الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النداء الرابع والسبعون: في وجوب تقوى الله والإيمان برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وبيان الجزاء على ذلك
الآية 28 من سورة الحديد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي موجه إلى مؤمني أهل الكتاب من يهود ونصارى المدعين للإيمان الزاعمين أنهم مؤمنون بالله ولقائه، ناداهم بعنوان الإيمان؛ لأنهم زعموا أنهم مؤمنون وليسوا في حاجة إلى إيمان جديد يأتى من طريق محمد صلى الله عليه وسلم. فأمرهم تعالى بتقواه؛ إذ المؤمن بالله حق الإيمان يتقى الله أي يخافه ويرهبه فيطيعه في أوامره بفعلها وفى نواهيه بتركها. ثم أمرهم بالإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم. إذ هم به كافرون جاحدون غير معترفين بنبوته ورسالته العامة للناس كافة، فلذا أمرهم بالإيمان به نبيا ورسولا. ثم وعدهم إن هم آمنوا حق الإيمان فحملهم ذلك على طاعة الله ورسوله في الأمر والنهى، وعدهم بأنه يؤتيهم أي يعطيهم كفلين أي نصيبين من رحمته ومثوبته لعباده المؤمنين، وذلك أن نصيبا وحظا من أجل إيمانهم بالأنبياء السابقين كموسى وعيسى عليهما السلام وغيرهما كإبراهيم ونوح وإسحاق ويعقوب ويوسف وداود عليهم السلام. ويجعل لهم نورا يمشون به في الدنيا وهو الهداية الإسلامية إذ الإسلام صراط مستقيم سالكه لا يضل ولا يشقى. ويمشون في الآخرة على الصراط إلى الجنة دار السلام. وهو معنى قوله تعالى في النداء:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} ، وشئ آخر هو انه يغفر لهم ذنوبهم الماضية التي قبل الدخول في الإسلام، والحاضرة التي من الجائز أن يغشى المؤمن ذنبا من الذنوب وبالتوبة والاستغفار يغفر له، وإن لم يتب منه فإنه يغفر له يوم القيامة أو
يؤاخذ به فيعذب في النار ويخرج منها بإيمانه وصالح أعماله.
وقوله تعالى في ختام النداء: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم ٌ} ، فهو إذا سينجز لكم ما وعدكم من مغفرة ذنوبكم الماضية والحاضرة ويرحمكم في الدنيا والآخرة؛ لأنه غفور لذنوب عباده إن تابوا إليه رحيم بهم لا يعذبهم بدون ذنب اقترفوه، ولا سوء عملوه؟ ويشهد لصحته أن الكتابي إذا آمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ودخل في الإسلام يعطى أجره مضاعفا، وهو معنى {كِفْلَيْنِ} أي حظين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح:" ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بى فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم اعتقها وتزوجها فله أجران ".
وهناك أيها القارئ الكريم تفسير لهذه الآية، وهو أنها لنا نحن المؤمنين من عرب وعجم ومن مشركين وأهل كتاب فهي لكل مؤمن ومؤمنة بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا إذا فالنداء بعنوان الإيمان كغيره من نداءات الرحمن جميعها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إذ روى أن سعيد بن جبير قال لما أفتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى هذه الآية في حق هذه الأمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي نصيبين من رحمته. وزادهم {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يعنى هدى تبصرون به من العمى والجهالة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ففضلهم بالنور والمغفرة. رواه بن جرير. ومما يرجح هذا التفسير قوله تعالى بعد نهاية الآية:{لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، واللام في لئلا صلة لتقوية الكلام، لذا قرأها ابن مسعود لكي يعلم. وهى قراءة بالمعنى لا غير.. إذ قوله تعالى:{لِئَلَّا يَعْلَمَ ....} إلي آخره، كأنه قال: أعطينا عبادنا المؤمنين الصادقين من غير أهل الكتاب هذا الذي أعطيناهم من مضاعفة الأجر والنور يمشون به ليعلم أهل الكتاب المتبجحين أنهم لا يقدرون على منع شئ من فضل الله على أحد أراد الله إعطاءه إياه فلنذكر هذا فإنه علم عظيم زادنا الله وإياكم منه.
وسلام على المرسلين، والخمد لله رب العالمين