الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم العقود
1 -
تعريفه وموضوعه وفائدته
هو حساب يتم عمله على عقود أصابع اليدين. للإشارة إلى العدد المنوي ذكره بين اثنين في المذاكرة.
وموضوعه: عقود الأصابع.
وفائدته: ضبط الأعداد من أول مرتبة الآحاد إلى عشرة الآلاف، مع الزيادة والنقصان بدون آلة خارجية، وفهم بعض الأحاديث التي فيها إشارة إلى هذا العلم.
وهذا العلم كثير النفع للتجار وغيرهم، ولا سيما عند استعجام كل من المتبايعين، وعند فقد آلات الكتابة والحساب.
ويقال لحساب العقود (حساب الجمل) أيضا لأجماله من بين المحاسبات أو لكونه من أجملها وأحسنها لعدم وقوع الالتباس فيها على من يحذقها، ومن أسمائه: حساب اليد.
2 -
تاريخ انتشار هذا العلم
كان هذا العلم حساب العرب في أيام جاهليتهم، فانهم اجتنبوا ما يحتاج إلى آلة، ورأوا أن ما قلت آلته، وانفرد الإنسان فيه بآلة من جسمه، كان اسهل وانسب لغرضهم.
3 -
الكتب المؤلفة في هذا العلم
اذكر للقراء الكرام أسماء بعض المؤلفات التي عثرنا عليها أو سمعنا بها وهي:
1 -
رسالة للشيخ حسين الكيلاني
2 -
رسالة للسيد محمود الرشتي
3 -
رسالة لشرف الدين اليزدي
4 -
رسالة للميرزا محمد علي الجهاردهي الكيلاني
5 -
رسالة للشيخ يوسف بن محمد الكيلاني. وهذا التأليف الأخير أوجز من بقية المؤلفات وانفع.
ونظم في هذا العلم أراجيز كثيرة منها:
1 -
أرجوزة لابن حرب
2 -
أرجوزة لشمس الدين محمد بن احمد الموصلي
3 -
أرجوزة لأبي الحسن علي المعروف بابن المغربي، وقد شرحها عبد القادر بن علي بن شعبان العوفي.
وهناك كتب ذكر فيها هذا العلم استطرادا: كشرح الجلي للشيخ احمد أفندي البربير. ومجمع البحرين لفخر الدين الطريحي، ومجمع البيان لأبي علي الطبرسي، ولسان الخواص للمولى محمد القزويني، وأربعين المجلسي، وأربعين الشيخ إبراهيم الخوئي، وكفاية الحساب لنجم الملك الميرزا عبد الغفار، وبلوغ الأرب في أحوال العرب، وشرح القاموس بالتركي، وغياث اللغات وفرهنك، وللأب انستاس ماري الكرملي صاحب هذه المجلة مقالة طويلة أدرجت في مجلة المشرق 119: 3 إلى 123 و169 إلى 171 وشرح أرجوزة شمس الدين محمد بن احمد الموصلي الحنبلي في المجلة المذكورة 171: 3 إلى 174
4 -
بيان هذا العلم
لا يخفى أن القدماء وضعوا (38) صورة للأصابع الخمس اليمنى والخمس اليسرى من اليد لضبط الأعداد من الواحد إلى العشرة الآلاف. وضابطه إجمالا انهم جعلوا صورة منها للأصابع الخمس اليمنى لضبط العدد من الواحد إلى 99 و19 ص
ورة أخرى للأصابع الخمس اليسرى لضبط العدد من 100 إلى 10000 لأنهم جعلوا الخنصر والبنصر والوسطى من اليد اليمنى، لعقود الآحاد، أي للواحد إلى التسعة، وجعلوا عقد السبابة والإبهام منه لعقود العشرات، أي للعشرة إلى التسعين، وجعلوا الخنصر والبنصر والوسطى من اليد الشمال، لعقود المائة أي للمائة إلى 900 وعقد السبابة والإبهام منه لعقود الآلاف. أي للألف إلى 9000
فصور عقود الواحد إلى التسعة وصور عقود المائة إلى 900 سيان وكذا صور عقود العشرات والألوف، فالتفرقة والاعتبار يكونان باليمين واليسار
لأشكال متحدة الصور؛ مثلا: ضم الوسطى مع الخنصر والبنصر وطوق العقدة السفلى، بحيث تمتد الأنملة حتى تصل إلى الرسغ، (وهو هنا مفصل ما بين الساعد والكف) دال على التسعة في اليمين وعلى 900 في اليسار وكذا وضع رأس ظفر السبابة، على مفصل العقدة الثانية من الإبهام في
اليمين، دال على التسعين، وفي اليسار على 9000. فلا فرق بين صورة اليمنى واليسرى بالكيفيات والهيئات فالتمييز في هذا الأمر يكون باليسار واليمين لا غير.
