الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخذت بالعمران وصارت قرية كبيرة. وكانت بلدة قديمة لها حصن بناؤه بالحجر الأسود الصلد على سيف «1» البرّية. وكانت من كورة حمص وبلاد بني أسد وسميت باسم بانيها خناصرة بن عمر خليفة الأشرم صاحب الفيل. وفي خناصرة يقول عدي بن الرقاع العاملي وقد نزل بها الوليد بن عبد الملك ووفد عليه:
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه
…
فسقى خناصرة الأحصّ وزادها «2»
نزل الوليد بها فكان لأهلها
…
غيثا أغاث أنيسها وبلادها
نبذة في أخبار عمر بن عبد العزيز
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تديّر خناصرة «3» ، وتوفي سنة (101) في دير سمعان ودفن به. روي أن صاحب الدير دخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه بفاكهة أهداها له فأعطاه ثمنها فأبى الديراني أخذه. فلم يزل به عمر حتى قبض ثمنها ثم قال له عمر: يا ديراني بلغني أن هذا الموضع ملككم. فقال:
نعم. فقال: إني أحب أن تبيعني منه موضع قبر مدة سنة فإذا حال الحول فانتفع به.
فبكى الديراني وحزن وباعه موضع قبر بأربعين درهما فدفن به. ثم إن المسلمين اشتروا جميع الدير وأبقوه مدفنا لعمر رضي الله عنه وقال فيه بعض الشعراء يرثيه:
قد قلت إذ أودعوه الترب وانصرفوا:
…
لا يبعدنّ قوام العدل والدين
قد غيّبوا في ضريح الترب منفردا
…
بدير سمعان قسطاس الموازين
من لم يكن همّه عينا يفجّرها
…
ولا النخيل ولا ركض البراذين
وقال كثيّر «4» :
سقى ربّنا من دير سمعان حفرة
…
بها عمر الخيرات رهن، دفينها
صوابح من مزن ثقالا غواديا
…
دوالح دهما ما خضات دجونها
وقال جرير الخطفى:
ينعى النعاة «1» أمير المؤمنين لنا
…
يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له
…
وسرت فينا بحكم الله يا عمرا
فالشمس طالعة ليست بكاسفة
…
تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وقال الشريف الرضي «2» :
دير سمعان لا عدتك الغوادي
…
خير ميت من آل مروان ميتك
يا بن عبد العزيز لو بكت العين م
…
فتى من أمية لبكيتك
أنت طهّرتنا من السبّ والشتم م
…
فلو أمكن الجزاء جزيتك
ولعمري لقد زكوت وقد طبت م
…
وإن لم يطب ولم يزك بيتك
هكذا ساقها ابن الوردي وقد رأيت لها زيادة وهي:
ولو أني رأيت قبرك لاستحييت م
…
من أن أرى وما حيّيتك
دير سمعان فيك مأوى ابن حفص
…
فبودّي لو أنني قد أويتك «3»
أنت بالذكر بين عيني وقلبي
…
إن تدانيت منك أو إن نأيتك «4»
وعجيب أني قليت بني مروان م
…
طرا وأنني ما قليتك
قد نما العدل منك لما نأى الجور م
…
بهم فاجتويتهم واجتبيتك
فلو انّي «5» ملكت دفعا لما نابك م
…
من طارق الردى لافتديتك
ورثى الرضي هذا أبا إسحاق الصابي بقصيدة طنانة أولها:
أعلمت من حملوا على الأعواد
…
أرأيت كيف خبا ضياء الوادي
فقال ابن الوردي يعترض عليه ويندد به:
أقسمت ما قول الرضيّ بمرتضى
…
في الموضعين وقد يزلّ العاقل
أبمثل ذا يرثى كفور صابىء
…
وبمثل ذا يرثى الإمام العادل
قلت: ولو اطّلع ابن الوردي على ما أوردناه من الزيادة لما اعترض على الرضي. قيل إن بني أمية خافوا إن امتدت أيام عمر بن عبد العزيز أن يخرج الأمر عنهم إلى من يصلح فسمّوه. وكان عمر متحريا سنة الخلفاء الراشدين حتى عده الإمام الشافعي وغيره منهم.
