة الإفرنج مكتوب في رأس الوجه وهي كلمة لاتينية معناها (في هيدلبرغ) أي طبع في هيدلبرغ وهي مدينة في دوقية بادن (ألمانية) وفي اسفل الوجه هذه الكلمات - ومعناها طبعة يعقوب مليوس سنة 1583 وبين هذين السطرين اللذين في رأس الصفحة وأسفلها نقش ختم كبير يمسكه اثنان من الملائكة وفيه صورة قد رسم فيها يد قابضة على إكليل متخذ من أنواع الأزهار مضفورة على ظهر حية وقد كتب حول هذا كله هذه الكلمات باللاتينية:
65.
ومعناها: (يعقوب مليوس. تكلل ألسنة بكرمك. المزمور 65) فالظاهر من هذا الكلام أن الطابع نشر الكتاب المذكور في أوائل سنة 1583 ويطلب إلى الله أن يباركه فيها ويجعلها ميمونة عليه. وقد وجد في المزمور الخامس والستين (وهو على الحقيقة الرابع والستون) آية توافق هذا الدعاء وهي الآية الثانية عشرة منه ونصها: بارك إكليل ألسنة بكرمك. وفي ظهر هذه الورقة حروف
الهجاء باللغات العبرية واللاتينية والعربية، ويظهر أن الطابع كان يجهل كل الجهل صور الحروف العربية لأنه ابتدأ برسم حروف الهجاء العربية مبتدئا بالياء وخاتما إياها بالألف. مع أنه وضع بازائها الحروف العبرية واللاتينية بوضعها المألوف كما في العربية. فالبائن أن الطابع قلب عمود الحروف العربية فجاء ما كان في الأول آخرا وما كان في الآخر أولا. أي أن الذنب أصبح رأسا والرأس ذنبا بخلاف حروف اللغتين العبرية واللاتينية فأن الترتيب فيهما على احسن ما يرام.
وبعد هذه الحروف ذكر في الصفحة التالية هذه الكلمات العربية مع ترجمتها اللاتينية وهي: أربعة رحال (بمعنى أربعة رجال)، ثلثة عسر رجلا (أي ثلاثة عشر رجلا) ثلثة ماءية رجل (أي ثلثمائة رجل) وفي الصفحات التالية ذكر الأرقام بموجب ترتيبها أي أول ثان (وكتبها ثاني) ثالث. . . ثم بموجب العد أي أحد اثنان ثلاثة. . . وهكذا سار في طريقه من
ذكر حروف العطف والجر والظرف إلى ذكر ألفاظ مختلفة.
أما إذا فتحت الكتب من أوله على الطريقة العربية فانك ترى في مستهله: (بسم الأب والابن والروح القدس اله واحد)
(رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية.) ثم ذكر ترجمة هذه الألفاظ إلى اللاتينية.
وبعد ذلك قال في تلك الصفحة باللاتينية ما معناه: وفيها أيضا (أي في الرسالة المطبوعة: ستة فصول الديانة المسيحية وهي الفصول الأولى باللغة العربية. وقد أضيف إليها في الآخر خلاصة النحو العربي لمؤلفها رثغرس سبي.
وفي تلك الصفحة الأولى آية من كتاب دانيال النبي من الإصحاح السابع بالحرف العبراني ثم آية من القديس بولس إلى أهل فيلبي مأخوذة من الإصحاح الثاني مدرجة بحرفها اليوناني.
وفي الصفحة التي تلي هذه الورقة الأولى مقدمة طويلة عريضة يوجهها المؤلف إلى صاحب السمو والشهرة البدء (أي البرنس) لويس (أو لودوفيكس) دوق بفارية يذكر له فيها سبب تأليف هذا الكتيب وهو أن اللغة العربية هي من اللغات القديمة ويجب تعلمها لأنها توصلنا إلى إتقان اللغة العبرية التي هي أول
اللغات وأقدمهن. وأن أصحاب اللغات الشرقية بقوا مجاورين بعضهم لبعض بعد الطوفان، ولهذا تتشابه لغاتهم، بخلاف أصحاب سائر اللغات فانهم تفرقوا في أنحاء المعمورة منذ أول عهد البشر بالمهاجرة والظعن، فاختلفت لغاتهم، وتباينت لهجاتهم إلى يومنا هذا. ثم يقول: يحسن بنا أن نتقن لغات الشرق لنشر الديانة المسيحية بين أولئك الذين يجهلونها، أو لا يعرفون محاسنها، وعلى هذا الوجه نستفيد ونفيد. فموضوع المقدمة إذن ديني لغوي تاريخي.
والمقدمة طويلة في 14 صفحة ثم يليها صفحة ونصف وفيها كلام عنونه (إلى القارئ) وبعد ذلك آيات بالعبرية والعربية مكتوبة في وجهين وبعد ذلك يبتدئ كتابه بقوله: (رسالة إلى أهل غلاطية. وهي من العدد الرابعة (كذا) ثم ينتقل إلى ذكر تلك الرسالة على صفحتين: صفحة عربية وصفحة لاتينية. وهو ينقل باللاتينية المكتوبة على الصفحة اليسرى من القابض على الكتاب ما جاء في النص العربي سطرا بسطر. وخط النص العربي قبيح المنظر كتبه أحد الإفرنج بقلم سيئ البري، أو بريشة إفرنجية القط. والكلمات
كلها منقورة في الخشب وليست مركبة من حروف متقطعة، وهذا ما يتبين لك إذا ما أنعمت النظر في تركيب الكلم واتصال حروفها بعضها ببعض.
وعدد أوراق الكتاب كله 42 أي ما يساوي 84 صفحة وطول الصفحة 19 سنتيمترا في عرض 15 سنتيمترا. وهو مغلف غلاف اربد (رمادي اللون) أحمر الأطراف. اشتراه صاحبه في ألمانية لغرابته وندرته.
ومن العجيب أن العلامة كرستيانس فريدريكس دي شنوزر الألماني صاحب كتاب خزانة الكتب العربية الذي ذكر فيه أنواع الكتب العربية المطبوعة في العالم منذ أول عهد الطباعة لم يذكر هذا المصنف في باب كتب النحو ولا في باب النصرانيات ولا في أي باب كان. وهذا مما يحملنا على الظن أن هذا الكتيب لم يطبع منه نسخ كثيرة أو لم يذع في أوربة مما يجعله ذا ثمن عند الأدباء الوراقين، وكذلك لم يذكر هذا الكتاب كل من بحث عن تاريخ المطبوعات العربية في أول عهدها كجرجي زيدان وغيره. ولهذا أشبعنا الكلام في وصفه.
علم العقود
1 -
تعريفه وموضوعه وفائدته
هو حساب يتم عمله على عقود أصابع اليدين. للإشارة إلى العدد المنوي ذكره بين اثنين في المذاكرة.
وموضوعه: عقود الأصابع.
وفائدته: ضبط الأعداد من أول مرتبة الآحاد إلى عشرة الآلاف، مع الزيادة والنقصان بدون آلة خارجية، وفهم بعض الأحاديث التي فيها إشارة إلى هذا العلم.
وهذا العلم كثير النفع للتجار وغيرهم، ولا سيما عند استعجام كل من المتبايعين، وعند فقد آلات الكتابة والحساب.
ويقال لحساب العقود (حساب الجمل) أيضا لأجماله من بين المحاسبات أو لكونه من أجملها وأحسنها لعدم وقوع الالتباس فيها على من يحذقها، ومن أسمائه: حساب اليد.
2 -
تاريخ انتشار هذا العلم
كان هذا العلم حساب العرب في أيام جاهليتهم، فانهم اجتنبوا ما يحتاج إلى آلة، ورأوا أن ما قلت آلته، وانفرد الإنسان فيه بآلة من جسمه، كان اسهل وانسب لغرضهم.
3 -
الكتب المؤلفة في هذا العلم
اذكر للقراء الكرام أسماء بعض المؤلفات التي عثرنا عليها أو سمعنا بها وهي:
1 -
رسالة للشيخ حسين الكيلاني
2 -
رسالة للسيد محمود الرشتي
3 -
رسالة لشرف الدين اليزدي
4 -
رسالة للميرزا محمد علي الجهاردهي الكيلاني
5 -
رسالة للشيخ يوسف بن محمد الكيلاني. وهذا التأليف الأخير أوجز من بقية المؤلفات وانفع.
ونظم في هذا العلم أراجيز كثيرة منها:
1 -
أرجوزة لابن حرب
2 -
أرجوزة لشمس الدين محمد بن احمد الموصلي
3 -
أرجوزة لأبي الحسن علي المعروف بابن المغربي، وقد شرحها عبد القادر بن علي بن شعبان العوفي.
وهناك كتب ذكر فيها هذا العلم استطرادا: كشرح الجلي للشيخ احمد أفندي البربير. ومجمع البحرين لفخر الدين الطريحي، ومجمع البيان لأبي علي الطبرسي، ولسان الخواص للمولى محمد القزويني، وأربعين المجلسي، وأربعين الشيخ إبراهيم الخوئي، وكفاية الحساب لنجم الملك الميرزا عبد الغفار، وبلوغ الأرب في أحوال العرب، وشرح القاموس بالتركي، وغياث اللغات وفرهنك، وللأب انستاس ماري الكرملي صاحب هذه المجلة مقالة طويلة أدرجت في مجلة المشرق 119: 3 إلى 123 و169 إلى 171 وشرح أرجوزة شمس الدين محمد بن احمد الموصلي الحنبلي في المجلة المذكورة 171: 3 إلى 174
4 -
بيان هذا العلم
لا يخفى أن القدماء وضعوا (38) صورة للأصابع الخمس اليمنى والخمس اليسرى من اليد لضبط الأعداد من الواحد إلى العشرة الآلاف. وضابطه إجمالا انهم جعلوا صورة منها للأصابع الخمس اليمنى لضبط العدد من الواحد إلى 99 و19 ص
ورة أخرى للأصابع الخمس اليسرى لضبط العدد من 100 إلى 10000 لأنهم جعلوا الخنصر والبنصر والوسطى من اليد اليمنى، لعقود الآحاد، أي للواحد إلى التسعة، وجعلوا عقد السبابة والإبهام منه لعقود العشرات، أي للعشرة إلى التسعين، وجعلوا الخنصر والبنصر والوسطى من اليد الشمال، لعقود المائة أي للمائة إلى 900 وعقد السبابة والإبهام منه لعقود الآلاف. أي للألف إلى 9000
فصور عقود الواحد إلى التسعة وصور عقود المائة إلى 900 سيان وكذا صور عقود العشرات والألوف، فالتفرقة والاعتبار يكونان باليمين واليسار
لأشكال متحدة الصور؛ مثلا: ضم الوسطى مع الخنصر والبنصر وطوق العقدة السفلى، بحيث تمتد الأنملة حتى تصل إلى الرسغ، (وهو هنا مفصل ما بين الساعد والكف) دال على التسعة في اليمين وعلى 900 في اليسار وكذا وضع رأس ظفر السبابة، على مفصل العقدة الثانية من الإبهام في
اليمين، دال على التسعين، وفي اليسار على 9000. فلا فرق بين صورة اليمنى واليسرى بالكيفيات والهيئات فالتمييز في هذا الأمر يكون باليسار واليمين لا غير.
ومن المعلوم أن الأصابع التي للآحاد تضيق عنها لأنها ثلاث والآحاد تسعة فلا يمكن ذلك إلَاّ بتبديل وتغيير وكذا أصابع العشرات والمئات والألوف، فطريق كيفية عقود الأنامل تفصيلا هو انهم عينوا من أوضاع أصابع اليمنى، لعقد الواحد فقط وضع رأس الخنصر فقط على الكف بحيث يكون رأسه قريبا؛ وللاثنين وضع البنصر أيضا معقودة معه كذلك؛ وللثلاثة وضع الوسطى معهما أيضا كذلك، كما هو المتعارف بين الناس عند عد هذه الأعداد، بحيث يوضع رؤوس الأنامل قريبة من أصولها من دون أن يوصل إلى الكف؛ وللأربعة رفع الخنصر مع وضع الباقية بحال المثناة؛ وللخمسة رفع الخنصر والبنصر مع وضع الوسطى؛ وللستة وضع رأس البنصر فقط على وسط الكف منبسطا مائلا إلى جهة الرسغ؛ وللسبعة وضع الخنصر فقط عليه كذلك مع رفع البنصر؛ وللثمانية ضم البنصر إليه في هذا الوضع؛ وللتسعة ضم الوسطى إليهما كذلك.
فالمشروط في هذه الثلاثة الأخيرة. أي من السبعة إلى التسعة بسط الأصابع إلى الكف كما أشير إليه مائلة أناملها إلى جهة الرسغ، وهذا الشرط هو لعدم الالتباس بالثلاثة الأول أي من الواحد إلى الثلاثة؛ فهذا تمام الكلام في تعريف الآحاد.
وأما للعشرة فيوضع رأس ظفر السبابة على العقدة الفوقانية من الإبهام لتصير الإصبعان معا كحلقة مدورة.
وللعشرين يوضع ظهر ظفر الإبهام تحت طرف العقدة التحتانية من السبابة على وجه ترى أنملة الإبهام مأخوذة بين أصلي السبابة والوسطى: بحيث يتصل شيء من ظفر الإبهام بذلك الجانب؛ ويظهر بعض أنملتها العليا بين أصلي المسبحة (وهي الإصبع التي تلي الإبهام) والوسطى: متصلة بالوسطى؛ أو غير متصلة لأن الوسطى؛ لا دخل لها في عقود العشرات؛ وإنما أوضاعها إلحاد؛ كما عرفت.
وللثلاثين يوضع رأس أنملة السبابة على طرف ظفر الإبهام الذي يليها؛ مع انتصاب الإبهام على وجه يشبه وضعها وضع القوس والوتر؛ وقيل حينئذ يجوز أن يعرض للإبهام انحناء أيضا.
وللأربعين يوضع باطن أنملة الإبهام على ظهر العقدة التحتانية من السبابة؛ على وجه لا يبقى بينهما فرجة أصلا.
وللخمسين يوضع الإبهام على الكف محاذيا للسبابة مع انتصابها.
وللستين يوضع باطن العقدة التحتانية من السبابة على ظهر الإبهام مع انحنائه كما يفعله الرماة عند الرمي.
وللسبعين توضع أنملة السبابة أو عقدتها على أصل ظفر الإبهام مع انتصابه بحيث يبقى تمام ظفره مكشوفا.
وللثمانين يوضع طرف أنملة السبابة على ظهر العقدة الفوقانية من الإبهام مع انتصابه.
وللتسعين يوضع رأس ظفر السبابة على العقدة التحتانية من الإبهام كما كان يوضع على مفصلها الأعلى في عقد العشرة.
فهذا آخر الكلام في بيان العشرات الموضوعة في عقود السبابة والإبهام من اليد اليمنى، فيعد بها مع انضمام عقود الخنصر والبنصر والوسطى من الواحد إلى تسعة وتسعين.
وأما المائة فقد تقدم أن عقد المائة في اليد اليسرى كعقد الآحاد في اليد اليمنى وذلك في ثلاث أصابع أي أن كل وضع دال من اليمنى على عقد من الآحاد يدل في اليسرى على المائة؛ والحاصل أن كل عقد يدل في اليمنى على العشرات يدل في اليسرى على الألوف.
فبهذه الأوضاع الستة والثلاثين تعرف عقود الواحد إلى تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين وللعشرة الآلاف يوضع طرف أنملة الإبهام على طرف السبابة بحيث يصير ظفراهما متحاذيين متساويين؛ والظاهر عدم اختصاص اليمنى أو اليسرى بذلك في أصل الوضع.
هذا ما أردت ذكره عن علم العقود والله الموفق.
محمد مهدي العلوي
2 -
نموذج من تراجم القراء
الحافظ عثمان الموصلي
يمر الناظر في كتب التاريخ وسير النوابغ على غرائب وعجائب من الأنباء والحكايات والنوادر؛ يقف العقل دونها مبهوتا. ويتردد في قبولها ورفضها متحيرا، بل يكاد يجزم بوضعها ويعتقد بطلانها اعتقادا لا مجال للامتراء فيه لو لم تتواتر وينقلها الإثبات؛ ثم تؤيدها آثارهم ونتائج قرائحهم؛ ويشاهد أناسا من نوعهم جمع الله العالم كله فيهم. كأنهم خلقوا ليكونوا تذكرة لمن مضى وحجة على من جحد الآيات.
ومن شاهد الحافظ عثمان الموصلي آمن قلبه بتلك الأنباء إيمان شعر أمية ابن أبي الصلت بالله رب العالمين. وأذعن لكل ما يرويه المؤرخون من الأنباء الغريبة في سير العالمين.
ولد الحافظ عثمان في الموصل سنة 1271هـ في حجر أبيه الحاج عبد الله بن الحاج فتحي بن عليوي المنسوب إلى بيت الطحان. وفقد بصره صغيرا. وتوفي أبوه وهو في نحو السابعة من عمره، فبقي يتيما؛ فرآه السري الفاضل محمود أفندي العمري؛ وتفرس أن يكون أهلا للتربية والتثقيف؛ فأخذه إلى بيته وخصص له من يحفظه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا وحفظ السيرة النبوية وطرفا من الأحاديث الصحيحة وجانبا كبيرا من الشعر. ثم رتب له من يدربه على اللحن والإيقاع ويعلمه الموسيقى حيث أنه رزق صوتا معبديا ينعش الأرواح، من كبوات الاتراح، وجرسا غريضيا يخرس الأطيار في أعالي الأشجار - فلم يزل يعاني الصنعة حتى جاءت منه آية نسخت آية إبراهيم بن ميمون الموصلي؛ فحلق طائر صيته في سماء العراق، وأصبح حديث المحافل والنوادي في الأصقاع والآفاق. فلما توفي مربيه العمري قصد بغداد:
وقبل كانت له بغداد عاشقة
…
تقضي بذكراه أوقاتا وأزمانا
على السماع به باتت متيمة
…
(والأذن تعشق قبل العين أحيانا)
وكان إذ ذاك فيها ابنه الشاعر الأديب احمد عزت باشا العمري فحل ضيفا في بيته فألتف حوله الأكابر وحفت به عيون الأعيان؛ وأصبح في مغاني الزوراء فاكهة الأدباء؛ ونقل الظرفاء؛ وشمامة النبلاء: تتهاداه الأكف من مجلس إلى مجلس ومن ناد إلى ناد والناس يخفون إليه سراعا من كل حدب لسماع قراءته (المولد النبوي) يحيون الليلة بعد الليلة مفضلين التلذذ بأنغامه على لذة المنام. ولا ريب أن البغداديين من ارق الناس طباعا واشدها اهتزازا للأصوات الرقيقة والألحان الشجية كما هو مشهور في التاريخ ومشاهد اليوم؛ فلا
بدع إذا ما تعشقوا صوت الشيخ عثمان ولازموا مجلسه ملازمة الظل لصاحبه.
وبعد أن قضى زمنا في بغداد عزم على السياحة في العالم الإسلامي فشد الرحال إلى الحجاز لأداء فريضة الحج المقدسة. وذكر لي بعض الفضلاء أنه رأى في رحلة لكاتب تركي أنه كان في مكة يخطب في المحافل ويدعو الحجاج إلى الانقياد للعثمانيين وشد أزر الخلافة؛ فسألته عن اسم الرحلة وصاحبها لا تحقق جلية الأمر فلم يكد يتذكر. فإذا صح هذا فذهابه إلى الحجاز كان سياسيا بإيعاز من الحكومة.
ثم قفل إلى الموصل؛ وقرأ القراءات السبع على الشيخ محمد ابن الحاج حسن ثم قصد القسطنطينية وسلك لأمر من الأمور في الطريقة القادرية والمولوية. وحصل على مقام كبير.
ثم سافر إلى سورية ومنها إلى مصر للاجتماع بمغنيها الطائر الصيت عبده الحمولي فلازمه واستفاد من طريقته الحديثة التي وفق فيها بين المزاجين المزاج العربي والمزاج التركي؛ وقد رأيته كثير الإعجاب به حتى إذا ذكره زفر وبكى عليه. وقد اخذ في مصر القراءات العشر عن كبار القراء وأساتذة التجويد كما اعجب به المصريون وتتلمذ عليه كثيرون في الموسيقى التركي؛ كما جاء في كتاب الموسيقي الشرقي لمحمد كامل الخلعي وغيره. واصدر فيها مجلة لم تمتد حياتها حيث أوفده السلطان عبد الحميد إلى طرابلس الغرب لعجم عود الإمام السنوسي وسبر أغوار مقاصده السياسية فأحس السنوسي بالغرض من مجيء
الشيخ عثمان فاكرم مثواه واحسن إليه ثم جهزه فعاد أدراجه إلى الأستانة ثم إلى بغداد فاتفق أن دعا على رؤوس الأشهاد في جمع كثيف لسلطان العجم فنفاه تقي الدين باشا والي بغداد إلى سيواس. وبعد منفاه ذهب إلى الأستانة فعين أستاذا للموسيقي في إحدى مدارسها. وتزوج فيها، وبقي فيها زمنا طويلا في نعيم مقيم وإجلال وتعظيم إلى قبيل الحرب الكبرى فبعثه الحنين إلى سكنى العراق فجاء دار السلام ونزل ضيفا في (بيت خيوكه) أمام دارنا القديمة في الرصافة فهرعت إليه الناس وتجاذبته أيدي الكبراء وأمسى عند كل ذي عين، جلدة ما بين الأنف والعين. وعاد الناس إلى سيرتهم الأولى معه من إحياء الليالي بقراءة (المولد النبوي) ونصب في أخرته شيخا للقراء؛ وقرأت عليه قبل نصبه سورة لقمان على السبع، وفجعت مدينة السلام بوفاته في اليوم الخامس عشر من
جمادي الآخرة سنة 1341هـ وكان يوما شديد المطر كثير الرعد والبرق فلم يسمع كثير من الناس بموته إلَاّ بعد دفنه رحمه الله.
كان عثمان آية الزمان
كان هذا الرجل آية الزمان في سعة أدبه وعلمه وفرط ذكائه وفطنته ورقة شعوره وإحساسه. وبراعته في فن الموسيقي وتفننه في قراءة القرآن المجيد.
كان إذا قرأ القرآن تخيلت (اببا) يترنم بصوته الرخيم. يقرأ القراءات العشر بتفريع وتنقل يدهش السامعين فكان بعض الناس يتوهمون أنه غلط أو حرف فيردون عليه فيصرخ: (اسكت! ليس بشغلك!). ومما كان يزيد حسن صوته الرخيم الذي يملأ النفوس ويستفز الشعور تجويده للقراءة وأداؤه المعاني حقها كأن يهول حيث يجب التهويل؛ ويتلطف حيث يجب التلطف ونحو ذلك مما لا يعقله إلَاّ العالمون بمعاني التنزيل ومواقع الكلام.
أما (المولد النبوي) فبعد أن كان القراء أو قل (المغنون) خاملين في الصنعة لا يعرفون سوى الاسترسال في نغمة واحدة من البداءة إلى النهاية حتى تكاد تزهق من سماعهم الأرواح. وبعد أن بار سوق الغناء في دار السلام ولم
تبق له اقل قيمة واعتبار عند الناس - أصبح بما وصل إليه الشيخ من الابتداع والاختراع الذي لم يعرفه العراقيون من قبل، من ضروريات الحياة في نظر الناس. فما كانوا يسمعون به يقرأ في بيت إلَاّ وانسلوا إليه من كل حدب وضاق المكان بالشيب والشبان فكان (كما قال سيد الشعراء احمد شوقي المصري في مغن):
يخرج المالكين من حشمة المل
…
ك وينسي الوقور ذكر وقاره
رب ليل أغار فيه القماري
…
وآثار الحسان من أقماره
بصبا يذكر الرياض صباه
…
وحجاز ارق من أسحاره
وغناء يدار لحنا فلحنا
…
كحديث النديم أو كعقاره
وأنين لو أنه من مشوق
…
عرف السامعون موضع ناره
يتمنى أخو الهوى منه آها
…
حين يلحى تكون من أعذاره
زفرات كأنها بث قيس
…
في معاني الهوى وفي أخباره
لا يجاريه في تفننه العو
…
د ولا يشتكي إذا لم يجاره
يسمع الليل منه في الفجر يالي
…
ل! ليصغي مستمهلا في فراره
ذكاؤه وفطنته
وما ذكاؤه وفطنته فحدث عن البحر ولا حرج. وكأني بمن لم يزل يتردد في تصديق ما اذكره من غرائبه ونوادره؛ كان مع شيخوخته إذا سمع صوت إنسان عرف أوصافه من حسن ودمامة وطول وقصر وعرف كم سنه. وإذا لمس يد رجل فارقه مدة من الزمن عرفه في الحال. واغرب من هذا وذاك أنه كان يعرف الرجل من قرع نعليه.
وكان يجيد الضرب أيما إجادة على العود والعزف بآلات الطرب بأنواعها واللعب بالدمة (أي بالدامة) والشطرنج وسائر الألعاب العجيبة. ومر يوما في طريق من طرق بغداد فسمع من أحد البيوت صوت عود غير منتظم فعرف حالا أن وترا من أوتاره لم يحكم شده فوقف وطرق الباب وقال: يا ضارب العود احكم الوتر الفلاني وسماه باسمه! فقال الرجل: أنا أردت ذلك بارك الله فيك!
ونوادره أوسع من أن يحيط بها نطاق الحصر.
وأما حافظته فقد كان أمره فيها عجبا. حفظ ما شاء الله أن يحفظ من الشعر والقصص والنوادر، واستظهر في بغداد صحيح الإمام البخاري برمته. وذكر لي شيخنا علامة العراق الإمام السيد محمود شكري الالوسي رحمه الله أنه حاول أن يأخذ عنه العربية. قال: فاشترطت عليه حفظ كل ما القيه عليه وادرسه إياه عن ظهر غيب؛ فتبسم وقال: شرط عظيم! قال الأستاذ: فكان لا يمر على الدرس مرة واحدة إلَاّ ويحفظه بلفظه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه. . . ولقد رأيته يرتجل في المجالس الشعر ولا سيما (التواريخ) ارتجالا فيأتي سهلا لا كلفة فيه ولا يكاد يخطئ في التاريخ.
أخلاقه
كان رحمه الله طيب الحديث لسنا فصيحا لا يمله الجليس حلو العشرة وربما كانت تعتريه الحدة في بعض الأحايين فيتكلم بما يضحك الثكلى، ويذهب بثقل الحبلى، ولكن الغالب على طباعه سلامة الصدر وطيب السريرة وكثرة الوفاء والسخاء وعزة النفس والأباء إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي حرمها اكثر العمي.
وكان صادقا في لهجته غيورا على مصالح أمته. ومواقفه الوطنية في الثورة العراقية أشهر من أن تذكر فقد كان الناس بحجة قراءة (المولد النبوي) يحيون الليالي في المظاهرة على الحكومة المحتلة ويتناشدون الأشعار الحماسية ويلقون الخطب الوطنية كأنها الشرر. فيأتون بالشيخ عثمان رئيس القراء فيفرع المنبر ويأخذ في ارتجال الشعر والخطب المحرضة حتى يترك الناس على اشد من الجمر ويدعهم يتلهفون للطعن والضرب في ساحة الوغى!
لباسه وخلقه
كان يلبس سروالا وجبة وبرأسه طربوشا أصفر طويلا كالذي تلبسه المولوية في فروق والشام ثم استبدل منه قبل وفاته بثلاث سنوات (الكشبدة) وهي عمامة فيها وشي.
وكان قوي البنية كبير الجسم ممتلئة ربع القامة اسمر اللون أشقر الشعر جهير الصوت بطيء السير يقوده أحد تلاميذه غالبا وكثير من الناس. وإذا
ترك وحده سرقوا كيسه أو سبحته أو عصاه أو حذاءه، فتثور ثائرته ويخرج به الأمر إلى سب نفسه والعربدة على الله. . .! ثم يثوب إليه رشده فيستغفر ويتوب!
تآليفه
خدم رحمه الله العلم والأدب خدمة جليلة بنشر بعض آثار كبار العلماء والأدباء فنشر ديوان عبد الباقي العمري الشاعر الشهير، وكتاب الطراز المذهب. وكتاب الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية: وكلاهما من تآليف شيخ مشايخنا الإمام المفسر الخطير أبي الثناء شهاب الدين محمود الالوسي. ونشر كتاب التوجع الأكبر بحادثة الأزهر. وخواتم الحكم في التصوف ولم اطلع عليهما.
وله شعر كثير من جملته تخميس بائية عبد الباقي العمري في رثاء الحسين رضي الله عنه، وتخميس لامية البوصيري المفتوحة وتخميس قصيدة الشيخ مصطفى البكري، وتشطير قصيدة لابن المقري الشهير يزعمون إنها تقرأ على عشرة ملايين من الأوجه!! وقد ذكرها الخزرجي في طبقاته وشرحها في مجلد لطيف. وقد جمع كل ذلك بمجموعة في 50 صفحة دعاها (الأبكار الحسان في مدح سيد الأكوان) وطبعت خمس مرات.
وانشأ في مصر مجلة باسم (المعارف). قالت فيها مجلة (البيان) للشيخ إبراهيم اليازجي:
المعارف - ورد علينا العدد الأول من مجلة معنونة بهذا الاسم لصاحبها ومحررها الفاضل منلا عثمان أفندي الموصلي وهي علمية سياسية تاريخية أدبية أخبارية، وفيما نعهده في حضرة محررها المشار إليه من غزارة الأدب والبراعة في صناعة الإنشاء ما يضمن لها التقدم بين الصحف العربية.
محمد بهجة الأثري
الألفاظ الارمية
في اللغة العراقية العربية
اللغة الارمية من اللغات السامية، كالعربية، والعبرية، والفينيقية، والحبشية، وهن بنات أم واحدة مفقودة؛ وتطلق اللغة الارمية على السريانية. والكلدانية، والفلسطينية، والمندائية، وما تفرع منها من اللغات كالتي يتكلمها اليوم الاثوريون، والكلدان المسيحيون في إيران وكردستان وفي قرى الموصل والنازحون منها إلى بغداد والبصرة ويهود زاخو وقصر شيرين وكرند، وعدد من السوريين كالساكنين في معلولة ونجعة وجب عدين.
ولقد كانت الارمية في أيام عزها ومجدها، اللغة السائدة في رقعة واسعة من الكرة الأرضية تحدها شرقا بلاد فارس وغربا البحر المتوسط وشمالا بلاد الأرمن واليونان في آسية الوسطى وجنوبا جزيرة العرب.
وبقيت هذه اللغة من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن السابع بعده اللغة السامية الوحيدة - إن استثنينا اللغة العربية - ترجمانا للأعراب عن آراء الساميين والتعبير عن أفكارهم في غضون اثني عشر قرنا.
وبعد استيلاء الفرس على بابل بقيت اللغة الارمية لغة رسمية وكان ملوكهم يصدرون مراسيمهم بها (راجع سفر عزرا 7: 4) وتعلم اليهود هذه اللغة في منفاهم في أرض بابل وكتبوا بها كتاباتهم الدينية والأدبية. وكانت إحدى اللغات الثلاث في بلاط الاكاسرة.
هذا فضلا عن إنها إلى هذا العهد اللغة الدينية للنساطرة، والكلدان، واليعاقبة، والسريان، والموارنة، وبعض نصارى ملبار في الهند، وبها بشر الكلدان بالدين المسيحي في بلاد الصين، وبواسطتها ازدهرت العلوم عند العرب في عهد العباسيين، وبعد الفتح الإسلامي أخذ يتقلص ظل هذه اللغة رويدا رويدا وحلت محلها اللغة العربية.
إلَاّ أن الارمية خلفت طائفة من الألفاظ يستعملها العراقيون في كلامهم
العربي السوادي ولا يعرفون أصلها فآثرنا أن نجمع عددا منها للإشارة إلى وجودها فيه.
ثم اعلم أن في اللغة العامية العراقية ألفاظا عربية فصيحة وألفاظا فارسية وتركية وارمية وكلما من اللغات الأوربية وقد دخلتها هذه حديثا.
ونحن لا نتعرض هنا للألفاظ الارمية الأصل التي دخلت في اللغة العربية الفصحى منذ القدم كشماس وكهنوت وعماد وبرنساء وما شاكلها. ولا للمفردات التي دخلت الارمية والعربية من الفارسية أمثال: رشتة، كلك، كمر، بربارة، تنورة، كستج (كوستك) الخ. ولا للحروف اليونانية التي من هذا القبيل مثل: لكن أو لقن (للوعاء المعروف) وتليس بمعنى كيس، ويريد به تجار العراق ما يغطي أثواب الأقمشة. كما لا نذكر الألفاظ التي ينطق بها اليهود مثل: كنب بمعنى سرق. وشوخار بمعنى سكر، ومشكنته أي رهن، وبكن أي رطن، وشيقر بمعنى كذب؛ فلهذه جميعها أصول ارمية كما يعلم الواقفون على هذه اللغة.
إنما نقصر مقالنا على الألفاظ الارمية البحتة التي يستعملها العراقيون بمعانيها الأصلية ولا يعرفون حقيقتها إذ لا يتمكنون من الوقوف عليها في المعاجم العربية لخلوها منها.
ومما يؤسف له أن ليس لمطبعة (لغة العرب) الحديثة الوجود حروف ارمية ولهذا اضطررنا إلى أن نكتب أصول تلك الكلمات بحروف عربية منفصلة فحيث وجدتها اعلم أنها تلمع إلى أصل ارمي وأن لم نذكر ذلك.
حروف الأبجدية الارمية اثنان وعشرون على ترتيب حروف الجمل العربية إلَاّ أن في لغتنا سبعة حروف لا مقابل لها في اللغة الارمية وهي: ج (لأن جيم (أبجد) عندهم تلفظ كافا فارسية) ث، خ، ذ، ض، ظ، غ. وهذه الحروف يعتاض عنها في الارمية بوضع نقط على ما يقابلها من حروفهم.
نسير في بحثنا على ترتيب الحروف الأبجدية نظرا إلى أصلها الارمي ليسهل التنقيب على الذين يريدون الاطلاع على المفردات في المعاجم الارمية:
(ابزار) آلة حياكة: من (اب ز ر ا) آلة حياكة تتخلل فيها خيوط السدى
(اشكارة) وهي قطعة من الأرض تزرع وفي الارمية (اش ك ر) أو (اش ك ر ا) بالمعنى نفسه وهي الدبرة في لغتنا.
(بزاغة) معمل الشيرج من (ب ز ر ا) وهو الشيرج بذاته بإبدال الراء الثالثة غينا. ومنها البزار: بياع بزر الكتان وزيته بلغة البغادة في عصر العباسيين وإبدال الراء غينا خاص بلغة نصارى الموصل وبغداد وغيرها.
(بطانية) من (ب ي ط وا ن) وهي البردة والجبة.
(برم الخبز) بمعنى أكله. من (ب ر م) أي قرض، أرض، أكل
(بيتونة) وهي بيت صغير في السطح لحفظ الفراش من الشمس والمطر ويقال له عند بعضهم بيب الفراش؛ وهذه اللفظة مؤلفة من كلمتين بيت أو (بيتا) الارمية ومن (ون ا) وهي أداة تزاد في الآخر للدلالة على التصغير في الارمية؛ ومثل ذلك دربونة أي درب صغير أو دريب على الصيغة العربية ويطلقه العراقيون على الطريق الخاص؛ و (قبونة)(وزان حسون بزيادة الهاء) يقال قبونة تمر بمعنى سلة تمر لأن شكلها بشكل قبة أو قب وبزونة: للبسة الصغيرة إلى غير ذلك من الألفاظ.
(جهجه النهار) من (ج هـ) أو (ج هـ ج هـ) وفي الكلمتين تلفظ الجيم جيما مصرية ومعناها أضاء الصبح، انفلق الفجر (ولم اسمع بهذا الفعل إلَاّ من المسيحيين)
(غوغى الطفل) ابتدأ بالنغم من (ج وج ي) الجيمان فيها مصريتان بالمعنى نفسه. وإبدال الجيم غينا معروف في العربية.
(جومة) آلة الحياكة وهي المنسج ونول الحائك من (ج وم ت ا) بمعنى
الحفرة وذلك لأن المناسج في العراق تنصب في محل يتخذ لها فيه حفرة والحائك يدلي رجليه فيها وقت الحياكة.