ومن المعلوم أن الأصابع التي للآحاد تضيق عنها لأنها ثلاث والآحاد تسعة فلا يمكن ذلك إلَاّ بتبديل وتغيير وكذا أصابع العشرات والمئات والألوف، فطريق كيفية عقود الأنامل تفصيلا هو انهم عينوا من أوضاع أصابع اليمنى، لعقد الواحد فقط وضع رأس الخنصر فقط على الكف بحيث يكون رأسه قريبا؛ وللاثنين وضع البنصر أيضا معقودة معه كذلك؛ وللثلاثة وضع الوسطى معهما أيضا كذلك، كما هو المتعارف بين الناس عند عد هذه الأعداد، بحيث يوضع رؤوس الأنامل قريبة من أصولها من دون أن يوصل إلى الكف؛ وللأربعة رفع الخنصر مع وضع الباقية بحال المثناة؛ وللخمسة رفع الخنصر والبنصر مع وضع الوسطى؛ وللستة وضع رأس البنصر فقط على وسط الكف منبسطا مائلا إلى جهة الرسغ؛ وللسبعة وضع الخنصر فقط عليه كذلك مع رفع البنصر؛ وللثمانية ضم البنصر إليه في هذا الوضع؛ وللتسعة ضم الوسطى إليهما كذلك.
فالمشروط في هذه الثلاثة الأخيرة. أي من السبعة إلى التسعة بسط الأصابع إلى الكف كما أشير إليه مائلة أناملها إلى جهة الرسغ، وهذا الشرط هو لعدم الالتباس بالثلاثة الأول أي من الواحد إلى الثلاثة؛ فهذا تمام الكلام في تعريف الآحاد.
وأما للعشرة فيوضع رأس ظفر السبابة على العقدة الفوقانية من الإبهام لتصير الإصبعان معا كحلقة مدورة.
وللعشرين يوضع ظهر ظفر الإبهام تحت طرف العقدة التحتانية من السبابة على وجه ترى أنملة الإبهام مأخوذة بين أصلي السبابة والوسطى: بحيث يتصل شيء من ظفر الإبهام بذلك الجانب؛ ويظهر بعض أنملتها العليا بين أصلي المسبحة (وهي الإصبع التي تلي الإبهام) والوسطى: متصلة بالوسطى؛ أو غير متصلة لأن الوسطى؛ لا دخل لها في عقود العشرات؛ وإنما أوضاعها إلحاد؛ كما عرفت.
وللثلاثين يوضع رأس أنملة السبابة على طرف ظفر الإبهام الذي يليها؛ مع انتصاب الإبهام على وجه يشبه وضعها وضع القوس والوتر؛ وقيل حينئذ يجوز أن يعرض للإبهام انحناء أيضا.
وللأربعين يوضع باطن أنملة الإبهام على ظهر العقدة التحتانية من السبابة؛ على وجه لا يبقى بينهما فرجة أصلا.
وللخمسين يوضع الإبهام على الكف محاذيا للسبابة مع انتصابها.
وللستين يوضع باطن العقدة التحتانية من السبابة على ظهر الإبهام مع انحنائه كما يفعله الرماة عند الرمي.