ولما ولي الخلافة أبطل سب علي رضي الله عنه على المنابر وكتب إلى نوابه بإبطاله. ولما خطب يوم الجمعة أبدل السب في الخطبة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
…
إلى آخر الآية. فاستمر الخطباء على قراءتها إلى يومنا هذا. وفي ذلك يقول كثير:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف
…
بريا ولم تتبع سجيّة مجرم
وصدّقت بالفعل المقال مع الذي
…
أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم
هذان البيتان من قصيدة لها قصة لطيفة نوردها على طريق الفكاهة، وهي أن حماد الرواية «1» قال: قال لي كثير عزة ألا أخبرك عما دعاني إلى ترك الشعر. قلت: نعم.
قال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز وكل واحد منا يدل عليه بسابقة وإخاء قديم ونحن لا نشك أنا سيشركنا في خلافته فلما رفعت لنا أعلام خناصرة لقينا مسلمة بن عبد الملك وهو يومئذ فتى العرب فسلّمنا فردّ ثم قال: أما بلغكم أن إمامكم لا يقبل الشعر. قلنا ما توضّح لنا خبر حتى انتهينا إليك. ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا فوعدنا خيرا وقال متى رجعت إليكم منحتكم ما أنتم أهله.
فلما قدم كانت رحالنا عنده بأكرم منزل فأقمنا عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره فلا يؤذن لنا. إلى أن قلت في جمعة من تلك الجمع: لو أني دنوت من عمر فسمعت كلامه فحفظته كان ذلك رأيا. ففعلت فكان مما حفظت من كلامه: (لكل سفر زاد لا محالة فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه أو عقابه فترغبوا أو ترهبوا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو «2» قلوبكم
وتنقادوا لعدوّكم) . في كلام كثير لا أحفظه. ثم قال أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عيلتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينتفع فيه إلا الحق والصدق.
ثم بكى حتى ظننت أنه قاص نحبه. وارتجّ المسجد وما حوله بالبكاء.
وانصرفت إلى صاحبيّ فقلت لهما: خذا في شرح من الشعر «1» غير ما كنا نقول لعمر وآبائه فإن الرجل آخريّ وليس بدنيوي. إلى أن استأذن لنا مسلمة في يوم جمعة بعد ما أذن للعامة فلما دخلت سلمت ثم قلت يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلّت الفائدة وتحدّث بجفائك إيانا وفود العرب. قال: يا كثيّر إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. أفي واحد من هؤلاء أنت. قلت: بلى ابن سبيل منقطع به وأنا صاحبك. قال: ألست صاحب أبي سعيد.
قلت: بلى. قال: ما أرى ضيف أبي سعيد منقطعا به. قلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الإنشاد. قال: نعم، ولا تقل إلا حقا. فقلت:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف
…
بريا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدّقت بالفعل المقال مع الذي
…
أتيت فأمسى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه
…
من الأود الباقي ثقاف المقوّم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها
…
تراءى لك الدنيا بكف ومعصم «2»
وتومض أحيانا «3» بعين مريضة
…
وتبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما
…
سقتك مدوفا من سمام وعلقم
وقد كنت في أجبالها في ممنّع
…
ومن بحرها من مزبد الموج مفعم
وما زلت توّاقا إلى كل غاية
…
بلغت بها أعلى البناء المقوم
فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن
…
لطالب دنيا بعده من تقدّم
ومالك إذ كنت الخليفة مانع
…
سوى الله من مال رعيت ودرهم
تركت الذي يفنى وإن كان رونقا
…
وآثرت ما يبقى برأي مصمّم «4»
وأضررت بالفاني وشمّرت للذي
…
أمامك في يوم من الشرّ مظلم
سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق
…
بلغت به أعلى المعالي بسلّم
فما بين شرق الأرض والغرب كلّها
…
مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتني
…
لأخذ لدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كف لامرىء غير مسلم
…
ولا السفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسّموا
…
لك الشطر من أعمارهم غير ندّم
فأربح بها من صفقة لمبايع «1»
…
وأعظم بها واعظم «2» بها ثم أعظم
قال: فأقبل عليّ وقال إنك مسئول عما قلت. ثم تقدم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد فقال: قل ولا تقل إلا حقا. فأنشده القصيدة التي مطلعها:
وما الشعر إلا حكمة من مؤلّف
…
لمنطق حق أو لمنطق باطل
ولا تقبلن إلا الذي وافق الرضا
…
ولا ترجعنا كالنساء الأرامل
فلما أتمها قال له إنك مسئول عما قلت. ثم تقدم نصيب فاستأذنه في الإنشاد فلم يأذن له وأمره بالغزو إلى دابق فخرج إليها وهو محموم وأمر لي بثلاثمائة وللأحوص بمثلها ولنصيب بمائة وخمسين. اه.
