الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات اللغوية:
{حم} هذه الحروف للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى أهمية ما يتلى بعدها {تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ} أي تنزيل القرآن من الله تعالى {الْعَزِيزِ} القوي الغالب في ملكه {الْحَكِيمِ} في صنعه، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة للعباد.
{إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي إن في خلق السموات والأرض، بدليل قوله {وَفِي خَلْقِكُمْ} {لَآياتٍ} لدلائل دالة على قدرة الله ووحدانيته تعالى {لِلْمُؤْمِنِينَ} لأنهم الذين ينتفعون بهذه الدلائل {وَفِي خَلْقِكُمْ} أي في خلق كل واحد منكم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن يصبح إنسانا {وَما يَبُثُّ} أي وخلق ما ينشر ويفرق في الأرض {مِنْ دابَّةٍ} هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم {يُوقِنُونَ} يصدقون عن يقين وإذعان بقدرة الله على البعث وغيره.
{وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} أي وفي تعاقبهما {مِنْ رِزْقٍ} مطر يكون سبب الرزق {تَصْرِيفِ الرِّياحِ} تقليبها وتحويلها جنوبا وشمالا، حارة وباردة {يَعْقِلُونَ} يفكرون ويتدبرون الدليل، فيؤمنون {تِلْكَ} الآيات المذكورة {آياتُ اللهِ} حججه ودلائله الدالة على وحدانيته {نَتْلُوها} نقصها {بِالْحَقِّ} أي متلازمة ملتبسة بالحق الواضح الذي لا غموض فيه ولا التباس {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ} أي بعد حديث الله وهو القرآن، وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم، كقول الله:{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر 23/ 39]{وَآياتِهِ} حججه {يُؤْمِنُونَ} يصدقون، وهم كفار مكة، وقرئ «تؤمنون» .
قال الصاوي على الجلالين: ذكر الله سبحانه وتعالى من الدلائل ستة في ثلاث آيات، ختم الأولى ب {لِلْمُؤْمِنِينَ} والثانية ب {يُوقِنُونَ} والثالثة ب {يَعْقِلُونَ} ووجه التغاير بينها في التعبير: أن الإنسان إذا تأمل في السموات والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد إيمانا فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث كمل عقله واستحكم علمه. وهذا مأخوذ من كلام الزمخشري
(1)
.
وقال البيضاوي: لعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور.
التفسير والبيان:
{حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {حم} : تقدم شرحها
(1)
الكشاف: 112/ 3
إن هذا القرآن منزل من عند الله القوي الغالب الذي لا يقهر، الحكيم في كل شيء بتدبيره ووضعه في المكان المناسب له، وتحقيقه المصلحة لعباده. ويقتضي إثبات هاتين الصفتين لله عز وجل: كونه قادرا على جميع الممكنات، عالما بجميع المعلومات، غنيا عن كل الحاجات، فلا يصدر منه العبث والباطل.
ثم ذكر الله تعالى ما تقتضيه العزة والحكمة، فقال:
{إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي إن في خلق السموات وخلق الأرض لدلائل قاطعة على وجوده ووحدانيته وقدرته العظيمة، وهذا دليل من الكون، ثم ذكر تعالى دليلا من الأنفس، فقال:
{وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي وإن في خلقكم دون وجود سابق، ومروركم في أطوار مختلفة من الخلق، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، إلى أن يصير الواحد منكم إنسانا كامل الذات والصفات البشرية، وفي خلق ما يفرق وينشر من دابة في نواحي الأرض المختلفة، وأقاليمها المتفاوتة حرارة وبرودة واعتدالا، وأراضيها الرطبة والجافة، وأنواع حيواناتها الإنسية والوحشية، البرية والبحرية والجوية، آيات ودلائل أخرى شديدة الوضوح، تدل على قدرة الصانع العظيم وحكمته، التي يعتبر بها أهل اليقين، الذين آمنوا ثم قبلوا الحق، ثم ازدادوا إيمانا وأذعنوا ورسخ الإيمان في قلوبهم كالجبال الثوابت، فأيقنوا يقينا تاما لا يخالطه أي شك.
{وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ، آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي وإن في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وتفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، وفيما أنزل الله من السحاب من مطر يكون سببا لرزق العباد وإحياء الأرض بإخراج النبات، وفي تقليب الرياح وتغييرها من
جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، مرة من الجنوب ومرة من الشمال، وتارة تكون حارّة، وتارة تكون باردة، وأحيانا نافعة، وأحيانا ضارة، كل ذلك أيضا لأدلة عظيمة وحجج باهرة دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته، التي ينتفع بها عادة أهل العقول الراجحة، المتأملون بها، الفاهمون لحقائقها، ولا ينتفع بها أهل الجهل والعناد.
وهكذا يترقى المتأملون في تلك الآيات من إثبات أصل الإيمان في قلوبهم، إلى اليقين، إلى اكتمال العقل والنظر، وهو ترقّ من حال إلى ما هو أعلى منها، وهذه سمة المؤمنين الكمّل الذين استخدموا طاقاتهم الفكرية والنظرية للوصول إلى أسمى الغايات وأمثل الحالات.
وهذه الآيات شبيهة بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ، وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة 164/ 2].
ثم أوجز الله تعالى العبرة من تلك الآيات بقوله:
{تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ} أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه وبيناته نتلوها عليك أيها النبي متضمنة الحق المبين، ونحن محقون صادقون فيما ننزله عليك من القرآن المتلو، ليستفيد منها البشر قاطبة، فإذا كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينقادون لها، فبأي حديث أو كلام بعد حديث الله وكلامه وآياته وهو القرآن يؤمنون ويصدقون؟! وعبّر ب {تِلْكَ} إشارة إلى علو مرتبة الآيات.
والخلاصة: من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث بعده.