الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النداء الثامن والأربعون: في الترغيب في تقوى الله عز وجل وبيان ثمارها العاجلة والآجلة
الآية (29) من سورة الأنفال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الشرح:
اعلم أيها لقارئ والمستمع أن هذا النداء الإلهي الكريم يحمل عطاء إلهيا ما فوقه عطاء وأن المحروم من حرمه، إنه وعد رباني والله لا يخلف الميعاد. وعد لمن اتقاه تقوى حقيقية وهى امتثال أوامره تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم واجتناب نواهيهما، وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن القلب بالنية الصادقة الخالصة، وشغل الجوارح بالأعمال الصالحة والتحفظ من شوائب الشرك الخفي والجلى معا صاحب هذه التقوى هو الذي يجنى ثمارها وهى كما بلى:
1-
الحصول على الفرقان. والفرقان هو نور يملأ قلبه أثمرته له تقواه لله. فصاحب هذا النور ينجو إذا هلك الناس، وينتصر إن انهزم الناس. ويميز بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، والخير والشر، والنافع والضار، والصالح والفاسد، إذا التبس هذا على غيره من فاقدي نور الفرقان الذي أثمرته تقوى الله عز وجل، ولك أن تعرف أيها القارئ أن لفظ الفرقان مشتق من الفرق بين الأشياء، فالمتقى تصفو نفسه بفعله للطاعات المزكية للنفس وبعده عن المعاصي المخبثة للنفس. تصفو نفسه صفاء تصبح كأنها تعيش في النور يغشاها من كل جوانبها. فهذا النور يحصل لصاحبه قوة الفرقان التي يميز بها بين الملتبسان والمشتبهات حتى يصبح قل ما يخطئ في نظرية يراها أو يقولها. وهذا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يقول: " ما قال أبى في شئ أظنه
كذا إلا كان كما ظن " وسر ذلك قوة تقوى عمر رضى الله عنه وشدتها حتى استحالت روحه إلى طاقة من نور. يشهد لهذا ويقرره قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: " ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه "، وما ذلك إلا لقوة نوره الذي أثمرته له قوة تقواه لله سبحانه وتعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم فيه: " لو كان من أمتي محدثون _ أي تحدثهم الملائكة _ لكان منهم عمر " رضى الله عنه وأرضاه، ولذلك لقوة تقواه، فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع ولا ننسه.
2-
تكفير السيئات: وهى الخطايا وهو سترها وعدم المؤاخذة بها، وإبطال مفعولها في تلويث النفس وتخبيثها. والسيئات جمع سيئة وهى كل معصية لله ورسوله صلى الله عليه وسلم من شأنها أن تسئ إلى النفس البشرية بالتخبيث والتلويث بأوضار السيئة وآثارها، وهل المراد بالسيئات التي فعلها العبد قبل التقوى هذا هو الظاهر، ولكن لا مانع من أن المتقى تزل قدمه ويفعل سيئة ثم يتوب منها فتزيل التقوى التي يعيش عليها أثرها من نفسه ويصبح كأنه لم يقاربها أبدا.
3-
مغفرة الذنوب: وهى الآثام، هذه ثمرة قبل الأخيرة من ثمار تقوى الله عز وجل التي وعد أصحابها بها، وهى مغفرة ذنوبهم وعدم مؤاخذتهم بها وهذا في الدنيا والآخرة معا؛ إذ بعض الذنوب، يعجل لأصحابها عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة. وقد يعذب بها في الدنيا والآخرة، معا، والعياذ بالله.
4-
والأخيرة وهى أعظم تلك الثمار وأشهاها إنها الجنة ونعيمها. وعبر عنها بالأجر العظيم؛ لأنها بمثابة الجزاء على التقوى والجزاء والأجر بمعنى واحد يقال أثابه وأجره وجزاه بكذا على كذا، الكل بمعنى واحد، ولعل السر في عدم ذكر الجنة الاكتفاء بذكر الأجر العظيم؛ لأن الله تعالى لا يعطى العاملين أجرا يوم القيامة غير الجنة ورضاه؛ إذ لا مال يومئذ ولا دينار ولا درهم.
واخيرا أيها القارئ والمستمع لا يفوتكما ولا إياي هذه الصفقة التجارية العظيمة التي ربحها الفرقان العظيم، وتكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، والجنة والرضوان في دار السلام، ألا فلنتق الله عز وجل ولنثبت على ذلك حتى تلقى الله تعالى.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.