قلت: ومما يورد له في هذا الباب أنه لما استخلف وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله فأقاموا ببابه أياما لا يأذن لهم بالدخول حتى قدم عدي بن أرطاة على عمر بن عبد العزيز وكانت له منه مكانة فقال جرير:
يا أيها الرجل المزجي مطيّته
…
هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
…
أني لدى الباب كالمصفود في قرن
وحش المكانة من أهلي ومن ولدي
…
نائي المحلّة عن داري وعن وطني
قال نعم يا أبا حزرة ونعمى عين. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين إن الشعراء ببابك وأقوالهم باقية وسنانهم مشهورة. قال: يا عدي مالي وللشعراء. قال: يا أمير
المؤمنين إن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح وأعطى وفيه أسوة لكل مسلم. قال: ومن مدحه؟ قال:
عباس بن مرداس، فكساه حلّة وقطع بها لسانه. قال: وتروي قوله؟ قال نعم:
رأيتك يا خير البرية كلّها
…
نشرت كتابا جاء بالحق معلما
ونوّرت بالبرهان أمرا مدمّسا
…
وأطفأت «1» بالبرهان نارا مضرّما
فمن مبلغ عني النبيّ محمدا
…
وكل امرئ «2» يجزى بما قد تكلما
تعالى علوا فوق عرش إلهنا
…
وكان مكان الله أعلى وأعظما
قال: صدقت فمن بالباب قال ابن عمك عمر بن ربيعة «3» قال لا قرّب الله قرابته ولا حيّا «4» وجهه أليس هو القائل:
ألا ليت أني يوم حانت منيّتي
…
شممت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله
…
وليت حنوطي من مشاشك والدم
ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي
…
هنالك، أو في جنة، أو جهنم
فليت والله تمنى لقائلها في الدنيا وعمل صالحا والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غير من ذكرت. قلت: جميل بن معمر العذري قال هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت
…
يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب
…
إذا قيل قد سوّي عليها صفيحها
أظلّ نهاري لا أراها ويلتقي
…
مع الليل روحي في المنام وروحها
اعزب به فو الله لا دخل علي أبدا فمن بالباب غير من ذكرت. قال: كثيّر عزة.
قال: هو الذي يقول:
الله بيني وبين سيّدها
…
يفرّ عني بها وأتبع
اعزب به فمن بالباب غير من ذكرت. قال: همام بن غالب الفرزدق قال: أليس هو القائل يفخر بالزنى:
هما دلّتاني «1» من ثمانين قامة
…
كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا
…
أحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره
وأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت
…
مغلّقة «2» دوني عليها دساكره
فقلت ارفعوا الأحراس لا يشعروا بنا
…
وولّيت في أعقاب ليل أبادره
اعزب به فو الله لا دخلي علي أبدا فمن بالباب غير من ذكرت. قلت: الأخطل التغلبي. قال: أليس هو القائل:
فلست بصائم رمضان عمري
…
ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنا بكورا
…
إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير أدعو
…
قبيل الصبح حيّ على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا
…
وأسجد عند منبلج الصباح
اعزب به فو الله لا وطئ لي بساطا أبدا، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير ابن الخطفى قال: أليس هو القائل:
لولا مراقبة العيون أريننا
…
مقل المها وسوالف الآرام
هل ينهينّك أن قتلن مرقشا
…
أو ما فعلن بعروة بن حزام
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى
…
والعيش بعد أولئك الأقوام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
…
وقت الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهذا فأذن له فخرجت إليه فقلت: ادخل أبا حزرة فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبيّ محمدا
…
جعل الخلافة في إمام عادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه
…
حتى ارعوى وأقام ميل المائل
والله أنزل في القران فضيلة
…
لابن السبيل وللفقير العائل
إني لأرجو منك خيرا عاجلا
…
والنفس مولعة بحب العاجل
فلما مثل بين يديه قال: اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقا فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة
…
ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممّن يعدّك تكفي فقد والده