وللسبعين توضع أنملة السبابة أو عقدتها على أصل ظفر الإبهام مع انتصابه بحيث يبقى تمام ظفره مكشوفا.
وللثمانين يوضع طرف أنملة السبابة على ظهر العقدة الفوقانية من الإبهام مع انتصابه.
وللتسعين يوضع رأس ظفر السبابة على العقدة التحتانية من الإبهام كما كان يوضع على مفصلها الأعلى في عقد العشرة.
فهذا آخر الكلام في بيان العشرات الموضوعة في عقود السبابة والإبهام من اليد اليمنى، فيعد بها مع انضمام عقود الخنصر والبنصر والوسطى من الواحد إلى تسعة وتسعين.
وأما المائة فقد تقدم أن عقد المائة في اليد اليسرى كعقد الآحاد في اليد اليمنى وذلك في ثلاث أصابع أي أن كل وضع دال من اليمنى على عقد من الآحاد يدل في اليسرى على المائة؛ والحاصل أن كل عقد يدل في اليمنى على العشرات يدل في اليسرى على الألوف.
فبهذه الأوضاع الستة والثلاثين تعرف عقود الواحد إلى تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين وللعشرة الآلاف يوضع طرف أنملة الإبهام على طرف السبابة بحيث يصير ظفراهما متحاذيين متساويين؛ والظاهر عدم اختصاص اليمنى أو اليسرى بذلك في أصل الوضع.
هذا ما أردت ذكره عن علم العقود والله الموفق.
محمد مهدي العلوي
2 -
نموذج من تراجم القراء
الحافظ عثمان الموصلي
يمر الناظر في كتب التاريخ وسير النوابغ على غرائب وعجائب من الأنباء والحكايات والنوادر؛ يقف العقل دونها مبهوتا. ويتردد في قبولها ورفضها متحيرا، بل يكاد يجزم بوضعها ويعتقد بطلانها اعتقادا لا مجال للامتراء فيه لو لم تتواتر وينقلها الإثبات؛ ثم تؤيدها آثارهم ونتائج قرائحهم؛ ويشاهد أناسا من نوعهم جمع الله العالم كله فيهم. كأنهم خلقوا ليكونوا تذكرة لمن مضى وحجة على من جحد الآيات.
ومن شاهد الحافظ عثمان الموصلي آمن قلبه بتلك الأنباء إيمان شعر أمية ابن أبي الصلت بالله رب العالمين. وأذعن لكل ما يرويه المؤرخون من الأنباء الغريبة في سير العالمين.
ولد الحافظ عثمان في الموصل سنة 1271هـ في حجر أبيه الحاج عبد الله بن الحاج فتحي بن عليوي المنسوب إلى بيت الطحان. وفقد بصره صغيرا. وتوفي أبوه وهو في نحو السابعة من عمره، فبقي يتيما؛ فرآه السري الفاضل محمود أفندي العمري؛ وتفرس أن يكون أهلا للتربية والتثقيف؛ فأخذه إلى بيته وخصص له من يحفظه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا وحفظ السيرة النبوية وطرفا من الأحاديث الصحيحة وجانبا كبيرا من الشعر. ثم رتب له من يدربه على اللحن والإيقاع ويعلمه الموسيقى حيث أنه رزق صوتا معبديا ينعش الأرواح، من كبوات الاتراح، وجرسا غريضيا يخرس الأطيار في أعالي الأشجار - فلم يزل يعاني الصنعة حتى جاءت منه آية نسخت آية إبراهيم بن ميمون الموصلي؛ فحلق طائر صيته في سماء العراق، وأصبح حديث المحافل والنوادي في الأصقاع والآفاق. فلما توفي مربيه العمري قصد بغداد:
وقبل كانت له بغداد عاشقة
…
تقضي بذكراه أوقاتا وأزمانا
على السماع به باتت متيمة
…
(والأذن تعشق قبل العين أحيانا)
وكان إذ ذاك فيها ابنه الشاعر الأديب احمد عزت باشا العمري فحل ضيفا في بيته فألتف حوله الأكابر وحفت به عيون الأعيان؛ وأصبح في مغاني الزوراء فاكهة الأدباء؛ ونقل الظرفاء؛ وشمامة النبلاء: تتهاداه الأكف من مجلس إلى مجلس ومن ناد إلى ناد والناس يخفون إليه سراعا من كل حدب لسماع قراءته (المولد النبوي) يحيون الليلة بعد الليلة مفضلين التلذذ بأنغامه على لذة المنام. ولا ريب أن البغداديين من ارق الناس طباعا واشدها اهتزازا للأصوات الرقيقة والألحان الشجية كما هو مشهور في التاريخ ومشاهد اليوم؛ فلا
بدع إذا ما تعشقوا صوت الشيخ عثمان ولازموا مجلسه ملازمة الظل لصاحبه.