(كيش) الضحضاح من الماء. هذا اللفظ مأخوذ أما من (ج وش ا) والجيم فيها مصرية ومفاده: الغور وعمق البئر أو النهر والمخاضة والرق والماء الرقيق. وأما من فعل (ج ش) والجيم مصرية بمعنى جس ولمس وسبر وقاس الماء وصدم وجنح ونشب المركب في الأرض لقلة الماء.
(كاطرة) من (ج ط ر ا) بالجيم المصرية وهي الزوبعة والعاصفة.
(كندر وتكندر) بمعنى دحرج وتدحرج ومنه المثل تكندر الدست لقي (وجد) قبغه (غطاءه) من (ج ن د ر) و (ات ج ن د ر) الجيمان مصريتان بالمعنى نفسه.
(كنكورة) من (ج ن د ور ا) بالجيم المصرية وهي الدحروجة والكرة.
(كردش العظم) ومنه المثل: كردش العظام على شأن العظام من (ج ر د ش) بالجيم المصرية بمعنى عرق العظم وجرده. وفي لغتنا الفصحى: كدش واكتدش منه شيئا أي أصاب منه شيئا.
(الكرص) ومنه كلام شتم (مال الكرص) من (ج ر س) بالجيم المصرية والسين في الآخر بمعنى هلك وباد؛ ومما يؤيد هذا المعنى انهم يقولون: مال الموت، مال الكرص؛ على الترادف. وإبدال السين صادا كثير في العربية ومنه يقال رجل عكص وعكس سيئ الخلق؛ ورصعت عين الرجل ورسعت إذا فسدت والصقر والسقر الخ.
(دكدك) بمعنى دغدغ من (د ج د ج) والجيمان مصريتان واللفظة من الارمية مبنى ومعنى. وهي تضاهي (دغدغ) العربية.
(اطرش دكي) لفظة ذكي هنا مرادفة لكلمة اطرش وهي من الارمية (د وج ا) بالجيم المصرية أو (د ج ا) بالجيم المصرية أي اطرش واخرس.
(داكور) تطلق هذه الكلمة على خشبة يسند بها الجدار وقد يراد بها من باب المجاز الشخص الذي يكون مانعا أو حجر عثرة للغير ويقال دكر يدكر أي منع وقاوم؛ فأن الداكور (د اج ور ا) بالجيم المصرية، ودكر من (د ج ر)
بالجيم المصرية فالأول بمعنى الطارق، والناخز، والزاجر والثائي بمعنى انتهر، وزجر، ودفع.
(دادا) تنادي نساء الأعراب عند وقوع بلاء أو حدوث مصيبة (وا يا دادا) وهذا كثير ما يسمع من البدو ويقوله أيضا من يحمل ولدا صغيرا ويلاقي ولد آخر صغيرا فيقول للولد الذي يحمله (هذا دادا) ويظن بعضهم أن لفظ دادا مشتقة من الفارسية (داد) أي الانتقام والعدل والخلاص والتنهد ومنه كلام العوام من سكن المدن: أصيح داد وفرياد؛ وكلمة فرياد معناها الغوث. وهناك من يقول إنها من كلمة (دادا) الفارسية ومعناها المرضعة ومنها الداية والكلمة مهموزة معروفة منذ عهد العباسيين وعوامنا يستعملونها غير مهموزة ونقلت بصورة الظاعية عند الفصحاء.
أما نحن فنذهب إلى أن كلمة (وا يا دادا!) التي يستغيث بها نساء البادية أصلها ارمي (ددا) بفتح الدالين ومعناها حبيب وصديق وعم وخال ومؤنثها (ددت ا) فكأن العراقية عند ما تستغيث وتقول (وا يا دادا) كأنها تقول: يا حبيباه! يا صديقاه! يا عماه! يا خالاه!
(دحرة) يقال دحرة على كلبك (قلبك) ودحرة بعينك: للشتم. والكلمة مشتقة من (د ح ر ا) ومعناها في الارمية حجر الرحى. ومما يؤيد هذا التعليل قولهم (طاق رحية) بهذا المعنى لحجر الرحى.
(دكلة) جنس من النخل ينبت عفوا من النوى وهو من اردأ أجناس النخل مشتقة من (د ق ل ا) وهي بالارمية النخلة بعينها؛ وقد عرفها العرب بهذا المعنى منذ زمن تقادم عهده؛ جاء في المخصص (132: 11) قال أبو حنيفة كل ما لا يعرف أسمه من التمر فهو دقل.
(دريخ) وهي الحنطة بتبنها بعد الدرس وهي من (د ر ي ك ا) بمعنى الدائس والواطئ أبدلت فيها الكاف خاء.
(درخ) درختني الهموم بمعنى سحقتني من (درك) بمعنى داس ووطئ (بالهون) وأن كان الهون هنا يفسر بالهوينا، أي على رسلك إلَاّ أني أرى أنها من الارمية (هـ ون) أي العقل ولا سيما لأنها تأتي على ألسنة العراقيين
مرادفة للعقل فيقولون (بالعقل؛ بالهون) ولا تخلو لغة القوم من مثل هذه المترادفات.
(هيلة وهيلة عليك) بمعنى زه للاستهزاء من الارمية (هـ ي ل و: هـ ي ل هـ) بهذا المعنى.
(ورور النار) اتقد من (ورورا) بمعنى شرارة النار؛ وقد جاء فعل ورور في العربية كقولهم ورور في الكلام أي أسرع وما كلامه إلَاّ ورورة إذا كان يستعجل فيه؛ وللعامة العراقيين مثل هذا الكلام يقولون: (يورور) وهو (وروري) بياء النسبة وربما اشتق العوام (ورور النار) من فعل ورت النار وريا وورية أي اتقدت.
(زنقطة) بمعنى بثرة أو دملة من (ز ن ط ا) وهي الخراجة الخبيثة.
(زياح) يستعملها المسيحيون بمعنى طواف (دورة) من (ز ي ح) بمعنى حرك وحمل شيئا وطاف به بأبهة وجلالة.
(حويجة أو حويكة) قطعة من الأرض فيها شجر من (ح وي ج ت ا) بالجيم المصرية وهي الغابة والغيضة والكلمة مشتقة من فعل (ح ج) بالجيم المصرية بمعنى الحوط والسور والسياج.
(حياصة) وهي الحزام؛ هذه الكلمة وأن دخلت في العربية الفصحى إلَاّ أنها ارمية مبنى ومعنى من (ح ي ص ا) أي النطاق والحزام والوثاق والكلمة مشتقة من فعل (ح ي ص) أي قمط وزنر وستر. وجاء في المخصص 187: 6 في كلامه عن أدوات الخيل: الحياصة سير في الحزام.
(حيفة) بكسر الحاء وسكون الياء وفتح الفاء: الرجل الداهية من (ح اب ا) بكسر الحاء
وباء مثلثة تحتية: وهو العزوم والشديد القوى.
(حنن الخبز أو الجبن) أي فسد ونتن من (ح ون ا) وهي النتانة والسهوكة والعفونة.
(حمحيم) مرض في الجلد من أعراضه الحكة وظهور البثور أو القشرة والشعور بالتهاب (ح م ي م ا) بمعنى الحميم والهائج والمنتن والفاسد والمسموم.
(حربق) شبك ارميتها (ح ر ب ق) بمعناها أي عقل وشبك وربك. وأظن
أن هذا اللفظ لا يستعمله إلَاّ المسيحيون العراقيون.
(حركش وحركيشة) أي تحجج واحتال ارميتها (ح ر ك ش) بمعنى بصبص وخادع.
(أصفر خروع) و (خروع وزان عبود) تقوله العامة بمعنى أصفر فاقع أي شديد الصفرة ولفظة خروع من (ح ر وع ا) أي أصفر.
(خشل) الخشل - الحلي من ذهب وفضة وحجارة كريمة للزينة والفعل من الارمية (ح ش ل) أي صاغ وسكب. و (ح ش ل ا) المصوغ والمسبوك و (ح ش ل ا) الصائغ.
وقد جاء في العربية الفصحى خشلة أي رذله وحلاه فهو مخشل أي محلى وهو تفعيل يكون للسكب تارة وللوضع أخرى والخشلة الاسورة والخلاخيل كما في اللسان لا رؤوسها. وأنت ترى أن اللفظة ارمية. لوجود الاسم والمصدر واسم الفاعل فيها. وقد جاء عن ابن الأعرابي: امرأة متخشلة - متزينة المخصص 54: 4
(تكز) بمعنى رتب من (ط ك س) أي رتب ونظم وصف ولعلها يونانية.
(لطش) وهو قلب طلش بمعنى العمل غير المنظم من (ط ل ش) أي لزج ودبق ووسخ ودنس.
(طعطع - مطعطع) بمعنى غير ثابت أو غير مستقيم من فعل (ط ع ا) أي ضاع وتاه وباد وهلك وأهمل وأضل.
(طبش في الوحل وطبش في أعماله) من (ط ب ش) بباء مثلثة فارسية أي طفس وقذر ودنس وغلط وحمق وجهل.
(طره بالحجارة) أي ضربه بها من فعل (ط ر ا) بهذا المعنى. وفي العربية الفصحى فعل (طر) ولكنه لا يفيد هذا المعنى. وأقربها إلى هذا المؤدى طر فلانا لطمه وطر الماشية ساقها ولا يتعدى هذا الفعل بالباء كما في الارمية.
(طرطور) بمعنى الرجل المنحط السافر وجاء في العربية الفصحى الطرطور بمعنى الوغد الضعيف. وجاء في الارمية (ط ر ط ر) أي ضرط والطرطور عند العراقيين الضراط ويقولون طرطرت بطنه أي قرقر بطنه. فإنك ترى أن لهذا اللفظ وجهين عربيا وارميا فربما هو من الأوضاع السامية المتشابهة.
(طرن) يقال للرجل الجاهل الغبي. وهو عندنا مشتق من (ط ر ن ا) وهو الظر والصوان للحجر المعروف ومما يؤيد قولنا هذا أن هذه اللفظة تأتي على ألسنة العوام مردوفة بكلمة صخرة فيقولون لا نعلم ما هذا الرجل طرن صخرة؟
(كع) يقول (كعه عني) أي أبعده فأرى أنه من الحرف (ك اا) بمعنى انتهر وزجر بإبدال الألفين عينا وربما يعترض معترض كيف يكون ذلك؟ فأقول أن إبدال الألف أو الهمزة عينا كثير المثال في لغة العرب فيقولون كثأ اللبن وكثع وهي الكثأة والكثعة وهي أن يعلو دسمه وخثورته رأسه؛ وتقول العامة في العراق في مثل هذا قطع اللبن وقطع الحليب ومنه السأف والسعف؛ والآسن (بقية الدسم) والعسن الخ. وفي لغتنا الفصحى جاء كع بمعنى جبن وضعف واكعه جبنه وخوفه وكعكعه حبسه عن وجهه.
(كباش) يقول العراقيون وقع الرجل كباش على الأكل أي أكل أكل جشع وهذه الكلمة ارمية من (ك ب ش) بمعنى دح ودش وحزق أو سحق ومما يؤيد هذا الاشتقاق قولهم بمثل هذا المعنى (دح بطنه) و (سحق).
(كبش)(دولاب الغزل) من (ك ب ش ا) فلكة المغزل.
(كوش كوش) لفظة تستعمل للدلالة على الكلب بلسان الأطفال وأظن أنها من (ك وش و - ك وش و) لفظة يدعى بها الكلب. وفي العربية الفصحى قوش قوش زجر للكلب.
(كمش - كمشة) الكاف مفخمة كالجيم المصرية أي قبض قبضة أصلها إنها من (ك م ش) وتفيد المعنى نفسه، قال صاحب دليل الراغبين في لغة الآراميين سوادية.
(كرخ الماء وكرخ الشيء) بمعنى ساقه برجله جاء في لسان العرب أنها سوادية. وعليه فأن أصلها ارمي من (ك ر ك).
(الكتر - كتره) تريد العامة بالكتر الجانب وكتره (من باب التفعيل) أخره أو تركه جانبا إلى أن تأتي نوبته. أظنها من الارمية (ك ت ر) ومعناها مكث وانتظر وتأخر وترقب
ويظن بعضهم أن الكتر بمعنى القطر بطريق إبدال القاف كافا والطاء تاء. ولهذا الرأي وجه أيضا. ولا سيما قد جاء فعل قطر أو قتر بمعنى جعله في قطر.
(تكش يتكش) يريدون بها اشتغل شغلا بجهد. من (ك ت ش) أي صارع وقاتل وكافح وجاهد وحارب على سبيل القلب بتقديم التاء على الكاف وهذا كثير في العربية الفصحى ومنها قولهم جذب وجيذ. تسكع وتكسع. سفيط وفسيط، للشيء الذي لا قدر له الخ.
(جاث) بالجيم المثلثة الفارسية من (ك ث ا) ما نبت من ذاته بعد الحصاد وقد ورد في العربية الفصيحة الكاث وجاء في تعريفه: ما ينبت مما يتناثر من الحصيد، والتعريف الارمي اكثر انطباقا على ما يريده العراقيون بلفظة (جاث) بالجيم المثلثة. ومما يحملنا على الذهاب إلى أن هذه اللفظة ارمية الأصل أمران: أولهما أن الزراعة والفلاحة كانتا بأيدي الارميين حتى بعد الفتح الإسلامي بزمن غير يسير ومعلوم أن ألفاظ الزراعة ومصطلحاتها من وضعهم، وثانيهما أن في اللسان الارمي فعل (ق ت) بمعنى نشب وانتشب وتعلق وتسمر ودس في الأرض فكأن أصول الزرع تبقى مخزونة في الأرض بعد الحصاد ثم تنبت.
(لبيخة) تطلق أولا على الضماد ومن باب المجاز تطلق على الأمر المعقد واشتقوا منها فعلا فقالوا لبخ أي ضمد ووضع لبيخة. ولم نر في العربية لفعل (لبخ) الفصيح ومشتقاته هذه المعاني. إلَاّ أن فعل (لبك) الشيء والأمر لبكا، بمعنى خلطه كربكه يقارب معنى لبخ العامي، تقول: لبك لباب البر بالشهاد ولبك القوم بين الشاء خلطوا واللبكة المرة والشيء المخلوط وأمر لبك أي ملتبس مختلط. على أن الحرف الارمي (ل ب ك) وأن كان من أصل واحد كالفعل العربي، إلَاّ أنه اقرب إلى ما يقصده العراقيون ب (لبخ ولبيخة) فهو عند الارميين بمعنى تلاءم وتلاحم وتلاصق ومنه أطلقت على الضماد لتلاحم أجزائه. وحرف (ل ب ي ك ا)(والكاف في هذا اللفظ تقرأ خاء) يفيد عندهم الأمر المعقد المبهم و (ات ل ب ك)(والكاف تلفظ فيه خاء) معناه تكاثف وتلبد وتلاحم وقصارى القول أن هذا اللفظ من الأوضاع السامية المتشابهة.
(تلبش به لبشة - بلش به بلشة) أي تحرش وتعلق به. من فعل (ل ب ش) أي شمل وغشى واعترى واحاق؛ ويقولون بلسانهم: (لبش نورا لزبلن) علقت النار بكذا. و (لبش
شدا لبلن) اعترى الشيطان فلانا. ولا يخفى أن فعل لبش الارمي هو مثل فعل لبس العربي معنى ومبنى. ويقول العراقيون (لبني
فلان جبة وقميص) أي لازمني ولم يترك لي راحة. أما بلش فهو من فعل (ب ل ش) أي تحرش وتشبث ذكرها بهذا المعنى الأخير صاحب دليل الراغبين وقال أنها سوادية وعندهم لفظ (ب ل ش ي ا) يفيد معنى جيل من الناس مشهور بالبطش والفتك ويراد به اللصوص والسراق ويعرفهم العرب باسم البلوص على ما ذكرهم ياقوت.
(شله المركب) أي جنح وأظن أنها مشتقة من فعل (ش ل هـ ي) ومؤداه أقفر وأخلى واخوي وافرغ كأن النهر فرغ من الماء. أو أن مأخذها من فعل (ش ل ي) بمعنى سلا وسكن وفتر وسكت وهدأ وبطل وكف كأن المركب بجنوحه قتر عن الحركة وكف عن السير وكثيرون من العوام يقولون: شهل المركب وشهلت السفينة. والكلمة من (ش هـ ل) بمعنى كف وامتنع و (ش هـ ل ا) الوحل والطين وكل مادة سيالة كالرمل فيكون معنى شهل المركب: نشب في الرمل أو في الطين ومنه الساحل في العربية، وربما رقق الآراميون الحرفين السين والحاء فقالوا شهل لأن الساحل من النهر مكان كثير الرمل أو جم الوحل.
يوسف غنيمة
مؤلف مناقب بغداد
نشر محمد بهجة الأثري رسالة اسمها (مناقب بغداد) وطبعها في مطبعة دار السلام ببغداد سنة 1342هـ وقد نقلها عن صورة أخذت من الخزانة التيمورية. ونسب تأليفها إلى جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الشهير بابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ.
وقد شك الناشر في المقدمة التي صدرها بها في صحة نسبها إلى المؤلف المذكور. إلَاّ أنه بني شكه على عدم ذكر هذه الرسالة بين مؤلفات ابن الجوزي ولم يزد بيد أن هناك سببا آخر يقف عقبة كأداء في نسبها إلى جمال الدين أبي الفرج وهو ما جاء في ص34 من الرسالة المطبوعة نفسها عند ذكر غرق بغداد في السنوات 614 و646 و654 فيستنتج من هذا أن المؤلف الحقيقي لم يعمر كثير بعد هذا التاريخ وانه من المسمين بابن الجوزي. فنظرا إلى ما تقدم أرى أن مؤلف الرسالة هو الشيخ أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المقتول في فتنة التتار في بغداد سنة 656هـ وهو أيضا مؤلف كتاب
الإيضاح لقوانين الاصطلاح ولابد من الوقوف على نص صريح يؤيد هذا الرأي لمن يبحث في هذه المسئلة.
يوسف غنيمة
الزهر القتيل
وصف الزهر الذابل طي كتاب الحبيبة
أجريت للزهر القتيل دموعي
…
وأثرت من قلبي وفي ولوعي
قبلته وشممته وضممته
…
وحنينه مثلي حنين رجوع
أرسلته طي الكتاب فمات في
…
كنف الجمال الحاكم المتبوع!
أودى الفراق به، وقد كفنته
…
برسالة الحب المثير نزوعي
فوددت لو أني القتيل مكانه
…
بيديك. . . لا أرضى رجاء شفيع!
لم يبق منه سوى تحيتك التي
…
فاحت كما فاحت جنان ربيع!
وكأنما هي فيه روح دائم
…
رغم الذبول فمات غير جزوع!
واعتز في الظرف العزيز كأنه
…
ملك بتابوت السنا المطبوع!
وكأنما الأحلام قد زفته لي
…
من سالف الإعصار لا الأسبوع؛
شكرا معذبتي وألف ضراعة
…
لجمالك الجاني الضمين خضوعي!
من صفو وجداني ونبع عواطفي
…
من كل إحساس ومن مجموعي
أنسيتني بالإنس حولك وافرا
…
من منظر ضاح ومن مسموع
وأنا أئن بغربتي في حسرة
…
وكريهة المحروم والمفجوع
حتى ذكرت شقاوتي فبعثت لي
…
هذا العزاء لقلبي المصدوع!
من ذا الذي جعل الضحية سلوة
…
إِلَاّك، والإرضاء نثر دموعي؟!
أحمد زكي أبو شادي
تاريخ الطباعة العراقية
مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926)
3 -
تابع مطابع الموصل
2 -
الكتب المدرسية والعلمية والأدبية وغيرها
73 -
(جداول كبيرة للقراءة العربية)
74 -
(مبادئ التهجئة لتدريس الصبيان)(1862 ص23 طبع عاشر 1891)
75 -
(التهجئة ومبادئ القراءة)
76 -
(أمثال لقمان الحكيم الأدبية وطرف من لطائف العرب الإنسية) جمعها وضبطها بالشكل المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1871 ص160)
77 -
(تعليم القراءة)(طبع سادسا 1892 ص72)
78 -
(جني الأثمار من لطائف الأخبار)(1876 ص178 طبعته الرابعة 1890)
79 -
(كراريس التصاريف العربية وتعرف أيضا بكراريس الاشتقاق) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1882 ص94)
80 -
(التمرنة في الاصول النحوية) للمؤلف نفسه (1869 ص225 ثم طبع ثانية سنة 1875 في جزءين وفيهما مقدمتان في أصول الكتابة والقراءة مجموع صفحاتهما 410)
81 -
(التمرين على كتاب التمرنة) للمؤلف نفسه (1877 ص244)
82 -
(تدريب الطلاب في أصول التصريف والأعراب) الكتاب السابق مع بعض تغيير (ص260)
83 -
(تعليم الطلاب أصول التصريف والأعراب) لسليم حسون (1895 ص158)
84 -
(تنزيه الألباب في حدائق الآداب) لجامعه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1863 ص174)
85 -
(بديع الإنشاء والصفات في المكاتبات والمراسلات) للشيخ مرعي 1866 ص146)
86 -
(كليلة ودمنة) عني بطبعه وتنقيحه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1869 ص286 ثم كرر طبعه 1876 و1883 ص230)
87 -
(فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء لابن عربشاه) وقف على طبعه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1869 ص520)
88 -
(الرموز ومفتاح الكنوز) عني بطبعه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1870 ص132)
89 -
(رواية لطيف وخوشابا) عربها نعوم فتح الله سحار (1891 ص83)
90 -
(احسن الأساليب لإنشاء الصكوك والمكاتيب) لنعوم فتح الله سحار (1878 ص240)
91 -
(مختصر في التواريخ المقدسة)(1863 طبعة رابعة 1883 وطبع خامسة ص76)
92 -
(مختصر في التواريخ المقدسة على سبيل السؤال والجواب) ألفه البطريرك اغناطيوس افرام الثاني الرحماني بطريرك السريان الكاثوليك (طبع ثالثة 1883 ص229 ورابعة 1891 ص237)
93 -
(الفصول الإنسية في التواريخ القدسية) للمعلم بيليز عربة البطريرك جرجس عبد يشوع خياط الكلداني (1868 ص464 ثم 1876 ص321)
94 -
(مختصر تاريخ الكنيسة) للمعلم لومون عربة المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1873 ص756)
95 -
(مختصر المختصر في تواريخ الكنيسة) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1877 ص210)
96 -
(مختصر في التواريخ القديمة) تأليف القس لويس رحماني وهو البطريرك اغناطيوس افرام الثاني الرحماني (1876 ص383)
97 -
(مختصر في تواريخ القرون المتوسطة) له (1777 ص208)
98 -
(مدخل الطلاب وتعلة الرغاب في أصول علم الحساب) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1865 ثم 1870 ص180 طبعته الرابعة 1900)
99 -
(ترويض الطلاب في أصول علم الحساب) له (1865 ص308)
100 -
(مختصر صغير في الجغرافية) تعريب السيد المذكور (1861 ص82 ثم 1871 ص180)
رفائيل بطي
باب المكاتبة والمذاكرة
معنى كلمة بغداد
سيدي الفاضل صاحب مجلة لغة العرب المحترم
تناولت الجزء الثاني من مجلتكم الغراء الصادر في أب فطالعته من أوله إلى آخره، فأشكركم على العناية التي تبذلونها في اختيار المواضيع المفيدة لأبناء العراق عامة.
لقد لفت نظري مقال الأديب يوسف أفندي غنيمة في معنى كلمة بغداد إذ ذهب حضرته إلى أن اسم بغداد ارمي المبنى والمعنى ويفيد مدينة الغنم أو الضأن ولما كنت أحد الكتاب الذين نقبوا عن معنى هذه المفردة في كتب الأقدمين والمحدثين ونشروا بعض آرائهم في مجلة لغة العرب في سنتها الأولى والثانية فلا أرى رأي الكاتب الفاضل. نعم. أني كنت قد نشرت في لغة العرب (390: 1) رأيا يكاد يكون كرأي الأديب المشار إليه إذ قلت أن كلمة بغداد مقتضبة من (بيت كداد) ومعناها مدينة الغزل أو الحياكة غير أني اليوم لا أرى ذلك الرأي.
وعندي أن بغداد مصحفة عن بل دودو أو بل دادا ومعناها مدينة الإله المحبوب، لأن (بل) تفيد معنى البعل أي الإله عند الأقدمين، ودودو أو دادا جاءت في معجم دليل الراغبين في لغة الارميين بمعنى الحبيب والمحبوب والعم والخال الخ. وكنت قد نشرت رأيي هذا على صفحات مرآة العراق فقط من ذلك المقال لفظة محبوب فجاء المعنى مبتورا ناقصا وقد نقل ذلك علي أفندي الظريفي وأثبته في كتابه مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث ولم يشر إلى مصدره.
(ل، ع) بين بغداد و (بل دودو) أو (بل دادا) فرق في اللفظ بخلاف
ما إذا قلنا: بيت كدادا فأن الاكتفاء بالباء للدلالة على البيت أي المكان أو المدينة أشهر من أن يذكر. وكدادا بكاف فارسية فتنحت حينئذ الكلمتان بصورة بغداد فتكون الكلمة أوضح من الأول. لأن الكاف الفارسية تنقل إلى الغين في اغلب الأحيان وأما الألف الأخيرة فخاصة باللغة الارمية أما في العربية فتحذف. فانتقال بيت كدادا إلى بغداد واضح فضلا عما فيه من المعنى المثبت للمطلوب.
أما بل دودو أو بل دادا فإذا أردنا نحتها قلنا: بلداد، لكن هناك إبدال اللام بالغين وهو أمر لم نعهد له مثيلا كما لا نرى فيه سببا. ولو فرضنا أن الإبدال وقع لعلة نجهلها فيبقى علينا المعنى. فقولنا معنى بغداد (البعل المحبوب) لا يتحصل منها مدينة البعل المحبوب، إذ ليس في التركيب كلمة أو حرف يدل على البيت أو الدار بمعنى المدينة. ولهذا نرى في هذا التحليل تكلفا ظاهرا بخلاف تحليل الكاتب المفكر يوسف غنيمة.
معنى كلمة عراق
وبهذه المناسبة أقول أن كلمة عراق معناها بين النهرين وإليك البيان:
ورد في الآثار المكتشفة حديثا أن ديار العراق كانت تعرف قبل اكثر من ستة آلاف سنة باسم اورو، اورا، أو اوري وجاء في تاريخ شمر وأكد لمؤلفه الأستاذ كنك ص14 أن هذه البلاد كانت تعرف قديما في عهد الشمريين باسم (كي اوري) أو (كي اورا). بقي علينا أن نعرف كيف تصحفت كلمة اورو فصارت عراقا، قال لسترانج: يطلق المؤرخون على النصف الشمالي من بين النهرين اسم الجزيرة وعلى النصف الجنوبي العراق ومعناه الساحل وأصل معنى هذه المفردة مشكوك في صحته ولعله يمثل لنا اسما قديما مفقودا.
وقال الأب انستاس ماري الكرملي: وأما الرأي الأصح المتبوع فهو أن العراق تعريب أيراه الفارسية بمعنى الساحل لأنه على ساحل خليج فارس أو
ساحل شط العرب. وأنت تعلم أن كل كلمة فارسية تنتهي بهاء تعرب بجيم أو كاف أو قاف على ما هو مشهور مثل: رندج ودرمك ودلق، والأصل فيها رنده ودرمه ودله. وأما قلب الهمزة التي في أول الكلمة عينا فأشهر من أن يذكر وهي لغة قائمة برأسها تعرف بالعنعنة كالآسن والعسن والائتساف والاعتساف والاقر والعفر. ثم حذفت الياء من عيراق بعد التعريب لتحمل على وزن عربي واتفق أن مصيرها بهذه الصورة يفيد معنى عربيا فتأول العرب تلك التآويل التي يبدو تكلفها لأول وهلة لمن يتأمل أدنى تأمل) أهـ.
ومن المحتمل أن الفرس القدماء نقلوا إلى لسانهم معنى كلمة اورو التي تفيد بين النهرين، فقالوا: أيراه وأرادوا بها شاطئ البحر لأن اور معناها ديار أو بلاد و (أو) أو (أر) تفيد النهر في لغة الاكديين والاشكوزيين، راجع كتاب المتون الآشورية لمؤلفه ارنست ا. بدج ص39 المطبوع عام 1880م وأيضا معلمة التوراة ص44 - 77 ومنهم من ذهب إلى أن
العراق تصحيف (اور ايكو) فأور معناها ديار وايكو مجرى الماء
وعليه ظهر مما تقدم بيانه أن كلمة اورو أو اوري كانت شائعة الاستعمال في ديار العراق قبل شيوع كلمتي شمر وشنعار وقد ذهب الأستاذ موريس جسترو في تاريخه حضارة بابل وآشور الطبعة الثانية ص3 في الحاشية إلى أن كلمة شنعار هي شمر بعينها وتفيد معنى أرض وجاء في معلمة التوراة ص44 أن لفظ (شنعار) مركب من حرفين عبريين (شنا) ومعناه اثنان و (آر) أو (نهر) وأن الحرف آر من أصل اشكوزي أو كوشي بابلي وقد أطلق اليونان على هذه الديار لفظة (ميسوبوتامية) أي بين النهرين ووردت في التوراة
باسم ارام النهرين (تك 10: 24) ومعناها أراضي النهرين العالية وكان المصريون يسمون الطرف الشمالي من العراق نهرينا (بتحريك الحروف الثلاثة الأولى) والآشوريون يسمونه نهري (بتحريك الثلاثة الأولى) ويريدون بذلك الأراضي الواقعة بين الفرات ودجلة.
فالمطالع يرى كيف أن معظم المفردات التي أطلقت على هذه البلاد جاءت بمعنى (بين النهرين) فمن المحقق أن كلمة عراق المصحفة عن اورو معناها بين النهرين أيضا ومن أراد التوسع في ذلك فليراجع تاريخ شمر وأكد ص13 - 15 لصاحبه الأستاذ المحقق لونارد و. كنك الطبعة الثانية 1916م
رزوق عيسى
(ل. ع) لا يجمل بالكاتب أن يقول: (من المحقق) حينما يعرض آراء ويذهب إلى أحد منها. فلو قال: (فمن الظاهر) أو ما هو بمعناه لكان أليق به.
أما رأينا اليوم فهو أن العراق تعني البلاد المعرضة للغرق أو الديار المنخفضة وذلك أن وزن فعال المكسور الأول يفيد أحيانا معنى المفعول أو ما هو بمعنى المفعول أي المعرض لأن يكون مفعولا. من ذلك: الكتاب والبساط والفراش واللباس فمعناها: المكتوب، والمبسوط أو المصنوع لأن يبسط، والمفروش أو المعد للفرش، والملبوس أو المهيأ أو العتيد للبس. ومنه العراق. ولا جرم أن عرق بالمهملة وغرق بالمعجمة من واد واحد. ولهذا لا نرى نحن صلة بين الألفاظ التي ذكرها المؤلف نقلا عن الغير، وبين كلمة العراق.
وللعلامة الألماني الأثري ارنست هرتسفلد رأي في هذا المعنى بعث به إلينا قبل نحو أربع سنوات. فإذا ظفرنا به عرضناه للقراء. وقد رأينا أن القول: (الديار المعرضة للغرق) هو
اقرب للعقل، لأن الأسماء تطلق غالبا على ما يوافق الطبيعة لا ما تخترعه الأوهام.
أسماء الرافدين عند الأقدمين
حضارة بابل وأشور نشأت على ضفاف دجلة والفرات. فسهول بابل الغربية الخصبة كانت ولم تزل هبة هذين النهرين العظيمين؛ وكان كل منهما يجري رأسا فيصب في خليج فارس.
دجلة
كانت دجلة تعرف عند الشمريين باسم (ادجنا أو ادجلا) ثم زاد على اللفظة الأخيرة البابليون الساميون علامة تاء التأنيث فقالوا (إدجلت) وقد اختصروها على توالي الأيام فأصبحت (دجلة) وقد صحف الفرس الماذيون هذه اللفظة فقالوا (تغرا) ومعناها في لسانهم السهم، لشدة جريان هذا النهر؛ غير أن العبرانيين اقتبسوا كلمة ادجلا الشمرية وتصرفوا فيها فقالوا: حداقل (راجع سفر التكوين 14: 2) كما أبدلوا كلمة شمر بشنعار التي تفيد معنى النهرين.
وقد أطلق اليونان على دجلة اسم (تجرويس) ولا تزال معروفة عند الأوربيين بهذا الاسم إلى اليوم، وأما العرب فقالوا: دجلة وقد ورد هذا الاسم في سفر دانيال (4: 10)
الفرات
كان يعرف نهر الفرات عند الشمريين أولا باسم (فرانون) أي الماء أو النهر العظيم وكثيرا ما كانوا يطلقون عليه لفظة (فرا) فقط أي النهر وقد جاء ذكره في التوراة باسم النهر الكبير (تك 18: 15 وتث 7: 1) وجاء أيضا مرارا عديدة باسم النهر بدون زيادة اسم آخر عليه.
ثم أن البابليين ألحقوا بلفظة (فرا) تاء التأنيث فقالوا (فرات) وعنهم نقلها العبرانيون إلى لغتهم فقالوا فرات وفسروها بمعنى الغزير وجاءت عند الاكديين بمعنى النهر المتعرج غير أن الفرس الماذيين تصرفوا فيها قليلا فقالوا (فراتو) وأرادوا بها الماء العذب وقد أخذ اليونان هذه اللفظة عن الفرس فقالوا افراتس وأما العرب فقالوا فيه الفرات ومعناه العذب أيضا.
رزوق عيسى
تعريب مثل إفرنجي
سيدي الفاضل
أني أشكركم غاية الشكر على نقدكم كتابي (مرشد الطلاب إلى قواعد لغة الإعراب) فقد أظهرتم ما فيه من الحسنات والسيئات غير إنكم ذهبتم إلى أن عبارة (الق خبزك على الماء فتجده بعد أيام) لا معنى لها. والحقيقة أن هذه العبارة مترجمة عن الإنكليزية وتفيد معنى عمل المعروف مع جميع البشر. ولعوام العراق مثل مشهور يؤدي ذلك المعنى وهو قولهم: (سوي زين وذب بالشط).
وقال الشاعر العربي:
ازرع جميلا ولو في غير موضعه
…
فلا يضيع جميل أينما زرع
وقال آخر:
من يعمل الخير لم يعدم جوائزه
…
لا يذهب العرف بين الله والناس
هذا ما قصدت بيانه وحفظكم الله منارا للحقيقة سيدي.
رزوق عيسى
(ل. ع) الأمثال التي ذكرتها لها معنى لأنها مسبوكة سبكا عربيا. أما المثل المعرب عن الإنكليزية، فلا يؤدي معنى بتلك العبارة فكان يجب أن يقال مثلا: ألق خبزك على الماء، تر فعله بعد أيام. أو نحو ذلك.
الفارع والعون بمعنى الضابط
شاعت كلمة الضابط بمعنى العون أو الفارع وهي كلمة تركية الوضع عربية الأصل، قلقة الأحكام. لم يعرفها العرب البتة. وإنما أشاعها الترك قبل نحو 150 سنة لا أزيد. وهي من الألفاظ التي يجب قتلها لأن العرب كانت تعرف حرفا آخر اصح من هذا وضعا وأحكاما وهو العون والفارع. قال في لسان العرب: الفارع عون السلطان وجمعه فرعة. أهـ. وهذا هو تعريف الضابط فإنه عون لذي السلطة والسلطان، وأما الضابط فلا وجه له في العربية.
أسئلة وأجوبة
الرافد أو نائب الملك
سألنا من بغداد: ي. م: هل عرف العرب لفظة تدل على نائب الملك حين يغيب صاحب البلاد عنها فيلي الملك من يقوم مقامه بمعنى
نعم، وهو الرافد. قال في التاج: الرافد هو الذي يلي الملك ويقوم مقامه إذا غاب. أورده ابن بري في حواشيه. وانشد قول دكين:
خير امرئ جاء من معده
…
من قبله أو رافدا من بعده أهـ
ومثل ذلك ورد في لسان العرب لابن مكرم. وهو من تحقيق صديقنا يوسف غنيمة.
