الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيئا إلا فعله، والعبرة بعموم لفظ الآية، لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله.
وقد أضله الله وخذله مع علمه بالحق، ومعرفته الهدى من الضلال، وقيام الحجة عليه، وطبع على سمعه، حتى لا يسمع الوعظ، وعلى قلبه، حتى لا يفقه الهدى، وجعل غطاء على بصره وبصيرته، حتى لا يبصر الرشد ويدرك آيات الله في الكون التي تدل على وحدانية الله تعالى.
فمن يوفقه للصواب والحق من بعد إضلال الله له بسبب انحرافه واتباعه هواه، أفلا تتذكرون تذكر اعتبار، وتتعظون حتى تعلموا حقيقة الحال؟! ونظير مطلع الآية قوله تعالى:{وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى} [النازعات 40/ 79 - 41].
ونظير وسط الآية قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} [البقرة 6/ 2 - 7].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
كما أن هناك فرقا في الولاية بين المتقين والظالمين، هناك فرق آخر بين المحسنين والمسيئين في الجزاء في الدنيا والآخرة، فالله ولي المتقين وناصرهم في الدنيا والآخرة، والظالمون الكافرون يوالي بعضهم بعضا في الدنيا، وتنقطع ولاياتهم في الآخرة، والمحسنون المؤمنون سعداء الدنيا والآخرة، والمسيؤون الكفار أشقياء في الآخرة، وإن تساووا في الدنيا مع المؤمنين في الصحة والرزق والكفاية، أو كانوا أحسن حالا من المؤمنين فيها.
2 -
لا بد من التفاوت في الجزاء والدرجات والدركات بين المحسنين والمسيئين، عدلا من الله، لأنه بالعدل قامت السموات والأرض، ولكي تجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا، وهم لا يظلمون فيها بنقص ثواب أو زيادة عقاب.
3 -
إن اتباع أهواء النفس مذموم دائما، قال ابن عباس رضي الله عنهما:
ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه، قال الله تعالى:{وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف 176/ 7] وقال تعالى: {وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف 28/ 18] وقال تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ} [الروم 29/ 30] وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ} [القصص 50/ 28] وقال: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [ص 26/ 38].
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره النووي في كتاب الحجة للمقدسي عن عبد الله بن عمرو: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»
وقال أبو أمامة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى» .
وقال شدّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن شداد بن أوس: «الكيّس: من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر: من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله»
وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني: «إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»
وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، وهو ضعيف: «ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فالمهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر:
والعدل في الرضا والغضب».
4 -
لا يضلّ الله قوما إلا بعد أن هداهم وبعد أن أعلمهم وعلمهم، ولا يمنع عنهم فضله ورحمته إلا بسبب جحودهم وظلمهم وكفرهم، ولا يحجب عنهم منافذ الهداية من الاستبصار بنور البصيرة والقلب، والنظر في أسباب الرشد، وسماع المواعظ ليفقه الهدى إلا بعد إعراضهم وعنادهم وغيهم.
قال المفسرون: هذه الآية رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه من الاعتقاد وفعل الخير وارتكاب الشر، لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره، أي فالله هو الخالق لأفعال الإنسان، وليس العبد خالقا لها، وإنما هو كاسب وآخذ ومختار أيّ الطريقين من الخير أو الشر.
5 -
إن أسباب ضلال المضلين إما اتباع الإنسان ما تدعو إليه نفسه الأمّارة بالسوء: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ} وإما تجاهل الحقائق بعد العلم بوجوه الهداية: {وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ} وإما العناد: {فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ} وإما إنكار البعث باعتقاد ألا حياة إلا هذه: {نَمُوتُ وَنَحْيا} [24] وإنكار المبدأ قائلين: {وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ} [24].
وقد أجاب الله على شبهتهم بقوله فيما يأتي من الآيات: {وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي ليس لهم على ما قالوه دليل، وإنما ذكروا ذلك ظنا وتخمينا واستبعادا، فلا ينبغي لعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك، وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مرارا، وليس قولهم:{اِئْتُوا بِآبائِنا} [24] من الحجة في شيء، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال، فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال
(1)
.
(1)
غرائب القرآن: 78/ 25 - 79