الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب النزول:
نزول الآية (67):
{الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ.} .: حكى النقّاش أن هذه الآية نزلت في أميّة بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط، كانا خليلين، وكان عقبة يجالس النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا، ولم تتفل في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله، فقتله يوم بدر صبرا
(1)
، وقتل أمية في المعركة، وفيهم نزلت هذه الآية.
المناسبة:
بعد التهديد بمجيء القيامة بغتة، ذكر الله تعالى عقيبه بعض أحوال القيامة، ووصف هنا ألوان نعيم أهل الجنة، ثم أتبعه ببيان أوصاف عذاب أهل النار، فذكر هنا تعادي الأخلاء إلا المتقين، واطمئنان المؤمنين في نعيم الجنة في سرور دائم وتمتعهم بأصناف الترف جزاء عملهم الصالح في الدنيا.
التفسير والبيان:
{الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} أي الأصدقاء في الدنيا المتحابون فيها يعادي بعضهم بعضا يوم القيامة إلا المتقين فإن صداقاتهم تستمر في الآخرة، والمعنى: أن كل صداقة وصحابة لغير الله تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ} [البقرة 254/ 2] وكما قال إبراهيم عليه السلام لقومه:
(1)
الصبر: نصب الإنسان للقتل.
ثم وصف الله تعالى أنواع نعيم المتقين، فقال:
{يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} أي يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله: لا تخافوا من العقاب في الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم الدنيا، فإن نعيم الآخرة هو الباقي، والدنيا فانية.
روى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال:
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن رجلين تحابا في الله، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع الله تعالى يوم القيامة بينهما، يقول: هذا الذي أحببته فيّ» .
وبعد أن نفى تعالى عنهم المخاوف والأحزان، خصص ذلك بالمؤمنين المسلمين بقوله:
{الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ} أي إن القول المتقدم ليس لجميع الناس، بل للمؤمنين بالقرآن، المنقادين لأحكام الله، المخلصين له العبادة والطاعة، أي آمنت قلوبهم، وانقادت جوارحهم لشرع الله، قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة، فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع، فينادي مناد:{يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} فيرجوها الناس كلهم، فيتبعها:{الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ} فييأس الناس منها غير المؤمنين.
ثم بشرهم صراحة بالجنة قائلا:
{اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ} أي يقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم ونساؤكم المؤمنات تكرمون وتنعمون وتسعدون غاية الإكرام والسعادة.
وألوان النعيم هي:
{يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ} أي لكم في الجنة أنواع مختلفة من المطاعم والمشارب، يقدم فيها الطعام والشراب بآنية الذهب، والكوب: كوز لا عروة له. ولكم فيها من ألوان الأطعمة والأشربة وغيرها من الألبسة والمسموعات كل ما تطلبه النفوس وتهواه كائنا ما كان، وكل ما يمتع الأعين من المستلذات والمشاهد والمناظر الخلابة، وأسماها النظر إلى وجه الله الكريم من غير حصر ولا كيف، وأنتم فيها ماكثون على الدوام، لا تموتون ولا تخرجون منها، ولا تبغون عنها تحولا.
وسبب هذا الجزاء عملهم الصالح، فقال تعالى:
{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي إن تلك الجنة بما فيها من ألوان النعيم صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث، بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة.
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرة، فيكون له، فيقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فيكون له شكرا» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، وذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}» . وبعد ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لإتمام النعمة، فقال تعالى:
{لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْها تَأْكُلُونَ} أي لكم في الجنة غير الطعام