الشعوبية
وسألنا آخر قال: فتشت في معاجم اللغة العربية الإفرنجية (أي في الدواوين التي تنقل الكلم العربية إلى الإنكليزية أو إلى الافرنسية أو الإيطالية أو اللاتينية) لا نقر عن اللفظة الإفرنجية التي تقابل كلمة الشعوبية التي معناها: الذين يحتقرون أمر العرب أو يكرهونهم فلم أجد. أفليس للغربيين كلمة يداون بها على هؤلاء القوم؟
نعم. وهي والكلمة حديثة الوضع.
علي بن أبو طالب
من زنجان (بلاد إيران) الشيخ م. ع. ز:
ذكرت مجلة المرشد في جزءها التاسع من هذه السنة: أن الخزينة الملكية في إيران تتضمن نسخة دعاء بخط علي (عم) ومكتوب في آخرها: (كتبه علي ابن (أبو طالب). . . الخ بالواو على خلاف القاعدة المشهورة فيعتري الباحث
شك في نسبة الكتاب إلى الإمام، ولكن هناك أمرا يزيل هذا الشك بعض الإزالة وهو أن ابن فضل الله العمري في كتاب مسالك الأبصار يذكر نسخة كتاب الرسول الذي كتبه لتميم الداري واخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك في قطعة أدم من خف الأمير وبخطه يقول في آخره ما هذا نصه بحرفه (راجع كتاب المسالك 174: 1)
(شهد عتيق بن أبو قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكتب علي بن بو طالب وشهد).
قال صاحب المسالك: و (أبو قحافة) ألف وباء وواو - ثم (قحافة) و (بو طالب) باء وواو - ثم (طالب). وليس في (بو) ألف. بين ذلك ليعرف. و (كتب) في ذكر علي رضي الله عنه مقدمة، و (شهد) مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف. أهـ
وأورد صاحب صبح الأعشى كلاما في شأن هذا الكتاب في الجزء 13 ص118 إلى 122 من طبعة مصر، فهل ينطبق استعمال كلمة (أبو) بالواو في موضع (أبي) بالياء أم لا. وهل يجوز حذف الهمزة من (أبو) في بعض الأحيان؟
قلنا: كان بعض الأقدمين يعتبرون الكنية متمما للعلم، أو أن شئت فقل: كانوا يعتبرونها جزءا من أصل الكلمة لا ينفك عنه، فهو في نظرهم كلمة واحدة لا غير، فيكون الجزءان جزءا واحدا لا جزءين. وهذا لأن المسمى بلفظ يشبه الكنية هو ليس بكنية على الحقيقة بل علم رجل. ومنه في الحديث:(إلى المهاجر بن أبو أمية) لاشتهاره بالكنية أي باسم صورته صورة الكنية لكنه ليس بها، إذ لم يكن له اسم آخر معروف ولهذا لم يجر. وكذلك القول: علي بن أبو طالب. (راجع تاج العروس في نحو آخر مستدرك مادة أبو) والنهاية لابن الأثير، وعليه يكون قولنا علي بن أبو طالب افصح من قولهم علي بن أبي طالب لأنها الرواية القدمى والفصحى.
وهناك رأي آخر وهو أن من العرب أناسا كانوا لا يعربون لفظ (أبو) فمنهم من يبقيه بصورة الرفع أبدا. ومن ذلك رواية إلى المهاجر بن أبو أمية
وعلي بن أبو طالب، ومنهم من كان يبقيه على حالة النصب أبدا ومنه القول المأثور عن أبي حنيفة:(ولو قتله بابا قبيس) بالنصب وذلك على لغة من يعرب الأسماء الخمسة بالألف في الأصول الثلاثة وانشدوا على ذلك:
إن أباها وأبا أباها
…
قد بلغا في المجد غايتاها
وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة.
ومنهم من كان يعرب الأسماء الخمسة بالحركات لا بالحروف. فقد قالوا: هذا ابك، بضم الباء. قال الشاعر:
سوى ابك الأدنى وأن محمدا
…
على كل عال بابن عم محمد
وعلى هذا تكون تثنيته أبان لا أبوان وجمعه أبوان جمعا سالما.
وثم رأي ثالث أن قولك أبو طالب هو على سبيل الحكاية. والأعلام والكنى تحكى على ما تروى أو على ما يتلفظ بها. وعليه قول ابن الانباري في باب الحكاية ص154 من طبعة ليدن: (هل يجوز الحكاية في غير الاسم العلم والكنية؟ - قيل اختلفت العرب في ذلك، فمن العرب من يجيز الحكاية في المعارف كلها دون النكرات. قال الشاعر:
سمعت الناس ينتجعون غيثا
…
فقلت لصيدح انتجعي بلالا
فقال: الناس، بالرفع، كأنه يسمع قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، فحكى الاسم مرفوعا، كما سمع. ومن العرب من يجيز الحكاية في المعرفة والنكرة. ومن ذلك قول بعضهم، وقد قيل له:(عندي تمرتان). فقال. (دعني من تمرتان). وأما أهل الحجاز فيخصونها بالاسم العلم والكنية. . . انتهى المقصود من إيراده.
فأنت ترى من هذا البسط أن قولهم: (علي بن أبو طالب) صحيح لا غبار عليه. وربما كان افصح من غيره.
أما حذف الهمزة من أول كلمة (أبو) فهو معروف أيضا عند بعضهم على لغة كانت لهم، ولا تزال على ألسنة بعضهم إلى عهدنا هذا. وهي: انهم كانوا يتجنبون الهمز حيثما كان. في صدر الكلمة أو قلبها أو عجزها. فقد جاء في الحديث: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله! فقال: لا تنبر باسمي؛ أي لا
تهمز. وفي رواية؛ فقال: (أنا معشر قريش لا ننبر). والنبر: همز الحرف ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي. قدم الكسائي يصلي بالمدينة فهمز. فأنكر أهل المدينة عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن. (هذا النص مأخوذ بحرفه عن لسان العرب في مادة نبر)
فقريش لا تهمز وقد قالت في الأيكة ليكة وفي الأحمر الحمر أو حمر بحذف الهمزتين همزة أل التعريف وهمزة افعل. وهو عجيب، بل لا عجب لأنها لغة قوم كما رأيت. فهم يحذفون الهمزة أينما وقعت فقد حذفوها في الصدر إذ قالوا ما قالوا على ما نقلناه لك هنا. وقالوا يلمعي في المعي ويلملم في الملم ورمح يزني في ازني ويرقان في أرقان. وعدو يلد في ألد، إلى مالا عد له. وكل ذلك ليهربوا من النطق بالهمزة. هذا في صدر الكلمة. وأما في
حشو الكلمة فقد قالوا في القرءة القرة على حذف الهمزة المتحركة وإلقائها على الساكن الذي قبلها وهو نوع من القياس. فأما أعراب أبي عبيد وظنه إياها لغة فخطأ. كذا في لسان العرب والتاج) - وأما حذف الهمزة في الآخر فهو أيضا معروف عندهم على اللغة المذكورة. فقد قالوا: الضوضى في الضوضاء للجلبة. والهردى في الهرداء لنبت وفي طلمساءة طلمساية إلى غيرها. وكلها تدل على أن بني قريش كانوا يفرون من الهمز فرارهم من الأسد أو من الأجذم.
إذن لا غبار على كلام من يقول: بو قحافة في أبو قحافة وبو طالب في أبو طالب. فكل ذلك أشهر من أن يذكر.
كتة برجه أو (كوتا برجة) أو صمغ جاوة أو صومطرة
سألنا مستفيد من مرسيلية (فرنسة) قال: عثرت في إحدى المجلات العربية على لفظة (كوتابرخا) وقد عنى بها الكاتب إناء يماثل (القارورة) لكنه لم يتعرض لشرحها ومأتاها، فهل لكم أن توقفوني على شيء من ذلك؟
ج - كوتابرخا وبالإفرنجية مادة صمغية راتينجية تسيل من شجر يكثر في جزائر بحر الهند واسم الشجرة بلسان العلماء. ايسونندرا
برخا ولم تدخل في صنائع ديار الإفرنج إلَاّ منذ نحو سبعين سنة، والكلمة من الماليزية (كته فرج) ومعنى كته (وتلفظ بكاف فارسية مفتوحة وتاء مثناة مفتوحة وفي الآخر هاء. وهكذا كان يجب أن تكتب لا (كوتا) المنقولة عن الإنكليزية) الصمغ. و (فرج)(وتلفظ بالباء المثلثة الفارسية وتكتب عندهم بالفاء المثلثة وإسكان الراء وجيم مثلثة فارسية) هو اسم الجزيرة التي نسميها صومطرة كما هو اسم الشجرة نفسها التي يخرج منها هذا الصمغ. وبهذا المعنى يكتب أهالي ماليزية هذه الكلمة بهاء في الاخر، ولهذا يحسن بنا نحن العرب أن ننقلها عن أصلها أي أن نقول (كته برجه) لا (كوتا برخا) المنقولة عن الإنكليزية كما ذكرنا. أو غوتا بركا. وطبرخى كما قال أحد المتحذلقين. كما يجوز لنا أن نقول صمغ صومطرة أو صمغ جاوة أو صمغ زابج لأن هذين اللفظين وردا عند العرب تارة بمعنى جزيرة جاوة المشهورة بهذا الاسم في عهدنا هذا أي وطورا بمعنى جزيرة صومطرة أو سومترة المجاورة لها.
ويتخذ أبناء الغرب من صمغ جاوة (كته برجة) مادة فرز في الطبيعيات مثلا لفرز حبال
البحر للبرقيات، وفرز أسلاك البرق، ويتخذ منه أدوات الجراحة ونعال للأحذية، وسيور لإيصال حركة البخار إلى ما يجاورها، ومبازل (جمع مبزل وهو الحنفية عند عوام سورية، والمزنبلة أو المزملة عند العراقيين) وأنواع مختلفة من الآنية والأقماع ولوالب حبر في المطابع إلى غير هذه. فيحتمل إذا أن ما أشرتم إليه كان إناء كقارورة كما يحتمل أن يكون إناء آخر، لكنه متخذ من صمغ جاوة أو كته برجة، حتى جاز للكاتب أن يقول ما قال.
ملا
ذهب جماعة من اللغويين إلى أن كلمة (ملا) مصحفة عن مولى؛ وقال آخرون أنها مشتقة من التركية (منلا) وارتأى بعضهم أنها لفظة ارمية من (ملالا) ومعناها المتكلم والخطيب فصحفت وأصبحت بلام واحدة وعوض عن اللام الأخرى بشدة فصارت ملا. فما رأيكم في ذلك؟
بغداد: ر. ع
ج - ملا. ويلفظها بعضهم بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة. وآخرون
بفتح الميم وتشديد اللام المفتوحة. هي عندنا قصر كلمة (مولى) بمعنى السيد ثم أقحمت النون منعا للتضعيف وهو ما يكرهه بعضهم، عربا كانوا أو أعاجم؛ فصارت منلا. ومثل هذا الإقحام: حنظ في حظ؛ وانجاص في أجاص؛ وإنجاز في أجاز؛ واترنج في أترج، إلى غيرها.
أما القائل بان أصلها (ملالا) فصاحبه جاهل لا يعرف سنن النقل والأخذ وذلك لأسباب:
1 -
لأن اللفظة لا تؤخذ إلَاّ بمعناها في أول الأمر ثم تنقل إلى معان أخرى والحال ليس للارمية (ملالا) معنى السيد.
2 -
لم يأخذ العرب ألقاب تعظيم عن الارميين حتى تكون هذه منها.
3 -
لما يأخذ العرب عن الارميين لفظا لا يصحفونه تصحيفا كالتصحيف الذي ذكر هنا بل يحول قليلا، فأن (ملالا) تنقل إلى (ملال) لأن كل ما كان على ذلك الوزن (أي وزان سحابا) بالألف يعرب (وزان سحاب) بدون ألف كما هو معروف.
4 -
حتى تعرب أو تنقل الكلمة إلى العربية يجب أن تشيع على ألسنة الناس. والحال (ملالا) ليست شائعة فكيف يأخذها العرب؛ اللهم إلَاّ عن كتب الارميين؛ وهذا بعيد لأن
الناطقين بالضاد لا يطلبون تأدية المعاني الجديدة بالبحث عما في كتب الأجانب، بل يتلقونها عن ألسنتهم أن كانوا ينطقون بها.
ولهذه الأسباب وغيرها نقول: أن الملا عربية الأصل لا تركية ولا ارمية.
الفحص
بيروت س. م. ل. رأيت في القاموس للفيروزابادي: الفحص: كل موضع يسكن ومواضع بالغرب منها فحص طليطلة. . . فما معنى هذه الكلمة ومن أين أتت؟
قلنا: قال ياقوت في معجم البلدان: بالمغرب من أرض الأندلس مواضع عدة تسمى الفحص. وسألت بعض أهل الأندلس ما تعنون به؟ فقال: كل موضع يسكن سهلا كان أو جبلا بشرط أن يزرع نسميه فحصا. ثم صار علما لعدة مواضع. فأما في لغة العرب فالفحص شدة الطلب خلال كل شيء اه. وعلى ذلك يكون الفحص بالمعنى الأول تعريب الرومية (أي اللاتينية) وليست عربية ويقابلها عند الافرنسيين أو.
باب المشارفة والانتقاد
2 -
الأدب العصري
الجزء الأول - قسم المنظوم بقلم: رفائيل بطي
كان الأديب رفائيا بطي أهدى إلينا في 5 أب 1923 الجزء الأول من كتابه (الأدب العصري) وطلب إلينا أن نكتب إليه رأينا فيه، فوجهنا إليه الوكة في اليوم الثاني (6 آب) وقد رجانا الآن أن ندرجها بحروفها في هذه المجلة فدونك نصها بحرفها:
إلى حضرة رفائيل بطي المحترم
سيدي الأكرم:
أشكرك على هديتك: (الأدب العصري - الجزء الأول من قسم المنظوم) فوجدته عصري الوضع والتنسيق والتبويب. على الطراز الذي يضعه الفرنجة في عهدنا هذا. وبعلمك هذا خلدت اسمك واسامي الشعراء نوابغ العراق؛ إذ بينهم من هم في الطبقة الأولى من قالة القريض في عهدنا هذا.
على أني لا اخفي عليك أمرا، وهو: إنك صرخت في صدر عنوان كتابك بأن سفرك هو كتاب تاريخي، أدبي، انتقادي.
أما كونه أدبيا، فمما لا أناضلك فيه؛ وأما كونه تاريخيا انتقاديا، فمما اطالبك به اشد المطالبة.
فأين التاريخ من كل ترجمة وقد جعلتها نغمة طنبور واحدة تعلي بها كعب الرجل. ولا تحدثنا عن تاريخ أيامه الشعرية؛ من علو وسفل؛ من حطة ورفعة من ذكر حقائق ونظم شقاشق؛ من جمع آراء غثة في جنب مذاهب سديدة. من أخلاق فيه رصينة وطباع فيه ممقوتة. فكأني بك فعلت فعل المصور الذي
نقح صورة الرجل تنقيحا لم يبق للناظر إليها أثرا من المصور، حتى جاء على غير ما هو من ظواهر خلقه.
فلهذا قلما ينتفع بوصفك من يريد أن يقف على دخيلة الشاعر، فكأنك فعلت ذلك خوفا من انتقاض الناس عليك. فإذا صح هذا الظن؛ فكان يجب أن يراعى الحق في وضع الألفاظ في غرة الكتاب.
هذا من جهة التاريخ، وأما من الوجه الانتقادي؛ فأني لم أر في كتابك أدنى اثر لهذا الأمر الجلل. فإذا كان الانتقاد هو مجرد المدح من غير إظهار ما في المنتقد من روائع المحاسن؛ ودقائق المعاني؛ ومختار المباني؛ وما يعكس من هذا كله؛ فلا يحق للقائل أن يدعي أن في كتابه نقدا. اللهم إلَاّ أن يجعل التاريخ والنقد والأدب والعلم إحراق البخور أمام أصنام الهوى والأغراض والغايات؛ فذلك أمر لا أتعرض لذكره.
بقي علينا أن ننظر إلى عبارته؛ فإني أراها حسنة السبك مفرغة في قالب الظرف والرشاقة؛ قد لا يصل إليها كل حامل يراعة؛ وهو مما يبشرنا بمستقبل زاهر لقلمك العسال؛ على أن هناك أغلاطا ما كنت أود أن أراها في مثل كتابك هذا. كقولك في صفحة (كلمة):
وقد تطورت (بطور). . . والصواب تطورت تطورا أو طوراً
وقلت (عسى) بدون رابط. وهنا الرابط واجب؛ والصواب: فعسى
وكتبت: (حينذاك) كلمة واحدة. وهو مما نبه الكتاب على منعه. والصواب (حين ذاك) وهو ليس من قبيل (حينئذ) الذي صرح الكتاب بكتابتها كلمة واحدة.
وقلت ص5: قوافي؛ والصواب قواف (بلا ياء في حالة الرفع)
وفي ص6: وقد نكب؛ والصواب في العبارة أن توضع الفاء السببية أي فنكب.
وفيها: تعديل الجاذبية والصواب تعليل الجاذبية.
وفيها: لا يحسن لغة أجنبية؛ ثم قلت أنه يحسن الفارسية والتركية
والكردية. فكان يجب أن يقال لا يحسن لغة إفرنجية أو أوربية؛ لتصدق في قولك الثاني.
وفيها: كتبت كرمنشاه؛ كما يكتبها الغفل؛ إنما هي كرمانشاه.
وقلت: عندما يسير من محل إلى آخر (ص7) والعرب لا تقوله؛ إنما تقول: حينما يسير.
وقلت في تلك الصفحة: برغم معالجة نطس الأطباء له. وفصحاء العرب لا تعرف هذا التعبير القبيح. إنما تقول مع ما بذل له من معالجة نطس الأطباء.
وفي تلك الصفحة: يترددون عليه. صوابه إليه.
وفي ص8؛ وهذا كتب بها. والصواب عنها.
وفي ص9؛ في هذا الحين؛ والصواب في ذلك الحين أو ذاك الحين.
وقلت فيها؛ ثم انتخب نائبا عن المنتفق؛ فذهب إلى الأستانة؛ واقفل المجلس بعد أشهر. وهو أمر مضحك لا يليق بأن يقال عن الزهاوي. وأن كان هو كاتب العبارة. وكان الأجدر به أن يقول: فذهب إلى الأستانة، واتفق أنه اقفل المجلس بعد أشهر، حتى لا يبقى في فكر القارئ أن الزهاوي كان طائر شؤم لذلك المجلس، فأقفل بعد نزوله الأستانة.
ومثل هذه الأغلاط اللغوية أو المعنوية كثير، وكان يحسن بك أن تريه أحد أصدقائك، ليكون خالصا من هذه الشوائب التي تشوه محاسنه العصرية؛ والله الهادي.
21 -
مرقاة المترجم للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية
والعربية
تأليف الأب يوسف علوان اللعازري (في بيروت. شارع سورية)، طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1925، الجزء الأول في 91ص (كتاب المعلم) وقيمته 6 غروش ذهبا وقيمة كتاب التلميذ 4 غروش ذهبا؛ وقيمة الاثنين معا مجلدين 9 غروش ذهب.
وجهنا الأنظار إلى هذا الكتيب النفيس لمن يريد أن يتقن الفرنسية من المنتمين إلى الناطقين بالضاد. وهذا الجزء خاص بالمعلم. فأن صاحبه قد أتقن
وضعه، حتى جعله على طرف الثمام. ومن المشهور أن مثل هذه المصنفات تأتي خداجا في إحدى اللغتين، فإما أن تتقن عبارتها الإفرنجية، وإما أن تتقن عربيتها أما هذا الكتاب فإنه مفرغ في قالب الأحكام والتدقيق، احسن من جميع تآليف هذا النوع. ولا نريد أن نقول أنه خال من الغلط، إذ لابد منه ليدل على أن صاحبه من البشر، ولا سيما من الغلط الذي يعير في منشورات العصر كقوله في ص57: للقيام بأمري رغما عن كل ما أتوخى من وسائل الاقتصاد واحسن منها: مع كل ما أتوخى. وفيها: وكن متأكدا. وهي سبكة إفرنجية كأختها السابقة والعرب لا تقول إلَاّ: وتأكد. وفيها: لا اصرفها إلَاّ في ما لا مندوخة منه والصواب إلَاّ في مندوحة لي عنه. إلا أن هذه الهنيات ومثلها هي كالكلفة في وجه الشمس أو كالشامة في جبين القمر.
22 -
إلى شبان الجيل العشرين
كيف تصير رجلا
تأليف: أ. ب. بورسو تعريب: الاباتي افرام حنين الديراني، المدبر الحلبي اللبناني طبع في
بيروت سنة 1926 بمطبعة الاجتهاد أول سوق سرسق في 319 صفحة
نحن في عصر نحتاج فيه إلى تعريب كتب الأجانب لنطلع على ما فيها من الوسائل التي تأخذ بيدنا وترفعنا إلى رقي حقيقي إلَاّ أن بعض معاصرينا اولعوا بنقل المؤلفات الفاسدة. فأضروا مجتمعنا اشد الضرر. أما المصنفات المفيدة الطيبة فلم يمل إلى استخراجها إلَاّ علية الكتاب وأكابرهم.
و (كيف تصير رجلا) هو من الأسفار المفيدة لشبان هذا العصر؛ فأن واضعه من احسن مؤلفي الفرنسيين وهو أ. ب. بورسو - بنى أسس مصنفه على (الإرادة، والمعرفة، والاعتقاد، والعمل، والمحبة، وقهر النفس، والعافية) وقد عقد لكل من هذه العناوين بابا بسط فيه وجه السعي وراء كل حالة من هذه الأحوال ليكون ابن العصر رجلا كل الرجال.
وقد طالعنا هذا الكتاب فوجدناه من احسن ما جاء في هذا المعنى؛ ونحن ننصح شبان العصر من البلاد العربية أن يقتنوه؛ فإنه دليل الحيارى، ومرشد
السكارى، سكارى الهوى والفساد.
وعبارته العربية طلية سلسة تتدفق عذوبة ورطوبة؛ على أننا وجدنا فيه بعض ألفاظ تمكنت من نفس معربه عند مطالعة منشورات هذا العهد التي تنغش فيها الأوهام نغشانا كقوله: إلى شبان الجيل العشرين. فالجيل بمعنى القرن أو المائة من السنين مولد غير فصيح؛ - وكقوله في ص14 لأن التاجر والصناعي والزراعي لم يعودوا يملكون العيش معتزلين؛ واحسن من ذلك: لأن التاجر والصانع والزارع لا يمكنهم أن يعيشوا معتزلين - وكقوله في تلك الصفحة عينها: وهو ذا الناس يقومون بأعمال خطيرة؛ فهذا خطأ قد ألفه اغلب كتاب سورية وهو وهم شنيع؛ فالناس حرف مجموع؛ وهو ذا حرف للمفرد الغائب المذكر؛ والصواب أن يقال: هاهم أولاء الناس يقومون بأعمال خطيرة. أو ها الناس يقومون بأعمال خطيرة؛ كما صرح بهذا التركيب علماء اللسان من أهل النحو واللغة. لكن كل هذه التعابير لا تمنع القارئ من فهم مطلب المؤلف لأنها من الأغلاط التي اعتادها محررو الصحف السقيمة والمجلات التي يتولى تحريرها شبان لا عهد لهم بالكتابة والتمحيص. فانسلت إلى كبارنا من غير علم منهم فسبحان من لا عيب فيه.
23 -
النخلة في ديار المغرب الأقصى
بول بوبنوي من أبناء العالم الجديد؛ هبط ديار العراق قبل نحو عشرين سنة واشترى تالا كثيرا من أنواع الألوان المختلفة ونقلها إلى كليفرنية وغرسها هناك ونجح فيها كل النجاح حتى أنه كتب إليَّ مرة يقول: (يكون يوم يأتي فيه العراقيون إلى ديار العالم الجديد ليتعلموا غرس النخل والعناية به إذا أرادوا النجاح والفلاح)
وقد ألف الصديق الأميركي عدة كتب مطولة في موضوع النخل ووشى المقالات المتنوعة في البحث عن التمر؛ وقد أتقن اللغة العربية ليتحقق بنفسه ما يقوله العرب عن (عمتهم النخلة)
وقد أهدانا الآن مقالة له أنشأها بالفرنسية وكتبها في (مجلة علم النبات المعمول به والحراثة في المستعمرات) وعنونها بالنخلة في ديار المغرب الأقصى فأجاد فيها كل الإجادة: وقد ذكر تعداد النخيل في العالم فهو كما يأتي:
بلاد الهند البريطانية 5000000 نجد 250000
بلوجستان 1500000 ديار مصر 11000000
فارس 10000000 السودان المصري الإنكليزي 1262000
العراق30000000 لوبية9000000
الاحساء 3125000 ديار تونس 9000000
البحرين 500000 ديار الجزائر 7210968
عمان 4000000 ديار مراكش 1000000
حضرموت 200000 أفريقية الغربية الفرنسية 500000
اليمن 100000 أسبانية115000
الحجاز 500000 أميركة الشمالية 250000
جبل شمر 250000
القصيم 100000 المجموع 88000968
ولا جرم أن هذا العدد هو من باب التقريب لا من باب الدقة: ولو فرضنا أن في العالم كله تسعين مليونا فللعراق ثلاثون مليونا أي ثلث النخل في العراق ومما يدلنا على أن العراق هو أحسن الأرضين لهذه الشجرة المباركة.
ثم ذكر الباحث الفاضل أسماء التمور في ديار مراكش (أو المغرب الأقصى) وفسرها بالفرنسية، لكنه توهم في نقل معنى (أبو) في قولهم (أبو اسمر وأبو فقوس وأبو غار وأبو حفص وأبو حراث وأبو جلود وأبو علي خنان وأبو ساق) بمعنى الوالد. وليس الأمر كما قال. فأبو في لغة العوام في جميع الديار العربية اللسان تعني صاحب الشيء أو ذا الشيء. وفي بعض الأحيان البائع. فإذا قالوا أبو اسمر وأبو فقوس وأبو غار فكأننا نقول: الأسمر أو ذو السمرة وذو الفقوس أي الشبيه شكله بالفقوس وذو غار أي فيه نقرة. وإذا قال العراقيون أبو لبن وأبو خس فمعناه بائعهما وإذا قالوا أبو زبون وأبو منظرات فمعناهما لابسهما. ولهذا لا يصح أبدا نقل كلمة (أبو) إلى الإفرنجية بما معناه (والد) بل ينظر في وجوه الاستعمال ثم ينقل إليها بما يفيد تلك الفائدة وفي ما عدا ذلك فأن الباحث النباتي قد أجاد في ما خبر ووشى.
بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب
تأليف السيد محمود شكري الالوسي البغدادي عني بشرحه
وتصحيحه وضبطه محمد بهجة الأثري
الطبعة الثانية في ثلاثة أجزاء طبعت في المطبعة الرحمانية بمصر سنة 1342هـ 1924م يحوي الجزء الأول 422 صفحة والثاني 395 والثالث 472 فالمجموع 1289 صفحة بقطع الثمن الكبير
-
لكل أمة تاريخ يذكر فيه أصل القوم. ونشوءه، وتقدمه في الحضارة، مع ذكر من اشتهر منهم في كل فرع من فروع العلم، والصناعة، والزراعة، والتجارة.
والعرب مع كثرة تآليفها وتصانيفها المتنوعة، لم تفرد سفرا لهذه الغاية فما معنى ذلك؟ - أكان عن قصورهم في هذا المدى؛ أو عن جهل لتاريخ السلف؟ - قلنا: لا هذا ولا ذاك، إنما الناطقون بالضاد سكتوا في هذا المعنى، لعلمهم اليقين أن قومهم من اشرف الأقوام، وأن منزلتهم عالية، شرفهم معروف، وانهم اعرق شعب في المدونات؛ ولما عرفوا منزلتهم هذه، استغنوا عن كل تاريخ بدون هذه الحقائق الشهيرة.
وأنت إذا تصفحت الكتب المختلفة على تنوع معانيها ومبانيها ترى ما كان للعرب من القدم الراسخة في العلوم الفطرية وما لهم من شرف النسب وطيب
الأعراق ومكارم الأخلاق، بحيث انك لو بحثت عن نظيرها عند سائر الأقوام لرجعت عن مسعاك أخيب من حنين.
لكن هذا الأمر لا يتسنى لكل امرئ، إذ أصبح الوقت اثمن من سابق لما ينتاب المرء من أمور تنازع البقاء. فصار الوقوف على مجد السلف في اقصر مدة من الأمور الواجبة على كل ناطق بالضاد. وكيف يتيسر الأمر للمطالع والبحث مشتت في أسفار عديدة ضخمة؟ ومع كل هذه الحاجة إلى مصنف جامع لهذا الموضوع لم نر من افرد له كتابا، حتى عرض أحد ملوك الإفرنجة جائزة لمن يضع سفرا يوفي هذا المبحث حقه، وذلك في أواخر الشطر الثاني من المائة التاسعة عشرة للميلاد. حينئذ تنبهت الأفكار إلى وضع كتب تجزأ الناس به عن تلك الأكداس من مصنفات السلف.
فتقدم فريق من المصنفين وعرضوا ما نسجوا برده على الجماعة الموكلة بفحص تلك
الشؤون، فلم يبرع فيها سوى أستاذنا محمود شكري الالوسي، السيد الشريف والكاتب الضليع. والشيخ إبراهيم اليازجي المعروف بوقوفه على أخبار السلف وآثارهم. فكوفئ كلاهما مكافأة حسنة.
وكل ما دونه الأستاذ مأخوذ من مئات من الكتب، ومما يؤسف عليه أنه لم يذكر أسماء المآخذ التي نقل عنها. ولو فعل لكان ارفع مقاما في عيون المحققين. لكثرة ما وقف عليه من المصنفات الجليلة. ولكان أوثق حجة وأوفى بالمرام.
على أن الحق يقال: أن هذا السفر الممتع وأن كان رحب الأكتاف إلَاّ أنه دون ما نتمناه اليوم من تقدم العلم والتاريخ. ففي الكتاب أمور جمة ينكرها المتثبتون وتردها مكشوفات العصر. بيد أنه لا بد من معرفتها على وجهها الذي ذكره الأستاذ لأنه ينطق بلسان السلف في مختلف عصورهم وكان ذلك منتهى علمهم وتحقيقهم. ولا يكلف الله نفسا إلَاّ وسعها.
هذا مجمل ما يقال في هذا التصنيف الفذ. أما طبعته هذه فتفوق الطبعة الأولى بكثير. وسنقول كلمتنا عنها في الجزء القادم.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
1 -
قدوم ملكنا المحبوب
عاد مولانا المحبوب صاحب الجلالة الملك فيصل الأول المفدى ودخل عاصمته مساء نهار الأحد 17 تشرين الأول بعد أن طالت غيبته ثلاثة أشهر في فرنسة وانكلترة. وكانت إمارات الصحة التامة بادية على محياه.
وقد ظهرت العاصمة بأبهى زينتها استقبالا لجلالته وكانت الرايات والأعلام تخفق على الدور والمباني واصطف في الشوارع عدد غفير من الكشافة يقدر بستة آلاف. والمسموع أن جلالته قطع البادية راكبا مع مرافقيه سياراته الخاصة به من سواحل سورية. وفي منتصف طريقه في البادية رحبت به وبركبه الجليل المدرعات البريطانية وعددها ستة فسارت في خفارته إلى العاصمة.
2 -
الحكم على المعتدي على رئيس الوزراء
حكمت محكمة الجزاء الكبرى نهار السبت 2 تشرين الأول على المجرم عبد الله حلمي بن الملا إبراهيم الديري الأصل (من دير الزور) الذي كان قد جرح جروحا بليغة صاحب الفخامة عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء بالحبس الشديد مدة سنتين ونصف. وذلك منذ بدء القبض عليه أي في اليوم 10 أب من هذه السنة لثبوت شروعه في قتل المحسن إليه.
3 -
قتل أمير دبي
بينما كان سلطان بن زائد أمير دبي (بضم ففتح فتشديد لا أمير أبي ضبي كما كتبها بعضهم. راجع لغة العرب 275: 3) يتعشى ومعه أصغر أنجاله وبعض رجاله فاجأه أحد اخوته واسمه (صقر) ورماه برصاصة ثم أخذ يوالي إطلاق الرصاص عليه حتى أرداه قتيلا. أما نجله فنهض يريد الفرار إلَاّ أن ذلك النمر عاجله بضربة خنجر فصرعه قتيلا. والذي مكن الأثيم من ركوب هول هذا الأمر الفظيع تغيب أنجال (سلطان) الثلاثة الكبار إذ كان أحدهم قد ذهب
إلى جزيرة (دلماء) القريبة من دبي والتابعة لإدارتها واثنان كانا بالعريم (راجع لغة العرب 275: 3) وبعد أن قتل الأخ أخاه اعتلى صهوة الإمارة في مكانه
وهكذا تحقق قول القائل: (الملك عقيم).
ولا بدع في ذلك فأن المقتول (سلطان) كان قد قتل هو أيضا شقيقه (حمدان) قبل أربع سنين في مثل الوقت الذي قتل فيه هو. ولم يكن (حمدان) يرتكب أمرا يقتل عليه. إنما طمعا في الإمارة لا غير.
4 -
غزوات ابن عجل للكويت
أغار يوم الثلاثاء 5 ت 1 نحو الساعة الواحدة زوالية الشيخ عبد الله بن عجل أحد شيوخ عشيرة شمر من عشائر نجد من فخذ عبدة ومعه مائة وخمسون ذلولا على أعراب الكويت المخيمين في قرية الجهرة وقد كانت إبلهم عازبة في (كويبدة)
الواقعة في ضواحي الكويت واستاق منها ما يقرب من ألف بعير (ونحن نشك في هذا العدد ونظن أنه مبالغ فيه) من أباعر الكويتين وصاحب الكويت.
وقد اخبر حاكم الكويت ذوي الشأن في البصرة وأطلعهم على جلية الأمر وفي الوقت عينه أرسل رجلا من قبله إلى العاصمة مستنجدا بالحكومة العراقية لرد المنهوبات ودفع عادية الغزاة. وابن عجل يقطن أراضي في داخل التخوم السورية
أما أصل هذه العبارة فيرجع إلى ما تقدم من الأحداث وهذا ملخصها:
كان ابن سعود أمر قائده فيصل الدويش بالهجوم على الجهرة فأنقاد لأمر مولاه وحقق أمنيته في صباح الأحد 26 المحرم من سنة 1339هـ (11 تشرين الأول 1920م) وكان على رأس أربعة آلاف من الأخوان (المعروفين عند العامة بالوهابيين) ولم يكن في الجهرة يومئذ إلَاّ نحو 1500 مقاتل. فنكب الأخوان
نكبة شديدة إذ سقط أكثرهم في حومة الوغى واشتبكوا مع الكويتيين في ملاحم دارت عليهم فيها الدوائر. وكاد يقضي عليهم لولا نفاد ذخيرة أهل الكويت الذين اضطروا إلى الفرار مغادرين محرزهم فدخله الأخوان.
فأهتم سالم حاكم الكويت الذي كان في (القصر الأحمر) وأخذ يستنجد بالكويتيين الذين كانوا في الكويت نفسها. فأقبلت سفن شراعية. فلما رآها النجديون ولوا فارين مذعورين، وأرسلوا مطلق بن سعود إلى الشيخ سالم ليعرض عليه الصلح، فأجابه الحاكم إلى طلبه، ثم اقبل على الكويتيين الذين كانوا محتشدين في قصر الأمير منديل بن غنيمان، أحد أقارب الدويش نائبا عنه فأخبر الأمير بأن الدويش يريد المسالمة (وهو يدعوكم إلى الإسلام، وترك
المنكرات، وشرب الدخان، وتكفير الترك) فإن أذعنتم لمطاليبه، فيها ونعمت وأسلمكم في قصركم وفي ماله؛ وإلَاّ أباح عقركم للإخوان.
