الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مداركه وإحساساته ومشاعره تصور أعباء القيام بحق ما اختير له رسولاً .. خشي ألا يقوى على القيام بحق تبليغ رسالته، وخشي أن يشغله ما سيقع بينه وبين الناس حين يدعوهم إلى الله، وإلى هديه -وهم على ما هم عليه من ضلالة ضالة- عن مطالعات تجليات شهود جلال الله، والاستغراق في كماله العلي، بعد ما تذوّق بروحانيته الخاصة الوليدة في جو المفاجآت، بميلاد رسالته حلاوة هذا الشهود .. كل أولئك يرجح القول السادس، ويليه الثامن، ثم السابع!
39 - وهم للزرقاني:
وجاء في شرح الزرقاني ذكر القول في بيان المراد بالخشية (1):
ثالثها: خشي الموت من شدة الرعب!
رابعها: تعييرهم إياه!
قال: قال الحافظ: وهذان أولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب!
قلت: وهذا خلاف ما صرح به الحافظ ابن حجر -كما سبق- وقد نقلنا قوله!
التاسع: وأما عن القول التاسع، وهو أن يقتله قومه إذا بلغهم رسالة ربه، وإن كان عالماً بأن ما جاء به من ربه -فلا غرو- وإن كان سيد أهل اليقين؛ لأن ذلك مما يرجع للطبع -كما جاء في شرح الزرقاني- فإنه بشر يخشى من القتل والأذية كما يخشى البشر، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة، قاله في الروض (2)!
(1) شرح الزرقاني: 1: 217، وانظر: إكمال إكمال المعلم: 1: 284 - 285.
(2)
شرح الزرقاني: 1: 217، والروض الأنف: 1: 275.
العاشر: وأما عن القول العاشر: وهو مفارقة الوطن (1)، فهذا مما يمكن أن يكون قد دار في خلد الرسول صلى الله عليه وسلم وألم بخاطره، فإن مجيئه لقومه بما يخالف ما هم عاكفون عليه، منغمسون في حمأته من وثنية، وعادات فاسدة، وأخلاق مرذولة، ونظم ظالمة، يجعلهم يضيقون به وبوجوده بينهم، ليغير حياتهم الجاهليّة، وينقلهم إلى حياة مباركة طيبة، تباعد بينهم وبين هذا الفساد الذي ألفوه وارتضوه لحياتهم وعاشوا به فلا أقل من محاولة التخلص بإبعاده عنهم، وإخراجه من بلده، وذلك من أشق ما يكون على النفس، بدليل ما جاء في الحديث من قول ورقة:(يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيًّا إِذ يخرجك قومك)!
واستبعد النبي صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا- أن يخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، فقال متعجباً:"أو مخرجيّ هم؟ "!
الحادي عشر: وأما عن القول الحادي عشر، وهو تكذيبهم إياه، فهذا أمر طبيعي الوقوع!
الثاني عشر: وأما عن القول الأخير: وهو تعييرهم إياه، فهو لا محصل له؛ لأن خشية التعيير لا تكون إذا كان بأمر معيب، يسوء الإنسان في أخلاقه وسلوكه، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى قومه، وأتى العالمين برسالة خالدة كاملة، فبم يعيّرونه حتى يخشى هذا التعيير؟!
ولا يمكن أن يقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان على معنى مجرد مخالفتهم لما كانوا عليه من سوء العقيدة ورذائل العادات التي ألفوها، وأصبح من العسير عليهم خروجهم منها!
(1) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 342 - 343 بتصرف.