…
كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به
…
خبلا من الجن أو مسّا من البشر
خليفة الله ماذا تأمرنّ بنا
…
لسنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زات بعدك في همّ يؤرّقني
…
قد طال في الحيّ إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا
…
ولا يعود لنا باد على حضر
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا
…
من الخليفة ما نرجو من المطر
أتى الخلافة أو كانت له قدرا
…
كما أتى ربّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها
…
فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
قال: يا جرير والله لقد وليت هذا الأمر وما أملك إلا ثلاثمائة: فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله. يا غلام أعطه المائة الباقية. فقال والله يا أمير المؤمنين إنها لأحبّ مال كسبته إليّ. ثم خرج فقالوا له: ما وراءك قال: ما يسوءكم خرجت من عند أمير المؤمنين يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض. ثم أنشأ يقول:
رأت رقى الشيطان لا تستفزّه «1»
…
وقد كان شيطاني من الجن راقيا
وكان مولد عمر رضي الله عنه بحلوان لما كان أبوه واليا على مصر سنة (60) وجده مروان بن الحكم. وكان عمر أبيض رقيق الوجه جيده نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين بجبهته أثر حافر دابة ولذلك سمي أشجّ بني أمية وخطه الشيب.
وكان قبل أن يلي الخلافة يبالغ في التنعم ويفرط في الاختيال في المشية وكان لعمر غلام يقال له درهم يحتطب له فقال له يوما ما يقول الناس يا درهم. قال: ما يقولون، الناس كلهم بخير وأنا وأنت بشرّ. قال وكيف ذلك قال عهدتك قبل الخلافة عطرا لباسا فاره
المركب طيب الطعام فلما وليت رجوت أن أستريح وأتخلص فزاد عملي شدة وصرت أنت في بلاء. قال: فأنت حر فاذهب عني ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجا.
قال أنس رضي الله عنه ما صليت خلف إمام أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى عمر بن عبد العزيز. وسئل عنه محمد بن علي بن الحسين فقال: إنه نجيب بني أمية يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال بعض أهل العلم كانت العلماء معه تلامذة وقد عمل له ابن الجوزي سيرة في مجلد كبير بقي عند قبره زمنا طويلا. ولما مرض مرض وفاته قيل له لو تداويت. قال لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها. نعم المذهوب إليه ربي.
وكان سائرا على سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد بلغ من الزهد والميل عن الدنيا مبلغهما وكان قبل خلافته إذا اشتري له ثوب بخمسمائة يستخشنه فلما صار خليفة اشتري له ثوب بثمانية فاستلانه. قال مسلمة ابن عبد الملك دخلت على عمر في مرض موته أعوده فإذا عليه قميص وسخ فقلت لامرأته فاطمة وكانت أخت مسلمة اغسلوا ثياب أمير المؤمنين فقالت نفعل ثم عدت فإذا القميص على حاله فقلت ألم آمركم أن تغسلوا قميصه.
فقالت والله ما له غيره.
قيل: وكانت نفقته كل يوم درهمين من ماله. ولما ولي الخلافة أتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها فأمر بها فبيعت وجعل ثمنها في بيت المال وقال تكفيني بغلتي. قالت فاطمة زوجته: دخلت عليه وهو في مصلاه ودموعه تجري على لحيته فقلت أحدث شيء فقال إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والغازي والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثيرة والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة وخصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم إلى الله فخشيت أن لا تثبت حجتي عند الخصومة فرحمت نفسي فبكيت. ولما رد إقطاعه الذي ورثه من آبائه لأربابه قيل له: فكيف تصنع بولدك. فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله.
ومن العجيب أن ابنه عبد الملك بن عمر كان على سيرته في الزهد وجب العدل.
ولما مرض ابنه هذا مرض الموت دخل عليه أبوه عمر فقال له يا بني كيف تجدك. قال:
أجدني في الحق. قال: يا بني إن تكن في ميزاني أحب إلي أن أكون في ميزانك فقال له ابنه يا أباه لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فمات في مرضه وله سبع