وبعد أن قضى زمنا في بغداد عزم على السياحة في العالم الإسلامي فشد الرحال إلى الحجاز لأداء فريضة الحج المقدسة. وذكر لي بعض الفضلاء أنه رأى في رحلة لكاتب تركي أنه كان في مكة يخطب في المحافل ويدعو الحجاج إلى الانقياد للعثمانيين وشد أزر الخلافة؛ فسألته عن اسم الرحلة وصاحبها لا تحقق جلية الأمر فلم يكد يتذكر. فإذا صح هذا فذهابه إلى الحجاز كان سياسيا بإيعاز من الحكومة.
ثم قفل إلى الموصل؛ وقرأ القراءات السبع على الشيخ محمد ابن الحاج حسن ثم قصد القسطنطينية وسلك لأمر من الأمور في الطريقة القادرية والمولوية. وحصل على مقام كبير.
ثم سافر إلى سورية ومنها إلى مصر للاجتماع بمغنيها الطائر الصيت عبده الحمولي فلازمه واستفاد من طريقته الحديثة التي وفق فيها بين المزاجين المزاج العربي والمزاج التركي؛ وقد رأيته كثير الإعجاب به حتى إذا ذكره زفر وبكى عليه. وقد اخذ في مصر القراءات العشر عن كبار القراء وأساتذة التجويد كما اعجب به المصريون وتتلمذ عليه كثيرون في الموسيقى التركي؛ كما جاء في كتاب الموسيقي الشرقي لمحمد كامل الخلعي وغيره. واصدر فيها مجلة لم تمتد حياتها حيث أوفده السلطان عبد الحميد إلى طرابلس الغرب لعجم عود الإمام السنوسي وسبر أغوار مقاصده السياسية فأحس السنوسي بالغرض من مجيء
الشيخ عثمان فاكرم مثواه واحسن إليه ثم جهزه فعاد أدراجه إلى الأستانة ثم إلى بغداد فاتفق أن دعا على رؤوس الأشهاد في جمع كثيف لسلطان العجم فنفاه تقي الدين باشا والي بغداد إلى سيواس. وبعد منفاه ذهب إلى الأستانة فعين أستاذا للموسيقي في إحدى مدارسها. وتزوج فيها، وبقي فيها زمنا طويلا في نعيم مقيم وإجلال وتعظيم إلى قبيل الحرب الكبرى فبعثه الحنين إلى سكنى العراق فجاء دار السلام ونزل ضيفا في (بيت خيوكه) أمام دارنا القديمة في الرصافة فهرعت إليه الناس وتجاذبته أيدي الكبراء وأمسى عند كل ذي عين، جلدة ما بين الأنف والعين. وعاد الناس إلى سيرتهم الأولى معه من إحياء الليالي بقراءة (المولد النبوي) ونصب في أخرته شيخا للقراء؛ وقرأت عليه قبل نصبه سورة لقمان على السبع، وفجعت مدينة السلام بوفاته في اليوم الخامس عشر من
جمادي الآخرة سنة 1341هـ وكان يوما شديد المطر كثير الرعد والبرق فلم يسمع كثير من الناس بموته إلَاّ بعد دفنه رحمه الله.
