الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النداء التاسع والسبعون: في حرمة اتخاذ الكفرة أحباء يودون وأولياء ينصرون. وإن من يفعل ذلك فقد ضل طريق السعادة والكمال
الآية (1، 2) من سورة الممتحنة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذه السورة المدنية قد نزلت لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإليك ما رواه مسلم في سبب نزولها عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: " ائتوا روضة خاخ – موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا – فإن بها ظعبنه – امرأة مسافرة – معها كتاب فخذوه منها " فانطلقنا نهادى خيلنا أي نسرعها فإذا نحن بامرأة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب. فقلنا اتخرجى الكتاب، أو لتلقين الثياب (أي من عليك) فأخرجته من عقاصها (أي من ضفائر شعر رأسها) فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به من حاطب بن أبى بلتعة
إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله " يا حاطب ما هذا "؟ فقال: لا تعجل على يا رسول الله إني كنت امرءا ملصقا في قريش؟ أي كان حليفا لقريش، ولم يكن قرشيا، وكان من معط من المهاجرين لهم فرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم؟ أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن دينى، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وأن الله ناصرك عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدقت " فقال عمر رضى الله عنه يا رسول أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فأنزل الله عز وجل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي من صدقتم الله ورسوله {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُ} أي من الكفار والمشركينْ {أَوْلِيَاء} أي أنصارا {َ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّة} أي تصرفون إليهم مودتكم بدون تأمل في آثارها الضارة. والحال أنهم {ِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ} الذي هو دين الإسلام بعقائده وشرائعه، وكتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم، {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُم} أي من دياركم بالمضايقة لكم حتى هاجرتم فارين بدينكم {ْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُم} أي من أجل أن آمنتم بربكم. أمثال هؤلاء الكفرة الظلمة تتخذونهم أولياء تلقون إليهم بالمودة إنه لخطأ جسيم.
وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} أي إن كنتم خرجتم من دياركم مجاهدين في سبيلي أي لنصرة ديني ورسولي وأوليائي المؤمنين، وطلبا لرضاي فلا تتخذوا الكافرين أولياء من دوني تلقون إليهم بالمودة. وقوله تعالى:{تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} أي تخفون المودة إليهم بنقل أخبار الرسول السرية والحال أنى {أَعْلَمُ} أي منكم ومن غيركم {بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُم} وها أنذا قد اطلعت رسولي على رسالتكم المرفوعة إلى مشركي مكة والتي تتضمن فضح سر رسولي في عزمه على غزوهم مفاجأة لهم حتى يتمكن من فتح مكة بدون كثير إراقة دم وإزهاق أرواح، وقوله تعالى {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُم} أي الولاء والمودة للمشركين {ْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ
السَّبِيلِ} أي اخطأ وسط الطريق المأمون من الانحراف يعنى جانب الإسلام الصحيح المضى بالسالكين له السائرين فيه إلى سعادة الدنيا والآخرة معا.
وقوله تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} يريد تعالى أنهم أعداؤكم حقا عن يثقفوكم أي يظفروا بكم متمكنين منكم يكونوا لكم أعداء ولا يبالون بمودتهم إياهم، ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالسب والشتم. وتمنوا كفركم لتعودوا إلى الشرك والكفر مثلهم.
هذا وإليك خلاصة ما دعا إليه هذا النداء الإلهي لتزداد معرفة وقوة على الطاعة والامتثال.
1-
حرمة موالاة الكافرين بنصرتهم وتأييدهم وموالاتهم دون المسلمين.
2-
عظم جرم الذي ينقل أسرار المسلمين الحربية إلى أعدائهم الكافرين من يهود أو نصارى وغيرهم، وأنه على خطر عظيم وإن صلى وصام.
3-
بيان أن الكافرين لا يرحمون المؤمنين متى تمكنوا نهم؛ لأن قلوبهم عمياء لا يعرفون معروفا ولا منكرا، وذلك لظلمة الكفر في نفوسهم بعدم مراقبة الله تعالى؛ لأنهم لا يعرفون ولا يؤمنون بما عنده من نعيم لأوليائه، ولا بما لديه من نكال وعذاب لأعدائه.
4-
بيان فضل أهل بدر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
5-
مشروعية قبول الصادقين الصالحين إذا عثر أحدهم اجتهادا منه فأخطأ.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين