الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنهم يبغون ويقدمون على المعاصي. ولو احتاجوا أمدهم بالرزق، لأنه المتولي أمورهم بإحسانه، المستحق الحمد على نعمه.
ثم أقام الله تعالى الأدلة على ألوهيته بخلق السموات والأرض وما فيهما، ثم جمعهم للحساب في الآخرة. ثم أوضح أن المصائب والأحوال المكروهة كالآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق والفقر ونحوها تكون عقوبات على الذنوب لمن يرتكبها، أو من باب الامتحان في التكليف، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء.
ثم ذكر تعالى دليلا آخر على ألوهيته وهو إجراء السفن العظيمة على وجه البحر، وتأثير الرياح فيها إما بالتسيير وإما بالإغراق.
والخلاصة: بعد أن ذكر الله تعالى أنواعا من دلائل وحدانيته، ذكر بعدها العالم الأكبر وهو السموات والأرض، ثم العالم الأصغر، وهو الحيوان، ثم أتبعه بذكر المعاد وذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة.
التفسير والبيان:
{وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} أي لو وسع الله على عباده رزقهم، وأعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وعصوا في الأرض، وبطروا النعمة، وتكبروا، وطلبوا ما ليس لهم طلبه مثل قارون وفرعون، ولكنه تعالى ينزل من الرزق لعباده بتقدير معين، على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة، ويختار لهم مما فيه صلاحهم، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، إنه بعباده خبير بأحوالهم، بصير بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه، كما
جاء في الحديث القدسي عن انس: «إن من
عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه».
قال قتادة: كان يقال: خير العيش ما لا يهليك ولا يطغيك.
ثم ذكر الله تعالى أنه لو احتاج الناس إلى الخير أمدهم به، فقال:
{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} أي وهو سبحانه الذي ينزل المطر من بعد إياس الناس في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، والمطر أنفع أنواع الرزق، وأكثرها فائدة ونفعا، ويعم الوجود كله برحمته، ويفيض على أهل ذلك القطر أو الناحية فيضه، وهو المتولي لأمور عباده بالإحسان إليهم، وجلب النفع لهم، ودفع الشر عنهم، وهو المستحق للحمد منهم على إنعامه.
ونظير الآية في إنزال المطر بعد اليأس قوله تعالى: {وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم 49/ 30].
قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر: مطرتم، ثم قرأ الآية:
ثم ذكر تعالى الأدلة على ألوهيته، فقال:
{وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ} أي ومن دلائل عظمته وقدرته وسلطانه: خلق السموات والأرض على هذا النحو البديع، وخلق ما نشر وفرق فيهما، أي في السموات والأرض مما يدب ويتحرك، وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم
وطباعهم. وربما يكون في الكواكب الأخرى أحياء، فتدل الآية عليهم.
وقيل: أراد ما بث في الأرض دون السماء، لأن المراد من {فِيهِما} في أحدهما، كما جاء في آية أخرى:{خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ} [لقمان 10/ 31].
{وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ} وهو على جمع سائر الخلائق من السموات والأرض في صعيد واحد، وحشرهم يوم القيامة، إذا أراد، قادر كل القدرة، ثم يحكم بينهم بحكمه العدل الحق.
والمقصود بالآية أنه تعالى خلق الكائنات الحية متفرقة، لا لعجز، ولكن لمصلحة، فلهذا قال:{وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ 1 قَدِيرٌ} يعني الجمع للحشر والمحاسبة، وإنما قال:{عَلى جَمْعِهِمْ} ولم يقل: على جمعها، لأن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير.
ثم ذكر تعالى أسباب الذنوب والآثام، فقال:
{وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} أي ما أصابكم أيها الناس من المصائب (وهي الأحوال المكروهة) كالآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق والزلازل ونحوها، فإنما هي بسبب سيئات اقترفتموها، ومعاص اقتحمتموها، فهي عقوبات الذنوب وكفاراتها، ويعفو الله عن كثير من معاصي العباد، فلا يعاقب عليها، وقد يكون المصاب لغير ذنب، وإنما لزيادة الأجر ورفع الدرجة.
ونظير مقدمة الآية قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء 160/ 4]
(1)
إذا كما بينا تدخل على المضارع، كما تدخل على الماضي، قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل 1/ 92] ومنه إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ.
وقوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} [النساء 123/ 4]. ونظير آخر الآية: {وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر 45/ 35]. و
ورد في الحديث الصحيح عن الشيخين والموطأ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: «والذي نفسي بيده، ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن إلا كفّر الله عنه بها من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها»
وأخرج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها، ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفّرها» .
ولما نزلت هذه الآية،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .
وفي حديث آخر: «ما ينزل العقاب إلا بذنب، ولا يرتفع إلا بتوبة» .
وروى الواحدي في البسيط: «ما عفا الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة، وما عاقب عليه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة» .
{وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} أي ما أنتم أيها المذنبون الكافرون بمعجزين الله حيثما كنتم، ولا بفائتين عليه هربا في الأرض، بل ما قضاه عليهم من المصائب، واقع عليهم، نازل بهم، وليس لكم من غير الله ولي يتولى أموركم، فيمنع عنكم ما قضاه الله، ولا نصير ينصركم من عذاب الله.
ثم ذكر الله تعالى آيات أخرى دالة على قدرته وعظمته، فقال:
{وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} أي ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه إجراء السفن السائرة في البحر كالجبال.
{إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ} أي إن يرد الله
إيقاف السفن التي تجري، يجعل الرياح ساكنة، فتصبح السفن ثوابت سواكن على ظهر البحر، واقفة على وجه الماء لا تتحرك.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ} أي إن في أمر السفن المذكور وجريها في البحر لدلالة عظيمة على قدرته تعالى، لكثير الصبر على الشدائد والبلايا وعلى طاعة الله، كثير الشكر على النعماء. وهذه جملة معترضة.
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا، وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} أي وإن يشأ يهلكهنّ بالغرق بما كسبوا من الذنوب، ويعف عن كثير من ذنوبهم، أو عن كثير منهم، فينجيهم من الغرق، ولو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك كل من ركب البحر.
{وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} أي لينتقم منهم ويعلم حينئذ الذين ينازعون في آيات الله مكذبين بها أنه لا مفر ولا مهرب ولا ملجأ من عذاب الله، فإنهم مقهورون بقدرة الله وسلطانه.
وبعد بيان أدلة التوحيد حذر الله تعالى من الاغترار بالدنيا، فقال:
{فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا} أي إن كل ما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق والجاه والسلطان، فإنما هو متاع قليل في الدنيا يتمتع به في زمن قصير، ثم سرعان ما ينقضي ويذهب، لأن الدنيا فانية زائلة لا محالة، ويلاحظ أن الذي يمنع من قبول دلائل التوحيد إنما هو الرغبة في الدنيا ومطامعها بسبب الرياسة وطلب الجاه، لذا حذر تعالى من الاغترار بالدنيا، ورغّب في الآخرة، فقال:
{وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي وما عند الله من ثواب الطاعات وجزاء الجنات خير من متاع الدنيا، وأبقى وأدوم، لأنه لا ينقطع، ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، فلا تقدموا الفاني على الباقي. وهو خير