الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إخوان الأدب
شكري الفضلي
(2)
شخصيته الأدبية ومبادئه:
إن نشأة الفضلي الأدبية وشغفه بالقراءة والكتابة سهلا له الاطلاع على كثير من الكتب والرسائل التي ألفها المفكرون الأحرار من الترك والعرب وضمنوها صرخات أليمة من الظلم والاستبداد. كما أن اشتغاله بالصحافة وصله بالحركة الفكرية في الآستانة والقاهرة وبيروت. فتأثر بهذه البيئة واكتسب نزعة حرة حميدة جعلته من المنظورين إليهم بعيون مرتابة من صنائع السلطان عبد الحميد وأعوان الظلم، حتى اتهم قبل ما يزيد على
العشرين سنة بأنه يذيع المبادئ الحرة وينقد أعمال السلطات الملكية والعسكرية فسجنه الفريق رفيق باشا في كركوك ولدى محاكمته في ديوان خاص مدة شهرين برئت ساحته.
وسجن بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني واعتلاء محمد رشاد الخامس عرش السلطنة العثمانية يوما واحدا في دائرة الشرطة بتهمة تمهيده سبيل الفرار لأحد الأحرار من معارضي حزب الاتحاد والترقي. وأطلق سراحه بجهد عظيم. ثم اتهمه في عهد الدستور جمال بك والي بغداد المشهور بعسفه وطغيانه بجريمة سياسية مع لفيف من الرجال المعروفين في مدينة السلام المخالفين لحزبه الاتحادي وطلب إرسالهم جميعاً إلى فروق لمحاكمتهم في (الديوان العرفي) فتوسط في الأمر المرحوم محمد فاضل باشا الداغستاني ففك عقاله والمتهمين معه.
والباعث على أن تحوم حول فقيدنا شكري هذه التهم. سعيه في إنشاء فرع لحزب (الحرية والائتلاف) في بغداد وهو الحزب المعارض لحزب (الاتحاد والترقي) وتشنيعه بمآتي الاتحاديين وقد سيق مرات إلى المحاكم وحوكم لما يظهر في مقالاته المنشورة في الصحف العراقية من نقد السياسة الاتحادية الخرقاء حتى شاع في خلال الحرب العظمى أنه قد شنق مع من شنق من أحرار
العراقيين في باب (المعظم) وذكر ذلك فائز بك الغصين في كتابه (المظالم في سورية والعراق والحجاز) المطبوع سنة 1918 صحيفة (86).
أما بعد الحرب العالمية فلم تبد منه أية نقمة على السلطة بل بعكس ذلك له مقالات عديدة يشعر منها أنه كان من محبذي الوضع السياسي الراهن في البلاد.
وإذا نظرنا إلى شخصيته الأدبية وأسلوبه نجده بطبيعة نشأته وثقافته أميل إلى المذهب القديم منه إلى الجديد فقد كانت عنايته باللفظ دون العناية بالمعنى. وطالما قرأت له سطورا عديدة فيها فكرة واحدة يمكن إبرازها في جملة واحدة لا غير. إلا انه كان ممن يحبذون النقد وما اجتمعت به مرة إلا وتطرق إلى النقد الأدبي وذكر كستاف فلوبر و (تين) وغيرهما من أعلام النقاد الفرنسيين وقد عرفهم في ما ترجم لهم أو عنهم إلى اللغة التركية.
وقد عالج الأديب الفضلي النظم بالعربية والتركية والفارسية والكردية. وأقول عن نظمه العربي فقط أني لم المس فيه شاعرية إنما هي جمل موزونة ومقفاة قد يحسن حبكها في الأحايين. مع
أن له في النثر كتابة فصيحة تحوي مادة. ومادة غزيرة في بعض مقالاته وأبحاثه.
ومبدأه الاجتماعي أشبه بمبدأه الأدبي. وسط بين المحافظين والمتجددين فهو يمتدح السفور ويفضله على الحجاب ولكنه لو تزوج لما رضي أن تسفر زوجته.
وبتأثير ثقافته في كتب العرب العتيقة تلبس الدعوى بان العرب هم أصل المدنية البشرية وان آدابهم لا تعلوها آداب وانه ليس هناك علم ولا فن إلا لم يغادر فيه الأسلاف لمن أتى بعدهم من متردم. إلى غيرها مما أدرك النقدة الراسخون من العرب أنفسهم في هذا الزمان أنها من الدعاوي الباطلة التي تعد سبة في نظر أهل التحقيق العلمي.