كان عثمان آية الزمان
كان هذا الرجل آية الزمان في سعة أدبه وعلمه وفرط ذكائه وفطنته ورقة شعوره وإحساسه. وبراعته في فن الموسيقي وتفننه في قراءة القرآن المجيد.
كان إذا قرأ القرآن تخيلت (اببا) يترنم بصوته الرخيم. يقرأ القراءات العشر بتفريع وتنقل يدهش السامعين فكان بعض الناس يتوهمون أنه غلط أو حرف فيردون عليه فيصرخ: (اسكت! ليس بشغلك!). ومما كان يزيد حسن صوته الرخيم الذي يملأ النفوس ويستفز الشعور تجويده للقراءة وأداؤه المعاني حقها كأن يهول حيث يجب التهويل؛ ويتلطف حيث يجب التلطف ونحو ذلك مما لا يعقله إلَاّ العالمون بمعاني التنزيل ومواقع الكلام.
أما (المولد النبوي) فبعد أن كان القراء أو قل (المغنون) خاملين في الصنعة لا يعرفون سوى الاسترسال في نغمة واحدة من البداءة إلى النهاية حتى تكاد تزهق من سماعهم الأرواح. وبعد أن بار سوق الغناء في دار السلام ولم
تبق له اقل قيمة واعتبار عند الناس - أصبح بما وصل إليه الشيخ من الابتداع والاختراع الذي لم يعرفه العراقيون من قبل، من ضروريات الحياة في نظر الناس. فما كانوا يسمعون به يقرأ في بيت إلَاّ وانسلوا إليه من كل حدب وضاق المكان بالشيب والشبان فكان (كما قال سيد الشعراء احمد شوقي المصري في مغن):
يخرج المالكين من حشمة المل
…
ك وينسي الوقور ذكر وقاره
رب ليل أغار فيه القماري
…
وآثار الحسان من أقماره
بصبا يذكر الرياض صباه
…
وحجاز ارق من أسحاره
وغناء يدار لحنا فلحنا
…
كحديث النديم أو كعقاره
وأنين لو أنه من مشوق
…
عرف السامعون موضع ناره
يتمنى أخو الهوى منه آها
…
حين يلحى تكون من أعذاره
زفرات كأنها بث قيس
…
في معاني الهوى وفي أخباره
لا يجاريه في تفننه العو
…
د ولا يشتكي إذا لم يجاره
يسمع الليل منه في الفجر يالي
…
ل! ليصغي مستمهلا في فراره
ذكاؤه وفطنته
وما ذكاؤه وفطنته فحدث عن البحر ولا حرج. وكأني بمن لم يزل يتردد في تصديق ما اذكره من غرائبه ونوادره؛ كان مع شيخوخته إذا سمع صوت إنسان عرف أوصافه من حسن ودمامة وطول وقصر وعرف كم سنه. وإذا لمس يد رجل فارقه مدة من الزمن عرفه في الحال. واغرب من هذا وذاك أنه كان يعرف الرجل من قرع نعليه.
وكان يجيد الضرب أيما إجادة على العود والعزف بآلات الطرب بأنواعها واللعب بالدمة (أي بالدامة) والشطرنج وسائر الألعاب العجيبة. ومر يوما في طريق من طرق بغداد فسمع من أحد البيوت صوت عود غير منتظم فعرف حالا أن وترا من أوتاره لم يحكم شده فوقف وطرق الباب وقال: يا ضارب العود احكم الوتر الفلاني وسماه باسمه! فقال الرجل: أنا أردت ذلك بارك الله فيك!
ونوادره أوسع من أن يحيط بها نطاق الحصر.