قال سالم: أما الإسلام فنحن عليه ولم نجحده يوما، لأن أركانه خمسة ونحن متمسكون بها. وبعد أن عاد رسول الدويش وقعت مناوشات على شاطئ البحر هجموا فيها على الكويتيين من أهل السفن. ثم ثار الإخوان ليلا على القصر الأحمر فردوا على أعقابهم ونكبوا بتشتيت شملهم. واثخن الكويتيون المستبسلون فيهم الجراح، فكرَّ عليهم الدويش مثنى ومثلث، ثم وفد على الكويتيين في اليوم الثاني عثمان بن سليمان، من علماء الإخوان وتذاكر مع الشيخ سالم والشيخ عبد العزيز الرشيد عالم الكويت في شؤون الصلح وأمور مذهبية واتفقوا على أن يتم الصلح على القصر والجهرة؛ ثم عاد إلى فيصل الدويش قائد الإخوان ورجع بعد بضع دقائق. فزعم أن الدويش رضي. وأنه يرحل بعد الظهر من ذلك اليوم وانتهز الإخوان فرصة الهدنة وهجموا على سفينة كانت راسية في شاطئ البحر وكانت مشحونة أطعمة. فبلغ قتلى الإخوان نحو 1500 هذا عدا الجرحى ثم رحلوا إلى الصبيحية وكان قتلى الكويتيين نحو 300.
أقام الإخوان المهاجمون في الصبيحة أو الصبيحية أياما وهناك صرح وفد من الإخوان لقنصل انكلترة في الكويت أن ابن السعود هو الذي أمر بالهجوم وزودهم بالسلاح والعتاد والذخيرة.
وشاع بعد ذلك أن ابن سعود بعث قوات جديدة لتنظم إلى الدويش ليقوموا بهجوم آخر على الكويت؛ فأستنجد سالم حاكم الكويت بالحكومة الإنكليزية طالبا معونتها، فلبت طلبه وأرسلت إلى أنحاء الكويت باخرتين مدفعيتين (لورنس) و (اسبيكل) وطيارتين من العراق قادمتين من الشعيبة بجوار البصرة فحلقت إحداهما على الإخوان ورمت عليهم منشورا تحذرهم من سوء العقبى أن هجموا على الكويت؛ وكان المنشور بتوقيع الوكيل السياسي البريطاني في الكويت (الميجر مور) وتنذرهم بالضرب أن أعادوا الكرة على الكويت، ولهذا أشارت عليهم بالتخلي عنها.
فأرتحل الإخوان من الصبيحة وانتهت بذلك حادثة الجهرة الأولى.
أما الحادثة الثانية التي جرت في شهر تشرين الأول من هذه السنة فأن الحكومة العراقية
اتفقت مع المندوب السامي على استرجاع المنهوبات وأناطت هذه المهمة بفرقة طيران الشعيبة فأرسلت هذه نحو عشر طيارات مجهزة بالعتاد والجند وتعقبت السارقين فأدركت طائفة منهم بقرب (سفوان) والطائفة الأخرى بقرب (عين سليمان) فأمطرتهم وابلا من القنابل ورصاصا من الرشاشات. ثم أنزلت بعض الطيارات جنودا للإحاطة بهم وجمع الإبل وسوقها إلى اقرب نقطة واقعة على تخوم العراق مع من بقي من المعتدين. وقد قتل عدد منهم وجرح عدد آخر.
5 -
مراسيم التعزية في عاشوراء
اصدر المجتهد الكبير، حضرة العلامة محمد حسين القزويني النائيتي في هذه السنة فتوى وجهها إلى أهالي البصرة وما والاها. دونك خلاصتها:
1 -
جواز خروج مواكب العزاء في أيام عاشوراء ونحوها إلى الشوارع مع وجوب تنزيه هذا الشعار من الغناء واتخاذ آلات اللهو واجتناب التدافع والتزاحم.
2 -
جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور، والضرب بالسلاسل على الأكتاف إلى حد الاحمرار والاسوداد بل إلى خروج دم يسير.
3 -
جواز اتخاذ التشبيهات والتمثيلات التي جرت عليها العادة عند الشيعة
الأمامية في حين أقامتها العزاء والبكاء منذ قرون وجواز (ارتداء الرجال لباس النساء) لمدة من الزمن أثناء التمثيل.
4 -
جواز اتخاذ الدمام (وهو ضرب من الطبل الكبير) في المواكب المذكورة لإقامة العزاء أن لم يقصد منه اللهو والسرور.
6 -
غرفة التجارة
دعا وزير المالية لفيفا من تجار العاصمة فعقد مجتمعا نهار الثلاثاء 28 أيلول لتأسيس غرفة تجارة، وكان حضر المجلس أرباب الصحف. فأسفر الانتخاب عن الآتية أسماؤهم:
1 -
الحاج محمود الاطرقجي (إيراني مسلم) 45 صوتاً
2 -
المستر رايت (إنكليزي) 43 صوتاً
3 -
قاسم الخضيري (عراقي مسلم) 40 صوتاً
4 -
المستر ياتي (إنكليزي) 37 صوتاً
5 -
يعقوب يوسف عاني (عراقي يهودي) 32 صوتاً
6 -
يهوذا زلوف (عراقي يهودي) 30 صوتاً
7 -
نوري فتاح (عراقي مسلم) 29 صوتاً
8 -
عبد المجيد حمودي (عراقي مسلم) 29 صوتاً
9 -
خضوري شماش (عراقي يهودي) 28 صوتاً
10 -
ميرزا فرج (عراقي مسلم) 28 صوتاً
11 -
المستر وتيل داود ساسون (إنكليزي يهودي) 27 صوتاً
12 -
صيون عبودي (عراقي يهودي) 26 صوتاً
13 -
كرجي عبودي مكمل (عراقي يهودي) 25 صوتاً
14 -
الياهو عاني (عراقي يهودي) 24 صوتاً
15 -
محمد الحاج خالد (عراقي مسلم) 24 صوتاً
وعقدت اجتماعها الأول بعد إنشائها في 4 تشرين الأول في ديوان وزارة المالية حيث جرى انتخاب الأخطاء فكان:
الرئيس الأول: المستر رايت مدير البنك الشاهي (13 صوتا)
الرئيس الثاني: قاسم باشا الخضيري (13 صوتا)
الكتوم: الخواجا الياهو العاني (12 صوتا)
7 -
إنشاء محفى (مجمع علماء)
نريد بالمحفى الأكاديمية وهي اسم مكان من حفي عن الشيء: إذا سأل عنه مستقصيا. لأن من بالغ في السؤال عن الشيء والفحص عنه استحكم علمه به ومنه الحفي للعالم يتعلم الشيء باستقصاء والجمع فحواء. ومن المفرد ما جاء في سورة الأعراف: يسألونك كأنك حفي عنها. أي عالم به (راجع الكشاف في سورة الأعراف).
وقد أنشأت وزارة المعارف في العراق محفى عقد أول مجتمعاته في 29 أيلول وقد سمي موقتا: (لجنة الاصطلاحات العلمية، أو المجمع اللغوي، أو المجمع العلمي) ريثما ينتقى اسم موافق له. وسوف نذكر عنه شيئا في جزء قادم.
8 -
تعبيد الجادة
فرغت أمانة العاصمة من تعبيد (وهو غير التبليط) القسم الممتد من مدخل شارع (رأس الكنيسة) إلى رأس (شارع الإطفائية) من الجادة. ويبلغ طوله نحو ثلثمائة يرد. وأول سيارة سارت عليه كانت سيارة جلالة الملك عند أوبته من أوربة. وأخذت الآن أمانة العاصمة بتعبيد شارع الإطفائية والقسم الممتد إلى محلة الحيدرخانة من الجادة.
9 -
الشيخ مهودر
كان الشيخ مهودر من عشائر خوزستان ورئيس عشيرة العياشة قد فر في أوائل هذا الصيف لأن اتباعه قتلوا فارعين (ضابطين) من الإيرانيين، حينما كانا يتجولان بين العشائر لجباية الأموال الأميرية، ففتكت السلطة الإيرانية بولديه وأحرقت الغلة العائدة إلى أبيهما وصادرت جميع مواشيه.
فالتجأ إلى العراق طلبا للحماية البريطانية إلَاّ أن الحكومة العراقية قبضت عليه وزج بالسجن وربما دفعته حكومتنا إلى الدولة الإيرانية لتذيقه مر ثمرة أعماله لكن الشيخ يدعي أنه من رعايا العراق.
10 -
شارة فارعي الشرطة (أي ضباطها)
اتخذت الشرطة شارة لها فلمديرها شارة من فضة متقومة من سعفتين
متقاطعتين على رقعة بيضاء يعلوهما تاج عربي وفي الوسط نجم الشرطة المسبع مكتوب عليه (الشرطة العراقية).
11 -
زلزلة في الموصل
حدثت في الموصل زلزلة في ليلة الأحد الواقعة بين 9 و10 تشرين الأول في نحو الساعة الرابعة بعد غروب الشمس ودامت بضع ثوان في وجهة عمودية حتى ظهرت الكوى والأبواب كأنها قد حادت عن وضعتها. ومن غريب الأمر أن أقلام بعض الكتاب سقطت من أصابعهم بينما كانوا يكتبون في تلك الساعة ولما عمدوا لمغادرة غرفهم ليهبطوا إلى أفنية دورهم انقطع الزلزال ولم يحدث أدنى ضرر.
وشعر أهل تلكيف (من قرى شمالي الموصل) بزلزلة عنيفة دامت ست أو سبع ثوان بمشهد
الجم الغفير من أهل القرية.
12 -
الحسبة (أو اللجنة الأخلاقية)
رؤساؤنا لا يحسنون لغتنا، فهم يلتجئون إلى عبارات سقيمة لتأدية معاني كان يعرفها السلف فقد سموا الحسبة (لجنة أخلاقية) ولو رجعوا إلى كتبهم لعلموا أن أجدادنا كانوا يسمونها (الحسبة)؛ قال ابن خلدون في مقدمته:
(الحسبة وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين؛ يعين لذلك من يراه أهلا له، فيتعين فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزز ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل: المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم للصبيان والمتعلمين. ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداه بل له النظر والحكم في ما يصل إلى علمه من ذلك، ويرفع إليه، وليس له إمضاء الحكم في الدعاوى مطلقا، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها. وفي المكاييل والموازين. . . إلى آخر ما قال.
والغاية من هذه اللمعة أن وزارة الداخلية أمرت بإنشاء الحسبة تأثرا للسلف الصالح. ودونك أعضاءها:
1 -
مدير الشرطة العام
2 -
متصرف لواء بغداد
3 -
أمين العاصمة
4 -
مفتش لواء بغداد الإداري
5 -
مفتش الشرطة العام (أو من ينوب عنه)
6 -
عضو من مجلس إدارة اللواء
7 -
عضو من مجلس أمانة العاصمة (وهذان الأخيران ينتخبان انتخابا)
وهذه اللجنة تكون برئاسة مدير الشرطة العام. ومن أهم ما تقوم به: وضع لائحة لتنظيم
أنواع الملاهي والحانات والمواخير (دور البغايا) وما إليها تحديدا لشرها وقمعها وصيانة للأخلاق العامة ومنعا للإسراف غير المعقول. وتجتمع هذه اللجنة لا أقل من مرتين في الأسبوع في ديوان متصرف العاصمة.
والأقدمون وضعوا عدة كتب في الحسبة وكلها نفيسة تفيد المشتغلين بهذه الشؤون. ولا بد من أن رؤساءنا يعنون بنشرها تعميما للفائدة.
13 -
تمثال روماني وجد في الحضر
الحضر مدينة قديمة على وادي الثرثار بجوار الموصل. وقد عثر فيها بعض الأعراب على تمثال كبير من المرمر المانع مع أربع قطع من الصخر عليها رسوم ونقوش وحيوانات، فقبضت الحكومة على الذين كانوا يحاولون تهريبها وعلى ما كان بأيديهم من هذه الدفائن، وأرسل بجميعها إلى متحفة العراق في بغداد.
والظاهر أن التمثال يدل على أنه من قياصرة الروم لأن ساعديه عاريان وعلى رأسه إكليلا من الغار وإصبع يده اليمنى متجه إلى قلبه. وقد شوهت الأمطار والشمس محاسن وجهه. فأن تقاطيعه وتلاميحه غير واضحة وأن كانت بينة وقد زاد الأعراب تشويه تلك المحاسن بما فعلوه بمعاولهم ضربا على وجهه إزالة لصورته البشرية.
14 -
قتل الجراد سما
ذكر المستر روك فارع (ضابط) مكافحة الجراد في منطقة العراق الشمالية أن إحدى الوسائل التي اتخذها لمحاربة الجراد كانت إلقاء السم ممزوجا بنخالة ودبس بقرب مجتمعات الجراد. فأهلكت شيئا كثيرا منها. ولو كان عنده من السم غير الطنين اللذين كانا بيده لكانت النتيجة اعظم. والسم الذي استعمله لهذه الغاية هو زرنيخاة الصوديوم. وقد أوصى الفارع المذكور بجلب مائتين وخمسة وعشرين طنا من هذا السم لقتل الجراد في ربيع السنة المقبلة. واتخذ الوسائل اللازمة لتوزيع تلك المقادير على المناطق الزراعية في شمالي العراق.
15 -
مصادرة دخان مهرب
قبضت شرطة باب جسر الموصل حين تجوالها في (القوسيات) قرب (الرشيدية) على
كردي حامل بندقية ومعه ثلاثة أفراد (بالات) دخان محاولا تهريبها. وقد دفعت الشرطة تلك الأحمال إلى دائرة الكمرك السعيدة الحظ!
16 -
انتشار البرداء في الكوفة
انتشرت مياه فيضان الفرات فتدفقت في كل موطن حول الكوفة فكانت تلك المواطن مراتع للبعوض المسبب للبرداء ولقد انتشرت هذه الحمى في الكوفة حتى وقفت الأشغال وكثرت الوفيات وتركت في كل بيت نادبا ونائحة. والحكومة تبذل سعيها لإيقاف هذه الحمى المتلفة.
17 -
الأسيران البريطانيان
كنا ذكرنا في (52: 4) وقوع الطيارين البريطانيين دني (السائق) والفارع (أي الضابط) هيرست وكان راكبا تلك الطيارة. في أسر الشيخ محمود الكردي وقد افرج عنهما وسلمهما إلى السلطة في (حلبجة) نهار الجمعة 8 ت 1 وقد احسن معاملتهما أثناء أقامتهما عنده.
18 -
انقطاع الطاعون
كان الطاعون قد اعتاد (كأنه يعرف العادة) أن يظهر في الخريف أن لم يظهر في الربيع فيكمن للأحياء إلى وقت مضروب. أما هذه السنة فقد زال بتاتا لأن إدارة الصحة لقحت ما يربو على 141000 شخص في خلال الصيف الماضي.
19 -
ضحايا سرقة البطيخ
نزل نفر من اللصوص ليلا على مبقلة (خضرة) لأحد الأهالي الواقعة بجوار هيت فشعر بهم أصحاب المبقلة وأطلقوا عليهم الرصاص فبادلهم إياه اللصوص وأسفرت النتيجة عن قتل أحد هؤلاء الذعار وقتل أحد أصحاب المبقلة. وقد تعقبت الشرطة أولئك العماريط فقبضت عليهم وأودعتهم السجن.
وفي تلك الليلة عينها سطا سراق آخرون على مبقلة أخرى بجوار الرمادي فجرى تبادل النار بين السلابين وبين أصحاب الزرع فقتل أحد اللصوص وفر الآخرون. وكم وكم من هذه الأحداث تجري ليليا في هذه البلاد!
20 -
الترك يتلفون زعماء الأكراد وكبار الثوار
توالي (محكمة الاستقلال الشرقية) مجالسها في (معمورة العزيز) لمتابعة النظر في قضايا المتهمين بالاشتراك مع الشيخ سعيد الكردي بإضرام نار الثورة الكردية. وقد حاكمت قبل تشرين الأول كلا من محمود بن درويش؛ وداود رئيس عشيرة شكوتان الكردية، وشيخ اليزيدية. فحكمت عليهم بالإتلاف (بالإعدام) وتدل البرقيات الواردة إلى العراق أن حكم الإتلاف قد نفذ فيهم في الساحة العامة.
ونظرت محكمة الاستقلال في أنقرة في قضية أخرى تتعلق بعصابة اعتدت على الفارع يعقوب أفندي وقد وقع الاعتداء على الحدود السورية التركية فحكمت بإتلاف رئيس العصابة (فريد علي) وبسجن رفيقين آخرين كانا معه ومدة الحبس 15 سنة. وقد تم حكم الإتلاف في المذكور.
21 -
محاربة سوء الآداب
حكم على المغنية الراقصة (جليلة) بالحبس مدة ثمانية أيام وعلى اسمعيل أمين المغني 10 أيام وعلى جميل بن عبد الغني المغني 15 يوما، لأنهم غنوا في أحد الملاهي أغنية مخالفة للآداب.
وغرم مائة ربية كل من داود عزرا حكاك وحسن إبراهيم درسة مدير شركة بيضافون لبيعهما قرص (قوان) الأغنية المذكورة. وصودرت 240 قرصا للأغنية عينها. فالعراقيون يشكرون حكومتهم على سعيها هذا المحمود لتطهير الآداب العامة مما يشوهها.
العدد 40
أوروكاجينا
وقف الجلال على بناء محكم
…
هرم الزمان ووضعه لم يهرم
بات السكون على رباه مخيما
…
ورباه من سكناه غير مخيم
منحته أحكام الطبيعة هيبة
…
في ظل ردم للسوافي معلم
ردمت جوانبه الحقوب بمزها
…
فغدا ينوء بطمره المتردم
فأبانه للسعي الإلهي الذي
…
قد علم الإنسان ما لم يعلم
صرحا من الأثر القديم تراصفت
…
أحجار برزخ سوره المستحكم
هو (اورو)(ذوقار) الذي آثاره
…
دلت على سلطان ملك كيخم
هجم القضاء على الأولى قد شيدوا
…
أركانه وعليه لما يهجم
فكأن أرواح العصور تجسمت
…
من فوق برج علائه المتجسم
قرنته بالأيام كف الشمس إذ
…
جعلت أشعتها له كالمرزم
فكأنما الأيام ضئر أبنائه
…
تغذوه وهو على المدى لم يفطم
وكأن ذكرى اوروكاجينا على
…
عليائه قد عشعشت كالقشعم
يا واقفا طول الحياة بوعظه
…
يروي أحاديث الزمان الأقدم
ويعارك الأخطار وهو كأنه
…
جبل فلا يبلى ولم يتهدم
ولدتك أرض الرافدين وبعدها
…
عقمت وكنت تظنها لم تعقم
نهنهت من كبر فجعدت الثرى
…
تجعيد وجه بالأسى متجهم
شمخت أنوف مؤسسيك تجلة
…
ولرب أنف شامخ لم يخطم
قد أودع الباني رموز حياته
…
في طي معنى كتبك المتطلسم
فلذاك ظن الناس تحنك مغنما
…
وكنوز ابريز فلم تتقسم
والمرء يبغي أن يحقق ظنه
…
ولو أن ذلك في مناط الأنجم
كشفتك عمال الحياة لعلمها
…
أن الأولى شادوك أهل تقدم
وأبان منك الحفر طيات الخفى
…
حتى (عرفت الدار بعد توهم)
وغدوت من بعد الخفايا بارزا
…
في الأرض تحكي ناب شدق الأهتم
كم من محل نقشته بحزمها
…
فئة فلم تسأم ولم تتندم
لهف العراق على مآثر مجده
…
أضحت لآثار المتاحف تنتمي
فكنوز (آثور وبابل) قد غدت
…
من قبل ذلك نهب كف المجرم
ارض العراق غنية بكنوزها
…
وفقيرة برجالها في المغنم
آمت ولم تنبت رجال صناعة
…
والنسل قط لا يرتجي من ايم
البناء
المحفى العراقي الجديد
والمحافي العراقية في التاريخ
1 -
تمهيد
اثبت مكس نوردو المجري من أقطاب العصر في علمي الاجتماع والنفس المتوفى قبل ثلاث سنوات في كتابه (روح القومية): (إنه لا يحدد القومية في الحقيقة إلَاّ اللغة، فباللغة وحدها يعتبر الإنسان عضوا في جسم الأمة، وهي وحدها تخوله حق القومية، كما أنها أعظم رابطة بين البلاد والأقوام.)
ولما كانت اللغة العربية لسان الشعب العراقي واللغة الرسمية لدولة العراق فقد أصبح العراقيون بأجمعهم مكلفين بحماية ذمار لغة الضاد والعمل على ما فيه حياتها ونماؤها. والحكومة مسؤولة عن هذا قبل غيرها لأن البلاد في طور اجتماعي يجعل الحكومة المرجع الأول في العمران والإصلاح.
ولا يكفي لإعزاز لغة شعب أن تكون اللغة الرسمية للحكومة وتكون قبل ذلك لغة الجمهور إذ بالحكومة تكون اللغة لسان الدواوين فيتعلمها الناشئون ويتقنونها وتجري معاملات الأفراد باللغة المذكورة عينها كما هي حال اللغة العربية في العراق اليوم، إنما يجب على من بأيديهم الحل والعقد أن يبذلوا الجهد في ما ينمي اللغة ويرقيها ويجعلها لغة العلوم والفنون بحيث تضاهي أرقى اللغات العصرية لا عرق الأمم في الحضارة.
ولا تحظى اللغة بهذه النعمة إلَاّ إذا كان هناك محفى (مجمع علماء) يضم نخبة المتبحرين في اللغة ولهم معرفة بالعلوم والفنون الحديثة فيتعهدون لغة الأمة بالعناية ويتمشون بها مع تدرج الحياة العصرية جنبا إلى جنب.
وقد شعرت حكومة العراق بهذا الواجب فقامت لتؤديه في فجر الحياة المستقلة. فألفت المحفى العراقي الجديد في هذه الأيام.
2 -
محافي العراق في العصور الخوالي
ظهر من البحث أن الحمربيين هم أول من أسس المجامع العلمية والمحافي اللغوية في العراق أن لم نقل في العالم كله. وورث العرب عن أوائلهم الحمربيين إقامة الأسواق
ومجتمعات العلم والتجارة والمنافرة والمماجدة، فكانت أشبه شيء بمجامع العلماء ثم انتقلت من الحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية.
فمن أسواق العرب الأدبية القديمة (سوق الحيرة) كان العرب يجتمعون إليها كل سنة للمماجدة. وقد جعل النعمان بن المنذر اللخمي لبني لأم الطائيين ريع الطريق طعمة لهم لمصاهرته إياهم بتزوجه منهم.
أما (المربد) في البصرة فهو أول معرض عراقي ومجمع علمي عظيم في الدولة الأموية حتى انهم نعتوه ب (عكاظ المسلمين) أقاموا فيه سوقا للآداب نظير أسواقهم في الجاهلية فتألفت فيه حلقات المناشدة والمفاخرة ومجالس العلم والآداب فكان الشعراء يؤمونه ومعهم رواتهم وكان لفحولهم حلقات خاصة أشهرها حلقة الفرزدق والراعي وكان الأشراف يخرجون إلى المربد لمثل تلك الغاية. وجرت فيه مناظرات البصريين والكوفيين ومماجداتهم. وقد زاره ياقوت الحموي في القرن السادس للهجرة وكتب عليه في سفره: (معجم البلدان) ما ملخصه:
(هو من أشهر محال البصرة، وكان يكون سوق الإبل فيه قديما ثم صار محلة عظيمة يسكنها الناس وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء وهو الآن بائن عن البصرة بينهما نحو ثلاثة أميال وكان ما بين ذلك كله غامرا وهو الآن خراب فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية. . .
(وينسب إليها جماعة من الرواة منهم سماك بن عطية المربدي البصري. . .
وأبو الفضل عباس بن عبد الله بن الربيع بن راشد مولى بني هاشم المربدي حدث عن عباس بن محمد وعبد الله بن محمد بن شاكر حدث عنه ابن المقري وذكر أنه سمع منه بمربد البصرة. والقاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي البصري. قال السلفي: كان ينزل المربد)
وكما كان للبصريين مربدهم، فقد كان للكوفيين سوقهم يخرج إليها إشرافهم في ضواحي الكوفة فتجري فيها المناشدة الشعرية والمحاكمة الأدبية ونحوهما ولئن كان للبصرة فضل اللغة والأدب فللكوفة فخارها بشعرها. وقف المختار ابن أبي عبيد في أثناء حروبه بالعراق على أشعار مدفونة في (القصر الأبيض) بالكوفة مما يدل على عناية الكوفيين بالشعر لكن
أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله
ثم جاء الخلفاء العباسيون فعنوا بترقية العلوم والآداب عناية تضاءلت بجانبها عناية من سبقهم. فأنشأوا المجالس العلمية للعلماء والأدباء، ومشاهير الخلفاء الذين يقرن اسمهم بالنهضة العلمية في العصر العباسي السفاح والمنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمستنصر. أسسوا مجامع للترجمة في علوم النجوم والطب والهندسة وعقد هرون الرشيد ووزراؤه البرامكة مجالس ومجامع وسعوا بها نطاق المعارف وأنشأوا دواوين الترجمة والمباحثات حتى في بيوتهم.
ويمكن أن تقسم نهضة الترجمة في العصر العباسي إلى طورين متميزين:
الطور الأول
من نشوء الدولة العباسية إلى جلوس المأمون بن الرشيد على أريكة الخلافة أي من سنة 132هـ (749م) إلى سنة 198هـ (813م).
وقد انتج هذا الطور كتبا مترجمة كثيرة نقلها كتاب ومترجمون نالوا الحضوة عند الخلفاء وكان كل منهم مستقلا بنفسه وأكثرهم من المسيحيين والإسرائيليين.
ومن أوائل المترجمين أن لم يكن أولهم عبد الله بن المقفع المتوفى سنة 132
أو 143هـ (760م) وأشهر مخلفاته المترجمة كتاب (كليلة ودمنة) وكان يدعي في البهلوية والسنسكريتية القديمة (أساطير الحكيم بيدبا).
يقول المسعودي أن الخليفة المنصور توفرت عليه الترجمة والإنتاج الأدبي فنقل في عهده عدة مقالات لارسطوطاليس وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك وكتاب اقليدس في الهندسة وغيرها نقلت عن اليونانية والرومية والسريانية والفارسية. ويقول بعض المحققين أن الكتب المنقولة عن الفارسية والسريانية هي في اصلها ترجمات عن اليونانية.
وعلى عهد المنصور أسس أطباؤه (جرجس بن بختيشوع) وتلامذته وأقاربه المدرسة الطبية في بغداد وفيها ألف عيسى بن صهاربخت (تلميذ جرجيس) كتابه (فن تحضير الأدوية)(الاقراباذين) من أوائل الكتب الطبية العلمية في العربية.
ومن مشاهير ذلك العهد (ثابت بن قرة الحكيم الحراني) كان صيرفيا في حران ثم انتقل إلى بغداد فاشتغل بالعلم والطب والفلسفة وعمل مع المنجمين بإشراف الخليفة المنصور، وله
أولاد وأحفاد اشتهروا بالفضل ونبغوا في الرياضيات والفلك.
الطور الثاني
هو أزهر عصور النهضة العلمية العربية، بدئ بتولي المأمون بن هرون الرشيد عرش الخلافة سنة 198هـ (813 م) وانتهى بانطواء بساط بني العباس في أواسط القرن السابع الهجري وأوائل القرن العاشر الميلادي.
فالخليفة المأمون العباسي هو المؤسس لمجمع العلماء (الأكاديمي) في بغداد جمع فيه طائفة صالحة من المشتغلين بالعلم والفلسفة والترجمة وكان أكبر همهم أن يصيغوا الكتب التي ينقلونها أو التي نقلت في قالب يستطيع به طلاب العلم من العرب الوقوف على أسرار العلم والحكمة.
وهو الذي حث (محمد بن موسى) على أن يؤلف مقالته المشهورة في الجبر وهي أول كتاب ألف في العربية في علم الجبر منها نسخة خطية في خزانة بودلي
بجامعة اكسفورد مكتوب عليها أنها نسخت سنة 1342م وقد ترجمت إلى اللاتينية في عصر الانبعاث العلمي ولكنها فقدت الآن.
وقد أسس الخليفة المأمون مدرسة بغداد سنة 217هـ (832 م) على نسق المدارس النسطورية والزرادشتية التي كانت مؤسسة قبلا ووسمها ب (بيت الحكمة) وجعل منهاجها نقل المتون اليونانية في الفلسفة والعلوم الأخرى إلى العربية، وأوكل أمرها إلى (الطبيب يحيى بن ماسويه) المتوفى سنة 243هـ (857 م) وهو أبو زكريا. كان أبوه صيدليا في جنديسابور وثقفه في بغداد جبريل بن بختيشوع وعاصر ثلاثة خلفاء المأمون والواثق والمتوكل، وخلف مؤلفات كثيرة في الطب باللغتين السريانية والعربية ومقالته في (الحميات) كانت العمدة في موضوعها بوقتها ونقلت إلى العربية واللاتينية.
وقد كتب الخليفة العالم إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المدخرة في بلده فأجابه إلى ذلك بعد امتناع فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسليمان صاحب (بيت الحكمة) وغيرهم فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل.
ولكلف المأمون بالعلم والترجمة كثيرا ما كان يعقد شروط الصلح مع بعض ملوك الروم
الذين يحاربهم على دفع الغرامة كتبا توضع بين أيدي العرب وتترجم إلى لسانهم.
وكان ندي اليدين على التراجمة يعطيهم زنة ما يترجمونه له من الكتب ذهبا، واشتهر بوسمه الكتب المترجمة له بسمة خاصة تتميز بها عن غيرها، ووضع الفهارس لخزائن الكتب على طريقة عصرية. وذكر غريغوريوس ابن العبري الملطي مؤلف (مختصر تاريخ الدول) أن المأمون كان يحرض الناس على قراءة تلك الترجمات ويرغبهم في تعلمها. لذلك كثر لديه المترجمون عن الفارسية والسريانية والسنسكريتية والنبطية والكلدانية واليونانية واللاتينية والمؤلفون في جميع الفنون العربية والدخيلة.
هذه هي الجادة التي سلكها اعلم الخلفاء في خلق نهضة علمية سطع نورها في المشرق والمغرب ولم يبرز لها نظير إلَاّ في حركة الانبعاث (الرنيسانس) في إيطالية بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح في أواخر القرون الوسطى.
ويدون التاريخ أسماء جماعة هم أساتذة بيت الحكمة وأصحاب الجهود العلمية في عصرهم وكلهم تلامذة يحيى وتابعوه نخص بالذكر منهم:
(حنين بن إسحاق العبادي) النسطوري درس في بغداد والإسكندرية وفي الأخيرة أتقن اليونانية، اشتغل بالترجمة زمنا من اليونانية إلى السريانية. ومن أشغاله العلمية: الايساغوجي لفرفريوس وارمانوطيقا لارسطوطاليس وجزءا من الاناليطيقا ومقالة ارسطوطاليس في الروح وجزءا من الميثافيزيقا وتلخيصات نيقولاوس الدمشقي وتعليقات الاسكندر الافروديسي والجزء الأعظم من مؤلفات جالينوس وديوسقورس وبولس الاجانيطي وابقراط وجزءا من منطق ارسطوطاليس الاورغانون وترجم أصول اقليدس إلى العربية و (جمهورية أفلاطون) وكتاب (ثيماوس) لأفلاطون وكتاب ارسطوطاليس (في المعارف) وقد توفي سنة 263هـ (876م). وابنه (اسحق بن حنين العبادي) الذي ترجم إلى العربية كثيرا من الكتب منها (السفسطة) لأفلاطون ومقالة ارسطوطاليس (في الروح).
ويقول البحاثة إسماعيل بك مظهر في مقالته (تاريخ تطور الفكر العربي)(كان القرن الرابع الهجري العصر الذهبي لتاريخ الترجمة يرجع فضله إلى فئة من المسيحيين كانوا يتكلمون السريانية واحتذوا الترجمات التي درسوها في لغتهم).
وقد نقلت عن اليونانية مباشرة كثير من الآثار ومن أشهر مهرة المترجمين:
(أبو بشر متي بن يونس) المتوفى سنة 328هـ (939م) وقد ترجم إلى العربية اناليطيقا الثانية والبويطيقا (الشعر) لارسطوطاليس
وغيرها نقلها عن السريانية وله مؤلفات مبتكرة في التعليق على قاطيغورياس أي المقولات لارسطوطاليس والايساغوجي لفرفوريوس.
و (أبو زكريا يحيى بن عدي التكريتي) المتوفى سنة 364هـ (974م) ترجم كتبا كثيرة عن ارسطوطاليس وكتاب القوانين لأفلاطون. وكان ملازما للنسخ يكتب خطا قاعدا بينا في اليوم والليلة مئة ورقة واكثر.
و (أبو علي عيسى بن زارة) الذي ترجم كتاب (قاطيفورياس) عن ارسطوطاليس والتاريخ الطبيعي وكتاب الحيوانات مع تعليقات يوحنافيلوبونس.
وقد نقل (أبو بكر أحمد بن لي بن قيس الكلداني) المعروف ب (ابن وحشية) الذي عاش سنة 291هـ (903م) كتاب (الفلاحة النبطية) عن الكلدانية في خمسة أجزاء منه نسخ خطية في برلين وليدن واكسفورد ودار الآثار البريطانية وباريس ودار الكتب المصرية. وقد ظهر للعلماء المحدثين أن الكتاب المذكور هو من وضعه وليس بترجمة من أصل. (راجع ما ذكره الإيطالي كرلونلينو في كتابه علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى ص205 إلى 210).
ونقل (قسطا بن لوقا) كتاب (الفلاحة اليونانية) عن السريانية.
وبهذه الوسيلة لم يبق ضرب من العلوم والصنائع والفنون إلَاّ نقلت كتبه إلى العربية وتعلمها العرب ثم علموها. ولم يفتهم من الفنون سوى الجراحة في الطب والنحاتة والتصوير من الآداب الفتانة. لأنها من الأمور المحرمة في الشرع الإسلامي، وهكذا اجتمع عند العرب خلاصة علوم الأقدمين من يونان وروم وسريان وفرس وهنود وكلدان وأنباط ومصريين وغيرهم ممن درج قبلهم وعنوا بها مدة من الدهر، وعنهم اقتبسها الإفرنج حين تنبهت فطنتهم وثابت هممهم من سباتها فيما يسمونه عصر الانبعاث)
ويجب أن لا يفوتنا ذكر جمعية وهي وأن لم تكن لغوية أدبية إلَاّ أنه كان لها أثر في النهضة العلمية الفلسفية وهي جمعية (أخوان الصفا) التي أسست في البصرة في أواسط القرن الرابع الهجري (المائة العاشرة للمسيح) ذكروا من أعضائها
خمسة هم: أبو سليمان
محمد بن مشير السبتي ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هرون الزنجاني، ومحمد بن أحمد النهرجاري، والعوفي، وزيد بن رفاعة.
وكانوا يجتمعون سرا تسترا عن الذين يخالفونهم ويضادونهم فقرروا في جلساتهم المتعددة خلاصة الفلسفة الإسلامية بعد أن وقفوا بين أبحاث الفلاسفة المسلمين والآراء اليونانية والهندية والفارسية، فتوصلوا إلى مذهب خاص أساسه أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلَاّ بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية وانه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال.
ودونوا فلسفتهم في خمسين رسالة سميت (رسائل أخوان الصفا) وقد ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي أو عقلي وهي تمثل الفلسفة الإسلامية على ما كانت عليه في إبان نضجها. ويظهر من دراستها أن مؤلفيها دونوها بعد البحث العميق والروية الطويلة. وفيها بحث من نوع فلسفة النشوء والارتقاء. وفي ذيلها فصل في كيفية عشرة أخوان الصفا وتعاونهم بصدق المودة والشفقة والغرض منها التعاضد في الدين وشروط قبول الأخوان فيها. وقد أغفل المؤلفون أسماءهم من هذا الكتاب بسبب أن الفلاسفة كانوا متهمين بالكفر في هذا العصر وكان الانتساب إلى الفلسفة مرادفا للانتساب إلى التعطيل حتى شاعت النقمة على المأمون نفسه لأنه كان السبب في نقل الفلسفة إلى اللغة العربية حتى قال ابن تيمية بعد ذلك: (ما أظن الله يغفل عن المأمون ولابد أن يعاقبه بما أدخله على هذه الأمة).
وطبعت هذه الرسائل في أوربة والهند ومصر، وأتقنها طبعة ديتريشي في ليبسك سنة 1883.
ثم دب دبيب الفساد في جسم الحكومة العباسية في أواسط القرن السابع الهجري وأواخر القرن العاشر الميلادي فأنتقض حبل دولتها واستولى على البلاد المغول وأعقبهم العثمانيون بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون فتدهورت اللغة العربية ودرست معالم معاهدها وامحت آثار محافيها.
