الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو العرب وأشرف آبائهم تبرأ من دين آبائه بالدّليل، وحكم بأن اتّباع الدّليل أولى من متابعة الآباء، فوجب تقليده في ترك تقليد الآباء وفي ترجيح الدّليل على التّقليد.
ثم أبان الله تعالى مفاسد اعتماد قريش على التّقليد وترك التّفكر في الحجة والدّليل، وهي: أولا-اغترارهم بالمهلة والمدّ في العمر والنّعمة، واشتغالهم بالتّنعم واتّباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد، وثانيا-تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفهم له بأنه ساحر كذاب، وثالثا-قولهم بأن الرّجل الشريف وهو كثير المال ورفيع الجاه هو الأحقّ بالنّبوة من محمد الفقير اليتيم.
فردّ تعالى عليهم بأنه هو الذي قسم الأرزاق والحظوظ بين عباده، وأن التّفاوت في شؤون الدنيا هو الأصلح لنظام المجتمع، وأن ميزان الاصطفاء للنّبوة إنما يعتمد على القيم الأدبية والروحية والأخلاقية، وألا قيمة للدنيا وأمتعتها وزخارفها وثرواتها، ولولا خوف انتشار الكفر وشموله بين العالم، لجعل الله للكفار ثروات طائلة، وبيوتا ذات سقف وأبواب وسرر ومصاعد من فضة، وزينة في كل شيء، وإنما نعيم الآخرة للمتّقين الذين يتّقون الكفر والمعاصي.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن إبراهيم الخليل إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأشرف آباء العرب عليه السلام بأنه تبرأ من دين الآباء بالحجة والدليل، فقال:
{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي، فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} أي واذكر أيها الرّسول لقومك قريش المعتمدين على تقليد الآباء والأجداد في عبادة الأصنام: حين تبرأ إبراهيم عليه السلام مما يعبد أبوه آزر، وقومه من الأصنام، إلا من عبادة خالقه وخالق الناس جميعا، والذي قال بأنه سيرشدني لدينه، كما أرشدني في الماضي، ويثبتني على الحق. وقوله: {إِلاَّ الَّذِي
فَطَرَنِي} إما استثناء متّصل، لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم، وإما منقطع، أي لكن الذي فطرني فهو يهديني، قال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه أن الهداية من ربّه.
{وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى منهم، فلا يزال فيهم-ولله الحمد-من يوحّد الله سبحانه، رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم كأهل مكة، فإنهم إذا ذكروه، تبعوه في ملّته الحنيفية، وتأثّروا بأبوته إن كانوا يدعون تقليد الآباء. قال قتادة:«لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة» .
ثمّ ندّد الله تعالى بموقف أهل مكة ووبّخهم على اغترارهم بالنّعمة وطول العمر واستمرار السّلطة والنّفوذ، فقال:
{بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} أي بل متّعت هؤلاء المشركين من أهل مكة وآبائهم من ذريّة إبراهيم بطول العمر والسّعة في الرّزق، وأنعمت عليهم في كفرهم، فاغتروا بالمهلة، وأكبّوا على الشّهوات وطاعة الشّيطان، وشغلوا بالتّنعم عن كلمة التّوحيد، إلى أن جاءهم الحق وهو القرآن العظيم، والرّسول المبين الذي أوضح مبدأ التّوحيد بالبراهين الساطعة، وشرع الله وأحكامه القاطعة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وزاد في توبيخهم بإعراضهم عن رسالة الحقّ -رسالة محمد صلى الله عليه وسلم-فقال:
{وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ، قالُوا: هذا سِحْرٌ، وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ} أي حينما جاءهم القرآن والرّسول المؤيّد بالمعجزات دليلا على صدقه، وصفوا ما جاء به بأنه سحر وأباطيل، وليس بوحي من عند الله، وقالوا: إنّا بما أرسل به جاحدون مكابرة
وعنادا وحسدا وبغيا، فضمّوا إلى شركهم وضلالهم تكذيب الحق ورفضه، والاستهزاء به، والتّصريح بالكفر برسالته وإنكار نبوته.
ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من الكفر وهو النّوع الرّابع من كفرياتهم المذكورة في هذه السورة
(1)
، فقال:
{وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أي وقال كفار قريش وأمثالهم: هلا أنزل القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو الطائف، وهما الوليد بن المغيرة ومسعود بن عروة الثقفي، فكل منهما عظيم المال والجاه، وسيد في قومه. المعنى: أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل عظيم من عظماء القريتين. وهذا اعتراض منهم على الله الذي أنزل القرآن على رسوله.
فأبطل الله تعالى هذه الشّبهة من ثلاثة وجوه:
الأول- {أَهُمْ 2 يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ؟ {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا} أي إن هؤلاء المشركين تجاوزوا حدودهم وأقدارهم، فأرادوا أن يجعلوا ما لله لأنفسهم، وليس الأمر مردودا إليهم، بل إلى الله عز وجل، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا وأشرفهم وأطهرهم أصلا. أيجوز لهم أن يقسموا رحمة ربّك وهي النّبوة، فيختاروا لها من يريدون؟ نحن الذين نقسم الأرزاق والحظوظ بين العباد، ونفضل بعضهم على بعض درجات في القوة والضعف، والعلم والجهل، والشهرة والخمول، والغنى والفقر، لأنا لو سوّينا بينهم في هذه الأحوال لم يتعاونوا فيما بينهم، ولم يتمكنوا
(1)
الثلاثة المتقدمة: هي جعلهم الملائكة بنات الله، وجعل الملائكة إناثا، وقولهم: لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ.
(2)
الاستفهام هنا للإنكار والتّعجب.
من استخدام بعضهم بعضا، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض، وإلا فسد نظام العالم. وليس المعنى في الاستخدام أو الاستئجار أو الاستعمال على عمل شيء من الذّلّ والمهانة، لأن حقوق العامل مصونة في الإسلام، وعلى صاحب العمل واجبات خلقية ومادية كثيرة توجب عليه التّرفع عن الغبن والظلم والأذى والإساءة، فإن عجزوا عن تغيير نظام الدنيا، فكيف يعترضون على حكمنا بتخصيص النبوة والرّسالة في بعض العباد؟! والمعنى: إنكار أن الرّزق منهم، فكيف تكون النّبوة منهم؟! الوجه تكون النّبوة منهم؟! الوجه الثاني- {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ} أي إن ما أعدّه الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة خير مما يجمعون من الأموال وسائر متاع الدنيا، وإذا خصّ الله بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدّين، فهذه الرّحمة خير من أموال الدنيا كلها، لأن عرض الدنيا زائل، ورحمة الله وفضله باق دائم.
ثم أبان الله تعالى حقارة الدنيا، فقال:
الوجه الثالث- {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ، وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ، وَزُخْرُفاً} أي ولولا الخوف وكراهة أن يكون الناس كلهم على ملّة الكفر، ميلا إلى الدنيا وزخرفها، فلا يبقى في الأرض مؤمن، لأعطينا الكفار ثروات طائلة، وجعلنا سقف بيوتهم، وسلالمهم ومصاعدهم التي يرتقون ويصعدون عليها، وأبواب البيوت والسّرر التي يتكئون عليها من فضة خالصة، وذهب وزينة ونقوش فائقة، لهوان الدنيا عند الله تعالى.
{وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أي ليس كل ذلك إلاّ شيئا يتمتع به تمتعا قليلا في الدنيا، لأنها زائلة قصيرة الأجل، والآخرة بما فيها من أنواع النّعيم والجنان هي لمن اتّقى الشّرك والمعاصي، وآمن