وأما حافظته فقد كان أمره فيها عجبا. حفظ ما شاء الله أن يحفظ من الشعر والقصص والنوادر، واستظهر في بغداد صحيح الإمام البخاري برمته. وذكر لي شيخنا علامة العراق الإمام السيد محمود شكري الالوسي رحمه الله أنه حاول أن يأخذ عنه العربية. قال: فاشترطت عليه حفظ كل ما القيه عليه وادرسه إياه عن ظهر غيب؛ فتبسم وقال: شرط عظيم! قال الأستاذ: فكان لا يمر على الدرس مرة واحدة إلَاّ ويحفظه بلفظه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه. . . ولقد رأيته يرتجل في المجالس الشعر ولا سيما (التواريخ) ارتجالا فيأتي سهلا لا كلفة فيه ولا يكاد يخطئ في التاريخ.
أخلاقه
كان رحمه الله طيب الحديث لسنا فصيحا لا يمله الجليس حلو العشرة وربما كانت تعتريه الحدة في بعض الأحايين فيتكلم بما يضحك الثكلى، ويذهب بثقل الحبلى، ولكن الغالب على طباعه سلامة الصدر وطيب السريرة وكثرة الوفاء والسخاء وعزة النفس والأباء إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي حرمها اكثر العمي.
وكان صادقا في لهجته غيورا على مصالح أمته. ومواقفه الوطنية في الثورة العراقية أشهر من أن تذكر فقد كان الناس بحجة قراءة (المولد النبوي) يحيون الليالي في المظاهرة على الحكومة المحتلة ويتناشدون الأشعار الحماسية ويلقون الخطب الوطنية كأنها الشرر. فيأتون بالشيخ عثمان رئيس القراء فيفرع المنبر ويأخذ في ارتجال الشعر والخطب المحرضة حتى يترك الناس على اشد من الجمر ويدعهم يتلهفون للطعن والضرب في ساحة الوغى!
لباسه وخلقه
كان يلبس سروالا وجبة وبرأسه طربوشا أصفر طويلا كالذي تلبسه المولوية في فروق والشام ثم استبدل منه قبل وفاته بثلاث سنوات (الكشبدة) وهي عمامة فيها وشي.
وكان قوي البنية كبير الجسم ممتلئة ربع القامة اسمر اللون أشقر الشعر جهير الصوت بطيء السير يقوده أحد تلاميذه غالبا وكثير من الناس. وإذا
ترك وحده سرقوا كيسه أو سبحته أو عصاه أو حذاءه، فتثور ثائرته ويخرج به الأمر إلى سب نفسه والعربدة على الله. . .! ثم يثوب إليه رشده فيستغفر ويتوب!
تآليفه
خدم رحمه الله العلم والأدب خدمة جليلة بنشر بعض آثار كبار العلماء والأدباء فنشر ديوان عبد الباقي العمري الشاعر الشهير، وكتاب الطراز المذهب. وكتاب الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية: وكلاهما من تآليف شيخ مشايخنا الإمام المفسر الخطير أبي الثناء شهاب الدين محمود الالوسي. ونشر كتاب التوجع الأكبر بحادثة الأزهر. وخواتم الحكم في التصوف ولم اطلع عليهما.
وله شعر كثير من جملته تخميس بائية عبد الباقي العمري في رثاء الحسين رضي الله عنه، وتخميس لامية البوصيري المفتوحة وتخميس قصيدة الشيخ مصطفى البكري، وتشطير قصيدة لابن المقري الشهير يزعمون إنها تقرأ على عشرة ملايين من الأوجه!! وقد ذكرها الخزرجي في طبقاته وشرحها في مجلد لطيف. وقد جمع كل ذلك بمجموعة في 50 صفحة دعاها (الأبكار الحسان في مدح سيد الأكوان) وطبعت خمس مرات.
وانشأ في مصر مجلة باسم (المعارف). قالت فيها مجلة (البيان) للشيخ إبراهيم اليازجي:
المعارف - ورد علينا العدد الأول من مجلة معنونة بهذا الاسم لصاحبها ومحررها الفاضل منلا عثمان أفندي الموصلي وهي علمية سياسية تاريخية أدبية أخبارية، وفيما نعهده في حضرة محررها المشار إليه من غزارة الأدب والبراعة في صناعة الإنشاء ما يضمن لها التقدم بين الصحف العربية.
محمد بهجة الأثري