الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تاريخ الطباعة العراقية
مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926)
1 -
تمهيد اختراع الطباعة
من العجائب في الحضارة الخالية أن يتسع نطاق العلم، وتنتشر المعارف في القرون الواغلة في القدم يوم لم يكن لدى البشر قرطاس يسطرون عليه خواطرهم، ولا ملكت إيمانهم رقوقا يدونون على صفحاتها معارفهم.
إن تخطينا القرون الأولى إلى القرون الوسطى، حينما اشرق للحضارة شمس منيرة، ولا سيما في هذه الربوع المباركة، حيث ارتفع
منار التمدن العربي؛ وجدنا تلك الحضارة العباسية على ضخامتها وبما فيها من معاهد العلم الزاهرة ودور الفنون والصناعات وخزائن الكتب والأسفار، تستعين بأقلام الخطاطين في رقم التآليف والدواوين. ومع أن صناعة الخط قد ارتقت ارتقاء عظيما. فلم يكن في طاقة الخطاطين أن يسدوا حاجة الدارسين من الكتب والرسائل؛ لذلك كانت العلوم والآداب مقصورة على طبقات من رجال الدين والحكام ومن بأيديهم زمام الرئاسة وما يتبع الرئاسة من الثراء. ولكن أبت همة المرء - وهو يتوقل مراقي الحضارة - أن تظل معرفته محصورة في نطاق ضيق ومقصورة على جماعة من أبنائه دون جماعة، ويحتكرها قوم دون آخرين: ففتقت الحاجة قريحة عبقري نادر. توصل بثاقب فكره إلى اختراع آلة الطبع وأعانه رفيق فاستنبط صنع الحروف. وهكذا ولدت الطباعة بالحروف في أواسط العقد الثالث من القرن الخامس عشر.
طيب الله ثرى يوحنا غوتنبرغ الألماني (المولود سنة 1400م) الذي اخترع آلة الطبع عام 1436م ورضي الرحمن عن بطرس فوشر مخترع الحروف من الخشب فالرصاص؛ وفي سنة 1450 انشأ غوتنبرغ أول مطبعة في المعمورة، وأول كتاب طبع فيها التوراة باللغة اللاتينية.
هذا تاريخ الطباعة بالحروف، أما المطابع الحجرية فقد ابتدعها في صدر القرن الثامن عشر رجل بفاري اسمه لويس سنفلدر الذي أجازته الحكومة عام 1799م بالاستئثار
باختراعه في الطبع والكسب.
2 -
الطباعة في الشرق
عمت الطباعة في الشرق بالحروف أنحاء أوربة. ولم يفت الشرق نصيب من فيض هذا الاختراع، فما اشتهر الطبع بالحروف المنتقلة حتى اصطنع منها قوالب للغات الشرقية.
فسعى قداسة البابا يوليوس الثاني لإنشاء مطبعة في عاصمة الكثلكة طبع فيها أول كتاب كان للصلوات سنة 1514 وفي جنوة بإيطالية طبع الزبور سنة 1516م بالعربية والعبرانية والكلدانية واليونانية، وما عتمت أن انتشرت المطابع للغات الشرقية في أطراف العالم الغربي في البندقية وسويسرة وفرنسة وألمانية.
وبعد حين انتقلت الطباعة إلى المشرق. فأسس عالم إسرائيلي سنة 1490م مطبعة في القسطنطينية للغة العبرية أولا، وفيها طبعت التوراة باللغة العربية سنة 1551 معربة بقلم سعيد الفيومي.
ومن فروق دخلت الطباعة إلى البلاد العربية وكان للشام فضل السبق في الأخذ بهذه الأداة النافعة فأنشأ الرهبان اللبنانيون في أوائل القرن السابع عشر مطبعة في دير قزحيا بلبنان وأول كتاب عربي
طبعته هو الزبور وذلك في عام 1585 وكانت حروفها سريانية ومنطوقها عربيا وهو ما يعرف عندهم بالكرشوني ثم استعملت الحروف العربية.
وفي حلب ظهرت المطبوعات بالحرف العربي بادئ ذي بدء؛ مما اصطنعه أحد أساقفة الروم الملكيين في أوائل القرن الثامن عشر.