3 -
تعريف الدول عند العلماء
الدول حيوانات هلامية القوام رجلية الرأس ذوات محاجم من ردف رتبة الأخطبوط.
وجنسها قائم بنفسها وهو أصل لفصيلة الأخطبوط وهذا الجنس يشمل أنواعا عديدة منبثة في جميع البحار وقد يبلغ قدها مبلغا عظيما. والدول الموجود في خليج فارس فهم شديد الأذية حتى أنه ليتعرض للغواص؛ وهو يتلف شيئا كثارا من الاربيان والسرطان وصغار السمك إذ يقبض عليها بجراميزه المسلحة بالمحاجم فإذا قبض على فريسته، أثبتها في مكانها ومزقها شر ممزق بأنفه المعقوف.
وقد تدفعه سليقته إلى أن يكتسي بأشلاء فريسته التي يقيمها بين يديه بمحاجمه وبهذه الصورة يتقدم إلى افتراس خلق آخر من سكان البحر التي يستطيبها.
ولقد شوهد بعض من هذا الدول محتالا على المحار الكبار بأنواع الحيل ومن جملتها أنه يدخل حجرا بين صدفتي المحار لكي لا تنطبق على نفسها وبهذه الوسيلة يستخرج جمحلها
4 -
خبر دول ضخمة
ذكر الأدباء في أزمان مختلفة حكايات عن دول ضخمة هائلة العظم لا نسبة لها إلى ما يرى منها في خليج فارس أو في البحر المتوسط.
روى فريق من علماء المواليد عن بعض هذه الدول حتى أنهم شبهوها بأعظم ما يرى من البال. من ذلك أن بلينيوس يتكلم عن وحش ألف التردد إلى كسترية على ساحل الأندلس ليتلف ما في الغدران من المخلوقات الحية إذ كان يسترط كل ما يراه في طريقه من السمك وكانت زنة هذا الخلق الغريب 350 كيلو غراما وكان طول كل جرموز من جراميزه عشرة أمتار وكان رأسه بضخم البرميل وكان
يسع عشر جرار فأرسل به إلى الهيباط ل. لوتلس الذي كان في عهده.
وذكر أولاوس ماغنس الأعمال التي صدرت من دول كبير جبار وكان طوله لا يقل عن ميل وإذا ظهر على وجه الماء ظن جزيرة لا حيوانا، فعرفه الناس باسم (كراكن)
ووجد اسقف نيدروس دولا ضخما كان مضطجعا على الساحل يتشمس فظنه صخرة عظيمة؛ فأقام مذبحا عليه وأتم المراسم الدينية فوقه فبقي ذلك الوحش البحري ساكنا طول مدة الصلوات وما كاد الأسقف يذهب إلى الساحل إلا ونهض ذلك الكراكن وألقى نفسه في البحر ذارقا فيه ولما انتشر ذرقه في الماء وكانت رائحته طيبة ركضت السمك من كل صوب لتغتذي به فهجم عليها هذا الغازي المحتال وابتلع كل من تقدم منه. وقد قال
بنتوبيدان أسقف برجن أن هذا الكراكن وجد حقيقة ويظن أن سرية من الجند تتمكن من أن تتدرب على ظهره بكل سهولة.
قلنا: كل هذه الحكايات من المبالغات الخرافية؛ على أنه لا ينكر وجود وحوش بحرية عظيمة في المحيط مهما كان وفي البحر المتوسط. لكن ليست بالقدر المذكور المبالغ فيه إذ خرافته ظاهرة.
السوارية
قل من يعرف شيئا عن هذه البليدة الحديثة:
السوارية واقعة على ضفة الفرات اليمنى في أراضي آل فتلة. وقد تقدمت في السنتين الأخيرتين تقدما عجيبا فقد أنشئ فيها سوق كبيرة لا يقل جمالها عن جمال أسواق العاصمة؛ وأسست فيها مطاعم للغرباء؛ إلى غير ذلك من وسائل الراحة.
والآن تسعى الحكومة في بناء صرح (سراي) لها لتتخذ من هذه البليدة الحديثة (ناحية).
ويقال إن في النية تأسيس شعبة في (أم بردية) في أراضي آل إبراهيم؛ كما أن الهمة مبذولة لتسوية طريق تمر عليه السيارات ويمتد من (أبو صخير) إلى السوارية تسهيلا للصلات.
(عن جريدة المعارف)
الألفاظ الارمية
في اللغة العامية العراقية
(المليطي أو المليطة) من اصطلاح أهل السفن في العراق ويطلق على معاون الناخذاه (جاء في لغة العرب 84: 3 نقلا عن مجلة المقتبس 7: 111 - 118) عن هذه الكلمة أنها مشتقة من المتملطة وهي محل الاشتيام أو الاستيام أي رئيس الملاحين أو رئيس ركاب السفن. أما عندنا فهي مشتقة من اللفظ الارمي (م ل ي ط ا) بمعنى الحاذق والماهر والدرب والخبير والعارف.
(موش يموش) بمعنى بحث باللمس من (م وش) أي مس وفحص.
(الماشة) آلة لالتقاط الجمر والأوساخ وهي مشهورة في العراق. مشتقة من (م ش ا) بمعنى ضم جمع لم. وجاء لفظ (م ش ي ا) بمعنى النفاية والرذالة والكناسة.
(مرازة) آلة الفلاح أظنها من (مرزا) وهي الحد والتخم والدبرة والفعل (مرز - م ورزا) ومعناه تلم وجر خطا قويما. وهذا الحرف فارسي الأصل وأن دخل الارمية ومنه كلمة مرزبان الفارسية بمعنى حافظ الحدود أو الحاكم يقابله عند الإفرنج المشتقة من اللاتينية المولدة ومعناها المرز أي
(النابور) وهو البقلة قال ابن السكيت ابقلت الأرض وبقلت وقد بقل الرمث وابقل وهو باقل؛ وقيل إذا خرج في أعراض الشجر كأظفار الطير واعين الجراد قبل أن يستبين ورقه فذلك الابقال. اه عن المخصص 212: 10 وهذا ما يقصده العراقيون بالنابور اشتقوه من الارمية (ن ب ور ا) وهو المخلب والظفر والمنقار. وهذا الاشتقاق يوافق كل الموافقة تعريف ابن السكيت للابقال إذ قال كأظفار الطير.
(نبص) ظهر وبرز ولاح وهي ارمية مبنى ومعنى من فعل (نبص) ولفعل نبص في العربية غير هذا المعنى والوارد في معنى لفظ النبص هو القليل
من البقل إذا طلع. فانه يدل دلالة استنتاج على معنى الظهور والبروز. ومن قال لك أن النبض للبقل لم يؤخذ من الارمية نفسها في زمن تقادم عهده ولا سيما أن كثيرا من ألفاظ الفلاحة مأخوذة عنهم.
(النوار) الرباط الذي يتخذه الحمالون لربط الحمول ويتخذ من الشعر أو الصوف أو الغزل
وأظنه مأخوذ من (ن ب ر ا) تلفظ الباء هنا واوا على طريقتهم وضبط اللفظ عندهم (نوارا) بإسكان النون وفتح الواو والراء. بمعنى الليف والخوص والاسل والحبل من خوص أو شعر.
(نيح) لفظ يستعمله المسيحيون خاصة وقد يستعمله بعض الكتبة المحدثين في سورية فيقولون نيح الله روح المتوفى والفقيد من (ن ي ح) سكن وهدأ وأراح. وعند الارميين (نيحا) بمعنى المتوفى والمرحوم والسعيد. وإن حرف (نياحة) الذي يستعمله العراقيون للدلالة على الماء الراكد أو الفاتر الانحدار في النهر مشتق من (ن ح - ن وح ا - ن ي ح ا) بمعنى سكن وهدأ واستراح وخف وكف. والنياحة تفيد السكون والهدوء والكف أي أن الماء يسكن ويهدأ ويكف عن الجري في ذلك المكان.
(النوف) للريح التي تهب من جهات مختلفة وهي من اصطلاح أهل السفن في العراق (راجع لغة العرب 127: 3) فهذا اللفظ ارمي الأصل من (ن ب - ن وب ا) والباء مثلثة تحتانية فيهما بمعنى التوى التواء وتمايل تمايلا واهتز اهتزازا كأن الريح تلتوي وتتمايل
(نطر - ينطر - ناطور) دخل هذا اللفظ منذ عهد بعيد من الارمية إلى اللغة العربية ودون في المعاجم وهو بمعنى حرس يحرس فهو حارس ويستعمله العراقيون بهذا المعنى وهو من فعل (ن ط ر) ولم نذكره هنا خلافا للمنهج الذي انتهجناه في إغفال الألفاظ القديمة الدخول إلى العربية إلَاّ للالماع إلى أصلها.
(شبخ شبخة - وتشنبخ) يريد العراقيون بالأول سار أو وثب فاتحا ساقيه. والشبخة عندهم المسافة بين الرجلين إذا فرج الإنسان بين ساقيه فيقال كم شبخة من هنا إلى هناك وتشنبخ بمعنى تسلق وهو فاتح ساقيه ويديه. وفي الارمية فعل (س ب ك) وهو يتعدى ب (ب) و (عل) أي على و (ل) وله كل المعاني التي يقصدها العراقيون منه مثل شبك وعلق ونشب ولصق وتجرأ ووثب وتطاول وتسلق وصعد وارتقى. ويقولون في المجهول والمطاوع (ات ش س ب ك) وأما إبدال السين شينا والكاف خاء فأشهر من أن يذكر وهو كثير الورود في العربية فضلا عما في المعربات. على أننا لا نجهل أن في العربية فعل (شبح) بالحاء المهملة فيقال شبح الداعي أي مد يده للدعاء وشبح الجلد ونحوه مده بين ارتاد وشبح بضم الباء الرجل كان شبح الذراعين أي عريضهما قال في النهاية في صفة الرسول (كان
مشبوح الذراعين) أي طويلهما وعريضهما وفي رواية (شبح الذراعين) وإبدال الحاء خاء معروف في العربية. فيقولون رجل خنظيان وحنظيان أي فحاش وحنظي وخنظي به أي ندد به واسمعه المكروه.
ومع ذلك لا نبت في أصل هذا اللفظ أهو من الارمية من فعل (س ب ك) أو من العربية (شبح) بل نترك ذلك إلى رأي القراء فللوجهين تعليل مقبول واللغتان أختان شقيقتان.
(سابل) جوالق اغلب ما يصنع من الخوص يوضع على ظهر الدابة للنقل وفي الارمية فعل (س ب ل) بمعنى حمل رفع نقل السنبل خاصة واسم الفاعل منه (س ب ل ا) والباء هنا تلفظ واوا على طريقتهم. ويجدر بنا هنا أن نوجه الأنظار إلى أن في الألفاظ المعربة من الارمية ما فيها الباء تلفظ تارة باء في العربية وإن كانت في أصلها تقرأ واوا وتارة تقلب واوا على الطريقة الارمية واللفظ (س ب ل ا) يفيد أيضا البارية والحصيرة من قصب والزنبيل والقفة ويقول صاحب معجم دليل الراغبين: والسواديون يطلقونها على آلة من خشب تجعل على ظهر الدابة لنقل الحجارة خاصة.
(زعطوط) يطلق هذا الحرف على الولد الصغير وعلى الجاهل من الناس
وهو مشتق إما من (ز وط ا) بمعنى الصغير نقيض الكبير والصبي والطفل وإما من (س ط وط ا) ومؤداه الولد الصغير والخفيف العقل.
(سطره سطرة) صفع وصفق من (س ط ر) بالمعنى نفسه وعندهم (س ط ر ا) أي صفعه وصفقه.
(سيان) للوحل المنتن والحمأة من (س ي ن ا) بالمعنى نفسه.
(شكخ) أي شك وغرز والشكاخة ما يشك به من (س ك ك ا - س وك ك ا) الكاف الثانية تلفظ خاء بالمعنى نفسه وربما تكون هذه الكلمة العراقية لغة في شك العربية الفصيحة ولكن عليها مسحة ارمية.
(سبس) الباء مثلثة عمل عملا خسيسا ومنه السباسيب (الباءان مثلثتان) خسائس الأعمال. وفي الارمية (س ب س)(الباء مثلثة) و (اس ب س) بمعنى انتن وأبلى وافسد و (س ب ي س ا) أي خائس وبال ومفسود ومتغير. وفي جميعها الباء مثلثة. وربما هي تصحيف سفساف العربية بمعنى الرديء من كل شيء.
(سكم وسقم وتسقام) عند أهل الزراعة اعد العدة لفلاحة الأرض وزراعتها ويستعمل هذا الحرف في دواوين حكومة العراق واشتقاقه من (س ق م) بمعنى رتب ونظم وقوم وعدل ومسح وحدد.
ويقول العراقيون: بكم تسكم عليك الشيء الفلاني؟ أي ما كانت كلفته عليك فيجيب المسؤول تسكم عليَّ بمبلغ كذا، أي كلفني مبلغ كذا. وكل ذلك من الفعل الارمي المذكور فكأن السائل يقول كم ترتب عليك أن تدفع ثمن الشيء الفلاني؟ فيجيب المسؤول ترتب عليَّ أن ادفع كذا.
(نعوص الولد) بمعنى بكى، أظن أن أرميتها (ع وص) بمعنى بكى الطفل وصرخ جرو الكلب.
يوسف غنيمة
(ل. ع.) أن وزن (نفعل الرباعي المجرد لم يذكره أحد من علماء التصريف وهو موجود في لغتنا فقد جاء عندنا نبذر بمعنى بذر: ونخرب القادح الشجرة مثل خربها أي نقبها وهناك أفعال أخرى كثيرة مثل نعظل ونعثل ونقثل ونهبل ونهتر ونهرج ونهشل ونودل ونقحش ونهمس ونفرج إلى غيرها.
نموذج من تراجم العلماء
السيد نعمان خير الدين الالوسي
1 -
ولادته وحداثته
ولد رحمه الله في بغداد (12 المحرم سنة 1252 هـ) في أرض التعصب الأعمى والجمود الذميم، تحت سماء الجور والاعتساف ولكنه نشأ بفطرته حي الضمير نير البصيرة وربي على الآداب الإسلامية الفاضلة فشب مسلما عاقلا فاضلا غيورا على مصالح الأمة والوطن والدين. ولولا أن يتيح الله له من ينمي فيه قوة الاستعداد ويربي في الجملة ملكة الاستقلال (وهو أبوه الإمام أبو الثناء، وتلميذه العالم السلفي السيد أمين الواعظ) لغلبه جمود البيئة، واستحوذ عليه الخمول وفسد فيه ما وهبه الله من فطرة سليمة وضمير حر، وضعف ملكة استقلاله ووهن منه الحزم والعزم ضرورة. على أنه مع اجتنابه ذوي العاهات السارية الفتاكة لم يسلم من العدوى تماما. بل سرى إليه أثرها فظهر في بعض مؤلفاته:(غالية المواعظ، والإصابة في منع النساء من الكتابة) ولكن حسب من نشأ في هذه البلاد في تلك الأيام الحالكة فخرا - أن يكون مثل السيد نعمان في استقلاله واعتداله وجرأته على الدعوة ومجاهدة فريق الجمود والتقليد.
2 -
مناصبه
تولى في شبابه بفضله ونبله في بلاد متعددة وسار فيه سيرة مرضية فحمدت أفعاله وحبب إلى القلوب. وفيه يقول بعض أدباء (الحلة) يوم تولى قضاءها:
لتصف الشريعة للواردين
…
فقد جاءها اليوم (نعمانها)
وقد كان مطروفة عينها
…
فنال الشفا فيه إنسانها
ثم ترك المناصب خشية أن تشغله عما هو آخذ بإتمامه من تأليف ونشر وفي سنة 1295هـ قصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فمر بطريقه إليها على مصر القاهرة لطبع (روح المعاني) تفسير أبيه الإمام فوقف على الحركة العلمية
هناك. . . فأتفق له أن اطلع على (فتح البيان) تفسير الإمام المصلح الكبير وناشر ألوية العلم السيد حسن صديق خان ملك
بهوبال - وقد طبع في مصر - فراقه وأعجبته آراء صاحبه العلمية والإصلاحية وتمنى أن يتصل به ولو مكاتبة.
فلما وصل مكة طفق يسأل عن الرجل ويبحث عن مؤلفاته فأتيح له رجل خبير بأحواله (وهو الفاضل الشيخ أحمد بن عيسى النجدي) فزوده بما زاد في إكباره له وإعجابه به واشتياقه إليه. وعند قفوله كتب إليه كتابا يستجيزه فيه ويذكر له تعلق قلبه به لقيامه بالدعوة إلى مذهب الحق فما كان منه إلَاّ أن أجاب ملتمسه ثم اتصلت بينهما المراسلة إلى أن قطع حبالها الحمام.
3 -
تآليفه
وفي هذه الأثناء كان السيد خير الدين يؤلف كتابه الجليل: (جلاء العينين في محاكمة الاحمدين) فلما أتمه (في شهر ربيع الآخر سنة 1297 هـ) قدمه إلى خزانته ورغب إليه في نشره فحقق له أمنيته واصدر أمره بطبعه في دار الطباعة بمصر. ولم يقتصر بتلك الصداقة المتينة على هذه الاستفادة وحدها منه فحسب بل استفاد أيضا ما قوي به على نشر مذهب السلف الصالح في العراق، وخدمة الأدب والعلم بطبع مؤلفاته ومؤلفات أبيه ومؤاساة الفقراء والمساكين كما يؤخذ من كتابه المنشور في مقدمة الجلاء. وفي سنة 1300 قصد الأستانة لإعادة ما اغتصبته يد الجور من حقوقه إلى نصابه، فمر على سورية وبلاد الأناضول واجتمع بعلماء هاتيك الديار فملك إعجابهم وأجاز وأجيز حسب العادة المألوفة
فلما وصلها وألقى فيها عصا التسيار واجتمع بأولي الأمر عرفوا له فضله واحلوه رحيبا وبالغوا في تكريمه. وانعم عليه السلطان عبد الحميد الثاني بمراتب عالية، واصدر أمره بإعادة مدرسة مرجان إليه. فآب إلى بغداد - بعد أن قضى في الأستانة سنتين - وتصدر للتدريس بعنوان (رئيس المدرسين) ونشر مطوي الفضائل ومكنون العلوم وحصر أوقاته في التدريس والتصنيف فكان يذهب إلى المدرسة صباحا ولا يعود إلى بيته إلَاّ مساء وقد هنأته الشعراء بالعود وأرخت توجيه المدرسة إليه بقصائد عديدة. منها قول السيد شهاب الموصلي من قصيدة:
وافى وعرفانه والعلم عرفه
…
إلى رجال ذوي علم وعرفان
موظفا قد أتى لكن (بمدرسة)
…
قديمة العهد من إنشاء (مرجان)
وظيفة قبله كانت لوالده
…
بموجب الشرط شرط الواقف علي
واليوم قد عاد مقبول الجناب إلى
…
بغداد باليمن مشمولا بإحسان
وفي صكوك العلى والعلم أرخه
…
سجل تدريس مرجان لنعمان
1302
4 -
خطابته ووعظه
وقد كان رحمه الله جوزي زمانه في الوعظ وقد بلغ في حسن التذكير والإرشاد النهاية فكان في كل سنة يجلس في شهر رمضان للوعظ في أحد المساجد الواسعة فيقصد من أطراف البلد حتى يغص المكان بالمستمعين - فأتفق له في شهر رمضان سنة 1305هـ أن استطرد في أحد مجالسه - والحديث ذو شجون - بحث سماع الموتى فذكر ما قاله علماء الحنفية في كتبهم الفقهية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء وأن من حلف لا يكلم زيدا مثلا فكلمه وهو ميت لا يحنث وعليه فتوى العلماء وهو المرجح لدى المحققين - فقام حشوية بغداد وقعدوا لها وأنكروا عليه هذا العزو وأثاروا أفراد جهلة العوام والمرجفين في مدينة السلام، وكادت تقع فتنة تسود وجه التاريخ ولكنه بدهائه وحلمه سكن ثائرتهم فجمع في اليوم الثاني كل ما لديه من كتب فقهاء المذاهب الأربعة وصعد كرسي الوعظ - وقد احتشدت الجموع - فأعاد البحث وصدع بالبيان ثم اخذ يتناول كتابا كتابا فيتلو نصوص العلماء ثم يرمي بها إلى المستمعين ويصرخ: هؤلاء هم علماؤكم فإن كنتم في ريب منهم فدونكموهم وناقشوهم الحساب؛ حتى إذا فرغ نهض واخترق الجموع الثائرة غير وجل ولا هياب فأقبلوا عليه يقبلون يديه ويعتذرون إليه من قيامهم بتحريك المرجفين من فريق المقلدة والجامدين.
ثم ألف رسالة لطيفة جمع فيها ما زبره الفقهاء في هذا الباب واسماها:
(الآيات البينات في عدم سماع الأموات).
وكان منذ صباه شغوفا بالمطالعة وميالا إلى جمع الكتب النادرة فوفق لتأليف خزانة حافلة تعد اليوم من أغنى خزائن كتب بغداد واحفلها بالمخطوطات النادرة ثم وقفها على مدرسته وعين لها محافظا يتعهدها رجاء المنفعة بها ابد الدهر وحبا بالذكر الجميل وهو تحت رجام القبر.
وهكذا أمضى عمره؛ أمضاه بالدرس والتدريس. بالوعظ والإرشاد بالتأليف والنشر.
بمجاهدة الباطل وفرق الابتداع بجمع الكتب ووقفها في سبيل العلم.
نعم أمضاه صابرا ومحتسبا اجره على الله. حتى أتاه اليقين صبيحة يوم الأربعاء السابع من المحرم سنة 1317هـ ودفن في مدرسته في جوار مرقد مرجان تحت القبة مقابل الباب. فرزئ الإصلاح برجله الفذ في العراق وفقد العلم ركن نهضته العظيم. وكان نبأ وفاته شديد الوطأة على أهل الإسلام في الأقطار رحمه الله.
محمد بهجة الأثري
دفع أوهام
1 -
توهم بعض البسطاء السذج أن في صدور مجلتنا (عن) شهر كذا أنها (لشهر كذا) والحال (عن) لا تفيد معنى ما توهموه. فمجلتنا تبرز في أول الشهر المذكور اسمه بجانب (عن).
2 -
وتصور بعض المغفلين أن (أخبار الشهر) تحوي أخبار الشهر الذي اسمه في صدر المجلة. وليس الأمر كذلك؛ فهي تحوي ما وقع في أحد شهور السنة مهما كان ذلك الشهر بدون قيد إذ لم نقيد نفسنا به؛ وكل مرة رأينا خطورة الخبر أو الواقع ومكانه من التاريخ قيدنا يوم الشهر بجانبه.
3 -
وخطر لبعض البلداء - ولعل اصله من الأعاجم والعرق دساس - أننا بذكرنا المرادفات نتوخى إيراد غرائب اللغة. ولو كان في دماغه ذرة عقل لوجد أن تكرير اللفظة الواحدة بالمعنى الواحد مما تأباه الغريزة العربية وتفضل عليه التنقل من لفظ حسن إلى حرف أنيق تنقل المفردات من فنن إلى فنن إنعاشا للنفس. لكن أين لذلك العلج معرفة المفردات الفصحى وهو عنها في موضع قصي!
فوائد لغوية
الكلم الرحالة
هل خطر على بالك أن الكلم ترحل؟ أي أنها ترحل من بلد إلى بلد. ومن قوم إلى قوم، فتتزيا بأزياء الأمم التي تندمج فيها، كما أن الرحالة يتكلم بألسنة أهل الديار التي يرحل إليها ليقضي لباناته؟
فإن كان قد عن على بالك هذا الأمر؛ فلقد طاب لك هذا البحث مرارا إذ رأيت العجب من هذه الأسفار التي يدهش لها المفكر، وإن لم يمر بخاطرك فأنا اعرض عليك كلمة تكون مثالا لتلك الأسفار التي تقوم بها أمثلة تلك المفردات.
فهذه كلمة (الفتى) ومؤنثها (الفتاة) تراها جاست خلال البلاد، وانتقلت إلى ألسنة كثير من العباد. فإن الفرنسيين والأسبانيين البرتوغاليين يسمون الفتاة والفتى والإيطاليون وكلهم اتخذوها بمعنى الفتاة العربية اللفظ. أي الصبية، ثم بمعناها العربي الثاني أي الأمة ولما كانت الأمة معرضة لخطر الفساد لكثرة ما تخدم من أنواع الناس في جميع الطبقات، صارت بمعنى البغي كما انتقلت كلمة (فتاة) نفسها وأمة مرادفتها إلى هذا المعنى.
فالفتيات على ما هو مشهور الامآء. وقد وردت الأمة بمعنى البغي، كما أشار إليه ابن الأعرابي إذ قال: يقال للامة فرتنى. وكذلك فعل الفرنسيون فإنهم سموا البغي وكان أصل معناها الفتاة بالمعنى الحسن، ثم حل بمعناها ما حل بمرادفتيها العربيتين. ولا يتلفظ أديب منهم بهذه الكلمة بل يشار إليها بحرفها الأول أن تكلما وأن كتابة.
فهل أخذ العرب لفظتهم الفتى ومؤنثها الفتاة عن الغربيين أم الغربيون أخذوها عن العرب؟ فالذي أراه أنا أن الإفرنج أخذوها عن العرب على ما يظهر لي.
قال لتره في معجمه الفرنسي الكبير: تاريخ اللفظة يرتقي (ورودها
في الفرنسية) إلى القرن الثاني عشر (ثم ذكر عدة شواهد من كلام قدماء كتبتهم من قرن إلى قرن، ثم قال: واصلها كأصل ثم ذكر وجودها في سائر اللغات فقال: باللغة البروفنسية والأسبانية وبالإيطالية وباللاتينية ومعناها الفتاة، كما أن هو الفتى أي الشاب إلى آخر ما قال. ولم يذكر أبدا أن اصلها عربي أو سامي.
على أني بحثت عما يقابل هذه اللفظة في اليونانية فوجدت وإذا أضيفت قالوا وفي هذه الكلمة اليونانية لغات عديدة بموجب قبائل اليونانيين الأقدمين، على ما يرى نظيره في لساننا، أي أن الكلمة يتلفظ بها باختلاف وجيز يعرف باللغة أو باللغية. ونحن لا نتعرض لمختلفات الغيات اليونانية إذ كلها ترجع إلى هذا الأصل الفصيح.
وأنت تعلم أن لغويي الإفرنج يقولون أن اللغة اليونانية فرع من الهندية القديمة الفصحى ويسمونها السنسكريتية، فهذه هي الأم وتلك البنت والحق يقال أن الفتى بالهندية القدمى - ومعناها الفتي من الحيوان وبالزندية: فئرة وبالفارسية القديمة: فثرة، ويلفظ بالراء لفظا مختلسا لا يكاد يشعر به، ومعناها الابن والولد، وإذا تتبعت على هذا الوجه جميع اللغات الأوربية المتولدة من اليونانية أو الهندية الفصحى، لما خرجت عن حيز هذه المادة إلَاّ بحروف العلة وهي مما لا يعتد به عند علماء اللغة.
وإذا سألت بعض المتعصبين الغربيين ولو كانوا من أبناء العرب، عن أصل الفتى أمن أصل سامي أم من أصل آري؟ أو بعبارة أخرى: هل العرب أخذوا لفظتهم عن الآريين، أم الآريون (وهم أجداد الهنود والفرس والإفرنج) أخذوا لفظتهم عن العرب؟ - قالوا لك حالا: العرب أخذوا لفظتهم عن الآريين ولا حاجة إلى إلقاء هذا السؤال عينه على أبناء الغرب الآريين، فإنهم يقنعونك أن العرب تلقوا لفظتهم عن اجدادهم، ولا يجوز الذهاب إلى رأي آخر.
أما نحن فنخالف الجميع، وإن أقمنا أهل السماء والأرض علينا. أننا نقول أن الآريين أخذوا لفظتهم عن العرب أو الساميين. لأسباب منها:
1 -
إن الفتى العربية تتصل بمواد أخرى عربية كثيرة. ولا سيما بمادة ف ت (وما الشد في الأخر أو تكرير الحرف الأخير إلَاّ من باب إظهار الحرف
الأخير وتحقيقه بالتاء لئلا يمتزج بحرف آخر كالثاء أو الطاء أو الدال أو بغيرها - وكذلك القول عن الناقص أي زيادة الألف في الآخر هو من هذا القبيل أيضا أي هو من باب تحقيق الحرف الأخير) فالفتى على الحقيقة وحيد الهجاء أو المقطع فهو (فت) لا غير. والعربية في ألفاظها الواحدة المقطع على هذا الوجه كثيرة؛ اكثر مما يرى في سائر الألفاظ. إذن العربية اقدم سائر اللغات المعروفة.
2 -
أن لمادة (فت) معاني تؤيد مشتقات الفتى. فألفت: دق الأشياء وكسرها بالأصابع. وما يفتت لا يكون إلَاّ صغيرا.
وهناك فرع آخر هو فتأ الشيء (بالهزة في الآخر) ومعناه كسره أيضا؛ ثم هذه الهمزة تفخم فتصير حاء فتقول فتح. ومنها: فتح القناة فجرها ليجري الماء فيسقي الأرض؛ وما يفجر يصغر.
وقد تزاد الراء على آخر (فت) فتصير (فتر) يقال: فتر الشيء، سكن بعد حدة وفلان فتر عن العمل: انكسرت حدته ولأن بعد شدته. والحر انكسر. والماء: سكن حره. وفتر جسمه: لانت مفاصله وضعف. وترى في كل هذه المعاني اللين والانكسار وهو يرجع إلى الصغر والتجزؤ أيضا.
ثم انتقل إلى ما يلحق مادة (فت) من حروف تكسعها بها. فيكون عندك فتغ الشيء؛ أي وطئه حتى ينشدخ - وفتق الشيء شقه وخلاف رتقه - وفتك الرجل: ركب ما هم من الأمور ودعت إليه النفس؛ كما أنه صيّر تلك الأمور صغيرة لما به من شديد الهمة وأسرها.
فهذه الفروع على تشعبها وتفننها تدلك على أن مادة (فت) عربية الوضع وليس لسائر اللغات ما يضاهيها. فلكون اللفظة وحيدة الهجاء هو احسن دليل على قدمها. فهل يستطيع الغير أن يأتونا بمثل هذا البرهان القاطع؟
أما كيف أخذ اليونان أو الآريون من هنود وغيرهم هذه اللفظة عن العرب؟ أو عن الساميين؟ قلنا: هذا كان في العصور الواغلة في ظلمات القدم؛ حينما كانت تلك الأمم متجاورة مختلط حابلها بنابلها.
وعندنا من هذه الألفاظ شيء كثير؛ تثبت قدم اللغة العربية أو اللغات السامية وتفوقها عليها جميعها: تلك اللغة الضادية التي ضاهت بوضعها محاكاة الطبيعة على تشعب ما يسمع فيها من الأصوات المتعددة.
نعم أن رأينا لا يوافق كثيرين من أبناء الغرب وجما غفيرا من الشعوبية لكننا نقيم من أدلتنا المتعددة، ومن أكوام الألفاظ المنيعة ما يقوم بوجههم جبلا لا يمكن هدمه أو نسفه؛ بل إزالته عن موضعه ولو قيد شعرة!
أصل علامات التأنيث في العربية
في لغتنا ثلاث علامات للتأنيث: الهاء أو التاء كما في أديب لمؤنث أديب وبنت لتأنيث الأبن، والهمزة مثل صفراء لمؤنث أصفر. والألف كقولك الكبرى وأنت تريد مؤنث الأكبر. فمن أين أتتنا هذه الحروف؟
لا جرم أن الحروف الموجودة في لغتنا هي أثر كلم كانت تقوم مقامها ثم استغني عنها استغناء من يكتفي بالأثر عن الأصل وبالصورة عن المثال. والذي بلغ إليه بحثنا أن هذه الحروف مقطوعة من كلمة واحدة هي (أنثى) وهي تكتب بالارمية (أنتى) بتاء مثناة وتلفظ (أتى) بإسقاط النون. فهي في رأينا أصل الحروف المستعملة عندنا في التأنيث. فقولك أديبة أصلها أديب أنثى، فاستغنوا بالتاء أو بالهاء عن بقية اللفظ. والأنثى لفظ يقع على من يعقل ممن ليس من الذكور، وعلى ما لا يعقل. ولهذا صح أن يقدر هذا اللفظ لا غيره. وقولنا (صفراء) فمعناه (أصفر أنثى) قالوا في أول الأمر:(أصفرآء) ثم كرهوا أن تكون همزتان في اللفظة الواحدة فحذفوا الأولى وابقوا الثانية التي في الآخر لتقابل الهاء أو التاء في سائر الألفاظ وكذا القول في (الكبرى) فإن اصلها (الأكبرا) ثم تصرفوا فيها تصرفهم في الصفراء مثلا. ولنرجع إلى لفظة أنثى واصلها:
إن كنت واقفا على بعض أصول اللغات السامية تذكر أن ما كان يلفظ به العرب بالثاء اصله في اغلب الأحيان شين بالعبرية مثلا، والأنثى يقابلها في هذه اللغة (أشى) التي هي تخفيف (أنشى) وأنشى هي مؤنث (أنش) الذي معناه الإنسان أو الأنس والنسوة في لساننا جمع انس المحولة عن أنشى، إلَاّ أن نحاتنا لما جهلوا الأصل قالوا أن النسوة وكذا النساء هما جمع مرأة والعاقل يأنف من أن يصدق هذه الخرافة والحق ما ذكرناه أي أن النساء والنسوة جمع كلمة مماتة عندنا وهي (آنسة) ومعناها الأنثى وهي محفوظة في قولهم إنسانة مؤنث إنسان على ما روي عن بعضهم بل محفوظة في كلمة (أنثى) التي اصلها (أنسى أو أنشى) على ما تقدم التصريح به.
باب المكاتبة والمذاكرة
على يفعول
قرأت ما دبجته يراعة الصديق العلامة الأب انستاس ماري الكرملي في مجلته لغة العرب (م4 ص101) عن كتاب يفعول الذي عني بنشره صديقنا الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب التونسي فجئت بهذه الكلمات لأفصل بها ما أجمله الثاني عن بعض المواضع التي زادها علي الصغاني مؤلف الكتاب والأول على مؤلفه وناشره لأن هذه المواضع لا تزال معروفة عندنا في فلسطين وكذلك لأضيف إليها بعض القرى والدساكر الموجودة بفلسطين والواردة على وزن يفعول فأقول:
المواضع التي زادها عبد الوهاب
يبرود: قال الأستاذ عبد الوهاب ناشر الكتاب عنها أنها من قرى البيت المقدس ذكرها ياقوت في معجم البلدان ونقول نحن أن هذه القرية من عمل بيت المقدس ولا تزال آهلة وعدد سكانها اليوم (199) نسمة.
عين يبرود: قال عنها قرية أخرى من قرى البيت المقدس ونقول أنها لا تزال آهلة بالسكان وعددهم (576) نسمة.
المواضع التي زادها الكرملي
يأزور: قال حضرة الأب العالم (اليازور اسم موضع في بلاد العرب ذكره ابن الأثير في كامله. اه) ومع أن ابن الأثير قد ذكر ذلك الموضع في كتابه كامل التواريخ فإن ابن منجب الصيرفي وهو متقدم على ابن الأثير في المدة قد ذكره قبله في كتابه الإشارة إلى من نال الوزارة (ص40) كما أن ياقوت الحموي المعاصر لأبن الأثير قد افرد له مادة كتب فيها
ما عرفه عنه ويغلب على الظن أن ابن الأثير قد نقل ذلك عمن تقدمه.
أما يأزور فلا تزال قرية آهلة وهي في ضاحية يافا بينها وبين الرملة وعدد سكانها اليوم (1284) نسمة.
يأمون: قال الأب: (يأمون اسم موضع ذكره الهمداني في صفة جزيرة الرب) ونقول نحن
أن ما جاء عنها في هذا الكتاب عند ذكر المؤلف مساكن من تشاءم من العرب (ص129)(وأما جذام فهي بين مدين إلى تبوك فإلى اذرح ومنها فخذ مما يلي طبرية من أرض الأردن إلى اللجون واليامون إلى ناحية عكا. اه) ويأمون هذه قرية من القرى الآهلة وهي من عمل جينين وجينين بين نابلس والناصرة وعدد سكانها اليوم (1486) نسمة.
