الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً} أشد من قومك قوة {وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ} أي سبق وسلف في آيات الله بيان قصتهم العجيبة وإهلاكهم، فكذلك يكون قومك مثلهم، والآية وعد للرسول، ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين.
الغاية والهدف من الآيات:
يريد الله تعالى أن يؤكد كون القرآن بلغة العرب، مما يقتضي إيمان العرب قاطبة به، فهم أقدر الناس على فهمه وإدراك معانيه، ويؤكد أيضا أن القرآن كلام الله ومن عنده، فهو محفوظ مصون في اللوح المحفوظ، وليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم كما تزعمون، وأن الإعراض عنه لا يكون سببا لترك تذكيرهم به، فضلا من الله ونعمة ورحمة، وليعتبروا بمصائر أمثالهم من الأمم التي أهلكها الله.
التفسير والبيان:
{حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ} تقدم بيان المراد من {حم} . ثم يقسم الله بالقرآن نفسه البيّن الواضح الجلي المعاني والألفاظ، المبين طريق الهدى وكل ما يحتاج إليه الناس في الدنيا والآخرة.
{إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي إنا أنزلنا هذا القرآن بلسان العرب أو اللغة العربية التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، وقد جعلناه بلغة العرب فصيحا واضحا، لتفهموه أيها العرب، وتتدبروا معانيه، كما جاء في آية أخرى:{بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء 195/ 26].
والآية جواب القسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه وكونهما من واد واحد. ولعل: للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالما بعواقب الأمور، فكان المراد هاهنا كما ذكر الرازي وغيره: أنزلناه قرآنا عربيا لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه.
هذا في الأرض، وأما في السماء فقال تعالى:
{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} أي وإن هذا القرآن في اللوح المحفوظ عندنا رفيع القدر، عالي الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك
(1)
، عظيم الشرف والمكانة، ذو حكمة بالغة، ومحكم النظم لا يوجد فيه لبس واختلاف ولا تناقض، كما قال تعالى:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ} [الواقعة 77/ 56 - 80] وقال سبحانه: {كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ} [عبس 11/ 80 - 16]
(2)
.
{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ} ؟ أي أنترككم دون إنذار، ونطوي عنكم القرآن طيا دون تذكير، ولا وعظ ولا أمر ولا نهي، لأنكم قوم منهمكون في الإسراف، مصرّون على الشرك؟ لا نفعل ذلك لطفا ورحمة منا بكم، فلا نترك دعوتكم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كنتم مسرفين معرضين عنه، بل نأمر به ليهتدي المهتدون في قدر الله وعلمه، وتقوم الحجة على الأشقياء
(3)
.
ثمّ سلّى الله رسوله عما يلقاه من صدود قومه، فقال:
{وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ} {كَمْ} : هنا خبرية، أي ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة، فكذبوهم، كما قال تعالى:
{وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} أي وما أتاهم من نبي ولا رسول إلا كانوا به يكذبون ويسخرون، كتكذيب قومك واستهزائهم بك.
(1)
غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري: 43/ 25
(2)
وقد استنبط العلماء من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف، تشبها بالملائكة الأطهار، لتعظيمه.
(3)
تفسير ابن كثير: 122/ 4.