الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النداء السابع والسبعون: في بيان حكم مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديم صدقة قبلها ونسخ ذلك تخفيفا، ووجوب إقام الصلاة إيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليم وسلم
الآيتان (12، 13) من سورة المجادلة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي كان يحمل حكما شرعيا، وهو أن من أراد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلو بالرسول صلى الله عليه وسلم ليناجيه سرا دون غيره، وجب عليه أن يتصدق بصدقة على فقير ثم يتفضل فيناجى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها، إلا أنهم لظروف الحرب والاحتياج الشديد ما أقدموا على هذا المطلوب. كما شعروا أن هذا كان من باب تأديبهم وتربيتهم، إذ رغبة كل واحد في مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيقها أمر صعب واصعب منه ما يعانيه الرسول صلى الله عليه وسلم، من تعب ومضايقة، فلما كفوا عن طلب الخلوة بالرسول صلى الله عليه وسلم، نسخ الله هذا الحكم وأذن لهم في المناجاة عند الحاجة إليها، وبدون تقديم صدقة بين يدي المناجاة. ولم يثبت أن أحدا من الصحابة قدم صدقة، ثم ناجى إلا على رضى الله عنه، إذ قال عنه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: لقد كان لعلى رضى الله عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلى من حمر النعم:
تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.
وإليك شرح الآيتين اللتين حواهما هذا النداء الرحيم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي يا من آمنتم بالله ربا والإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} أي إذا أردتم مناجاته {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} أمرهم تعالى إذا أراد أحدهم أن يناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكلمه وحده أن يقدم صدقة أولا، ثم يطلب المناجاة. وكان هذا الأمر لصالح الفقراء أولا ثم للتخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كل مؤمن يود أن يخلو برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرب منه ويكلمه. والرسول بشر لا يتسع لكل أحد فشرع الله تعالى هذه الصدقة وكان أكثرهم فقراء لا يجدون ما يتصدقون به. نسخ الله تعالى ذلك، ولم تدم مدة الوجوب أكثر من ليالى ونسخها تعالى.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لكم حيث تعود الصدقة على الفقراء إخوانكم، وأطهر لنفوسكم، لأن النفس تزكو وتطهر بالعمل الصالح، وقوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} أي ما تقدمونه صدقة قبل المناجاة فناجوه صلى الله عليه وسلم، ولا حرج عليكم، وذلك لعدم وجود ما تتصدقون به، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لكم {رَحِيمٌ} بكم.
وقوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ} أي خفتم الفاقة والفقر على أنفسكم إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة، وعليه {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} برفع هذا الواجب ونسخه، والرجوع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} أي بأدائها مستوفاة الشروط، والأركان، والسنن والواجبات، وفى بيوت الله مع جماعة المسلمين، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} الواجبة في أموالكم، وما فيه زكاة أنفسكم وطهارتها من سائر العبادات المزكية للنفس المطهرة للروح. هذا أولا.
وثانيا: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهى ما دام الأمر للوجوب والنهى للتحريم. فيكفيكم أداء هذه الواجبات عن الصدقة بين يدي المناجاة التي نسخها الله تعالى تخفيفا عليكم أيها المؤمنون ورحمة بكم لأنكم أولياؤه وهو وليكم ومولاكم، وقوله:{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} وعليه فراقبوه فلا تفرطوا في طاعته وطاعة
رسوله فإنكم تفلحون بالفوز بالجنة والنجاة من النار.
هذا وإليك أيها القارئ فائدة علمية وهى أن تعلم النسخ ثابت في الكتاب والسنة أما الكتاب فقد قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} 1 وأما السنة فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها لأنها تذكركم الآخرة ".
ومن هنا كان الواجب على العالم المذكر أن يعرف الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة. وهذا على رضى الله عنه قد أرسل إلى رجل كان يخوف الناس في المسجد فجاءه فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا. قال فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وروى عن ابن عباس مثله وقال للمذكر هلكت وأهلكت.
فلنذكر هذا ولنحمد الله ونصلى ونسلم على رسوله وآله وصحابته أجمعين.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
1 سورة البقرة: 106.