المواضع المذكورة في أصل الكتاب
ويجدر بنا بعد أن ذكرنا ما تقدم أن نعود إلى أصل الكتاب فنوضح بعض ما فيه مما له علاقة بفلسطين قال المؤلف:
اليأجور: الأجر ولم يزد. ونقول نحن أن في ضاحية حيفا قرية اسمها اليأجور كانت ملك بعض أعيانها فتسربت في العهد الأخير إلى أيدي اليهود الصهيونيين وكان عدد سكان هذه القرية زهاء (200) نسمة من الوطنيين فلما اتصلت باليهود أنشأوا فيها مصنعا هائلا للأسمنت أنفقوا عليه أموالا طائلة وهم يستثمرونه اليوم ويتناولون التراب اللازم للأسمنت من تراب الجبل المحاذي للقرية فيحرقونه في الأفران الأوربية ثم يعرضونه للبيع في الأسواق التجارية وقد أثبتت الاختبارات الفنية التي قام بها بعض المتخصصين أن هذه المادة تفضل سواها من الأسمنت الذي يستورد للبلاد من مصانع الغرب وقد اخذ استعمالها يعم في المباني الكثيرة التي تنشأ لحساب الوطن القومي اليهودي في هذه الأرض المقدسة. فهل حرف العرب خاصية هذه التربة قديما فسموها باليأجور نسبة إلى الأجر؟ وأجوده ما يصنع من هذه المادة الترابية التي تتحجر
عاجلا وتستخدم في البناء بدلا من الحجارة أو أن هذه التسمية جاءت عفوا وهو ما نستبعده؟
قلنا إننا نستبعد أن يكون العرب قد جهلوا حقيقة هذه التربة بالاعتماد إلى تسمية موضعها باليأجور وقد ظهر أثناء نقل التراب إلى المصنع بعض مغاور قديمة فيها نواويس فخارية وفي هذه النواويس عظام بشرية يظن بعض العارفين أنها فنيقية مما يدل على رسوخ قدم هذا الموضع في القدم.
أما المصنع الذي أنشأه اليهود فيعمل فيه اليوم ما يربي على الأربعمائة عامل ويستخرج منه في اليوم ما يضاهي مائة وخمسين طنا من الأسمنت.
يأسوف: (قرية قرب نابلس من فلسطين) هذا ما قاله المؤلف عنها وقد ذكرها ياقوت في
معجمه وهي قرية صغيرة من عمل نابلس. عدد سكانها اليوم (172) نسمة.
وبعد فان عندنا في فلسطين عدة قرى على وزن يفعول لم ترد في أصل الكتاب ولا في الحواشي التي كتبت عليه ولم تذكر في معاجم تقويم البلدان رأينا أن نذكرها هنا إتماما للفائدة.
المواضع الموجودة في فلسطين والتي يجوز إضافتها إلى
يفعول
يأسور: اسم قرية من عمل المجدل في مقاطعة غزة عدد سكانها اليوم (456) نسمة.
يأقوق: اسم قرية من عمل طبرية يقال لها يأقوق ومواسي عدد سكانها اليوم (494) نسمة ومواسي المعطوفة عليها اسم لقبيلة بدوية لها بقية في نواحي طبرية وصفد.
يأنوح: اسم قرية من عمل عكاء عدد سكانها اليوم 214 نسمة.
يأنون: اسم قرية صغيرة من عمل نابلس عدد سكانها اليوم 71 نسمة.
هذا ما أردنا إيراده في هذه العجالة وفوق كل ذي علم عليم.
حيفا: عبد الله مخلص
الملا عثمان الموصلي
طالعت ما جاء في الجزء الخامس عن الملا عثمان فتذكرت بعض أمور عنه ويطيب لي أن أرويها لقراء لغة العرب:
اذكر روايتي عن المرحوم عثمان أفندي أنه فقد بصره وهو في مهده بصورة مدهشة، وذلك أن جارة لهم كانت تعادي أمه فجاءت يوما فرأته في المهد وليس ثم أحد فقلعت عينيه وذهبت. وأن أمه خبأت العينين حتى شب وسلمته إياهما ظانة أنه يجد من يعيدهما إلى موضعهما. وهذه الحادثة كان لا يزال يذكرها.
وإذ ذكر الكاتب ترجمته يجب ذكر جانب من ذكائه المفرط، وهو معرفته لأصحابه من لمس أيديهم مهما طال أمد الفرقة بينهم. فمنها أنه دخل بيروت وكان فيها المرحوم صالح أفندي السويدي فتقدم إليه وصافحه دون أن ينبس بكلمة واحدة فأخذ يده وبقي يتلمسها هنيهة وهو لا يعلم بوجود صاحبه في بيروت وإذا به يقول:(سويدي ما الذي جاء بك إلى هنا؟)
وذكر لي المرحوم رؤوف أفندي أبن حسن أفندي الشربتجي الموصلي أنه دخل جامعا في الأستانة فوجد الشيخ عثمان جالسا للوعظ. قال فجلست في ناحية قريبا منه، ففطن بأن الجالس ليس من المستمعين على العادة. قال فتطال إلي وسألني (بك أفندي بكم الساعة) فاجتهدت بتغيير صوتي وقلت بالتركية (العاشرة ونصف) ثم ختم درسه بعد لحظة وأخذ في الدعاء قائلا:(اللهم صل وسلم على رسولك الرؤوف الحسن) وبعد تمامه قال هل تحتاج بعدها إلى التكتم عني؟
ورأيته مرارا وهو يقدر سن من يسمع صوته فلا يخطئ إلا قليلا في الكهول وأما في سواهم أي في من كان في الطفولة إلى المراهقة فقلما يخطئ.
ومررت معه ليلة في سوق. وبينما نحن نسير ونتحدث إذ ضربت بعصاي باب حانوت وقلت له: (هذا حانوت صاحبك فلان) فقال كلا بل حانوته الحانوت الآخر الذي بلصقه.
وكنا ليلة عند المرحوم السيد محمد صالح الكيلاني، وكان هناك أحد المولوية وهو يقرأ ويمد رأسه تارة ويقلبه يمينا ويسارا تارة أخرى ولم يسكت فضجر
الشيخ عثمان وصاح بالغلام هات (دنبكا)(والدنبك عند بالعراقيين هو المسمى بالدربكة عند أهل الشام) فأتاه به ونحن نظن أنه يريد الضرب عليه وإذا به ضربه فخرق الجلد وجعله على رأسه يقلد به قلنسوة المولوية وأخذ يقرأ ويتواجد مقلدا الرجل أعظم تقليد حتى مللنا من الضحك وهو
يقول ما هذه الليلة الباردة
هذا ما خطر لي الآن إذ له أمور كثيرة. وكان رحمه الله سحابة لا يدخل الدرهم يده إلا مارا بها، ولو جمع مما حصله من الأستانة لبلغ الألوف من الذهب إنما كان له صاحب هناك يسمى بالملا يونس فكان يعطيه ما يأخذه حتى أن أحد الأفاضل كان يقول اللهم يسر لي من يكون لي مثل عثمان ليونس. وفتح مع شريك حانوتا في الأستانة للوراقة؛ فما جاءه أحد يطلب كتابا بغياب شريكه إلا ومد يده وسلمه إياه بصورة يعجز ذوو الأبصار عن مثلها.
وله شعر كثير من ذلك تخميس الهمزية والبردة. وكان في نظم التاريخ أمة وحده فلا يعجزه التاريخ بل متى أخذ السبحة بيده فلا يمضي ربع ساعة حتى يستخرج التاريخ نظما. نعم أن شعره ليس بالعالي الجزل بل يجمع الجزل والركيك.
عبد اللطيف ثنيان
معنى كلمة عراق
سيدي صاحب لغة العرب المحترم.
وقفت على تعليقكم على معنى كلمة عراق وقد ذهبتم إلى أهنها بمعنى معروق التي معناها المعرض للغرق. وهذا يدعم رأيي القائل أن العراق معناه بين النهرين أي بلاد الماء ولزيادة الإيضاح أقول عثرت مؤخرا في (تاريخ شمروا كد) لمؤلفه الأستاذ كنك ص 14 ج1 و2 على أن أول أسم أطلق على العراق كان لفظة قلم (على وزن سبب) ومعناها (الأرض) ثم أبدلت على توالي الأزمان بكلمة قنجي (وزان عبدي) التي معناها أرض الترع والقصب.
ويظهر أن جميع الألفاظ التي أطلقت على ديارنا هذه كانت بمعنى واحد وهو بين النهرين وأن اختلفت باختلاف الأزمان والأقوام والألسنة.
رزوق عيسى
ملاحظات
وقفت على ما جاء في الجزء الخامس من لغة العرب فبدا لي بعض أمور في أثناء المطالعة وها أنا ذا أبوح بها لعل فيها فائدة:
1 -
ذكر صاحب مقالة الحافظ أو الملا عثمان في ص262 أنه كان يعرف لعبي الدمة (الدامة) والشطرنج. والحال أن المرحوم كان يجهلهما بتاتا. واللعب الذي كان يحسنه هو (الدومنو) ولعل تقارب أحرف الدمة والدومنو كان سبب هذا الوهم.
2 -
في يوم وفاته انتقل إلى دار الخلود رجلان آخران شهيران وهما محمد سعيد الدوري من افقه أهل زمانه في العراق وآخر اسمه داود.
3 -
جاء في مقالة الألفاظ الارمية (ص267) في كلام الكاتب عن البزاغة (من بزرا. . . بإبدال الراء الثالثة غينا، مع أنه ليس هناك راء أولى ولا ثانية ولعل الكاتب أراد أن يقول بإبدال الراء - وهي الحرف الثالث - غينا.
وفي ص269 ذكر الدحرة فقال يقال دحره على قلبك ودحرة بعينك والمشهور طحرة ومعناها في لساننا الشيء مهما كان. قال في اللسان يقال: ما في النحي طحرة أي شيء. وما على العريان طحرة أي ثوب. وقال الجوهري: وما على فلان طحرة، إذا كان عاريا.
اه
وذكر الحويجة (ص270) بمعنى قطعة من الأرض فيها شجر. والمشهور في معناها عندنا نحن العراقيين: الحويجة الجزيرة (أو الجزرة) فيها أشجار.
4 -
قرأت في ص290 (إن بني قريش كانوا يفرون من الهمز) والذي احفظه أنه لا يقال بنو قريش أبدا بل قريش لأن قريش اسم قبيلة لا اسم رجل حتى يكون له أولاد.
مترقب
(لغة العرب) نشكر المترقب على ملاحظاته. أما أنه لا يقال بنو قريش فلا نوافقه. فلقد صرح بذلك القلقشندي في نهاية الأرب في معرفة انساب العرب المطبوع في بغداد في مطبعة الرياض إذ عقد المؤلف فصلا للقبائل التي يصدر اسمها ببني فقال في ص321 بنو قريش: قبيلة من كنانة غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم قريش على ما ذهب إليه جمهور النسابين. إلى آخر ما قال.
وجاء في لسان العرب في مادة قريش: وقيل سميت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر. اه. إذن يقال بنو قريش ولا غبار عليه.
أسئلة وأجوبة
هل فرثية هي طبرية؟
س - قرأت في كتاب (دروس التاريخ للصف الخامس الابتدائي) الباحث عن القرون الأولى والوسطى لمؤلفه الفلاحي وقد وضع وفقا لمنهج وزارة المعارف وتقرر تدريسه في المدارس الابتدائية طبع سنة 1925 في ص30 ما هذا نصه:
(فأنتهز الفرصة رجل من أهالي برثيا (طبرية) وألف جموعا كثيرة من الفرس وتمكن من تأسيس دولة إيرانية جديدة سميت بدولة (البرثيين) وأخذ يحارب السلوقيين وانتصر عليهم في اكثر الوقائع) اه فما اسم المؤسس لهذه الدولة وهل عرفها العرب بهذا الاسم؟ وهل فرثية (التي يسميها المؤلف برثيا) هي طبرية؟
(شطرة المنتفق. ر. ش.)
إننا لنعجب من وزارة المعارف لتقريرها مثل هذا الكتاب الطافح بالأغلاط وإثباته بين كتب التدريس. لا نعلم كيف جعل المؤلف فرثية طبرية؟ فطبرية في فلسطين وفرثية في العراق وفارس ولا تصل تخومها إلى فلسطين. ولعل المؤلف أراد بطبرية طبرستان؟ فهذا أيضا خطأ واضح لأن طبرستان بلاد أو قطر أو كورة واسعة داخلة في جزء من أجزاء فرثية القديمة لكنها ليست بها؛ والمؤرخ لا يسمي بلادا باسم لم تكن معروفة به في ذيالك الأوان. فطبرستان كلمة حديثة بالنسبة إلى فرثية.
أما مؤسس هذه الدولة فهو ارشك على ما جاء في كتب العرب أو أشك راجع الكامل لأبن الأثير (1: 208 - 210 من طبعة الإفرنج) وسمى السلف هذه الدولة بالاشغانية أو الاشعانية أو الاشكانية أو الارشكية أو الفرثية (بفتح الفاء إلَاّ أن بعضهم قرأ الثاء المثلثة سينا فقال الفرسية بيد أنه أبقى الفاء مفتوحة فضمها بعض الجهلة وقالوا فرسية) والحال أن الفرس بالفتح هم غير الفرس بالضم فالأولون يعرفهم الإفرنج باسم والآخرون هم
باب المشارفة والانتقاد
24 -
الإرشاد
جريدة علمية أدبية إرشادية يصدرها في بغداد نادي الإرشاد في الأسبوع مرة واحدة مديرها: المعتمد العام الأول لنادي الإرشاد عبد الجليل آل جميل، بدل الاشتراك عن كل سنة كاملة 5 ربيات وعن ستة أشهر 3 ربيات، صدر العدد الأول منها في 5 تشرين الثاني سنة 1926 الموافق 28 ربيع الثاني سنة 1345
جاء في هذه الصحيفة الأسبوعية بعد الافتتاحية مقالة تحوي نظام الإرشاد يليها مقررات النادي فالكسب في نظر الدين الإسلامي فالمباشرة بالوعظ كذا) والإرشاد وبهذا المقال ختمت الجريدة صفحاتها الأربع فبقي هناك رقعة بيضاء بمنزلة متنزه تتمتع الأبصار ببياضها الناصع وترتاح من سواد الحبر الذي يتعب البصر.
وكنا نود أن يعتني بعبارتها. ولا سيما لأن كتابها من العلماء الأفاضل. واحسن مقال ورد فيها وعني به هو - على ما يظهر لنا - مقررات النادي ودونك مستهله:
(أجمعت الهيئتان - المؤسسة والإدارية - معا في 14 ربيع الثاني سنة 345 المصادف 22 تشرين الأول سنة 926 وبعد شكرهم لحسن إدارة الحكومة البريطانية العظمى إدارة الوقف إلى زمن تشكل الحكومة العربية عقدوا الجلسة وحروف برثية أو برطبة هي الحروف التي تكتب بها طبرية لكن ليس للحروف هنا اعتبار في قلب الكلمة
فأنظر إلى الأغلاط العديدة الموجودة في العبارة الواحدة فما قولك في الكتاب كله والأطفال إذا تعودوا حفظ الأغلاط في التاريخ قبل أن يعرفوا صحيحها يتعذر عليهم العود إلى الصحيح منها. فانا لله وانا إليه راجعون! ............
برئاسة صاحب السماحة السيد إبراهيم أفندي الحيدري فتذاكروا في شأن إلغاء وزارة الأوقاف جهة التدريس من بعض المدارس الدينية وجهة الإرشاد من التكية الخالدية. . .) إلى آخر ما ورد.
فنحن لم نفهم معنى (أجمعت) في قوله أجمعت الهيئتان، فإذا كان هناك غلط طبع أي أن الأصل كان (اجتمعت الهيئتان)، فلا نر وجها لقول النادي بعد ذلك (معا) وهل يكون اجتماع بغير أن يكون معناه (معا)؟ إذن (معا) زائدة وأما أن لم يكن هناك غلط طبع فكان يحسن أن يوصل معنى (اجمع) بالجار (على) أي أن يقال مثلا: أجمعت الهيئتان. . . على شكرهما. . . وعلى كل حال في الكلام غموض. ثم أن الهيئة لم ترد بمعنى اللجنة في العربية بل بالتركية فقط.
وقال الهيئتان المؤسسة والإدارية. ولو قال المؤسسة والمديرة أو التأسيسية والإدارية لكان ............
المعطوف من جنس المعطوف عليه وهو من حسن التعبير عن الفكر في مكان فصيح معهود - وقوله في 14 ربيع الثاني سنة 345 المصادف 22 تشرين الأول. . . قلنا لا معنى للمصادف هنا إذ ليس ثم مصادفة إنما هناك (موافقة) فكان من المستحسن أن يقال الموافق 22 تشرين الأول كما ينطق به المصريون والسوريون وكل فصيح.
وقوله: وبعد شكرهم لحسن إدارة الحكومة. . . ولا نعلم كيف يعود ضمير الجمع إلى اسم مثنى. فالكلام كان عن الهيئتين (أي اللجنتين) فكان من اللائق أن يقال: وبعد شكرهما لحسن إدارة. . . ومع ذلك لا يرتبط الكلام ارتباطا بينا بقوله في الأول: أجمعت الهيئتان. . . فكان يحسن أن يقال مثلا كما قلنا في بدء كلامنا: أجمعت اللجنتان. . . على شكرهما لحسن إدارة الحكومة البريطانية تدبير أمور الوقف، لكنه قال: لحسن إدارة الحكومة البريطانية إدارة الوقف. . . وفي هذا التعبير من التعسف ما لا يخفى على القارئ.
وربط تلك العبارة بقوله: إلى زمن (تشكل) الحكومة، وهذا أيضا من التعبير العثماني أو التركي أو المغولي أو انعته بما تشاء لكن لا تقل أنه عربي فالتشكل في لساننا مصدر تشكل الشيء أي تصور وتشكل العنب أي اينع بعضه
أو اسود واخذ في النضج، فأين هذا مما يريده؟ - ولو قال: إلى زمن (تألف) الحكومة لفهمنا مراده.
ولم ندرك ما عناه بقوله بعد ذلك: إلغاء وزارة الأوقاف (جهة) التدريس من بعض المدارس. فلجهة في العربية الجانب والناحية وكل موضع استقبلته وتوجهت إليه. وهذه المعاني كلها لا تتسق مع الألفاظ السابقة ولا يتحصل منها ما يربط الكلم بعضها ببعض. ولعل المراد هو إلغاء (منصب) التدريس من بعض المدارس. لكن بقي معنى الكلام في قلب الشاعر.
ولا نريد أن نتتبع النادي، نادي الإرشاد، في كل ما قال وحبر من الكلام إذ كله على هذا النسق. وكنا نود أن تكون العبارة محكمة (رشيدة) حتى لا يعترض عليها (الضالون) فيمتنعوا من مطالعتها. وعلى كل حال أننا نتمنى للإرشاد أن يكون دليلا وهاديا لأن غايته على ما قال في مقال الاستهلال:(صلاح حال الأمة المسلمة التي أصبح الكثير منها بسبب الجهل وفشو البدع والخرافات وانحطاط الأخلاق بحالة غير محمودة حتى وصل الأمر إلى درجة أن الأب لا يعطف على بنيه ولا يلتفت الأخ لأخيه) غفر الله لنا وهدانا إلى الصراط
المستقيم.
25 -
مختصر تاريخ الطبري
عن السنين الهجرية 65 - 99 الموافقة لسني 684، 685 - 716، 717، لأغناطيوس غويدي، طبع في رومة 1935
اغناطيوس غويدي من كبار المستشرقين، لا يتعرض لأمر يتعلق بالعرب لا بل بالشرقيين، إلَاّ يوفيه قسطه من التحقيق والتدقيق. وهذه الخلاصة جاءت شاهدة على تضلعه من العربية وتاريخ بني عدنان وعلى أن شيخوخته المباركة لا تقعده عن العمل. فلقد صدق فيه قول لغويي العرب أنه (الراتي الرباني) أي (العالم العامل المعلم).
26 -
تاريخ الطب عند العرب
محاضرة بقلم الأستاذ عيسى اسكندر المعلوف، طبع بنفقة الدكتور مصطفى الخالدي أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت
لا يطالع القارئ مجلة من كبار مجلاتنا العربية إلَاّ يرى فيها مقالة للأستاذ عيسى المعلوف. فمباحثه دقيقة وتحقيقاته بالغة أقصى التحفي. وقد أهدى إلينا الصديق المحاضرة الثانية (ولم تصلنا الأولى) وهي تتناول البحث عن اتصال الطب بالعرب منذ نشوءه إلى عهدنا هذا. وهي محاضرة نفيسة تدل على اطلاع واسع ووقوف عجيب على تاريخ العرب وتقدمهم في الطب.
على أننا كنا نود أن يتولى الأستاذ بنفسه طبع مسودات هذه الرسالة فقد جاء في الصفحة الأولى منها (وهي ص3 من البحث) قوله: فاشتهروا به وتفوقوا ولعل الناشر حذف (على من سواهم) بعد قوله وتفوقوا ولعل الكلمة كانت مثل (وأجادوا فيه) فأبدلت ب (وتفوقوا) فلم تحسن العبارة.
وذكر في سبب دخول الطب بلاد الفرس: (أن ملكهم سابور تزوج ابنة أولينوس قيصر فبنى لها مدينة (جنديسابور) وفسح لأطباء اليونان (الذين رافقوها حسب تلك الأيام) محلا لبناء مدرسة ومستشفى فنقل الطب من الإسكندرية إلى تلك البلاد الشرقية بهذه الواسطة واتصل بالعرب. . .)
ونحن نجل الأستاذ عن نقل مثل هذه الرواية التي ذكرها بعض الخرافيين هذا فضلا عن أننا لا نعلم أن عند الرومان قيصرا يسمى أولينوس. والذي كان في عهد سابور كان اسمه غرديانس وخلفه فيلبس العربي ثم أذينة بن السميدع ولما كان بعضهم يجهل صحة هذا الاسم العربي نقله بصورة (اودينوس) لا (أولينوس) كما جاء في هذه المحاضرة. وكنا نود أن نعلم السند الذي نقل عنه حضرة صديقنا الفاضل لنتثبت صحة الرواية.
وقال في تلك الصفحة: فالطب العربي مقتبس من طب هؤلاء الأقوام، ولا سيما (اليونان) ولو قال ولا سيما من طب اليونان أو من اليونان لكان افصح.
ثم قال: ولكنه (أي الطب) اتصل بالعرب فلم يهملوه. . . بل زادوه تبسطا في الأبحاث وتوسعا في العلاج ومهارة في الجراحة والتشريح وخبرة في
العقاقير. . . قلنا كان الأجدر أن يقال: بل زادوه بسطا. . . وسعة. . . فتصدق بقية المصادر المعطوفة على هذين الأولين وكلها تدل على معنى التعدي. أما التوسع والتبسط فيدلان على معنى اللزوم - وقد علمنا من تتبع تاريخ الطب أن العرب لم يمهروا في الجراحة (والصواب علم الجراحة لأن الجراحة اسم الضربة أو الطعنة وجمع الجرح أيضا لكن لم ترد عند الفصحاء بمعنى علم الجراحة) والتشريح لأن الدين يحضر مس الموتى؛ هذا فضلا عن أنه لم يشتهر عندنا بهتين الصناعتين من يعتمد عليه.
وفي ص4 ورد ذكر مدينة الشوش ومرة ثانية شوش وكلتهاهما غلط والصواب السوس بالمهملتين. وفيها ذكر اسم مدينة (كرخ بيت لافاط) وعرفها العرب باسم بيلاب (راجع معجم ياقوت) وقال هناك. . . كرخ بيت لافاط وهو اسم جنديسابور التي دعتها العرب (الأهواز) قلنا: بيت لافاط (التي هي بيلاب عند العرب) عرفت باسم جندي سابور لكنها ليست بالأهواز لأن هذه واقعة في جنوبيها وبعيدة عنها. والأهواز كانت تعرف ببيت هوزايا ومعناها مدينة الخوزيين وسماها الفرس هرمزد اردشير، وهرمشير - وفي تلك الصفحة (باتانوس الامدي) والمذكور في الكتب (اطنوس) بالطاء لا يردفها ألف - وذكر كتاب (الفن الطبي وخواص العناصر) والمشهور أن اسم الكتاب (الفن الطبي وخواص الأطعمة) - وذكر المتحف البريطاني والأصح المتحفة أي محل تكثر فيه التحف - وذكر رئيس المكتبة الملكية. ولم تأت المكتبة عند العرب بمعنى خزانة الكتب أو دارها أو بيتها.
أما المكتبة فهي محل تكثر فيه لتعرض على المشترين فهي والخزانة
وفي ص5 جاء أسم يحيى أو يحنى أو يوحنا بن سرافيون مصحفا بصورة سراجيون الذي لا وجود له. ولو تتبعنا كل الصفحات لوجدنا في كل منها عثرة من العثرات. وما كنا نود أن نرى مثل هذه الهنات في هذه الرسالة الوضاءة الحسنة الورق والطبع. ولهذا نشير على الصديق أن لا يؤذن لأحد أن يطبع مؤلفاته ما لم تعرض عليه مسوداته لكي لا تتشوه فتضيع الفائدة من مطالعتها وتذهب محاسنها إدراج الرياح.
27 -
مرقاة المعلم للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية
والعربية
تأليف الأب يوسف علوان اللعازري، المراسلات التجارية والمسائل القضائية، الجزء الثاني كتاب التلميذ في 239 صفحة، الجزء الثاني كتاب المعلم في 168 صفحة، كلاهما طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1926
تكلمنا عن الجزء الأول للتلميذ في 240: 4 وعن جزء الخاص بالمعلم في 295: 4 وقد تلقينا الآن الجزء الثاني للتلميذ والمعلم. فوجدناهما أخوين مشابهين لأخويهما السابقين. وكلما طالعنا في هذه الأجزاء الأربعة نقول: وهل يمكن أن نرى كتبا في هذا الموضوع تشابهها أو تقاربها؟ فيكون الجواب: إلى الآن لم نجد، فلعل الزمان يفاجئنا بما يدانيها، لكن لا يمكن أن نرى ما يفوقها. وكفى بهذه الشهادة على حسن أسلوب هذه الأجزاء فكأنها أسنان المشط في المساواة والمؤاخاة والمشابهة والإجادة، فهي حقيقة درجات مرقاة توصلك إلى الإجادة في فن الترجمة.
كسر المؤلف كتابه المفيد على أربعة غرور متكافئة وطوى كل ثني منها على فوائد في الترجمة تميز العربية من الفرنسية وتبين لك الأسرار الموجودة في كل من هاتين اللغتين الضرورتين في بلادنا.
فالجزء الأول يحتوي على المراسلة المألوفة في جميع الأساليب على ما رأيت.
والجزء الثاني يطلعك على خفايا الترسل التجاري ومسائل القضاء وهو الذي اهدي إلينا في هذه الآونة بقسميه الخاص أحدهما بالتلميذ والثاني بالمعلم.
أما الجزء الثالث فيدور محوره على مواضيع تتعلق بالفصاحة والبيان ويكون دائما كسائر الأجزاء في قسمين: قسم للتلميذ وقسم للمعلم.
ويختم الكتاب بالجزء الرابع الذي يقوم موضوعه على مواد الخطابة بفرعيها الديني والدنيوي وأقسام الجزءين الأخيرين جار طبعها وتبرز وشيكا.
والكتاب صغير الخلق في حجم 16 حسن الكاغد والطبع متقن التبويب
والأسلوب فلا ينتقل الطالب من موضوع إلى موضوع إلَاّ يرى في نفسه تقدما يعده للارتفاع إلى أعلى.
وإطراؤنا لهذا الكتاب هو من باب الحق والإنصاف. لكننا لا نريد أن نقول أنه خال من كل عيب، إذ هذه الصفة خاصة بأعمال الله عز وجل. أما صنع البشر فلا يخلو من مغمز. ومعايب هذا التصنيف أن المؤلف لا يتحاشى عن اتخاذ ألفاظ العوام وتعابير التجار المغلوطة المستعملة في العربية. وأما عبارته الفرنسية فإنها خالصة كالأبريز. وكنا نود أن يعامل لغتنا معاملته لغة الأجانب.
ففي ص65 من جزء التلميذ (بالمزايا التي تؤهلني لالتفاتكم، وخير منها تؤهلني لالتفاتكم إلي. وفيها: فلي أمل إذن إنكم تتنازلون. . وهو تعبير قبيح سرى إلى بعض الكتاب عن طريق الأجانب والصواب: فآمل إذن. . . وفيها أتشرف فأسألكم أن تكرموا علي؛ واحسن منها: أتشرف بأن أسألكم أن تتكرموا (بتاءين) علي. ثم أن تكرم على فلان غير فصيح فهو كتفضل عليه من هذا القبيل. والذي ورد عند الفصحاء بمعناهما: احسن إليه وجاد عليه. فتصبح العبارة إذا قلت: أتشرف بأن أسألكم أن تجودوا علي. هذا فضلا عن أن تفعل اثقل من افعل وفعل. ومثل هذا التسامح والتساهل في التعبير لا تخلو منه صفحة على أننا لا نراه يجري على هذا الوجه في العبارات الافرنسية، وهذا ليس من باب النصفة.
وما نقوله عن جزء المتعلم نعيده على جزء المعلم ونزيد على ما تقدم أن المؤلف يفضل العبارة الطويلة لتأدية المعنى على كلمة عربية واحدة. فقد وضع في ص47 من جزء التلميذ بازاء بالغ في التدقيق ولو وضع بجانبها أسف (بتشديد الفاء) لاستغنينا عن الكلمات الثلاث. ووضع بازاء قام بمعاش فلان ولو قال بدل ذلك عاله أو مأنه لكان اخصر وأوفى بالمطلوب. ووضع مقابلا لكلمة دفع ما كان باقيا عليه، ولو قال: دفع الروية (وزان الشقية) لأنقذنا من العبارة الطويلة العريضة. ووضع في معنى إشارة إلى كلمة والتعبير
العربي لا يؤدي معنى الكلمة الفرنسية فهي قاصرة عنه بل ولا تفيدنا شيئا والصواب (ميز الكلمة بخط) أو يكتفي بقولك: ميز الكلمة. ووضع
وقع (بالتثقيل) ولكلمة وقع كتابه، وأنا لا أرى فرقا بين التعبيرين العربيين مع أن الكلمتين الفرنسيتين لا تفيدان معنى واحدا. فمعنى امضي وهي وإن كانت مولدة؛ إلا أن (وقع) لا تقوم مقامها. ولما كانت الرسائل لا يبعث بها إلى المعنون إليهم إلا بعد أن يكتب صاحبها اسمه عليها قالوا (أمضاها) أي أنفذها أو أجاز إنفاذها إلى المعنون إليهم واحسن منها ختم لأن الإنفاذ المذكور يكون بوضع الختم عليه بخلاف فإنها بمعنى ذيل الرسالة باسمه ويكتفي بذيل فقط إذا كان هناك دليل. وأما بمعنى الزم نفسه بدفع مبلغ فإن المعاصرين وضعوا لها لفظة واحدة وهي (اكتتب) وهي مع ذلك ليست لهم بل للمولدين إذ وردت في كتاب البيان المغرب لأبن العذاري المراكشي في الجزء 1ص171 س5 و7.
هذا ولو أردنا أن نتتبعه في جميع أوضاعه لمللنا وامللنا. وقد رأيناه في اغلب الأحيان يتتبع مصطلحات المعجم الفرنسي العربي للأب بلو اليسوعي المطبوع في جزءين في بيروت ولو لم يفعل لكان احسن له لأن صاحب الكتاب المذكور أعجمي ولم يكن يحسن العربية بل اكتفى بان نقل الألفاظ الواردة في معجمه الآخر العربي الفرنسي إلى معجمه الثاني الفرنسي العربي فغر وعر. عامله الله بالحسنى!
28 -
التقرير الصحي السنوي
لمديرية الصحة العامة خلال 25 - 1924 و24 - 1923 طبع في دار الطباعة الحديثة في بغداد سنة 1926 في 238 صفحة بقطع الربع.
نشرت مديرية الصحة عدة رفائع منذ زوال حكم الاتراك، ولكننا لم نقف على شيء حسن التبويب: واضح الجداول، واف بالمقصود مثل هذا التقرير والرسالة التي فتح بها مدير الصحة العام الحكيم اليقظ حنا خياط رفيعته هذه هي من احسن ما جاء في هذا المعنى فإنها تطلعنا بلمح البصر على وجوب زيادة المبلغ المرصد للصحة لتعميم الوسائل محاربة للأمراض. ولقد أفادت المستوصفات المحدثة في هذه السنة مع تكثير عدد الأطباء الذين لا يزالون دون المطلوب، إذ يبلغون اليوم 464 والمرغوب فيهم لا يقلون عن 2831 ولهذا استنتج المدير
العام إنشاء متقن طب للبلاد حتى يقوم بما يطلب منه.
ومما يطيب ذكره هنا أن الحكومة أنشأت عدة مستشفيات منذ تولي حكم الأتراك وهي في كل سنة دائبة في بناء أمثالها لحاجة البلاد إليها حاجة أهلها إلى الطعام والشراب.
والكتاب مزين بصور مختلفة تزيد في حسنه.
والواقف على كلامه يرى فرقا عظيما بين ما كان يكتب من نوعه في السنين الأولى وبين ما يكتب الآن، فإن عبارته اقرب اليوم إلى اللغة الفصيحة منها بالأمس؛ على أنها لا تزال في حاجة إلى التحرير لكن الذي يعلم أن في هذه المديرية من الموظفين ما عدد ألسنتهم يبلغ الاثنين والثلاثين يتعجب من أن العبارة تحكم هذه الأحكام.
على أننا لا نغفر لهذه الإدارة سوء ضبط أعلام مدننا، فلقد تكرر اسم اربيل عشرات وعشرات. والصواب اربل (بلا ياء) وكذلك المنتفك وصوابها المنتفق. وغلط كتابة بعقوبا بصورة بعقوبة أمر هين؛ لكننا لا نغفر له أن يكتب الاسم الواحد بصورتين مشوهتين فقد ذكر كوي سنجق وتل أعفر مرة بصورة كويسنجاق وتللعفر (ص78) ومرة كويسنجق (ص139) وتلعفر (ص77) وكلها غلط والصواب ما أوردناه. وأشنع من هذه التصحيفات قوله مرارا عديدة في نهر معقل أو معقل (وزان مجلس) ماركيل (ص77) وهذا التصحيف المشوه القبيح الشقيح الشنيع منقول عن الإنكليز وهو أثم لا يغتفر، وهل يمكن أن نأخذ أسماء بلادنا عن الأجانب؟
ومن غريب ما رأينا في هذا التقرير أن لم يحدث ولادة ولا وفاة في كربلا سنة 1924 - 1925 في أشهر كانون الثاني وشباط وآذار ونيسان (ص121) فلا جرم أن هناك ما يدل على أن بعض مدننا في تأخر عظيم من جهة ضبط الوفيات والولادات.
وقد ختم المؤلف هذا التقرير بقانون الأمراض العفنة وبتعليمات لمراقبة دور البغايا وبتعليمات حول أجور الكشوف السريرية الخصوصية إلى غيرها مما يعز وجودها في هذا التقرير النفيس الذي يخلد اسم مؤلفه النشيط صديقنا الدكتور حنا خياط.
29 -
على عهد الأمير
سلسلة روايات تاريخية تصور الحياة اللبنانية القديمة لفؤاد افرام البستاني، المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1926 في 160 صفحة بقطع 16.
بديعة هي توطئة هذا الكتاب اللذيذ القراءة. وما كدنا نتمها إلَاّ خيل إلينا أن صاحبها من
الآباء المرسلين المنتمين إلى رفقة يسوع، لكننا لم نرها مذيلة باسم أحدهم.
ثم دفعنا هذه القصص إلى أحد أصدقائنا الصميم ليطالعها ويفاتحنا بفكره ولم نزد على هذا القدر من الكلام كما أننا لم نشر بكلمة إلى ما خطر في خلدنا وإذا به يقول في رسالته إلينا: (اقسم أن كاتبه غير كاتب المقدمة) فتعجبت من هذا الاتفاق في الحكم على التوطئة وعلى بقية ما خلفها من الكلام.
ومهما يكن من الأمر فإن المقدمة من احسن ما يقال في الأقاصيص المعربة عن الغربيين: فإن اغلبها مفسدة للآداب والعقول واللغة الفصحى؛ لأن الذين يتولون تعريبها هم أناس همهم الربح وعنونة المعربات بأسماء مشاهير كتاب الإفرنج ليسهل عليهم ترويجها.
