الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النداء التاسع والخمسون: في مشروعية استئذان الخدم والأطفال على أهل البيت ثلاثة أوقات. ووجوب استئذان الطفل إذا بلغ الحلم
الآيتان (58 _ 59) من سورة النور
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء وإن كان لنزوله سبب ككثير من الآيات والنداءات إلا أن الحكم عام يشمل كل مؤمن ومؤمنة ما بقى الإسلام والمسلمون، وذلك إلى أخر أيام هذه الحياة الدنيا، واسمع أقص عليك سبب نزول هذا النداء وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يدعوه له فوجده نائما في وقت الظهيرة فدق الباب ودخل فاستيقظ عمر فانكشف منه شئ _ أي عن عورته _. فقال عمر عندها: وددت أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا فى هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد هذه الآية نزلت فخر ساجدا شكرا لله تعالى. وليست هذه أول موافقة عمر لربه تعالى فيما ينزل
من أحكام إذ منها نزول آية الحجاب، والصلاة خلف المقام 1إلى غير هذا فقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إي يا من آمنتم بالله ولقائه وكتابه ورسوله {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} ، ومعنى هذا الأمر أن عليكم أيها المؤمنون أن تعلموا أطفالكم وخدمكم الاستئذان عليكم في ثلاث أوقات وأمروهم بذلك. والأوقات الثلاث هي التي في قوله تعالى:{ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ} وهى ساعات النوم من الليل، {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} وهى ساعات القيلولة، {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ} وهى بداية النوم في الليل.
وقوله تعالى: {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} أي هي مظنة انكشاف العورة فيها فأطلق عليها اسم العورة، والعورة هي ما يستحى من كشفه. وقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي ليس عليكم أيها الأباء والسادة، ولا عليهم يريد الأبناء الصغار والخدم جناح أي إثم وحرج وتضييق. وقوله تعالى:{طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي يدخلون ويخرجون عليكم للحاجة إليكم وللخدمة لكم فبعضكم يدخل على بعض حيث لا غنى لكم عن بعضكم بعضا فلذا رفع الله تعالى عليكم الحرج في الخول بدون استئذان في غير الأوقات الثلاثة التي لابد من الاستئذان فيها. وقوله تعالى في ختام الآية الأولى من هذا النداء: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ} أي كهذا التبيين، الذي يبين لكم فيه حكم الاستئذان، يبين الله لكم الآيات المتضمنة للشرائع والأحكام والآداب إذ هو تعالى عليم بخلقه وما يحتاجون إليه في إكمالهم وإسعادهم حكيم فيما يشرع لهم ويفرض عليهم. وهذا ما دل عليه قوله في ختام الآية {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وحقا هو عليم حكيم سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه.
أما الآية الثانية في هذا النداء وهى قوله تعالى: {َإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} أي سن الاحتلام وهى في الذكور تجاوز الخامسة عشر من العمر، أو إنبات الشعر؛ شعر العانة، أو الاحتلام بأن يفرز الغلام المنى في نومه لرؤية يراها. واما البنت فبالحيض وإنبات شعر العانة أو بلوغ الخامسة عشر من عمرها، والغالب أن البنت تبلغ سن الاحتلام في الثانية عشر فما فوق، كما أن الذكر قد يتأخر بلوغه إلى الثامنة عشرة
1 أي مقام إبراهيم بمكة.
من عمره، فإذا بلغ الأطفال سن الاحتلام وجب عليهم أن يستأذنوا عند الدخول إلى بيت غير بيتهم بأن يقول أحدهم إذا أراد الدخول على بيت أحد " السلام عليكم أأدخل" ثلاث مرات كما جاء ذلك في نداء الاستئذان قبل هذا النداء من هذه السورة (النور) لذا قال تعالى:{كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وهم الرجال مثل آبائهم وإخوانهم وأعمامهم. وقوله تعالى في ختام هذه الآية: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ} أي لهذا التبيين الذي بينه في آداب الدخول يبين لكم آياته الحاملة للشرائع والأحكام من أجل طهارتكم وأمنكم وسعادتكم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} أي بخلقه وما يصلح لهم {حَكِيمٌ} في شرعه وهذه حال توجب طاعته تعالى فيما شرع فغلا أو تركا.
وأخيرا أذكر أيها القارئ الكريم ما دل عليه هذا النداء الكريم وهو ما يلي:
1-
وجوب تعليم الآباء لأبنائهم وخدمهم الاستئذان في الأوقات الثلاثة المعبر عنها بالعورات؛ لأنها من مظنة انكشاف العورات.
2-
وجوب استئذان الأولاد إذا بلغوا الحلم. عند الدخول إلى غير بيوتهم؛ لأنهم كلفوا بالبلوغ.
3-
اذكر علامات البلوغ واحفظها وعلمها؛ إذ كثير من النساء والرجال لا يعرفون ذلك.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.