الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النداء الرابع والعشرون: في وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ عظيم
الآية (94) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما قد سبق أن علمته، وهو أن الله تعالى لا ينادى عباده المؤمنين إلا ليأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم وينهاهم عما فيه شقاؤهم وخسرانهم، وذلك لولايتهم له حيث آمنوا به وبلقائه، وبكل ما أمرهم أن يؤمنوا به واتقوه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذ بذلك تطهر أرواحهم وتزكو نفوسهم، والله يحب التوابين إليه والمتطهرين من أجله.
ولك أن تعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن ما شرعه الله تعالى من عباداته؛ إنما شرعه لتزكية نفوس عباده وتطهيرها ليقبلها ويرضى عنها وأن ما حرمه على عباده ونهاهم عنه سواء كان اعتقادا أو قولا أو عملا إنما حرمه عليهم ونهاهم عنه من أجل أن لا تخبث أرواحهم وتتدسى نفوسهم فيكرهها ويبغضها، ولا يأذن له بدخول الجنة حتى لا تنعم برضاه والنظر إلى وجهه الكريم فيها. واقرأ لهذه الحقيقة قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} . وقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} فالأبرار وهم المطيعون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم في نعيم الجنة، وذلك لبرورهم، إذ البرور هو الطاعة. والفجار في جحيم
النار لفجورهم وهو معصية الله ورسوله المنتجة لخبث النفس، وتدسيتها وعفنها، الأمر الذي يسخط الله تعالى عليها ومن سخط الله عليه حرم عليه دخول الجنة دار الأبرار وأدخل النار دار العذاب والبوار، أعاذنا الله تعالى منها.
إذا عرفت هذا سهل عليك أن تفهم قوله تعالى في هذا النداء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي غزاة ماشين لطلب العدو الكافر المحارب {فَتَبَيَّنُوا} أي تثبتوا ولا تتعجلوا {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ} أي سلم عليكم أو أسلم بأن نطق بالشهادتين {لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وتقتلوه رغبة في المال الذي عنده من غنم يسوقها أو غيرها من أنواع المال، فلا تفعلوا مرة أخرى مثل هذا، وإن كانت لكم رغبة في الغنيمة {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} لا غنيمة واحدة فاطلبوها برضاه لا بسخطه واذكروا حالكم قبل إسلامكم فإنكم كنتم مثل هذا الذي قتلتموه، لا تملكون إلا النطق بالشهادتين {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي بنعمة الهداية إلى الإسلام ومعرفة قواعده وشرائعه. إذا {فَتَبَيَّنُوا} إن حصل لكم مثل هذا الموقف وراقبوا الله تعالى في أقوالكم وأعمالكم فلا تخرجوا عن طاعته عز وجل بحال من الأحوال {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}
هذا واذكر أيها القارئ أن هذه الآية نزلت في حادثة معينة، وإليك قصتها كما هي فانظرها واعتبر بها كما أعتبر بها الأولون، فتثبت في كل خبر تسمعه، وفى كل عمل تشاهده فلا تسارع في الحكم على الأشياء بدون ترو ولا بصيره، فإنك تسلم من الأخطاء الضارة والمهلكة. روى البخاري مختصرا، وروى البزار مطولا عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: " بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقى رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. وأهوى إليه المقداد فقتل، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلما قدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد. فدعوه فجاء فقال له: يا مقداد أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله فكيف لك بلا إله إلا الله غدا فقال: فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} إلى أخر الآية، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم للمقداد: كان رجلا مؤمنا يخفى إيمانه مع قوم كفار فأظهر
إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفى إيمانك بمكة قبل".
وأخيرا إن هداية هذه الآية عظيمة؛ حيث أوجبت على كل مؤمن التثبت والتبين في كل قول يقوله أو يسمعه، وفى كل عمل يقوم به، أو يراه ويشاهده حتى لا يقول غير الحق، ولا يخبر بغير الحق ولا يعمل غير ما هو صالح ولا يشهد بغير ما هو متأكد بصحة ما رآه وعلمه مخافة أن يرتكب خطأ يهوى به في النار، أو يقع به عن مواكب الصالحين، ولاسيما فيما فيه هدر دم وإزهاق روح، أو إشاعة فاحشة فالتثبت التثبيت أيها المؤمن، والله يحفظ من يحفظه، وينصر من ينصره.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.