وكان شكري الفضلي يتبرم من الغرب وسطوته المادية ويتحرق أن لا يكون للشرق قوة تتمكن من أن تصد هجمات الغرب عليه إلا أنه لم يكن يعتقد بان العواطف والتهور يغنيان الشرقيين أو العرب عن تطلب القوة من أبوابها والسلوك إلى المجد في طرقه كما أن لأحلام (الجامعة الإسلامية) و (العصبة الشرقية) و (الوحدة العربية) حيزا كبيرا في دماغه ولهذا رأينا خيالاتها
مرسومة في كثير من مقالاته اليومية في الجرائد.
أما أخلاق المترجم عنه فقد عرفت فيه هدوءا ولطف معشر رضيا وجلدا وضبط نفس، وكم تمنيت لو تجافى عن الأبعاد بين فكره ولسانه أحيانا، فكثيرا ما زرته في أيام اشتداد النضال القلمي بين رجال القديم وأنصار الجديد فلم يكن يبدي أي تأثر من المطاعن الموجهة إلى
صديقه. ولما كنت ألح عليه في إبداء الرأي كان يتنهد ويقول: لا يمكنني أن أصرح بالحقيقة التي أراها وإلَاّ انقلبت صداقتي للجماعة إلى خصومة.
وكان ربعة يميل إلى الطول، حنطي اللون عظيم الهامة، عرف بإطالة التفكير وقلة الكلام كما عرف بشدة تمسكه بمعتقداته وآرائه مع اعتداد بالنفس. وقد ولع رحمه الله بالدخان - وغير الدخان - مما يتمحل متعاطوهما عذر طرد الهم ولكنهما أضرا بصحته ونهكا قوى جسمه فعجلا في منيته في 1 حزيران 1926 فحرمت أمته خدماته المفيدة.
آثاره
لقد اشتغل فقيد الأدب العراقي شكري الفضلي بكتابة المقالات كثيرا ونظم القصائد نادرا ولم يتفرغ لتأليف كتاب برأسه إلَاّ
تاريخه الذي صرف له قسما كبيرا من جهده وأدركه الحمام قبل أن ينشر على الناس شيئا منه. لهذا اعد له (تاريخ العراق قديما وحديثا) مع (ذيل في جغرافية العراق التاريخية) أثرا خطيرا واطلب إلى ذريته أن يبحثوا عما خطه من هذا الكتاب لطبعه وأن لم يكمله لأنه قد اعتمد على جملة مؤلفات غالية في اللغات الفارسية والتركية والعربية ونقب في بعض المخطوطات وجعل جل همه أن يكتب تاريخ فترة غامضة من تاريخ هذه البلاد من سقوط بغداد بيد التتر إلى أواخر العهد العثماني وكانت غاية أمنيته أن ينجز هذا الأثر الثمين.
وله مؤلف علمي باسم (مكتبة الفضلي) ينكسر على بضعة أقسام في (طبقات الأرض) و (الحكمة الطبيعية) و (الكيمياء) و (الفلك) و (علم النفس) و (الهندسة) وقد استمد اكثر نظرياته فيه من الكتب التركية الحديثة المترجمة عن الآثار الأجنبية مع بعض الشيء عن كتب العرب القديمة.
ويمكن أن يتكون من منظومة ديوان شعري نسميه (ديوان الفضلي).
وإذا جمعنا مقالاته المتفرقة في السياسة والاجتماع في مجموعة تألف منها مجلدان كبيران وكان يحدثني يوما عن هذه المجموعة
وهو يتردد في تسميتها فاقترحت عليه أن يسميها (نظرات سياسية واجتماعية) فأجابني: (ليكن لها العنوان الذي تراه.
وقد أقام له (منتدى التهذيب) في بغداد عصر يوم 25 حزيران 1926 حفلة تأبين خطب فيها بعض الأدباء وألقى فيها كاتب هذه السطور ترجمة الفقيد هذه وختمها بقوله:
هذا هو الأديب الفضلي الذي اجتمعنا اليوم لنحيي ذكراه وأني لأقدر خدمة منتدى التهذيب للأدب في أحياء هذه الحفلة فهي مفخرة للمنتدى وإشادة بذكر الفقيد الذي لم يذق في حياته لذة يصدق عليها وصفها بالطيبة وذلك جزاء لجهوده، فلا أقل من أن يعرف له أبناء أمته فضله وعسى أن أجد فيكم من تأخذه الحمية على الأدب والأدباء فيتبرع بطبع كتاب يضم ما قيل فيه مع نخبة صالحة من آثاره.
في ذمة التاريخ أيها الصديق الراحل!
رفائيل بطي