والقصص المذكورة في هذا الكتاب هي كلها من الروايات التي وقعت وهي كلها تبقي في النفس احسن الأثر وتحمل القارئ على تأثر جلائل الأعمال ومكارم الأخلاق. والعبارة رشيقة أنيقة حسنة التركيب، لكنا لا نقول أنها خالية من الغلط. وهي دون عبارة التوطئة أحكاما ورطوبة.
فقد جاء في ص6. . . والتلاعبات السياسية الخرقاء التي اشغلت بلادنا في الربع الأخير. . . وهو من التعبير الركيك. ولعل العربي الفصيح يقول في مكانها: التي همت البلاد أو أقلقتها أو نحو ذلك. وفيها مترقبين غفلة يثبون بها ولعله يريد أن يقول يثبون لها. وفيها ويثقلون على العباد بالضرائب؛ وأظن أنه لو قال: ويثقلون العباد بالضرائب لكان هو المراد هنا لأن لقوله ويثقلون على العباد معنى آخر ليس هو المطلوب في هذا السياق. وفي ص7 لا تنفك ترسل إليَّ محتوياتها. والصواب بمحتوياتها على ما صرح به المحققون. وفيها
وتضحية كل شيء في سبيل الوصول إلى المطلب. والأحسن أن يقال والتضحية بكل شيء، لأن لتضحية الشيء معنى غير التضحية به. ونحن نتعجب من أن الكاتب يغفل عن مثل هذه الأمور وفي قوله (مرات عديدة) وهم آخر والصواب مرارا عديدة لأن المرات للقلة والمرار للكثرة. فبقوله عديدة يشعر بأنها كانت كثيرة وإلَاّ فلو كانت قليلة تلك المرات لكان اكتفى بقوله (مرات) بدون ذكر عديدة.
ومثل هذه الدقائق المعنوية كثيرة في هذه الأقاصيص إلا َّأنها لا تشوه معناها. فنتمنى لها الرواج لما فيها من حسن العقبى وطيب المغزى.
30 -
المجلة العلمية الطبية (البيروتية)
هذه من المجلات التي تجري جريا حثيثا في التحسن، فلقد جاءنا الجزء الأول من سنتها الرابعة فوجدناه حافلا بالمباحث الطبية، واغلبها مما يلذ الوقوف عليه حتى من ليس له اطلاع على الطب. زد على ما تقدم أنها شهرية مصورة وسنتها اثنا عشر شهرا. فنتمنى لها الاطراد في الرقي.
31 -
المباحث
مجلة علمية أدبية فكاهية شهرية تصدر في طرابلس الشام لصاحبها ومنشئها جرجي يني.
صاحب هذه المجلة مشهور بأدبه الجم وعلمه الدقيق لا يتناول بحثا إلَاّ يقتله علما. ونحن لا نطالع هذه المجلة إلَاّ يحفل فكرنا بما يلذ ويطيب ويفيد ويبقي فيه ذكرا بعيد المدى. ومن لم يسمع بجرجي يني؟ أفليس اسمه جذابا للوقوف على ما يكتبه ويحبره ويحرره. والحق يقال أننا كثيرا ما كنا نحفظ في مجموعاتنا الأبحاث التي كان يعالجها في المقتطف وغيره إذ ما يكتبه في المواضيع التاريخية لا يكاد يجاريه فيها أحد. فنحن نحث كل أديب على الاقتباس من أنوار هذه الشمس وبدل الاشتراك فيها 125 قرشا مصريا.
32 -
الحارس
مجلة شهرية لصاحبها ومحررها أمين الغريب تصدر في بيروت، اغلب مباحث هذه المجلة عمرانية وعلمية وتاريخية ونسوية مع شذرات مختلفة وخواطر منتخبة من احسن المجلات العصرية والأجنبية. لا يطالعها القارئ إلَاّ ويحفل دماغه بفوائد جمة وفرائد جليلة. وقد بلغت سنتها الرابعة سائرة بجد ونشاط فعسى أن تبقى جادة في سبيل خدمة الوطن واللغة.
33 -
سياج الشرق
مجلة علمية أدبية فكاهية أخلاقية اجتماعية انتقادية طبية صناعية زراعية روائية صاحبها ومديرها جورج يوسف سياج وهي تصدر في مصر القاهرة مرتين في الشهر فنتمنى لها الرواج والانتشار.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
1 -
استقالة الوزارة السعدونية وقيام الوزارة العسكرية
استعفى عبد المحسن السعدون من رئاسة الوزارة في 1 ت2 فقبل الملك استعفاءه ثم اتجهت الأنظار إلى جعفر العسكري الموجود في لندن فأبرق إليه ليستطلع رأيه فرضي بقبول ما عهد إليه وفي 18 ت2 وصل إلى بغداد للقبض على زمام الوزارة وفي 21 منه ألف وزارته على الوجه الآتي؛ وصدرت بها الإرادة الملكية:
جعفر العسكري رئيس الوزارة ووزير الخارجية
رشيد عالي الكيلاني وزير الداخلية
ياسين الهاشمي وزير المالية
رؤوف الجادرجي وزير العدلية
نوري السعيد وزير الدفاع (على أن تبقى بعهدته وكالة القيادة العامة)
محمد أمين زكي وزير الأشغال والمواصلات
السيد عبد المهدي وزير المعارف
أمين عالي باش أعيان وزير الأوقاف
2 -
الأمطار في بغداد وسائر أنحاء العراق
انهمرت مياه السماء في مساء 7 ت2 ولم تنقطع إلَاّ في مساء 11 منه ثم عادت إلى السقوط في 16 إلى 21 منه بأوقات متفاوتة وبمقادير مختلفة وهو أمر لم يشاهد مثله وبهذا الوفر في شهر تشرين الثاني من السنين المارة. فقد هطل في هذه الأيام ما جاوز خمس عقد (انجات) ودونك مقابله ما هطل منه في الأيام الماضية بما تدفق منه في هذه الأيام إلى 20 من ت2
سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1922 ما يساوي 0. 07 من العقدة (الانج)
سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1923 ما يساوي 0. 02
سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1924 ما يساوي 0. 01
سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1925 ما يساوي 0. 45
سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1926 ما يساوي 5. 00
وأعظم مقدار وقع من المطر كان في سنة 1894 إذ بلغ 4 عقد و84 جزءا من المائة واعظم من هذا القدر كان في شهري شباط وآذار من سنة 1890. إذ بلغت في شباط 5 عقد و90 من المائة. وفي شهر آذار 5 عقد و7 من المائة.
ومن غريب أمر هذه الأمطار أن الليالي كانت صاحية والانهرة ماطرة.
وبعد أمطار 21 ت2 أوشكت المدينة على الغرق من تهطال الأمطار. فلقد أضحت الشوارع والأزقة جداول وبحيرات. أما الجادة الكبرى فلقد كانت نهرا حقيقيا بطولها وعرضها وعمقها فبعثت أمانة العاصمة بخنزيرة (بآلة رفع) ذات ست عقد لجر المياه وتسريبها إلى النهر واشتغلت طول الليل بل مدة 9 ساعات إلى أن قذفتها في دجلة.
ثم تابع موظفو الأمانة دفع المياه إلى دجلة في بقية الشوارع والمحلات.
وأما في الأيام التي سبقت وكانت في العقد الأول من الشهر أرسلت بمضخات الحريق لا للإطفاء، إذ لا نار هناك، بل لتنقل المياه والأوحال المتراكمة في الشارع الأعظم. وهذه المرة الأولى من حياتنا رأينا مضخات الإطفاء تتخذ لتنشيف الطرق وتنظيفها. فوزعت المضخات على الوجه الآتي:
المضخة الأولى للحريق لإزاحة المياه المتراكمة أمام وزارة الأوقاف وفندق مود.
المضخة الثانية للحريق لإزاحة مياه الميدان وشارع السراي (أي دار الأمارة)
المضخة الثالثة مضخة يد لجر المياه المتراكمة في شارع المصبغة
المضخة الرابعة مضخة يد لجر المياه المتراكمة في شوارع الفضل
3 -
عيث الأمطار
لا يخلو تتابع الأمطار من إيقاع الأضرار بمباني العراق. فلقد تهدمت تسعة أجسر بين 7 و10 ت2 من جسور سكة الحديد الواصلة بغداد بالبصرة ولقد أعيد بناء ثمانية منها أما التاسع فكبير يبلغ طوله مئتي قدم وعمقه تسع أقدام والناس جادون دائبون في إصلاحه. ويتم سفر الرجال ونقل البريد بواسطة القطار المعد في الجانب الآخر من جهتي الجسر، ثم هطل الغيث في 19 و20 منه فعاث بالجسور عيثا أعظم.
وقد وقعت أضرار أخرى في الخط الذي في شمالي (الشعيبة) بقرب البصرة إلَاّ أن تلك الثلم أصلحت بعد انهمار الأمطار بدون تأخر؛ فلم يحدث من الإعاقة إلَاّ شيء قليل إذ نقل المسافرون على السفن لمواصلة سفرهم بدلا من القطار.
ولم يسلم خط قراغان وخانقين من بعض الأضرار إلَاّ أنها لم تهمل فأصلحت بسرعة عجيبة ثم عادت الأضرار بعد أمطار 19 و20 ت2.
والشلب (أي الرز) المزروع في قضاء دلتاوة تضرر وتأذت مزروعات الماش والذرة في جهات كثيرة.
وانهارت دار في العوينة على ثلاثة هنود كانوا فيها فأخرجوا من تحت الهدم أحياء وأرسلوا إلى المستشفى؛ وهدمت دائرة هندسة أمانة المدينة قسما عظيما من سوق الشورجة.
وسقط جانب عظيم من أحد حيطان سوق العطارين ومعه بعض الدكاكين بدون ضرر في النفوس.
وسقط في البصرة حائط غرفة في محلة يحيى زكريا فدفن تحته صبيين.
وفي خانقين جرفت مياه الأمطار القناطر الصغيرة وتهدم ما يقارب أربعين بيتا ودكانا ومات شخص واحد تحت الردم.
وطغت مياه نهر الوند ولم تحدث ضررا وجرف نهر ديالى السدة التي كانت عليه.
وفي النجف سدت مياه الأمطار بعض الأسواق والشوارع والأزقة.
4 -
سيمكو الكردي وفراره
سيمكو (بكسر السين وسكون الياء والميم وبكاف مضمومة ضما مفخما غير مشبع أي هو أحد زعماء الأكراد الأبطال، وكان على رأس عدة أفخاذ كردية قوية ديارها بين ارمية وخوي وسلماس والرضائية. وكان قد قام على حكومة إيران سنة 1902 وناوأها في مواقع عديدة فلم يكن فيها من الخاسرين؛ إلَاّ أن التشرد والضرب في الآفاق لا يطول فقاومته جنود إيران في عهد تركية حتى اضطر إلى الالتجاء إلى أبناء توران. ولم يكن من فائدة أبناء المغول أن يشجعوه في عمله، لا بل سلبوه مبلغا جزيلا من المال واخذوا ابنه وإحدى زوجاته رهينتين؛ فلما لم يجد موئلا في إيران ولا في كردستان ولا في ديار الترك التجأ
إلى دولة العراق الفتية فجاء قرية (بهركة) القريبة من اربل، والاربليون يتذكرون أنه هو الذي قتل سنة 1916 مار شمعون بطريرك النساطرة.
ثم عن له خاطر أن ينظم إلى الشيخ محمود الكردي فحققه بالعمل فأستقبله الشيخ استقبالا شائقا وبعد أن قام في (سليمانية) مدة. عنت على باله إيران فرجع إليها رافعا لواء العصيان. فلما رأت حكومة إيران أن هذه الثورات تسلب البلاد راحتها وتضر تجارتها وتلقي الرعب في القلوب وتخرب المدن صممت على أن تضربه الضربة القاضية ففعلت.
وقد ظهر لحكومة إيران أن سيمكو نهب أهالي مدن عديدة وخسرهم خسائر تقدر بالملايين من الذهب؛ ولهذا تأثرته في حربه حتى تفرقت عنه العشائر الكردية فضعفت مقاومته فأعتصم بإحدى قرى الجبال ومعه نفر من عياله وبعض أصحابه فطاردته هناك أيضا في وقعة دامت إلى نصف الليل. فأضاع فيها أمواله الناطقة والصامتة وترك أولاده وامتنع في الجبال، فلحقته الجنود ففر منفردا متخذا الليل جملا له حتى جاوز تخوم إيران واختفى في العراق (دخيلا) عليه
فأذنت له الحكومة لتريح جارتنا إيران من شره.
والآن خضعت تلك العشائر الثائرة منذ ثلاث سنوات وأنشئ فيها المنظمات العسكرية فهدأت الأمور وانطفأت جمرة الثورة حتى أنها لم تبق لها أثرا.
5 -
سالار الدولة في بغداد
سالار الدولة هو أصغر أنجال مظفر الدين شاه إيران وعم الشاه الأخير المخلوع احمد شاه. وكان قد ثار على الشاه الجديد رضا خان بهلوي في أنحاء كردستان الفارسية منذ شهر آب. فوفق في بعض الغزوات إلَاّ أن أصحابه الثائرين خارت قواهم في الآخر لقلة ما في أيديهم من المال ووسائل الدفاع. فغادروه وانتقلوا إلى ديار العراق، ثم جاز هو أيضا تخوم فارس إلى حدود العراق فقبض عليه في أنحاء اربل في 2 ت2 وفي منه وصل إلى بغداد.
وكان سالار الدولة قد ثار مرتين قبل ثورته هذه إحداها في سنة 1907 ومرة أخرى قام فيها على محمد علي شاه وحاول اختلاس الصولجان فلم يفلح إلَاّ أنه لم يقنط.
ولما انقلب الحكم ثار مرة ثالثة وحاول التقدم إلى كرمنشاه وكانت الحكومة قد اشتغلت عنه بثورة خراسان فلما أخمدت تلك النار جاءت لتخمد النار الملتهبة في كردستان فنجحت، فأضطر إلى الفرار إلى اربل وقد نوت حكومة العراق على إخراجه من ديارها مجاملة
لجارتها إيران.
6 -
افتتاح مجلس الأمة في دورته الثانية
في الساعة العاشرة من صباح أول تشرين الأول اخذ الناس يتقاطرون إلى بناية مجلس الأمة وحضر في الشرفة وكيل المعتمد السامي المستر برديان وعقيلته وقائد القوات البريطانية وممثلو الدول الأجنبية وعدد جم من رجال الجالية البريطانية ورؤساء الدواوين من عراقيين وإنكليز وعدد عظيم من الناس على اختلاف طبقاتهم وجلس رجال الصحافة في مجلس خاص في شرفة المستمعين.
ولما كانت الساعة العاشرة ونصف دخل الردهة الأعيان والنواب ثم دخل جلالة الملك المعظم يتبعه الوزراء ورجال الحاشية. وكان جلالته بثياب عربية
وفي منطقته خنجر ذهب فتلا خطبة العرش، ثم غادر الردهة بين الهتاف والتصفيق ثم تبعه الأعيان فاجتمعوا في موطنهم الخاص بهم.
ثم جرى انتخاب الرئيس وكان عدد النواب الحاضرين 79 ورشحت الحكومة حكمت سليمان إلا أن رشيد عالي الكيلاني نال اكثر الآراء إذ كان الذين له 43 والذين كانوا لحكمة سليمان 33 وبقيت ثلاث أوراق بيضاء.
وانتخب الأعيان للرئاسة يوسف السويدي وكان عدد الذين له عشرة والذين للصدر سبعة، وبقيت ورقة واحدة بيضاء لأن الحاضرين كانوا ثمانية عشر.
7 -
سفر المعتمد السامي
طار فخامة المعتمد السامي صباح 22 ت1 من الهنيدي قاصدا بور سعيد ومنها ركب البحر إلى لندن ومنها إلى جنيف لحضور بعض مجالس عصبة الأمم.
8 -
محاولة اغتيال حاكم البحرين
بينما كان الشيخ أحمد بن عيسى الخليفة حاكم البحرين خارجا إلى ضواحي المدينة للتنزه في قصره أطلق عليه شخص مجهول الرصاص فلم يصبه بأذى وكانت الرصاصة آتية من ناحية قرية في الصخير صغيرة اسمها (منى)
والشيخ أحمد أو حمد (على ما ينطق به بعضهم) تولى الإمارة بعد أن كفت يدا والده الشيخ
عيسى عن تولي الحكم في آذار من سنة 1922.
9 -
غرفتا تجارة في الموصل والبصرة
أنشئت غرفتا تجارة بعد غرفة تجارة بغداد الواحدة في الموصل والثانية في البصرة وذلك في شهر تشرين الأول اقتداء بما فعلته العاصمة.
10 -
الثقة بالوزارة العسكرية
فازت الوزارة العسكرية بثقة المجلس النيابي بإجماع 78 رأيا وكان مجموع النواب 79.
11 -
عبد المحسن السعدون
فاز عبد المحسن السعدون في الانتخاب برئاسة مجلس النواب وكانت الأكثرية ساحقة وترأس الجلسة التي عقدت في 28 ت2 توا بعد انتخابه.
العدد 41
- بتاريخ: 01 - 01 - 1927
البطائح الحالية
تعريف الناس بصاحب هذه المقالة وما يليها
الشيخ علي الشرقي من الرجال الناشئين في النجف. وهو في العقد الرابع من عمره، وليس في دماغه شيء من الأفكار القديمة البالية أو المتهرئة؛ إنما هو خزانة حية حافلة بالعلم الحديث العصري، وهذا ما يتجلى في شعره الذي هو مرآة نفسه الحساسة، وفي ما تدبجه يراعته من المقالات الحسان.
وهو ابرع رجل في العراق في معرفة دياره الحالية.
ولقد عرفه القراء منذ نشأة هذه المجلة ولو كان يذيل مقالاته باسم منتحل ونقل المستشرقون (من فرنسيين وإيطاليين وألمانيين وإنكليز) عدة مقالات له أدرجت في هذه المجلة فترجموها إلى لغاتهم ونشروها في مجلاتهم، كما استشهدوا بها في كتبهم.
وقد عزم الشيخ على أن يتحف هذه المجلة بمقالات عديدة، موضوعها الكلام عن مدن العراق الحالية، وعن دثورها، والأنباء التي يأتينا بها هي نتيجة رحلاته في أنحائه. لأن ليس في ديارنا من تجول فيها تجول الشيخ (عش) فإنه
يعرف عامرها وغامرها، حديثها وقديمها، ولهذا نشكره سلفا على ما يتحفنا به ونحن متأكدون أن كثيرين ينتفعون بهذه المقالات ونخص بالذكر المستشرقين على اختلاف قومياتهم؛ لأنهم يقدرون أعمال الرجال حق قدرها، ويعلمون أن الذين يتتبعون هذه المباحث هم قليلون، وجميعهم ممن جادت عليهم الطبيعة بأحسن مواهبها.
قال الكاتب المتفنن حرسه الله:
البطائح
البطائح جمع بطيحة؛ بفتح الباء وكسر الطاء، يقال تبطح الوادي؛ إذا أستوسع وانبسط، فالبطيحة مسيل واسع ومجتمع مياه سائبة. والبطائح كثيرة ولكن المعروف منها والمنوه بها بطائح ما بين واسط والبصرة والحويزة (وهذه من بلاد خوزستان) وبطائح العراق هي مجتمع سيب الفرات ودجلة، من غير أن يكون من اختلاطهما عمق غائر؛ يوم كانت دجلة
تستقيم من (المذلو) وكانت بطائحها في سواد بغداد و (بطن جوخى) ولكن بعد أن تحولت وسالت بين يدي واسط كثر الاختلاط بينهما وتوسع فكان فيضا مادا إلى ما وراء واسط إلى ظهر البصرة القديمة.
ولم يذكر مخططو العرب البطائح ذكرا تاما؛ أما اليوم فقد مات ذكر البطائح، وأطلق على البقية منها اسم (الأهوار) وهي جمع هور وزان ثور و (البرق) وزان زحل وواحدتها برقة وهي من لغة سواد العراق ويريدون بها البطيحة.
ولم تستقم البطائح على حال واحدة وإنما كانت كما يشاء لها الاتفاق والحوادث فربما كانت كالبحر العجاج مما اندفع إليها من مياه الطاغيين وربما هبط ارتفاع مياهها وغطتها عذبات عيدان الاسل والقصب فشخصت للعيون غابة كثيفة وقد يبلغ بها الجفاف والنشف إلى أن تصير أرضا حمادا أو تنحصر عن بقاع خضراء الأديم كأنها الأرياف تتخللها الغدران.
فيمكننا أن نضبط لها حالات ثلاثا لم يظهر أنها تجاوزتها إلى حالة أخرى بل مازالت تتردد بين الثلاث، وهي:(البطائح)، (الجزائر)، (الجوازر). ولنبدأ بذكر البطائح لأنها الحال الأول، فنذكر موقعها ثم السبب المكون لها فاستفحالها فماضيها فحاضرها.
موقع البطائح
كلما تحول مجرى دجلة تحول موقع البطائح كل التحول، اجل جرت دجلة بين يدي (المذار) وهو بلد دارس لم يبق منه اليوم غير مشهد عبد الله بن علي وموقعه شرقي دجلة ووراء البلد المعروف بقلعة صالح، فكونت بطائح ثم تحول عمودها إلى (واسط) فأحدثت بطائح ثم امتد نابها بين واسط والمذار وهو عمودها اليوم فجددت بطائح، والأثر المهم في تكوين البطائح دجلة البصرة وهي دجلة العوراء لأن غيرها من أجراف دجلة قلما ينفتق مجراه ويتبطح وذلك لأجل التغير المحسوس في مهابط دجلة، فمن بغداد إلى شقة بعيدة للمنحدر ترى متونا عالية وضفافا مرتفعة وأرضا صلبة وهذه هي دجلة بغداد التي لا شأن لها في أمر البطائح ومسحها كما ذكروا 30 فرسخا ودجلة البصرة هي أم البطائح ولا زالت تعور ويتبطح ماؤها ومسحها كما ذكروا 30 فرسخا مبدأها عند منتهى دجلة بغداد. ومنتهاها عند القرنة مبدأ شط العرب وهي أحادير ومنخفضات وأرض رخوة.
وهذه دجلة العوراء طالما ردمت وحصنت بالمسنيات وأقيمت عليها السدود فاعيا أمرها
واعورت.
وشط العرب الذي ذكرناه معروف عند العراقيين ويتكون أولا من دجلة العوراء ثم من فيض البطائح، وقد كان خورا في أول أمره ويظهر أنه تكون في أوائل القرن الخامس للهجرة أو قبله فقد جاء ذكره في رحلة ناصر الدين العلوي من كبار أدباء الفرس وهو من رحالي القرن الخامس للهجرة.
وكانت دجلة تستقيم من عند المذار في عهد الساسانيين وهي اليوم منقطعة من ثم، فكان موقع البطائح في (بطن جوخى) التي كانت نهرا وكورة في سواد بغداد، فلما تحول الماء بطلت تلك البطائح وانقطع السيب عنها فصارت صحاري ومفاوز يصيب المارة فيها سموم وقيظ شديد في أيام الصيف.
وتحولت دجلة العوراء إلى ناحية واسط ومرت بين يديها وصبت في انهار سبعة وعمود مجراها كواحد من تلك الأنهار واتصلت وقتئذ بأرض ميسان
وكانت تلك الشعبة تسمى نهر ميسان وهي كورة واسعة يقع بلدها الشهير ببلد ميسان بين واسط والبصرة ولم يبق اليوم من تلك البلدة إلَاّ (مشهد العزير) وهو مغمور على حالته القديمة تخدمه اليهود وتحج إليه، فميسان إذا اليوم تسمى (بلد العزير) وموقعه بين القرنة وقلعة صالح، ولما استقامت دجلة من هناك انبثق من أسفل كسكر بثق عظيم واغفل فتغلب الماء على ما كان منخفضا من الأرضين وبقي ما كان مرتفعا منها فصار جآجئ واكنة للماتجئين إليها وتكونت هناك بطائح امتدت من أطلال واسط إلى ظهر البصرة وهذه هي البطائح الشهيرة في التاريخ وكانت مساحتها كما جاء في الأعلاق النفيسة لأبن رسته (ص94) 30 فرسخا في 30، في رقعة واسعة تقع بين ميسان وواسط والبصرة والحويزة.
أما تحديدها فحد منها ميسان وهي بلد العزير اليوم وحد منها دجلة بغداد ما بين جبل وفم الصلح وهي اليوم حوالي كوت الإمارة؛ وحد منها مصب الفرات بين منازل بني أسد ومنازل بني منصور؛ وحد منها صحراء جزيرة العرب الشمالية وتسمى اليوم الشامية، ثم وقفت دجلة عن مجراها بين يدي واسط وتفرقت إلى أنهار عظام.
أما عمودها فقد شق له واديا بين واسط والمذار؛ وهو مجراه اليوم بين منازل ربيعة الأمارة؛ ومنازل طيئ بني لام. فجففت بعض بطائح واسط وأصبحت بيداء وجزيرة
موحشة تسمى (جزيرة الرفاعي) كما أن بطائح الحلة جفت فأصبحت جزيرة تعرف ب (أم سترين). أجل جفت بطائح واسط ولكن لم تجف كل البطائح بل انحسر الماء عن كثير منها فظهرت كورة واسط وسقي الغراف على شكل شبه جزيرة بين وادي الفرات الأسفل ودجلة العوراء وأصبح موقع البطائح اليوم ممتدا من بلد العزير إلى أعلى سوق الشيوخ والخميسية عرضا ومن هناك إلى القرنة وشط العرب طولا. وهذا التحديد يشمل رقعة واسعة من ذنائب الغراف وهي الأمكنة الواقعة بين (البدعة) ونهر (السديناوية)
ممتدة إلى (الحمار) مثل بطيحة الصديفة والغموقة وأم الفطور والحصونة وكثير غيرها.
ولدجلة العوراء بطائح خاصة لم تختلط بسيب الفرات؛ وهي ما بين حوض العمارة وحوض الحويزة أما البطائح الناشفة شرقي الغراف وغربيه فقد أصبحت حرثا وعمارة وربما استفحل أمر البطائح وغادر تلك الأرضين السيب الذي صيرها في القديم بطائح. فسعة تلك البقاع وضيقها تابع لتغلب الرافدين وعدمه واثبت البلاذري في كتابه فتوح البلدان أن البطائح حدثت بعد مهاجرة النبي (ص) في عهد الملك ابرويز الفارسي الساساني وأنها اتسعت عندما دخل العرب أرض العراق واشتغل الأعاجم بالحروب؛ والذي يظهر للباحث أن البطائح حدثت قبل ذلك بكثير وأن الذي حدث في عهد ابرويز مظهر من مظاهرها التي توجد في كل فترة من الزمن أو هو حدوث ناحية من البطائح.
تكون البطائح واستفحالها
لا نشك أن الذي أعان على تكون البطائح عدة أمور أهمها قلة العمران الزراعي في العراق وإغفال أمر الرافدين من التفقد والتعهد بموجب أصول الفن وذلك باختطاط الأنهار اللازمة لتفريق المياه وتقليل سورتها وإيجاد خزان للطاغي منها وإقامة السدود وردم كل خرق يخشى خطره فإن لم يكن كل هذا وقد مر عليك أن بعض مهابط دجلة والفرات واطئة وأرضها رخوة فلابد من أن تفلت المياه وتتبطح. والذي يدعم قولنا هذا أن من تصفح شأن البطائح وجدها تتسع ويتفاقم خطرها زمن الارتباك وانصراف الناس إلى الحروب وتعمر وتجف زمن الركود والدعة. ولقد حاول مقاومتها وإصلاحها جماعة من رجال الأعمال الشهيرة.
فقد جاء في تاريخ الكلدان أن بعض ملوكهم تعاطى إصلاح البطائح وذكر صاحب النهج
القويم في ترجمة نبوخذ نصر أنه هو الذي احتفر النهر المعروف بنهر الملك وهو الذي حفر حوضا واسعا وترعة للماء الزائد من الفرات أي (خزانا) وأقام سدودا كثيرة وجاء في أحوال الساسانيين وذكر ماضيهم أن الملك قباذ وابنه انوشروان والملك ابرويز كل منهم نهض في إقامة القناطر والسدود وردع الماء بالمسنيات حتى أن الملك ابرويز صلب في يوم واحد أربعين جسارا لتسامحهم في شأن السدود.
وفي العهد العربي الإسلامي تعاطى كثير من الرجال هذا الإصلاح حتى أعرست البطائح في أيامهم وصارت كورة وقرى كثيرة وانفق أحد الأمويين وقد اقطعت له البطائح ليستغلها بعد العمارة ثلاثة ملايين درهم على سد واحد.
وفي الناشفة اليوم آثار بثوق وخروق وسدود كثيرة منها (التناهي) الواقعة في شرقي الشطرة على بعد خمس ساعات في منازل خفاجة الغراف وهو ردم على هيئة تل مستطيل أقيم على البطائح ليكون سدا في وجه الماء الطاغي من الفرات ولا نعرف الذي أقامه والعرب اليوم تسميه (تناهي) ويظهر أنه اسمه القديم فقد ذكر الفيروزابادي في قاموسه أن (التناهي) سد في وجه الماء وهناك محل آخر تسميه العرب (الخروق) في شمالي واسط وأمامه سد في وجه الماء المنساب من دجلة وفي ظهر الناصرية وكربلا والمنتفق تل في الشمال الغربي ممتد في عرض البادية مسافة خمسة كيلو مترات وهو عال مرتفع وموقعه في منازل (الازيرق) سد في وجه الفرات.
والى اليوم إذا طغى الفرات يأتي سيبه فيقف عنده وجاء في الاعلاق النفيسة لأبن رستة أن خالد بن عبد الله عامل الأمويين حاول أن يسكر دجلة وانفق الأموال فلم ينجح سعيه وسطت دجلة على البنيان والمعمور، ونقل البستاني في دائرة معارفه ج6 ص643 أنه كان على دجلة العوراء سكران.
وقد يستفحل أمر هذه البطائح بأن تفيض دجلة والفرات معا فيضيق عنهما
عقيقاهما فينبثق الفرات من عدة أمكنة أشهرها وأخطرها من موطن حول (المسيب) وهو مدينة وفرضة على الفرات، وعلى هذا الموضع سدة مهمة تعرف ب (أم الصخور) ثانيا من مكان في أعلى المسيب وعليه سدة كبيرة تعرف ب (السرية) لأنها أنشئت في عهد سري باشا ثالثا من مكان يقع بين بلدتي السماوة والناصرية. وتنخرق دجلة من محلات عديدة منها في
ظهر بغداد قريبا من (عقرقوف) ومن النهر المعروف ب (الجرية) قريبا من المدائن؛ ومن النهر المعروف ب (الحسينية) غربي (كوت الإمارة) وتوجد في الغراف أمكنة كثيرة تسمى (خرور) من كل هذه ينساب الماء زمن الطغيان فيستفحل أمر البطائح.
وقد استفحلت في عهد كسرى قباد بن فيروز فأنبثق بثق عظيم وقد كان هذا الملك واهنا قليل التفقد لشؤون الملك فأغفلها حتى رجع الملك إلى ابنه انوشروان فعمل القناطر والسدود وانكشف الماء عن بعض الأرضين وفي عهد الملك ابرويز زاد الفرات ودجلة معا فأفلت الماء وحاول الملك أن يسكره ففشل ومال الماء على العمارة وغشي المساكن والقرى ثم رجع أمر المملكة إلى بعض النسوة من الفرس فخارت العزائم وبقيت الأمور هملا فأتفق دخول العرب أرض العراق فانشغلت الأعاجم بالنزاع على الملك وكبرت آفة البطائح.
وفي عهد الحجاج علت الزيادة واتسعت الخروق وقدر إصلاحها فكان ثلاثة ملايين درهم فأستكثرها الوليد على بيت مال المسلمين إذ وجده إصلاحا غاليا ولكنه بقي يحاوله فأقطع مسلمة بن عبد الملك تلك الأرضين وقام بالأمر على نفقته. وفي عهد الدولة المباركة كثر الطغيان واشتد في زمن وزارة آل بويه أو إمارتهم وأهمل أمر البطائح فأتسع الخرق وهكذا ما زالت الفتوق تعاود حتى اليوم فإذا طفح الفراتان واشتد الطغيان حار الماء حتى يركب المعمور ويسف (أي يجري جريا سريعا) والعرب اليوم تسمي ذلك (موحان) إلا أنه أصبح أخف وطأة من قبل لأن المياه اشتد جريها إلى الأمام حيث يتكون شط العرب ولأن الفلاح العراقي عاد ملما بفنون الحراثة والزراعة فهو ينتفع به اكثر من أن يتضرر منه.
وقد أثرت في البطائح السدة الجديدة التي أنشئت على الهندية والجداول التي حولها؛ كما أثر فيها شط (الحفار) الذي كراه البريطانيون زمن حركاتهم الحربية
وذلك ليكون مهيما لبواخرهم النهرية. وفي هذه السنة 1345 (1926م) بذلت الحكومة العربية على شط الحفار دراهم كثيرة وسدته إنعاشا لحالة الفلاح الذي تضرر منه كثيرا ومن الاتفاق المحمود حدوث موحان في سنة 1333هـ (1915م) عام وجودي في الغراف والبطائح.
موحان
اسم مشهور عند أعراب الغراف وما حوله ويحتمل أنه أخذ من قولهم (ميح الماء) والعرب هناك تطلق هذا الاسم على الماء السائب الذي يهجم عليهم وعلى قراهم ومزارعهم ويسمون
عامه (سنة موحان) وآخر زياداته على تلك البقاع كان سنة 1333 عام الهزاهز العامة فقد طغى ماء دجلة وامتلأ عقيقها حتى ضاق وفاض فجرف السدود وهجم على المسنيات والعمارة فغرقت دار السلام بغداد وأنفتقت دجلة من الجانب الغربي وركبت كل منخفض وتدافعت تلولا من الأمواج في وسط البادية ومد الماء على عرض 20 كيلومترا فأخذ الجزيرة الفارغة التي بين فرات الحلة والغراف وهي امكنة بطائح في القديم ولها ماض زاهر زمن الحضارة العباسية وفيها آثار كثيرة وربما اتفق لسيب دجلة أن يختلط في هذه الأماكن بسيب الفرات فيميلان معا إلى سقي الغراف.
ويظهر أنه في القديم كان موحان يجعل أرض الغراف كله بطيحة واحدة ولا يترك إلَاّ التلال ولأجل ذلك تجد ابن الأثير وغيره من المؤرخين لا يذكرون الغراف باسم نهر أو سقي بل يذكرون بطيحة الغراف أما الآن وقد ارتفعت تلك البقاع بواسطة الحرث أو الزرع الذي يعلي وجه الأرض بتطاول الأيام صار الكثير من مدالث الغراف ومزارعه في منعة وسلامة على أن الأضرار التي تحصل منه اليوم ليست بالقليل الهين ويندفع موحان هذا إلى أن ينصب في الفرات الأسفل قريبا من بلاد الناصرية ولا يندفع جريه توا إليها بل تعترضه في كل مهابطه حياض واسعة وبطائح جافة يصب في كل منها عدة أيام حتى تمتلئ
ويهبط الماء إلى غيرها وفي هذا الدور الموحش بين فرات الحلة والغراف عدة بطائح ناشفة يعرفها الأعراب بأسمائها فإذا تذاكروا في مهابط موحان عدوها واحدة واحدة باسم هورة كذا وهورة كذا فمن مهابطه:
(مسماة)(وقد تبدل الميم الأولى بالياء فيقال بسماة) وهي تل جالس في سهل واسع كبير فيه جذور مزارع قديمة وآثار انهار.
ومنها (أم الدور) بطيحة جافة فيها آثار الألواح (أي الدبار) وخطط سواق ورواضع.
ومنها (أبو الذروق) هور كبير جاف.
ومنها (طرخومة) وهي سهل متسع.