ودخلت الطباعة القدس في فلسطين على يد الأباء الفرنسيسيين بإنشائهم سنة 1846م (مطبعة الأرض المقدسة).
أما مصر فأول مطبعة قامت أركانها فيها سنة 1798م كانت على يد نابوليون بونابرت في حملته الشهيرة على أرض الفراعنة.
3 -
الطباعة في العراق
ولم يحرم العراق الاستفادة من اختراع الطبع الثمين وأن جاءت استفادته متأخرة. إلا أن ما يلفت الأنظار هو أن الطباعة دخلت العراق على يد الأجانب أيضا؛ نظير معظم البلاد
الشرقية مما يؤصل في الأذهان إننا مدينون للغربيين في حياتنا الجديدة. فأول مطبعة فتحت في العراق كان بفضل مبعث الأباء المنتمين إلى القديس عبد الأحد المعروفين (بالدومنكيين) في الموصل سنة 1856م: وفي هذه السنة عينها جلب إلى كربلاء أحد أكابر الفرس مطبعة حجرية لا يذكر الناس من نتاجها إلَاّ سفرا بقي بكرا وحيدا.
وهانحن أولاء نثبت ما عنينا بتدوينه من تاريخ موجز للطباعة العراقية نأتي فيه على ملخص تاريخ المطابع المؤسسة في ديار العراق ونذكر ما وصل إلى علمنا من ثمرات تلك المطابع من الكتب والرسائل على اختلافها؛ ولا ندعي العصمة في ما نكتب؛ إلا أن غايتنا الخالصة هي إظهار صفحة من حضارة العراق الحديثة تشفع لنا في الأوهام التي تبدو منا سهوا: ويسرنا أن يحظى عملنا بالقبول من لدن الأدباء المحققين؛ فينتقدوا لنا مقالاتنا هذه ويرشدونا إلى مواضع الخطأ فيها ويكملوا النواقص التي يفوتنا ذكرها فنشكر لهم فضلهم بعد أن يكونوا قد أدوا لأمانة العلم حقها المحتوم.
4 -
مطابع الموصل
1 -
(مطبعة الأباء الدومنكيين)
إلى الأباء المحترمين المنتمين إلى رهبانية القديس عبد الأحد (سن دومنك) يعزى الفضل الأعظم في إدخال الطباعة إلى العراق فقد حل هؤلاء الأجناد - أجناد العلم والدين - الموصل الحدباء عام 1856م وكانت المطبعة أول مشروع وجهوا إليه أنظارهم؛ فباشروا الطبع على الحجر أولا فطبعوا بضعة كراريس ولم يفلحوا فشمروا عن ساعد الجد وأسسوا سنة 1859 مطبعة كبيرة بجميع لوازمها مرصدين لها المبالغ الطائلة.
وفي سنة 1860 طلب السيد هنري امانتون القاصد الرسولي
لما بين النهرين في أثناء وجوده في باريس إلى جمعية مدارس الشرق أن ترصد لمشروع المطبعة الموصلية الأولى مبلغا وافرا فاستجابت طلبه ونفحته ب 6000 فرنك أنفقها في جلب مطبعة وحروف عربية وسريانية وفرنسية من دار الطباعة العامة في عاصمة فرنسة وجلب لها حروفا كلدانية من مطبعة المرسلين الانكليكيين في اورمية من أعمال فارس. ونقلت كل الآلات والأدوات والحروف إلى الموصل.
وتولى الأب كيرلس دوفال إدارة المطبعة الجديدة يعاونه الراهب يوسف الديار بكري المنتمي إلى الرهبانية الفرنسيسية. وقد تعلم فن الطباعة في القدس فأتى به إلى الموصل واشرف على تأسيس المطبعة وقام بتعليم أحداث الموصل وشبانها فن تنضيد الحروف.
والمطبعة الموصلية هذه جهزها الأباء الدومنكيون بفرع هو مسبك الحروف لم يوجد له نظير في العراق إلى هذا اليوم (1926) وقد اشتغل الراهب الفرنسيسي المذكور بتعليم صناعة سبك الحروف أيضاً وطبعها بدقة وجلاء.
(لها تلو)
رفائيل بطي