ومنها (الظاهر) في الشمال الغربي من الشطرة على بعد 13 ساعة وهب بادية مقفرة كبيرة في الطول والعرض وفيها تلان متلاصقان تسميهما الأعراب (القصور العباسية) وعلى مقربة منها تل عال مستطيل ومن ورائه رواق عليه قبة بيضاء تسميه الأعراب (الظاهر)
وبين تلاله والرواق آثار نهر يابس تسميه الأعراب ب (شط العنق) وقد سألت عنه بعض العارفين من الشيوخ فقال أنه أحد (النيليات) وهي جداول كانت تتشعب من شط النيل الشهير الذي طهره وكراه الحجاج، وهناك كثير من كسر الطاباق ورضوض الآجر والقاشاني المعرق وأطلال بالية وسحيق خزف فيظهر جليا أن التلال اخربة بلاد كانت هناك.
ومنها (جوخى) وهي الآن بطيحة جافة وفيها تلال وآكام بلاد (أما) الشمرية الشهيرة في التاريخ القديم.
ومنها (أبو جويري) وهو إقطاعية في منازل بني ركاب يزرع فيها ألوف من التناء والاكرة ومنها يبدأ موحان باكتساح مزارع الغراف ومساكنه فيجرف ما أمامه حتى ينتهي إلى البطائح المصاقبة للفرات الأسفل الآخذة منه مثل (هور الدكة) و (هور أبي قداحة) فيصب مجموع تلك الأسياب في فرات الناصرية.
هذه هي مهابط موحان أو بعضها ولقد شاهدته ينحط على منازل الأعراب وأكواخ الفلاحين بجري واندفاع هائل وكان على ارتفاع مترين تقريبا
ولموج عجاج وما كان باستطاعتهم إنقاذ الأثاث والأمتعة بل فروا في وجه الطاغي وأووا إلى التلعات وجعلوا يتصيدون أو يلتقطون مهمات بيوتهم الطافية على وجه الماء.
وهناك أمكنة مرتفعة ضيقة يمكن أن تقام السدود عليها في وجه هذا الهاجم ولا يراد بها صده جد الصد لأن ذلك ليس لهم بالمستطاع. ولكن تحويل مجراه إلى الأودية الفارغة من الزرع أو تعويق جريه حتى ينضج الزرع ويتم نموه، إلَاّ أن أولئك الأعراب لا يحسنون إتقان السدود والسكور فتجيء ناقصة ويخفق كدهم فيها وقد وقفت على ردم اشتغل فيه مئات من الفلاحين الكدد وقد بذلوا فيه طاقتهم فجاء في 13 كيلومترا وارتفاع 3 أمتار وعرض مترين وكان قويا محكما جاء الماء حتى وقف عنده لا يقدر على إزاحته؛ ولكن عصفت ذات ليلة زعزع شديدة صادف مهبها مع مجرى الماء فأجتمع على الردم قوة الماء وقوة الهواء ولم تمكن المقاومة فأنفتق 150 فتقا في وقت واحد وهجم الماء فألتهم القرى والمنازل واغرق الزرع البالغ، وللغرافيين زمن استفحال البطائح حال مزعزعة واضطراب مستمر تسمع أصوات حرسهم طول الليل وهم تحت سخط البرد القارس عكفا
ساهرين على أفواه الجداول وضفاف المياه وترى بلادهم وقراهم مطوقة بالمياه المتفلتة وهم يقيمون السدود على أفواه الشوارع والأزقة.
هذه كلمتي في تكون البطائح واستفحالها. ولقد أعان على تكوين البطائح النزاعات الحربية واضطراب حبل الأمن هناك في كل فسحة من الزمن وإذا وقفت حق الوقوف على السبب المكون للبطائح خلال الأيام والسنين تعرف أن حالتها غير واحدة وأن ماضيها غير بين ولا يخلو من إبهام وظلمة.
النجف: علي الشرقي
طبع كتاب الجمهرة لأبن دريد
أخذت بطبع كتاب الجمهرة لأبن دريد في حيدراباد الدكن وقد وصلني نموذج منه في 52 صفحة من القطع الكبير، ولما كانت الحروف المشكلة قليلة القدر في تلك المطبعة فإبراز ذلك المعجم بحلته الموشاة يطول كثيرا.
من بكنهام (انكلترة) ف. كرنكو
المحفى العراقي الجديد
1 -
كيف تألف المحفى
في السنة الماضية لما أعدت وزارة المعارف ميزانية سنتها المالية الجديدة (1926 - 1927) فكرت في مشروع المجمع اللغوي فوضعت له اعتمادا في الميزانية وذلك بعناية وزير المعارف وهمة مدير المعارف العام ساطع بك الحصري فصدقه مجلس الوزراء واقره (مجلس الأمة) في اجتماعه الأول الاعتيادي.
وفي 28 أيلول 1926 وجه وزير المعارف كتابا إلى الأستاذ معروف الرصافي والأب انستاس ماري الكرملي هذا حرفه:
(لقد قررنا تأليف مجمع لغوي وفقا للتعليمات المربوطة وانتخبناكما عضوين لهذا المجمع لما نعهده فيكما من التضلع في اللغة ونرجو أن تجتمعا لانتخاب بقية الأعضاء نظرا للمادة الخامسة من التعليمات المذكورة ونتمنى لكما وللجميع النجاح.
وزير المعارف عبد الحسين
وتلخص التعليمات (بأن اللجنة تتألف في وزارة المعارف من ثمانية أعضاء برئاسة مفتش التدريسات العربية (وهو اليوم الأستاذ معروف الرصافي) وأن وزارة المعارف تنتخب عضوين فقط وتترك لهما حق انتخاب الثالث وحينما يتم هذا الانتخاب يجتمع هؤلاء الثلاثة وينتخبون الرابع ثم يجتمع الأربعة فينتخبون الخامس وهلم جرا إلى أن يكمل العدد المطلوب. ويجب أن يكون الأعضاء مضطلعين باللغة العربية علاوة على حذقهم إحدى اللغات الأوربية ويستثنى من ذلك ربع الأعضاء إذ يشترط في هؤلاء التمكن من اللغة العربية فقط.
واجتمع في اليوم (29 أيلول 1926) الأستاذ معروف الرصافي والأب انستاس ماري الكرملي في وزارة المعارف وانتخبا الأستاذ طه الراوي عضوا ثالثا واجتمع الثلاثة فانتخبوا الأستاذ عز الدين علم الدين عضوا رابعا وبعد يومين
اجتمع الأربعة وانتخبوا الدكتور أمين المعلوف عضوا خامسا واجتمع الخمسة فانتخبوا أمين بك كسباني عضوا سادسا لكنه اعتذر عن القبول فانتخبوا الأستاذ توفيق السويدي عضوا سادسا والستة انتخبوا
الأستاذ عبد اللطيف الفلاحي عضوا سابعا ولما كان في أوربة توقف انتخاب الثامن لكنهم رشحوا رستم بك حيدر للعضوية فلما حضر الأستاذ عبد اللطيف الفلاحي تم انتخاب رستم بك حيدر وبه تم عدد الأعضاء الثمانية.
2 -
أعضاؤه وشخصياتهم العلمية
وها نحن أولاء نأتي على تعريف كل من أعضاء اللجنة - إلى من لا يعرفهم - بوجيز الكلام:
معروف الرصافي
هو الشاعر الأشهر، مفتش التدريسات العربية في وزارة المعارف العراقية. تخرج في المدرسة الرشدية العسكرية في بغداد وتتلمذ للأستاذ محمود شكري الآلوسي نحو اثنتي عشرة سنة درس عليه في أثنائها العلوم العربية وسائر العلوم الإسلامية ثم عمل في المدارس الرسمية من ابتدائية وإعدادية حتى أعلن الدستور العثماني. وكان في خلال هذه المدة ينشر القصائد الغر في كبريات الصحف المصرية فتتناقلها الجرائد العربية في كل مكان فطار صيته في العالم العربي. وردد صدى شعره السياسي أحرار الشرق. وقد استدعاه صاحب جريدة (إقدام) إلى الأستانة بعد الدستور لينشئ جريدة عربية كبيرة فزار فروق وسلانيك. ثم علم العربية في المدرسة الملكية العالية في العاصمة العثمانية. وحرر في جريدة (سبيل الرشاد) ودرس الآداب العربية في مدرسة الواعظين التابعة لوزارة الأوقاف. وانتخب نائبا عن المنتفق في المجلس النيابي العثماني. وبعد الحرب الكبرى عين أستاذا للآداب العربية في دار المعلمين في القدس. ثم عاد إلى مسقط رأسه بغداد فأقيم نائبا لرئيس لجنة الترجمة والتعريب في وزارة المعارف. وبعد أن قام برحلة في سورية والأستانة رجع إلى بغداد فأصدر أول جريدة (الأمل)
اليومية بضعة أشهر ثم أوقفها فأسندت إليه وزارة المعارف منصب مفتش التدريسات العربية وقد انتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق عضوا مراسلا له. وولي الآن رئاسة لجنة الاصطلاحات العلمية التي نحن بصددها فوق وظيفته.
للرصافي طائفة من الآثار النفيسة منها: (1) ديوانه وقد نشر منه جزء والجزء الثاني معد
للطبع.
وله من المؤلفات العلمية اللغوية: (2)(دفع الهجنة وارتضاخ اللكنة) طبع في الأستانة 1321 (1912) وقد ضمنه الألفاظ العربية المستعملة في اللسان التركي وبالعكس (3)(كتاب الآلة والأداة) في أسماء الآلات والأدوات العارضة في حاجيات الإنسان (مخطوط)(4)(دفع المراق في لغة العامة من أهل العراق) وينشر بالتسلسل في مجلة لغة العرب.
ومن مؤلفاته الأدبية. (5) رواية (الرؤيا) ترجمها عن نامق كمال (6)(نفح الطيب في الخطابة والخطيب) طبع في الأستانة سنة 1915 (7)(محاضرات الأدب العربي) طبع في بغداد سنة 1922 (8)(ديوان الأناشيد المدرسية) طبع في القدس سنة 1920 (9)(تمائم التربية والتعليم) شعر طبع في بيروت 1924 (10)(آراء أبي العلاء)(مخطوط)
وهو يجيد اللغة التركية.
الأب انستاس ماري الكرملي
صاحب (مجلة لغة العرب) حصل التعليم الابتدائي في مدرسة القديس يوسف الكرمليين ومدرسة الاتفاق الكاثوليكي في بغداد وعين مدرسا للغة العربية وآدابها في مدرسة القديس يوسف وكان ابن 16 سنة. ثم قصد المدرسة الاكليركية للأباء اليسوعيين في بيروت فدرس فيها العربية وتلقى فيها اللاتينية واليونانية ومنها رحل إلى شفرمون قرب لياج في بلجكة حيث بدأ حياته الرهبانية. وانتقل بعدها إلى لاغتو قرب نيس (فرنسة) فدرس في دير للآباء الكرمليين هناك الفلسفة وفي مونبليه في ليرو (فرنسة)
درس اللاهوت والفقه المسيحي. وفي سنة 1893 قسس وفي سنة 1894 زار الأندلس ثم قدم بغداد في السنة المذكورة فأدار مدرسة القديس يوسف للآباء الكرمليين وعلم فيها العربية والفرنسية. وهو ينشر كثيرا من المقالات والأبحاث بأسماء مستعارة وقد نقلت كثير من مقالاته إلى لغات أوربية عديدة. كما أن تفرغه لدرس فلسفة اللغة العربية اضطره إلى تعلم الارمية والعبرية والحبشية والفارسية والتركية والصابئية.
وأنشأ سنة 1911 مجلة (لغة العرب) فأصبحت صلة بين علماء الشرق والغرب ومعظم مقالاتها تترجم إلى اللغات الأجنبية. وقد انتخبه مجمع المشرقيات الألماني عضوا سنة 1911 وعين سنة 1919 عضوا في مجلس معارف العراق. كما أنه حرر جريدة (العرب)
سنة 1917 في أول إنشائها. وتولى كتابة مجلة (دار السلام) ما يزيد على الثلاث سنوات واختاره المجمع العلمي العربي في دمشق عضوا مراسلا سنة 1920.
أما تآليفه فتبلغ أكثر من 30 مؤلفا طبع منها في بغداد (1)(الفوز بالمراد في تاريخ بغداد)(2)(التعبد ليسوع طفل براغ)(3)(ترجمة مار الياس الحي)(4)(خواطر الأخت ماري ليسوع المصلوب).
وطبع في بيروت: (5)(العروج في دروج الكمال والخروج من درك الضلال) بالعربية والفرنسية (6) مرشد الرهبان الثالثيين في مجلدين.
وطبع في البصرة سنة 1919 (7)(خلاصة تاريخ العراق).
ومن مؤلفاته الخطية وكلها في اللغة والتاريخ: (8)(تاريخ الكرد)(9)(مختصر في التاريخ)(10)(خواطر علمية)(11)(جمهرة اللغات)(12)(كتاب الجموع)(13)(السحائب)(14)(العجائب)(15)(الرغائب)(16)(الغرائب)(17)(أديان العرب)(18)(حشو اللوزينج)(19)(مختارات المفيد)(20)(متفرقات تاريخية)(21)(الأنباء التاريخية)(22)(اللمع التاريخية والعلمية)(في جزئين ضخمين)(23)(24)(الغرر النواضر)(25)(النغم الشجي في الرد على الشيخ إبراهيم اليازجي)(26)(27)(العرب قبل الإسلام)(28) (المجموعة
الذهبية) (29)(أرض النهرين)(ترجمة عن الإنكليزية)(30)(شعراء بغداد وكتابها)(تنقيح كتاب ترجم عن التركية)(31)(أربعون سنة في مقامة)(معرب عن الفرنسية).
وله طائفة من المؤلفات فقدت في نكبته عند نفيه إلى الأناضول في العهد التركي سنة 1914 وعند نهب خزانة كتبه سنة 1917 منها (32)(تصحيح أغلاط لسان العرب)(33)(تصحيح تاج العروس)(34)(تصحيح محيط المحيط)(35)(تصحيح اقرب الموارد)(36)(الألفاظ اليونانية في اللغة العربية)(وقد نشر منه فصولا في مجلة المشرق - بيروت)(37)(الألفاظ الرومية (اللاتينية) في اللغة العربية) (38)(الألفاظ الفارسية في اللغة العربية)(39)(الألفاظ الدخيلة (من غربية وهندية وقبطية وحبشية وتركية) في اللغة العربية) (40)(الألفاظ الارمية (السريانية والكلدانية) في اللغة العربية) (41) الألفاظ العربية في اللغة الفرنسية. إلى غيرها.
وقد نفته الحكومة العثمانية في خلال الحرب الكبرى إلى قيصرية (قيصري) من بلاد كبدوكية في الأناضول وبقي هناك 22 شهرا ثم عاد إلى بغداد سنة 1916 وقد جمع خزانة كتب نادرة المثال حوت ما يزيد على اثني عشر ألف مجلد. ورحل إلى أوربة مرارا وحضر سنة 1924 مؤتمر المرسلين المنظمين للمعرض الفاتيكاني في رومية العظمى وزار الشام ومصر وفلسطين زيارات عديدة، وأهدت إليه الحكومة الفرنسية سنة 1920 وساما علميا والحكومة الإنكليزية وهو يشتغل اليوم في تأليف ثلاثة معاجم كبيرة (الأول) معجم عربي واسع يحوي تدوين ما ذكرته المعاجم القديمة وكتب العلماء ولم يدونوه من الألفاظ في مظانها و (الثاني) معجم فرنسي عربي يحوي الألفاظ الأعجمية وما يقابلها باللغة العربية الفصحى (والثالث) معجم عربي فرنسي مطول يحوي ألفاظ اللغة والعلوم والصنائع. كما جمع مجموعة ثمينة من أمثال العوام في بغداد والبصرة والموصل وحكايات باللغة العامية عند نصارى بغداد مسلميهم ويهودهم مع بحث في لهجاتهم وإرجاعها إلى أصولها. وحكايات من ألسن عوام العراق رجالا ونساء من قديمة وحديثة. وعني بتصحيح جزءين من (كتاب
الإكليل) وكان قد شرع قبل الحرب الكبرى بطبع (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي مع حواش لغوية فأتم منه طبع نحو 150 صفحة وحالت الحرب دون البقية ونقح كتبا عديدة لجماعة من المستشرقين في أوربة وأميركة.
وقد أعاد مجلته لغة العرب الآن بعد احتجابها اثنتي عشرة سنة. وأسس مطبعة الأيتام للآباء الكرمليين التي تطبع فيها المجلة أعاد مشترى الكتب للخزانة الشرقية فبلغ الآن عددها اثني عشر ألف مجلد. والأمل أن يتفرغ الآن لطبع مؤلفاته وما جمعه من آثار السلف الصالح بعد أن تستكمل المطبعة حوائجها.
طه الراوي
مدير المطبوعات في العراق - بعد أن درس في المدارس الابتدائية والرشدية للحكومة في بغداد أم المدارس العلمية التابعة للأوقاف فدرس فيها اللغة العربية وآدابها والعلوم الشرعية والكونية على كثير من شيوخ العصر. ثم هوى العلوم العصرية فدرس الرياضيات والجغرافية ومبادئ الطبيعة في مدارس مختلفة وحضر المحاضرات التي ألقيت في دار المعلمين سنة 1918 فأحرز الدرجة الأولى بين أقرانه وعين مديرا لمدرسة الكرخ فمدرسا
للآداب العربية في دار المعلمين ومدرسة الهندسة والموظفين ثم انتقل إلى المدرسة الثانوية أستاذا للآداب العربية وعلم الأخلاق حتى عهدت إليه إدارة المطبوعات. وتلقى الحقوق في متقن (كلية) الحقوق في بغداد فنال شهادتها الممتازة سنة 1925.
وقد وضع بضعة مؤلفات لا تزال خطية منها (1)(كتاب في اللغة العربية)(2)(كتاب القواعد والفرائد في اللغة والقواعد)(3)(رسائل دينية وأدبية) مختلفة.
وغاية ما يشغله الآن دراسة الموضوعات الحقوقية والتعمق فيها.
عز الدين علم الدين
أستاذ علوم الطبيعة في دار المعلمين ودار المعلمين العليا في بغداد - درس الدروس الثانوية وتعلم اللغة الفرنسية في كلية اخوة المدارس المسيحية في يافا. وتفرغ لدرس اللغة العربية وعلومها أربع سنوات في الأزهر بمصر. ثم قصد بلاد فرنسة حيث تعلم الفنون الزراعية ومر بفروق لدى عودته إلى وطنه فعينته وزارة الزراعة العثمانية معلما 7في مكتب الزراعة في بيروت فقام بهذه الوظيفة سنة. وبعد الحرب الكبرى علم العلوم الطبيعية في دار المعلمين في دمشق. ثم انتخب عضوا في ديوان المعارف للحكومة العربية فيها وملاحظا لديوان الترجمة والتأليف ثم عضوا في المجمع العلمي العربي في الشام وانشأ مدة سنة مجلة (التربية والتعليم) التي أصدرتها وزارة المعارف في الحكومة العربية كما أدار مجلة (الرابطة الأدبية) التي أصدرتها جمعية الرابطة وكان من أعضائها العاملين.
واستقدمته وزارة المعارف قبل ثلاث سنوات وعهدت إليه تدريس علوم الطبيعة في دار المعلمين ودار المعلمين العليا. وقد ترجم كتابا في (الفيزياء) طبع في بغداد هذه السنة. وله مقالات وقصائد كثيرة في المجلات والجرائد المعروفة في مصر والشام. وهو يحسن اللغة الفرنسية.
الدكتور أمين المعلوف
مدير الأمور الطبية في الجيش العراقي - درس العلوم العالية فنال درجة بكالوريوس علوم (أي مبرز في العلوم) من كلية بيروت الأميركية وتلقى فيها الطب وأحرز رتبة طبيب. فتعاطى الطب في سورية مدة ثم استخدم في الأمور الطبية في الجيش المصري في ديار
النيل والسودان.
واشتغل في أوقات الفراغ بمكاتبة مجلة المقتطف فأدرج فيها مقالات وأبحاثا علمية دقيقة. ورأس سنة 1912 - 1913 بعثة الهلال الأحمر المصرية إلى الحرب البلقانية. فلما اشتعلت نيران الحرب الكبرى ألتحق بالثورة العربية فدخل سورية عند فتح العرب لها وهناك أسندت إليه نظارة مدرسة الطب وأستاذية علم النبات وعلوم الطبيعة فيها. كما أسندت إليه وظيفة مدير إدارة في وزارة الخارجية
للحكومة العربية وكان وزيرها صديقه الدكتور عبد الرحمن شهبندر وانتخب في تلك الأثناء عضوا في (لجنة الترجمة والتأليف).
وقد قصد أوربة في شؤون سياسية على عهد الحكومة العربية في الشام فلما احتلت القوات الفرنسية جلق وسقطت الحكومة العربية غادر البلاد مع من غادرها. وأخيرا استقدم إلى العراق وأسندت إليه إدارة الأمور الطبية في الجيش العراقي. وانتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق عضوا مراسلا من بغداد.
ولقد اشتغل الدكتور معلوف بأبحاث كثيرة أهمها تأليفه المبتكر (معجم الحيوان) الذي نشر فصولا كثيرة منه في مجلة المقتطف وهو يؤلف اليوم معجما مطولا نفيسا باللغتين الإنكليزية والعربية.
توفيق السويدي
مدير الإدارة العدلية في وزارة العدلية في العراق وأستاذ الاقتصاد السياسي والحقوق الرومانية في متقن الحقوق.
تخرج في المدرسة السلطانية العثمانية في بغداد سنة 1908 ثم أم فروق حيث درس علوم الحقوق في متقنها هناك فأحرز شهادتها سنة 1913 وتابع دروسه الحقوقية في فرنسة فنال الدرجة العلمية من متقن الحقوق في باريس سنة 1914 وقد حضر المؤتمر العربي الأول الذي عقده المرحوم عبد الحميد الزهراوي ورفقاؤه سنة 1913 - مندوبا عن العراق.
وعين مدة كتوما (سكرتيرا) للجنة تصحيح القاموس التركي الفرنسي في الأستانة وأسندت إليه سنة 1915 وظيفة معاون حاكم الصلح في البصرة وحين أعلنت الحرب العظمى انخرط في سلك الجيش بدرجة ضابط نحو ثلاث سنوات وبعد سقوط الشام بيد العرب عين حاكم صلح في حكومة الشام سنة 1918، وتعاطى المحاماة ردحا من الزمن وتولى أستاذية
(حقوق الدول) و (حقوق رومة) في مدرسة الحقوق بدمشق. وبعد تأسيس الحكومة الوطنية في العراق آب إلى وطنه فعين مديرا لمدرسة الحقوق في بغداد ومعاونا لمشاور الحكومة العراقية وأوفد سنة 1923 مشاورا حقوقيا في الوفد العراقي في مؤتمر لوزان الأول.
وبعد أن تخلى عن إدارة مدرسة الحقوق عين أستاذا للاقتصاد السياسي وحقوق رومة فيها وقد أضحت كلية. وانتدبته حكومة العراق ممثلا لها في مؤتمر بحرة المعقود سنة 1925. ويشغل الآن منصب مدير الإدارة العدلية في وزارة العدلية ومشاورا للحكومة.
وقد نشر من المؤلفات: (1)(حقوق رومة) الجزء الأول لتدريس طلاب متقن الحقوق وعرَّب كتاب (2)(مبادئ الاقتصاد السياسي) للعلم الاقتصادي الفرنسي الشهير شارل جيد وهو أول معرب لهذا الكتاب، وله كتاب (3)(حقوق الدول) غير مطبوع.
ويحسن من اللغات الأجنبية الفرنسية والتركية والإنكليزية مع إلمام بالفارسية.
عبد اللطيف الفلاحي نائب الحلة في المجلس النيابي العراقي.
تخرج في المدارس الرشدية والإعدادية العسكرية في بغداد وقصد الأستانة حيث درس في المدرسة الحربية العثمانية وأحرز شهادتها العليا بدرجة ضابط ثم قفل راجعا إلى بغداد واستخدم في (هيئة أركان الحرب) وأستاذا للغة الفرنسية والتاريخ العام في المدرسة الإعدادية العسكرية والتاريخ في المدرسة السلطانية والأدبيات في مدرسة الحقوق وأسندت إليه بعد ذلك مديرية مدرسة الشرطة في بغداد ثم عين معاونا لمفتش الشرطة العام.
وقد نفي في أوائل الحرب الكبرى إلى مسيواس بتهمة الاشتغال بالمسائل العربية وأسندت إليه بعد النفي وظيفة (آمر آلاي) في صمصون. فلما أعلنت الهدنة سنة 1918 استعفى وقصد سورية فأصدر في الشام (مجلة العلوم) التي لم تطل حياتها وموضوعها العلم والأدب وما كاد الحكم العسكري يزول عن العراق وينشر لواء الحكم الوطني حتى هاجه الشوق إلى مدرجه فطار إليه. فأشتغل فيه بالصحافة فأصدر في بغداد جريدة (الفلاح) وبحثها السياسة والعلم والأدب وكانت تنشر مرتين في الأسبوع ثم انصرف إلى الاشتغال بالطباعة فأنشأ له (مطبعة الفلاح) لكنه ما لبث أن أوقف الجريدة فعين مديرا عاما للشرطة مدة وعهدت إليه وزارة
المعارف بعد ذلك تدريس التاريخ العام في المدرسة الثانوية ودار المعلمين ودار المعلمين العليا وانتخب أخيرا نائبا عن الحلة في المجلس النيابي العراقي
الذي افتتح أعماله سنة 1925. وعينته جامعة آل البيت ببغداد أستاذا للتاريخ فيها.
أصدر الفلاحي في العهد العثماني مجلة في بغداد باسم (مكتب) باللغات الثلاث العربية والفرنسية والتركية وألف كتابا باسم (التحليل الصرفي) في ستة أجزاء نشر الجزء الأول فقط فكان فيه من آثار الحرية ما سبب له حنق السلطة العثمانية عليه وأبعاده إلى الأناضول. وقد نشر أخيرا كتبا في التاريخ المدرسي للمدارس الابتدائية والثانوية في ثلاثة أجزاء (1) التاريخ القديم (2) تاريخ العرب (3) تاريخ القرون الوسطى والأخيرة.
وهو يعرف الفرنسية والتركية والإنكليزية واليونانية.
رستم حيدر
كتوم (سكرتير) جلالة الملك فيصل الأول الخاص ورئيس الديوان الملكي.
حصل التعليم الابتدائي والثانوي في مدارس دمشق وتوجه إلى العاصمة العثمانية (فروق) فدخل جامعتها الشهيرة في كلية الحقوق والإدارة المسماة (ملكية شاهانه) فخرج منها بدرجة تفوق سنة 1909 ثم رحل إلى أوربة لإنجاز تعليمه العالي فدرس في جامعة السوربون في باريس في متقن (كلية) العلوم السياسية ثلاث سنوات وفي نهايتها نال شهادتها بنجاح باهر، وقد أسس فيها مع بعض طلاب العلم العرب (جمعية الثقافة العربية).
ثم انتدب لتأسيس المكتب السلطاني في الشام وإدارته فقام بعمل خالد في وضع الحجر الأساسي لتلك المدرسة الراقية إلى أن دعي إلى تأسيس كلية صلاح الدين الأيوبي في القدس حيث أسندت إليه نظارة دروسها وأستاذية التاريخ والاقتصاد فيها فواظب على عمله هناك حتى سنة 1918 ثم التحق بالثورة العربية فأختاره قائد الجيش العربي صاحب الجلالة الملك فيصل وكان يومئذ أميرا ليكون في صحبته فدخل دمشق مع فاتحها ثم سافر إلى باريس وحضر مؤتمر فرساي مندوبا عن جلالة الملك حسين ملك حكومة الحجاز المستقلة وبقي في العاصمة
الفرنسية ثلاث سنوات يشتغل بالمسائل السياسية العربية مرافقا صاحب الجلالة الملك فيصل في رحلاته إلى أوربة. وبعد أن سقطت الشام بيد القوات الفرنسية سافر صاحب الجلالة الملك فيصل إلى أوربة فرافق جلالته في أسفاره إلى العواصم الأوربية ثم قدم معه إلى العراق كتوما خاصا لجلالته فلما بويع جلالة الملك فيصل بملك العراق عين رئيسا للديوان الملكي العالي.
ولرستم حيدر طائفة من المؤلفات طبع منها فقط كتابه (محمد علي في سورية) بالفرنسية وهو الأطروحة التي قدمها إلى جامعة السوربون وبها نال الإجازة العلمية العالية. أما كتبه في (التاريخ القديم) و (تاريخ الإسلام والقرون الوسطى) و (فجر التاريخ الحديث) مما كان يلقي محاضرات في الكلية الصلاحية في القدس فلا تزال مخطوطة.
وهو يجيد الفرنسية والتركية والإنكليزية.
3 -
منهج المحفى في العمل
وضع المحفى الجديد بمشاورة وزارة المعارف منهجا لعمله دعاه (تعليمات لجنة الاصطلاحات العلمية في وزارة المعارف) يلخص في ما يأتي:
1 -
تنظر اللجنة في الاصطلاحات العلمية والأدبية وكل ما يجد ويحدث من الكلمات في اللغة وخاصة في الاصطلاحات التي تستعمل في المدارس والكتب المدرسية وبالجملة تسعى إلى كل ما يؤدي إلى إصلاح اللغة وتوسيعها وإنهاضها إلى مستوى لغات العلم والأدب في العصر الحاضر وتنظر في الكتب المدرسية وغيرها مما يعرض عليها وتبدي رأيها فيها من وجهة اللغة والاصطلاحات العلمية.
2 -
تجتمع اللجنة مرة في الأسبوع.
3 -
تستشير اللجنة في المسائل المهمة أو المصطلحات الجديدة التي تضعها المجامع العلمية في مصر وسورية ليحيطوا بها علما ويبدوا فيها رأيا وبعد تلقي آرائهم تعيد نظرها فيها ثم تقرر قرارها النهائي.
4 -
إذا خلا كرسي في اللجنة، فاللجنة هي التي تنتخب له العضو الجديد.
4 -
خطته العلمية في وضع الكلمات
واختط هذا المحفى خطة علمية جعلها أساسا لعمله في وضع الكلمات أو المصطلحات العلمية هذا نصها:
تعتبر اللجنة المواد الآتية قواعد ودساتير تتبعها فيما تضعه وتقرره من المصطلحات العلمية والكلمات اللغوية:
1 -
إن الاشتقاق قياسي في اللغة قياسا مطلقا في أسماء المعاني التي هي عرضة لطروء
التغير على معانيها. ومقيدا بمسيس الحاجة في الجوامد.
2 -
إن وضع الكلمات الحديثة في اللغة يجري أما على طريقة الاشتقاق وأما على طريقة التعريب ولا مانع من الجمع بينهما كما في مسرة وتلفون ويرجع إلى النحت عند الحاجة.
3 -
لا يذهب إلى الاشتقاق في وضع كلمة حديثة إلَاّ إذا لم يعثر في اللغة على ما تؤدي معناها بخلاف التعريب فإنه يجوز تعريب كلمة أعجمية مع وجود اسم لها في العربية كما هو الشأن في اكثر المعربات الموجودة في اللغة.
4 -
يشترط في الكلمات التي تختار من كتب اللغة ليعبر بها عما حدث وتجدد أن تكون مأنوسة غير نافرة وإلَاّ وجب تركها والذهاب إلى طريقة الاشتقاق أو التعريب.
5 -
يرجح الشائع المشهور من المولد والدخيل على الوحشي المهجور من الكلمات الكائنة في معاجم اللغة.
6 -
لا يشترط في المعرب رده إلى وزن من أوزان الكلمات العربية ولكن يستحسن ذلك أن أمكن كما يستحسن تغييره بما يجعله قريبا من اللهجة العربية كما في شهنشاه المغيرة من شاهانشاه.
7 -
اللغة إنما تتقرر باستعمال العامة اكثر من وضع الخاصة لكن هذا فيما عدا المصطلحات العلمية أما في المصطلحات العلمية فالأمر بالعكس.
5 -
آراء بعض رجاله في الاشتقاق والتعريب
أرى تتمة للبحث أن أورد هنا آراء لبعض رجال المحفى العراقي في
الاشتقاق والتعريب ليعرف منها المطالعون المنحى الذي ينحوه في عمله العلمي الشاق:
يقول الأستاذ معروف الرصافي في مقدمة كتابه المخطوط (الآلة والأداة) الذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال:
(الاشتقاق في أسماء الأحداث ضروري لابد منه ولا يجوز أن يكون عدم السماع حجة في منع قياسه واطراده من وجوه:
(أحدها) أن عدم السماع لا يستلزم عدم الوقوع إذ يجوز أن يكون قد وقع وأن العرب قد نطقت به ولكنه فات الرواة فلم تروه ولم تنقله لأن نقلة اللغة اكثر ما يعتمدون في نقلها على الشعر ومن الجائز في الكلمة المحكوم فيها بعدم السماع أنها لم تقع في الشعر بل وقعت في
النثر الذي لم تضبطه الرواة ولم تنقل منه ولا عشر معشار فعلى القائل بالمنع أن يثبت لنا عدم الوقوع وإلَاّ فدليله مدفوع وكلامه غير مسموع.
(ثانيها) إننا أن سلمنا في كلمة من المشتقات أنها غير مسموعة وغير واقعة أيضاً اكتفينا في جواز استعمالها بسماع نظائرها المطردة المعينة فإن العرب أن لم تقل (حاب) من حب فقد قالت ساب من سب وعاد من عد وراد من رد إلى غير ذلك من الكلمات التي جرت في كلامهم على وجه الاطراد فمنعنا استعمال (حاب) بحجة عدم السماع تحكم في اللسان وتهكم بسماع نظائرها المطردة ورمي اللغة بالجمود.
(ثالثها) أن الاشتقاق أصل في أسماء الأحداث لكونه أمرا ضروريا بسبب ما يقع في معانيها من التبدل والتغير كما ذكرنا آنفا. . وإذا كان الاشتقاق هو الأصل وقد تعارض عندنا في بعض المشتقات دليلان أحدهما يقتضي المنع وهو عدم السماع والآخر يقتضي الجواز وهو القياس المطرد في نظائره وجب أن نرجع به إلى الأصل وأن نرجح دليل الجواز على دليل المنع لأن الأول مثبت للأصل والثاني ناف له.
. . . . فيجب علينا أن ننظر في هذه المسميات المستحدثة ولابد أن يكون لكل واحدة منها فعل تفعله لأنها لم تحدث عبثا فإن استطعنا أن نشتق لها من
فعلها اسما فذاك وإلَاّ نظرنا فيها فإن كانت مما شاع على ألسن العامة استعملناها كما استعملتها العامة أو أجرينا فيها بعض التغيير أن رأينا فيها بعض النفور والحيود عن اللهجة العربية كما فعلت ذلك في كلمة (اوتوموبيل) فأني غيرتها إلى تومبيل كصوقرير وقد استعملتها في قصيدة فقلت:
بتومبيل جرى في الأرض منسرحا
…
كما جرى الماء من سفح الاهاضيب
ويجب أن لا نتحاشى عن استعمال ما تداولته ألسنة العوام من هذه الكلمات الحديثة الخ. . .)
وقال الأب انستاس ماري الكرملي في اعتراضه على خطة المحفى الذي ذهب معظم أعضائه إلى قبول النحت في هذا العصر:
(لا أرى حاجة إلى النحت لأن علماء العصر العباسي مع كل احتياجهم إلى ألفاظ جديدة لم ينحتوا كلمة واحدة علمية. هذا فضلا عن أن العرب لم تنحت إلَاّ الألفاظ التي يكثر ترددها على ألسنتهم فكان ذلك سببا للنحت أما التي لا يكثر ترددها على ألسنتهم كثيرا فلم يحلموا
بنحتها. ومثلها عندنا الآن: ايش وليش وموشي (ما هو شيء) وشنو (أي أي شيء هو) إلى غيرها)
وقال عز الدين علم الدين في كتابه المعرب (مبادئ الفيزياء) الجزء الأول ص (ج):
(لم أراع في الاصطلاح إلَاّ الأفضل مما اشتد إليه مسيس الحاجة ولو كانت الكلمة أعجمية الأصل إذا ما تعربت بنزولها على أحكام العربية فخفت على اللسان وعذبت بصقله إياها في البيان يدل على ذلك مثلا اسم الكتاب (مبادئ الفيزياء)
وقد عقد المحفى اجتماعه الأول في عمارة وزارة المعارف يوم الخميس الواقع في 7 تشرين الأول 1926 الساعة الرابعة ونصف بعد الظهر ثم تابع جلساته مرة في الأسبوع على ما عهد إليه فتعهد به.
رفائيل بطي